الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 عمل المسيح-2

بهذه الطريقة أًعد يسوع لخدمته الجهارية وممارسة وظائفه. والوظيفة النبوية، بين وظائفه الثلاث، هي التي نالها التركيز الأكثر خلال تلك الفترة الأولى. في الحقيقة أنه بعد أن مارس المسيح خدمته العلنية قابله الشعب لا باعتباره معلماً (رابياً أو سيداً) وحسب، بل رحبوا به أيضاً بوصفه نبياً. وفي أعقاب إقامته ابن أرملة نايين، هتف الجمع قائلاً : قد قام فينا نبياً عظيم، وافتقد الله شعبه (لو 16:7). وهكذا ظلت الحال على هذه الصورة إلى أخر حياته. أعتبره كثيرون نبياً، بسبب أقواله وأعماله مع أنهم لم تكن لديهم أدنى فكرة على الإطلاق عن وظيفتيه الأُخريين، الكهنوتية والملكية، أو حتى لو كانوا على النقيض منكرين لهما. وبالحقيقة أن المسيح من حيث كونه نبياً، أي شخصاً قادراً على تعليمنا ما يتعلق بالله وبالأمور الإلهية هو أفضل مما يستطيعه سواه، مازال حتى يومنا هذا يحظى بالإكرام من لدى الذين يعلقون على الدين أيّة أهمية مهما كانت. غير أن هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم يناهضون فكرة كون المسيح كاهناً وملكاً باعتباره مفهوماً يهودياً بالياً. حتى أن القرآن يعزو إليه هذا المقام الشريف.

على أن المسيح نفسه أراد أن يكون نبياً بمعنىً آخر يختلف عن ذالك الذي اعتبره به اليهود نبياً. فلما عاد إلى الجليل، بعد أن تعمّد على يد يوحنا وجُرب في البرية، أظهر نفسه علناً بعد ذلك في المجمع بالناصرة، حيث طبق على نفسه النبوة الواردة في إشعياء 1:11. فقد كان روح الرب عليه ليبشر المساكين ويشفي منكسري القلوب (لو 16:4 وما يليها). وهو لم يقدم نفسه نبياً مساوياً الآخرين، بل بالأحرى أسمى منهم كثيراً. فقد كان الأنبياء الأقدمون عبيداً للرب، أما هو فإنه الابن (مت 37:21). وهو السيد الوحيد (مت 8:23، 10 ؛ يو 13:13، 14). صحيح أنه يشترك مع سائر الأنبياء في مواهب الدعوة والمسحة، وإعلان كلمة الله والكرازة بها، والتنبؤ والقدرة المعجزية. ولكنه مع ذلك يسمو عليهم جميعاً، وهو متقدم عليهم. فإن دعوته ومسحته ترجع إلى الأزل، كما أن تخصيصه وإعداده بدأا باكراً عن الحبل به من الروح القدس. وعند معموديته نال الروح القدس بغير حد، وحياه صوت من السماء بوصفه الابن الحبيب الذي سرّ به الآب. وبالحقيقة أنه لم يتلق إعلانات موسمية بين الفينة والفينة، بل بالأحرى هو نفسه الإعلان الكامل لله، والكلمة الذي كان عند الله وكان هو صار الله وصار جسداً، وقد كان في حضن الآب وهو دائماً فيه. وفي حياته كلها لم يقل أو يفعل شيئاً غير ما أخذ وصية بشأنه. وبالتالي. فإن ما قدمه لم يكن جزءاً من الإعلان ينبغي أن يوضحه سواه في ما بعد، بل إنه هو دفعة واحدة الإعلان الكامل لله، والشخص الذي يتم ويختتم كل نبوة سابقة. وعليه، فإن الله – بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة – تكلم في هذه الأيام الأخيرة في ابنه (عب 1:1). وفي الواقع أن النبوة التي حصلت من الآباء في التدبير القديم تدين له بالفضل؛ ذلك أن روح المسيح هو الذي شهد في الأنبياء (1بطرس 11:1)، كما أن المسيح كان هو مضمون تلك الشهادة (رؤ 10:19).

إذاً، كانت كرازة المسيح بمفهوم أعمق إعلاناً ذاتياً – فقد كانت إعلاناً لذاته وعمله بمفهوم أعمق. ولما أظهر ذاته علناً، جعل يوحنا المعمدان وأنبياء العهد القديم نقطة انطلاقه : قد اقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مت 2:3 ؛ 17:4). ولكن الأنبياء الأقدمين ويوحنا المعمدان إنما كانوا معلني قدومه، وقد رأوا ملكوت الله العتيد (مت 10:11، 11). على أن الزمان قد كمل، وفي شخص المسيح نزل ملكوت الله على الأرض. حقاً أن الله هو الملك والآب في هذا الملكوت (مت 16:5، 35، 45). ولكن الآب دفعه إلى المسيح كي يعطيه، بحسب مسرة الآب، لتلاميذه.

وقد كشف المسيح في كرازته، مصدر ذلك الملكوت وطبيعته، والطريق المؤدي إليه، والخيرات التي يشتمل عليها، وتطوره التدريجي، واكتماله النهائي. وهو لم يفعل ذلك عن طريق الجدل الفلسفي أو الخطابات اللاهوتية، بل بالأمثال الرمزية. وقد استعار صوره البيانية من الظواهر الطبيعية، أو عن وقائع الحياة اليومية العملية، وكلم الجموع دائما بطريقة نابضة بالحياة والحركة وتتيح لهم أن يسمعوا ويفهموا (مر 33:4). على أنه لما لم يفهم كثيرون كلامه رغم ذلك، أو استثنوا أنفسهم منه، كان ذلك دليلاً على قساوة قلوبهم، وعلى مسرّة الآب الذي أخفى هذه الأمور المختصة بالملكوت عن الحكماء والفهماء وأعلنها للأطفال (مت 25:11 ؛ 13:13 – 15). غير أن كلماته بحد ذاتها كانت بسيطة وسهلة الفهم دائماً، مع أنها تناولت أعمق أسرار ملكوت الله. ذلك لأن المسيح، من حيث كونه في شخصه الابن والوارث، هو نفسه مالكاً هذه الأسرار ومعلنها ومفسرها أيضاً. فهو، في ظهوره، وفي أقواله وأعماله، أعلن لنا الآب (يو 18:1). ومن رآه فقد رأى الآب (يو 9:14).

فالكلمة التي كرز بها المسيح إذاً لم تكن في مضمونها سوى ما أُعلن في أيام العهد القديم. وقد اشتملت على الشريعة والبشارة معاً، لكن المسيح لم يكن مشترعاً جديداً وسّع وحسّن ناموس الله المعطى في العهد القديم. ثم إن البشارة التي كرز بها المسيح ما كانت غير تلك التي أعلنها الله منذ جنة عدن. فالمسيح لم يأتي إلى الأرض لينقض الناموس أو الأنبياء بل ليكمل (مت 17:5). وهو قد أكمل بتطهير الناموس والأنبياء من التفسيرات الخاطئة والإضافات البشرية، وبالإتيان بمضمون الناموس والأنبياء إلى تحقيقه الأوفى في شخصه وعمله. من هنا وقفة المسيح في علاقة بالناموس تختلف عن وقفة موسى، وفي علاقة بالبشارة، فالنعمة والحق بيسوع المسيح صارا (يو 17:1) وقد حمل موسى الناموس بين يديه على لوحي حجر، وفي ذلك كان الأنبياء بالحقيقة كارزين بالبشارة، غير أنهم لم يكونوا هم أنفسهم موضوع البشارة. غير أن المسيح حمل الناموس داخل أحشائه، وتمم مشيئة الآب على النحو الأكمل دون أي نقص على الإطلاق؛ وهو لم يكن فقط معلناً للبشارة بل كان أيضاً مضمونها، لكونه العطيّة العظمى التي أعطاها الله للعالم. فالنعمة والحق صارا بيسوع المسيح، وهما لا يمكن أن يُفصلا عن شخصه.

***************

هذا، وأعمال المسيح تصحب أقواله وتؤيدها. ولهذه الأعمال أيضاً علاقة بأعمال المسيح وإتمام لمشيئة الآب (يو 34:4). فهو لم يقم بها من تلقاء ذاته، بل إن الآب دفع كل شيء إلى يده (مت 27:11 ؛ يو 35:3)، والابن لم يفعل شيئاً غير ما رأى الآب أن يفعله (يو 19:5). فالآب الحال في الابن، هو نفسه، عمل هذه الأعمال (يو 10:14). وكما كانت الأعمال الإلهية المصدر، فكذلك كانت ذات صفة إلهية، ليس فقط لإنها معجزات تخالف مجرى الطبيعة العادي، بل أيضاً لأنها غير مألوفة ولم يكن الآخرون ليقومون بها. فبينما تصرف الآخرون دائماً بموجب إرادتهم الخاصة، لم يسع المسيح قط إلى مصلحته الشخصية، ولا رضاه الذاتي (رو 3:15). ولكنه بدلاً من ذلك تمم مشيئة الآب منكراً نفسه. ورغم كل شيء، تحتل المعجزات مكانة همامة بين سائر تلك الأعمال. فهي – من جهة – علامات وبيّنات على إرسال الله له وتأييده إياه بقوته، وهي – من جهة أخرى – أعمال قُصد بها سد حاجات الإنسان الجسدية والروحية. ذلك أن معجزات المسيح كلها هي معجزات فداء وشفاء، ولذلك فهي تتعلق بممارسته لوظيفته الكهنوتية.

وهذا واضح بجلاء من الحدود التي فرضها المسيح نفسه على قيامه بالمعجزات. ففي البرية قاوم تجربة الشيطان له بأن يستخدم قدرته الإلهية لأجل مصلحته الخاصة. وكذلك صد هذه التجربة طوال حياته، مع أنه ينطبق على خدمته العلنية كلها ما قاله في بستان جثسيماني من أنه يستطيع أن يطلب إلى أبيه فيقدم له أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة (مت 53:26). وقد رفض مرة بعد الأخرى، أيجري المعجزات لإشباع فضول الناس، من النادر أن يرى حداً للإعلان في ما يلاقيه من عدم إيمان (مت 58:13). وكم مرة أيضاً أصدر إلى الذين شفاهم بمعجزة أمراً بألا يقولوا شيئاً عن ذلك (مر 34:1، 44 ؛ 12:3). فهو لم يشأ أن يغذي الأفكار المغلوطة حول المسيّا والتي كان ممكناً أن تعززها أعماله.

ثم إن الأعمال التي عملها المسيح كانت بالفعل ذات وظيفة كهنوتية لهذا السبب أيضاً : أنها عبرت بصورة ظاهرة عن حنانه ورحمته فعن هذا الأمر نقرأ مراراً وتكراراً، ويرى البشير متّى في حوادث الشفاء هذه إتماماً لنبوءة إشعياء حيث قال إنه هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا (مت 17:8). وفي موضع آخر تُقتبس هذه النبوة بالإشارة إلى موت المسيح الذي به كفّر عن خطايانا (يو 29:1 ؛ 1بط 24:2). على أن الخطية والمرض يترافقان. فالمسيح، بوصفه رئيس الكهنة الرحيم، لم ينزع عنا خطايانا فقط بل أزال بذلك أيضاً عِلّة كلّ شقائنا. وهو يقدم الدليل الحاسم على حقيقة كونه قادراً على افتدائنا من كل شقائنا، في جميع المعجزات التي أجراها من طرد للأرواح الشريرة، وشفاء للعمي والصم، والمفلوجين والعرج، وإقامة للأموات، وإخضاع لقوى الطبيعة. فليس من ذنب هائل، ولا خطية مهما كانت، ولا شقاء أيّاً كان عمقه، إلا وهو قادر على نزعه برحمته الكهنوتية وقدرته الملوكية.

إن عمل الكهنوتية معبر عنه طبعاً، على نحوٍ أخص، في آلامه الأخيرة وموته، ولكونه بذل نفسه فديةً عن كثيرين هو إتمام للخدمة التي جاء إلى الأرض من أجلها والتي أنجزها طوال حياته (مت 28:20) فباعتباره حمل الله كان رافعاً لخطية العالم كل حين. وقد ابتدأ اتضاعه عند تجسده، وكان في حياة طاعة دائمة مقرونة بالآلام، واكتمل بموته على الصليب (في 8:2 ؛ عب 8:5). فمن قبل الآب تعيّن المسيح كاهناً، ونبياً أيضاً. وكما قام بوظيفته النبوية، فكذلك أيضاً بالتمام أكمل وظيفته الكهنوتية طوال حياته.

ومع ذلك يلاحظ أن المسيح لا يسمى كاهناً إلا في الرسالة إلى العبرانيين بين أسفار العهد الجديد كله. صحيح أن حياته وموته يعرضان مراراً وتكراراً كذبيحة محرقة لله، غير أن الاسم بعينه لا يستعمل إلا في العبرانيين. ولهذا الأمر سبب وجيه. يقيناً أن المسيح هو كاهن، ولكنه كاهن بمعنى مختلف كلياً عن كهنة العهد القديم تحت شريعة موسى. فإن أولئك جاءوا من نسل هارون وسبط لاوي. وقد كانوا كهنة فقط، لا أنبياء وملوكاً في الوقت نفسه. وعاشوا وخدموا فترة قصيرة كان واجبهم بعدها أن يخلفهم آخرون. وكانوا يقدمون ذبائح من الكباش والتيوس التي لا تقدر البتة أن تزيل الخطية. إلا أن حال المسيح ليست هكذا. فهو طلع من سبط يهوذا، ولم يكن له أن يطالب بالكهنوت حسب نظام العهد القديم.

وعليه، فبحسب الرسالة إلى العبرانيين لم يكن المسيح كاهناً على رتبة هارون، بل على رتبة ملكي صادق، الأمر الذي سبق أن أًنبئ به في المزمور 110 : أن المسيح سيكون كاهناً يجمع في نفسه مقام الملك الرفيع ووظيفة الكهنوت ويظل كاهناً إلى الأبد. هذه الفكرة تتوسع فيها الرسالة إلى العبرانيين وتورد الحجج القاطعة على أن المسيح كاهن على رتبة ملك صادق، لا على رتبة هارون. وذلك لأن ملك في الوقت عينه؛ ولأنه كلي البر وعديم الخطية – لكونه ملك البر؛ ولأنه يظل كاهناً على الدوام ولا يخلفه آخر؛ ولأنه قدم ذبيحةً في جسده الخاص ودمه، لا دم تيوس وعجول؛ ولأنه بهذه الذبيحة حقق لشعبه خلاصاً كاملاً؛ وأخيراً لأنه بذلك أوجد سلاماً أبدياً، وهو ملك السلام (عب 11:7 إلخ...). والتحريض العملي المبني على هذا كله، والموجه إلى المسيحيين الذين كانوا يهوداً في الأصل، وقد كانوا عرضة لخطر الارتداد، هو أنه ليس من سبب واحد يسوّغ لهم الرجوع، بل هم بالأحرى مدعون إلى التقدم(1:6). فقد تم في المسيح، كلياً وإلى الأبد، كل ما كان مزموراً إليه بكهنة العهد القديم، وذبائحهم وصلواتهم التشفيعية، في سبيل إعطاء الشعب حق التقدم إلى حضرة الله. إذ كرس المسيح طريقاًَ حديثاً حياً إلى الحياة الأبدية، يستطيع المسيحيون أن يتقدموا بواسطته إلى عرش النعمة بكل ثقة وبيقين الإيمان (16:4 ؛ 19:10 وما يليها).

***************