الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 عمل المسيح-3

وكما أن وظيفة المسيح الكهنوتية مرتبطة بوظيفته النبوية، فكذلك تماماً هي مرتبطة بوظيفته الملكية أوثق ارتباط. فمن الخصائص المميزة لوظيفة المسيح الكهنوتية ارتباطها بملكوته (مز 4:110 ؛ عب 17:7). وعلى كل حال، كانت دعوة شعب العهد القديم أن يكونوا مملكة كهنة (خر 6:19). ومع أن هذه الوظائف في إسرائيل كانت متمايزة، فقد سبقت النبوة فأشارت إلى أن المسيح،  الغصن الذي من مكانه ينبت ويبني هيكل الرب، سوف يحمل الجلال (الملكي) ويجلس ويتسلط على عرشه. فالمسيّا، الجامع في شخصه وظيفتي الملكوت والكهنوت، سيحقق بهذا الجمع السلام الكامل الذي يحتاج إليه شعبه (زك 13:12:6).

وتكتسب وظيفة المسيح الملكية من ارتباطها بكهنوته صفةً خاصةً مميزة. نعم، كان لابد أن يأتي من بيت داود (2صم 16:7)، ولكن في زمن فيه يكون بيت داود قد ترّدى في هوة الانحطاط (مي 1:5) ولسوف يكون ملكاً عادلاً مزوداً بخلاص الله، لكنه أيضاً سيكون وديعاً، وعلامةً على اتضاعه سيأتي راكباً على حمار – على جحش ابن أتان (زك 9:9). وكما أن المسيّا عند ظهوره لن يستعرض مجداً أرضياً وقوة دنيوية، فكذلك تماماً لن يؤسس ملكوته أيضاً بالعنف والسلاح. بل إنه في الحقيقة في ذاك اليوم يقطع المركبة من أفرايم، والفرس من أورشليم، وتقطع قوس الحرب، ويتكلم بالسلام إلى الأمم، وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاسي الأرض (زك 10:9 ؛ قارن مز 72).

هذه النبوة عن المسيّا الآتي تمت بكاملها في المسيح. فالعهد الجديد يفيد، دائماً وبتشديد، أنه من بيت داود، وأنه بفضل شريعة الملك في إسرائيل يحق له أن يعتلي عرشه. فسلسلتا النسب كلتاهما (مت 1 ولو 3) تسميانه "ابن داود". وقد أعلن الملك لمريم أن الله سيعطي ابنها، الذي يدعى ابن العلىّ، عرش داود أبيه، ويجعله ملكاً على بيت داود إلى الأبد (لو 32:1، 33). ومعترفاً به عموماً أنه ابن داود. وبتحدره هذا من نسل داود ترتبط فكرة كونه ملكاً وصاحب ملك وصاحب حق في الملك (لو 42:23).

على أنه ملك بمعنىً يختلف عما توقعه يهود ذلك الزمان من مخلصهم. فهو لم يشر قط بحقوقه الشرعية في عرش داود أبيه، لا أمام رؤساء الشعب اليهودي ولا أمام الملك هيرودس ولا أمام قيصر روما. وقد قاوم تجربة إحراز السيطرة على العالم بواسطة القوى العالمية (مت 8:4 – 10). ولما حاول الجمهور، بعد معجزة إشباع الآلاف، أن يجعلوه ملكاً، مضي من بينهم واعتزل في الجبل للصلاة (يو 15:6 ؛ مت 23:14). حقاً أنه أظهر سلطانه الملوكي دائماً، ولكنه لم يفعل ذلك في استعراض السلطة كما يفعل رؤساء الأمم، بل في الخدمة وفي بذل نفسه فديةً عن كثيرين (مت 25:20 – 28). وقد تم التعبير في كونه ملكاً بالسلطة التي بها تكلم، وأعلن قوانينه المختصة بملكوت السماوات، وأخضع لنفسه قوى الطبيعة، وأمر المرض والموت بالكف عن العمل، وبذل حياته على الصليب لكي يعود ويستردها، وسوف يدين الأحياء والأموات فعلاً بوصفه الملك والقاضي.

ولكن هذه الأهمية الروحية التي يضفيها المسيح على ملكوته، وفقاً لنبوة العهد القديم، ينبغي ألا تغرينا بأن نظن أنه ليس ملكاً بالفعل وأنه يجب أن يعطى هذا اللقب بمعنىً مجازيّ فقط. فكما أنه كاهن أفضل من كهنة العهد القديم لكونه كاهناً على رتبة ملكيصادق، لا على رتبة هارون، فهكذا أيضاً هو ملك أفضل، بكل معنى الكلمة، لأنه ملك يختلف عن رؤساء الأمم. إنه الملك الحقيقي فعلاً، وليس ملوك الأرض ملوكاً إلا بالصورة والشبه. فهو ملك الملوك، ورئيس ملوك الأرض، والملك الذي يملك، داخلياً وخارجياً، روحياً ومادياً، في السماء وعلى الأرض، إلى جميع أقاصي الأرض وعلى مدى الدهور.

فالمسيح لا يتنازل البتة، لا من أجل إله ولا إنسان، عن أي جزء من أي حق من حقوقه الشرعية في هذا الملكوت الكامل والأبدي. وفي أيام تجسده على الأرض لم يتخلَّ قط أيضاً عن أي حق من حقوقه الإلهية أو الإنسانية. لم يحاول الحصول على حقوقه بالقوة والعنف، بل أراد بلوغها فقط عن طريق الطاعة الكاملة لله. لكنه بعمله هذا عزز مطالبه. فقد برهن اتضاعه أنه ابن الله ولذا يجب أن يكون أيضاً هو الوارث لكل شيء.

ولكي يبين أنه الملك حقاً، جعل دخوله الظافر إلى أورشليم في يوم الأحد الذي يتصدر أسبوع الآلام. فلم يعد الآن من خطر أن يساء فهم ملكوته. ذلك أن خلفه الآن حياة خدمة وطاعة صد بها كل قوة أو سلطة أرضية بعيدة عن ذاته. وقد بلغت الآن عداوة الشعب ذروتها له، وفي أواخر ذلك الأسبوع سيلقون عليه أيادي أثيمة ويقدمونه فريسة للموت. ومع أنه كان قد رفض في السابق محاولة جعله ملكاً، قام الآن بمبادرة دخوله الملكي إلى أورشليم (مت 1:22). فقد كان ينبغي أن يعلن مرة أخرى، قبل موته وأمام جميع الناس جهاراً، أنه هو المسيّا المرسل من الله والمولود من نسل داود. وقد قام بهذا الإعلان وفقاً للنبوءة المتحدثة عن ملك آيً يكون وديعاً وراكباً على حمار، على جحش ابن أتان. وبسبب كونه المسيّا، فحقاً إنه كان ملكاً (مت 11:27). وقد شهد أيضاً هذه الحقيقة مرةً أخرى العنوان الذي كُتب فوق الصليب، وإن كان مخالفاً لرغبات اليهود بالإجماع (يو 19:19 – 22).

***************

مجمل حياة المسيح، بسائر نشاطاتها النبوية والملكية والكهنوتية قد بلغت ذروتها بموته. فالموت هنا إتمام للحياة. إذ أن المسيح جاء ليموت. وقد كان هو نفسه مدركاً لهذا تمام الإدراك. ففي ظهوره العلني الأول في مجمع الناصرة سبق فطبق على نفسه النبوة المختصة بعبد الرب المتألم (لو 16:4 وما يليها)، ولذلك كان على علم تام بحقيقة كونه سيساق كنعجة إلى الذبح. فهو الحمل الذي يرفع خطية العالم (يو 29:1). وكان لا بد أن ينقض هيكل جسده ولكن بعد ثلاثة أيام يقام (يو 19:2). وكما رفع موسى الحية في البرية، فكذلك – بحسب مشورة الله – ينبغي أن يُعلق ابن الإنسان على الصليب (يو 14:3 ؛ قارن 32:12، 33). وهو حبة الحنطة التي كان ينبغي أن تقع في الأرض وتموت لكي تأتي بثمر (يو 24:12).

وهكذا أشار المسيح منذ بدء خدمته الجهارية، بالتشبيه والأمثال، إلى أن الموت سيكون خاتمة حياته. وكلما دنا موعد تلك النهاية، عبر عن هذه الحقيقة على نحوٍ أوضح وأصرح. وخصوصاً بعدما اعترف بطرس، ممثلاً جميع الرسل، في تلك اللحظة الحاسمة في قيصرية فيلبس، بيسوع أنه ابن الله الحي، بدأ المسيح يبين لهم أنه ينبغي أن يصعد إلى أورشليم، ويتألم كثيراً على أيدي الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم (مت 21:16). ولم يفهم التلاميذ ذلك، ولم يريدوا مواجهته. حتى إن بطرس انتحى به جانباً، وبكل ثقة شرع ينهره، قائلاً : حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا ! غير أن الربّ يسوع رأى في هذا الكلام تجربة له فردّ بقسوة : اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس (مت 22:16، 23). وقد حظي هذا الثبات من جانب المسيح في تسليم نفسه للموت بالرضا الإلهي، بعد ذلك بأيام قليلة على جبل التجلي. فكان صعوده إلى أورشليم موافقاً لمعنى الناموس والأنبياء (موسى وإيليا) ولمشيئة الآب. وما برح هو الابن الحبيب الذي سرّ به الآب جداً. وما كان بالتلاميذ أن ينهروه كما فعل بطرس بل أن يخضعوا له وأن يسمعوا (مت 1:17 – 8).

ومع ذلك لم يكن هذا الموت شيئاً سعى إليه المسيح عنوةً. فهو لم يدعُ الفريسيين والكتبة تحدياً كي يلقوا أياديهم عليه. وعلى رغم علمه أن ساعته قد جاءت (يو 23:12، 1:17)، فقد كان يهوذا هو من باعه وخانه عن عمد، وخدّام رؤساء الكهنة والفريسيين من ألقوا القبض عليه، وأعضاء السنهدريم والوالي بلاطس البنطي من حكموا عليه ونفذوا فيه حكم الموت. فإن مشورة الله لا تستثني الظروف التاريخية ولا تلغي جريمة الإنسان. بل إن المسيح، على نقيض ذلك، قد سلّم بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، ولكن ذلك تم بحيث أخذه اليهود، وبأيدي أثمة سمروه بالصليب وقتلوه (أعمال 23:2، 28:4).

وموت المسيح هو النقطة الوسطى في كرازة الرسل، منذ البداية، وليس منذ شهادة بولس بل في شهادة جميع الرسل. إنه بعد قيامة المسيح فقط، وبإرشاد الروح القدس، فهمت ضرورة وأهمية تألم المسيح وموته عندئذ تم الإقرار بأن تألم المسيح وموته كانا أيضاً لعمله النبوي وبرهاناً على صدق تعليمه وختماً لحياته كلها. ونقرأ عنه أنه شهد لدى بلاطس البنطي بالاعتراف الحسن (1تي 13:6)، وفي آلامه بغير ذنب وبكل صبر ترك لنا مثالاً لكي نتبع خطواته (1بط 21:2). وهو الشاهد الأمين (رؤ 5:1، 14:3)، وبوصفه رئيس الإيمان ومكمله (عب 2:12).

وهكذا كان موت المسيح إعلاناً لسلطانه الملكي، لأن موته لم يكن مصيراً محتوماً عليه أن يخضع له مكروهاً، بل هو عمل أتمه بملء إرادته واختياره (يو 17:10، 18). وقد كان موته على الصليب ارتفاعاً طوعياً عن الأرض وانتصاراً على الأعداء، لأنه به أكمل طاعة لوصية الآب (يو 31:14).

على أنه ينبغي لنا، بمقتضى الكرازة الرسولية، ألا نتوقف عند هذا الحد بالنسبة إلى موت المسيح. ذلك أن يسوع لم يكن في موته شاهداً وقائداً فقط، ولا شهيداً لا بطلاً، ولا نبياً وملكاً وحسب. بل كان قبل كل شيء عاملاً فيه ككاهن. فعمله باعتباره رئيس الكهنة هو الذي يبرز إلى المقدمة في موته أكثر الكل. إذ إن موته، بحسب تعليم الكتاب المقدس ككل، كان ذبيحة مجانية قدمها الآب به.

وعندما يقدم العهد الجديد موت المسيح على أنه قرباناً، أنه يقترن مباشرةً بالعهد القديم. فقد وجِدت القرابين منذ أقدم الأزمنة. إذ نقرأ عنه في ما يتعلق بقايين وهابيل، ونوح والآباء، ونجدها لدى جميع الأمم وفي سائر الأديان. ويمكننا القول عموماً إن غرضهم هو ضمان رضى الإله والتمتع بالشركة معه، أو اكتسابه مجدداً، وذلك بإجلال بتقديم عطية مادية قوامها ممتلكات حية أو جامدة تتلف بمقتضى طقس احتفالي معين. وقد ضمن الرب أيضاً مثل هذه القرابين في شريعته المعطاة لشعب العهد القديم. ولكن القرابين عند ذلك الشعب جُعِل لها دور مختلف وأُضفي عليه معنى مغاير.

في المقام الأول، اقتصرت القرابين عند بني إسرائيل على تقديم الحيوانات (من بقر وغنم وحملان ومعزى وثيران وحمام أو يمام) وثمار الأرض (من دقيق وزيت وخمر ولُبان)، ولم تكن تُقدم إلا للرب الإله. فقد كان محرماً تقديم البشر، وشرب الدم، وتشويه الجسد. علاوة على إن جميع القرابين المقدمة للأصنام، وللأموات، وللحيوانات "الطاهرة"، كانت انتهاكاً لمشيئة الله. وفي المقام الثاني، كانت القرابين عند إسرائيل أقل أهمية من الشرائع الأدبية. فالاستماع أفضل من الذبيحة،  والإصغاء أفضل من شحم الكباش. والرب يريد رحمةً لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من المحرقات. وفي المقام الثالث، كانت القرابين في إسرائيل مثل الكهنوت والهيكل والمذبح وكامل التدبير الطقسي وفقاً لخدمة الوعد. فالقرابين لم تُنتج عهد النعمة، لأن ذلك العهد مؤسس فقط على اختيار الله المقرون بالنعمة؛ بل إنها عملت فقط على إبقاء ذلك العهد نافذاً في إسرائيل، وعلى توطيده أيضاً.

وكما أن شعب العهد القديم كله كان مملكة كهنة بفضل دعوة الله واختياره (خر 6:19)، الكهنوت كان مجرد وضع ثانوي عارض، فكذلك تماماً كانت القرابين (ولاسيما ذبائح المحرقة والخطية والإثم) مجرد رموز طقسية إلى الطريقة التي بها يمكن الصفح عن الخطايا التي ارتكبها بنو إسرائيل ضمن نطاق العهد (والتي ارتكبوها لا عمداً دون حياء بل سهواً دون قصد) فإن الخطايا العمدية الفادحة، تلك التي نقضت العهد وأثارت غضب الله، وإن كانت غالباً ما نالت عقابها مدنياً، لم يكن لها إلا اللجوء إلى رحمة الله الذي جاد بالصفح عنها، ولو كان أحياناً بعد تدخل أشخاص كإبراهيم (تك 23:8 – 33) أو موسى أو فينحاس (عد 4:7 – 6 ؛ قارن إر 1:15).

فبهذه الخدمة الطقسية الشاملة، أرشد الله شعبه إلى المقام الأول بالإحساس أن عهد النعمة، بكل بركاته وخيراته، إنما هو بفضل الرحمة وحدها. فأصله وأساسه في الرأفة غير المبنية على الاستحقاق : أتراءف على من أتراءف، وأرحم من أرحم (خر 19:33). ثم إن الرب، بهذه الفرائض الطقسية، جعل بني إسرائيل يفهمون أنه يمنه نعمة غفران الخطايا فقط عن طريق الكفارة. بعبارة أخرى، إن الخطية دائماً شيء يثير غضب الله ويجعل الإنسان مذنباً ودنساً. فالقربان إذاً أمرٌ لا بد منه عموماً لتسكين غضب الله، وتحرير الإنسان من ذنبه ودنسه، وجعله يتمتع من جديد برضوان الله والشركة معه. طبعاً، كانت هنالك خطايا لم تحدد الشريعة بخصوص أي قربان معين كوسيلة تفكير. فقد كانت الكفارة متروكة لله نفسه، إن صح التعبير. إذ أنه هو بالذات من يكفر في تلك الحالات عن الخطايا ويصفح عنها بالتالي. والغفران يأخذ على عاتقه الكفارة ويشمل عليها. وفي ما يتعلق بالخطايا المرتكبة سهواً، والتي حددت لها الشريعة قرباناً معيناً، كان الله بالحقيقة هو من يستر الخطايا ويرفعها، بواسطة التقدمة والكاهن والمذبح (لا 11:17 ؛ عد 19:8). فخدمة التفكير بكاملها صادرة عن الله ومرتبة من لدنه.

أما الوسيلة الحقيقية للتفكير والمصالحة، فقد كانت دم الحيوان المقرّب ذبيحة. فإن حياة الجسد هي في الدم، أي مقر مبدأ الحياة في الحيوان، ولذلك أعطاها الرب على المذبح بوصفه العنصر الذي يكفر عن النفس (لا 11:17). ولكن لكي يؤدي الدم دوره بوصفه عامل تفكير، كان ينبغي أن يُذبح الحيوان ويسفك دمه بالموت ثم يرش على المذبح بيد الكاهن، وذلك بعد أن يأتي الشخص الذي أخطأ بذلك الحيوان إلى المذبح، حيث يضع على رأس الحيوان يده (على سبيل الإنابة)(خر 15:19 وما يليها). وفي وضع اليد والذبح ورش الدم على المذبح ما يشير إلى الطريقة التي صار بها الدم – هو عنصر الكفارة. حتى إذا كفر الدم على هذا النحو عن الخطايا، وسترها وأزالها، فعندئذ كان الذنب يغفر، والدنس يطهر، وشركة العهد مع الله تعود. ثم إن الكهنة والشعب، والهيكل والمذبح، وجميع أواني الخدمة، هذه كلها كانت تتطهر بالدم وتُقدس جميعاً لكي يسكن الرب في وسط بني إسرائيل ويكون لهم إلهاً (خر 43:29 – 46).

على إن خدمة القرابين هذه بكاملها لم تكن إلا ظل الخيرات العتيدة ولا تدل إلا على ذلك الظل فقط (عب 1:10). ولم تكن الخيمة في البرية إلا رمزاً للمقدس الحقيقي (عب 5:8). وقد كان الكهنة أنفسهم خطاة وكان يلزم أن يكفروا عن أنفسهم أيضاً، لا عن الشعب وحسب (عب 27:7 ؛ 7:9)، ثم إن الموت أيضاً منعهم من الاستمرار كل حين (عب 23:7). وما كان في وسع دم الثيران والتيوس أن يزيل الخطايا، ولا أن يطهر الضمير (عب 9:9، 13 ؛ 4:10). من هنا كان ينبغي أن يؤتى بتلك الذبائح مراراً وتكراراً (عب 1:10). وبالاختصار، كان كل ذلك خارجياً وضعيفاً وغير نافع وليس بلا عيب (عب 18:7 ؛ 7:8)، وقد أشار إلى مستقبل أفضل. وعلى مر القرون تعلم أتقياء الشعب هذه الحقيقة بصورة فضلى، وتاقوا إلى الأيام التي يقيم فيها الرب عهداً جديداً، حين يأتي الرب نفسه بالكفارة الحقيقية ويجعل شعبه يشتركون في بركات الغفران وخيرات التجديد. ويصيب هذا الرجاء أجمل تعبير عنه في إشعياء على الأخص. فكتاب العزاء في أشعياء يستهل بإعلام أورشليم أن جهادها قد كمل، وأن إثمها قد أعفي عنه، وأنها قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها (إش 2:40). ومن ثم يميط إشعياء اللثام عن النبوة المختصة بعبد الرب الذي يحمل بنفسه أسقامنا وأحزاننا ومعاصينا وآثامنا، متحملاً القصاص، وهكذا يؤتينا الشفاء والسلام (إش 2:53 وما يليها).

***************