|

عمل
المسيح-4
ثم إن العهد الجديد، على وفاق تام مع العهد القديم،
يرى في موت المسيح قرباناً عن خطايانا. فالمسيح لم يقل فقط
أنه جاء ليكمل الناموس والأنبياء وكل برّ (مت 15:3، 17:5)،
بل طبق على نفسه أيضاً نبوءة إشعياء حيث تصفه بأنه عبد
الرب الممسوح بروح الرب والمرسل ليبشر المساكين (لو 17:4
وما يليها). فقد جاء، وفقاً لوصية الآب، كي يضع حياته ثم
يأخذها، باذلاً حياته عوضاً عن خرافه، وبموته صار جسده
مأكلاً حق ودمه مشرباً حق يفيضان إلى الحياة الأبدية. فإن
موته هو القربان الحقيقي والإتمام الكامل للقرابين التي
قُدمت كلها في أيام العهد القديم بمقتضى المرسوم والشريعة.
فيما بعد، فإن موت المسيح هو عمل الخضوع الأكمل لمشيئة
الآب، وهو بيّنة على أنه جاء لا ليُخدم بل ليخدم. وهو بذلك
فدية دُفعت في سبيل تحرير كثيرين من سلطة الخطية التي
كانوا رازحين تحتها (مت 28:20). كما أن موت المسيح هو
الإتمام لذبيحة العهد التي قُربت توطئة للعهد القديم (خر
7:24)، وهو الأساس للعهد الجديد (مت 28:26 عب 15:9 – 22).
ويدعى موت المسيح قرباناً وذبيحة (أف 2:5 ؛ عب 14:9، 26).
وهو يحقق مغزى ذبيحة الفصح، وذبيحتي الخطية والإثم،
والذبيحة القرّبة في يوم الكفارة العظيم.
ولم تتم في المسيح قرابين العهد القديم فقط، بل أيضاً جميع
المطاليب التي كان ينبغي أن تفي بها تلك القرابين وجميع
الأفعال المصاحبة لها. فقد كان واجباً على الكاهن الذي
يقدم القربان أن يكون رجالاً لا عيب فيه (لا 17:21 وما
يليها). والمسيح هو رئيس كهنة من هذا الصنف – قدّوس، بلا
شر ولا دنس، منفصل عن الخطاة (عب 26:7). وكان واجباً أيضاً
أن يكون الحيوان المقرب صحيحاً وخالياً من أي عيب (لا
20:22 وما يليها)، وهكذا المسيح : فهو بلا عيب ولا دنس
(1بط 19:1). وكما كان واجباً أن يذبح الحيوان المقرّب بيد
الكاهن (خر 11:29)، فهكذا تماماً ذبح المسيح كخروف
واشترانا لله بدمه (رؤ 6:5 – 9). ولم يكن يجوز أن يكسر عظم
واحد من خروف الفصح (خر 46:12)، وهكذا أيضاً مات المسيح
بغير أن يكسر أي عظم منه (يو 36:19) وكان الكاهن بعد الذبح
يأخذ دم الحيوان ويرشه في القدس – إذا كان القربان ذبيحة
خطية (لا 15:16 ؛ عد 4:19)، أو على الشعب – إذا كان ذبيحة
سلامه (خر 8:24). هكذا أيضاً المسيح دخل بدم نفسه مرة
واحدة إلى القدس السماوي (عب 12:9)، ورش ذلك الدم على شعبه
(1بط 2:1 ؛ عب 24:12). وعندما كانت ذبيحة الخطية تُقرّب
كان يؤتى بدم الحيوان إلى القدس، ولكن جسمه كان يحرق
بالنار خارج المحلّة (لا 27:16) فبالطريقة نفسها تألم
المسيح خارج الباب، لكي يقدس الشعب بدم نفسه (عب 12:13).
وكما أنه بموجب شريعة العهد القديم، صار الدم – باعتباره
مقر النفس وبكونه يسفك بالموت ويُرش على المذبح – هو
العنصر المناسب للتكفير، فكذلك أيضاً في العهد الجديد دم
المسيح هو العامل الفعّال في التكفير عن خطايانا وغفرانها
وتطهيرنا منها.
صحيح أن العهد الجديد، عندما يتحدث بهذا المعنى عن آلام
المسيح وموته كذبيحة، يستخدم لذلك تصويراً بيانياً،
ويستعير الألفاظ المألوفة في سياق نظام القرابين والذبائح
في العهد القديم. ولكن لا ينبغي أن نستنتج من هذا الواقع
أن مثل هذا التمثيل هو عرضي ومجازي، بحيث يمكننا أن نصرف
النظر عنه بغير حرج. بل على نقيض ذلك، تنطلق الكلمة
المقدسة بالتحديد من فكرة كون القرابين في العهد القديم
رمزاً وظلالاً لذبيحة المسيح التي جاءت إتماماً لها. فكما
أن المسيح كان بالفعل نبياً وكاهناً وملكاً، ولم يكن كذلك
من قبيل المقارنة أو المجاز وحسب، فكذلك أيضاً بالتمام لو
يكن تسليم نفسه للموت ذبيحة بالمعنى المجازي بل كان كذلك
بكل ما للكلمة من معنى جوهري دقيق. إذاً، لا يمكننا أن
نستغني عن اعتبار موت المسيح ذبيحة حقيقية. فالاستغناء عن
هذه الكلمة (ذبيحة) يعني في الحال تضييعاً للحقيقة أيضاً.
وتلك الحقيقة هي أهم جميع الحقائق بالنسبة إلينا، لكونها
مصدر الخلاص.
ثمّ إنّ اعتبار موت المسيح قرباناًُ أو ذبيحة، يعد ضمناًُ
أنّه أسلم نفسه للّه ذبيحةً وقرباناً رائحةً طيبة (أف 5
:2) حيث أنّ المسيح كان عطيّةً من الله وبرهاناُ على
محبّته (يو 3:16). والله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد
خطاة مات المسيح لأجلنا (رو 5:8). وهو لم يشفق على ابنه بل
بذله لأجلنا أجمعين (رو 8:32). كما أن في ولادة المسيح
وحياته، وآلامه وموته أيضاُ، ما يبين محبة الله ويؤكدها
لنا. غير أن محبة الله هذه لا تطرح عدله جانباُ، بل إنها
بالأحرى – إذا نظرنا إليها كما ينبغي – تتضمن بحد ذاتها
على هذا العدل ذلك أنها محبة لا تجرد الخطية من طبيعتها
باعتبارها خطية، ولكن تدبر لها وسيلة للغفران عن طريق
الكفارة. فكان ينبغي أن يموت المسيح طبقاُ لوصية الآب،
وأنه بموته استوفى عدل الله وحقه. ففي موت المسيح، حافظ
الله بالتمام على عدله في صفحه عن الخطايا التي سبق أن
ارتكبت، إذ كانت أناة الله تنتظر، وفي الوقت عينه فتح
بنفسه الطريق التي بها يبرر جميع الذين ينتمون إلى المسيح
بالأيمان.
ومن ناحية أخرى، نجد في ذبيحة المسيح برهاناُ على طاعته
بصورتيها "المذعنة" و"الفاعلة". وقد حظيت الطاعة المذعنة،
في أزمنة سالفة، بتصدر الواجهة، بحيث أن الطاعة الفاعلة
اختفت وراءها فعلاً. ولكن الطاعة الفاعلة لقيت منذ عهد
قريب تشديداً بالغاً، إن الطاعة المذعنة لم تنل قسطها
الواجب. على أن الطاعة بوجهيها بمقتضى الكلمة المقدسة،
يسيران جنباً إلى جنب، وينبغي أن يُنظر إليهما باعتبارهما
وجهين لعملة واحدة. كان المسيح كل حين، منذ الحبل به
وولادته فما بعد، مطيعاً للآب. وعلينا أن ننظر إلى حياته
كلها كتحقيق لعدل الله وشريعته ووصيته. فعند دخوله للعالم،
قال : هأنذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله (عب 5:10 – 9).
ولكن تلك الطاعة أظهرت ذاتها على نحوً كامل أولاً في موته،
بل على نحو أخص في موت الصليب (في 8:2). والعهد الجديد
مليء بهذه الحقيقة : أنه بتألم المسيح وموته كُفرّ ولأول
مرة عن الخطية وغفرت ورُفعت. بل عمل مشيئة الآب التي كان
على المسيح أن يفعلها وفي هذا ليس فقط إكمال الناموس بل
حمل الذنوب أيضاً.
ومن ثم وفي المقام الثالث هنا أيضاً ارتباط ذبيحة المسيح
بخطايانا. وقد سبق لنا أن قرأنا في العهد القديم أن
إبراهيم قدم محرقةً عوضاً عن ابنه (تك 13:22)، وأن
العبراني بوضع يده على رأس الحيوان المقرّب كان يقدمه
بديلاً منه (مثلاً لا 29:4)، وأن عبد الرب قد جُرح لأجل
معاصينا وسُحق لأجل آثامنا (إش 5:53). فعلى المنوال نفسه
يقيم العهد الجديد علاقة وثيقة جداً بين المسيح وخطايانا.
فابن الإنسان قد جاء إلى العالم ليبذل نفسه فديةً عن
كثيرين (مت 27:20 ؛ 1تي 6:2). وهو قد أُسلم من أجل
خطايانا (رو 25:4)، ومات بالنظر إلى خطايانا، أو
بالأحرى بسبب خطايانا ولأجلها.
إن الشركة التي ارتضى المسيح أن تكون لنا معه، بحسب الكتاب
المقدس، فهي بالغة العمق والخصوصية بحيث يصعب تكوين صورة
لها أو فكرة عنها. وما العبارة "الآلام النيابية" إلا
محاولة للتعبير عن معنى المشاركة، ولو على نحو هزيل وناقص.
إذ أن الحقيقة الكاملة تسمو فوق خيالنا وأفكارنا. صحيح أن
في وسعنا أن نرسم بعض التشبيهات التي يمكن أن تقنعنا
بإمكانية هذه المشاركة. فنحن نعرف عن آباء يتألمون مع
أولادهم ويعانون معاناتهم؛ وعن أبطال يبذلون أرواحهم في
سبيل أوطانهم؛ وعن أناس شرفاء، من رجال ونساء، يزرعون ما
يمكن لسواهم أن يحصدوا، وفي كل مرة نرى سريان القاعدة بأن
نفراً قليلاً يعملون ويجاهدون ويحاربون لكي يجني الآخرون
ثمر جهادهم ويتمتعون بخيراته. وربما كان موت امرئٍ حياة
لآخر. ولا بد أن تموت حبة الحنطة في سبيل أن تأتي بثمر.
والأم تلد طفلها بالآلام. إلا أن هذه كلها لا تعدو كونها
تشبيهات تقريبية، ولا سبيل إلى مساواتها بالمشاركة التي
ارتضى المسيح أن تكون له معنا. فحقاً أنه بالجهد يموت أحد
لأجل بار، بل ربما تجاسر أحد أن يموت لأجل إنسانٍ صالح.
ولكن الله بيّن محبته لنا لأنه، ونحن بعد خُطاة، مات
المسيح لأجلنا (رو 7:5، 8).
في الواقع لم تكن بيننا وبين المسيح أيّة شركة، بل كان
بيننا وبينه مجرد انفصال ومناقضة. فإنه كان هو الابن
الوحيد والحبيب عند الآب، ونحن كنا جميعاً كالابن الضال.
هو بار وقدّوس وبلا خطية، ونحن خطاة ومذنبون أمام الله
ونجسون من هامة الرأس إلى أخمص القدمين. ورغم ذلك كله،
ارتضى المسيح أن يكون شريكاً لنا، لا بمعنى طبيعي (مادي)
وحسب، أي باتخاذه طبيعتنا، لحمنا ودمنا، بل أيضاً معنى
قضائي (شرعي) ومعنى خُلقي (أدبي)، وذلك بالاشتراك معنا في
تحمّل خطيتنا وموتنا. فهو يقوم مقامنا، ويجعل نفسه مكاننا
من جهة علاقتنا بشريعة الله، ويحمل بنفسه ذنوبنا وأمراضنا
وأحزاننا وقصاصنا. فالذي لم يعرف الخطية، جُعل خطية
لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه (2كو 21:5). ونقرأ عنه أنه
صار لعنةً لأجلنا ليفتدينا من لعنة الناموس (غل 13:3). وهو
قد مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء في ما بعد لا
لأنفسهم، بل للذي مات من أجلهم وقام (2كو 15:5).
ذلك هو سر الخلاص،سر المحبة الإلهية، ولا قدرة لنا بأن
نفهم آلام المسيح النيابية، لأننا – ونحن مبغضون لله
ولبعضنا البعض – لا نستطيع الاقتراب أبداً من أن نجري
حساباً لما يمكن أن تُقدّر المحبة المرء على فعله، وما
يمكن أن تنجزه المحبة الإلهية الأزلية غير المحدودة. ولكن
لا يُطلب منا أن نسبر أغوار هذا السر أيضاً. إنما نحتاج
فقط لأن نؤمن به شاكرين ونستريح في رحابه ونفتخر فيه
ونبتهج. فالمسيح قد جُرح لأجل معاصينا، وسُحق لأجل آثامنا
وكان تأديب سلامنا عليه، وبحبه شُفينا. كلنا كغنم ضللنا،
مِلنا كل واحد على طريقه؛ والرب وضع عليه إثم جميعنا (إش
5:53، 6).
فماذا نقول لهذا؟ إن كان الله معنا، فمن علينا؟ الذي يشفق
على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه
كل شيء؟ من سيشتكي على مختاري الله؟ الله؟ هو الذي
يبرز، من هو الذي يدين؟ المسيح؟ هو الذي مات، بل
بالأحرى قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله، الذي
أيضاً يشفع فينا (رو 31:8 – 34).
 |