|

في
ارتفاعه-2
بحسب إقرار الإيمان عند الكنيسة المصلحة، بدأ ارتفاع
المسيح بقيامته. ولكن بحسب كثير من قوانين الإيمان الأخرى،
بدأ قبل ذلك، أي بنزوله إلى الهاوية. ولهذا النزول تفسيرات
شتى. فالكنيسة الشرقية تعتقد أن ذلك يعني نزول المسيح،
بطبيعته الإلهية ونفسه البشرية، إلى العالم السفلي لكي
يحرر نفوس الأجداد القديسين ويأتي بها إلى الفردوس، مع نفس
اللص التائب على الصليب.
وتذهب الكنيسة الكاثوليكية إلى أن المسيح نزل فعلاً إلى
الجحيم بنفسه، وبقي هناك طيلة بقاء جسده في القبر، وذلك
حتى يُعتق نفوس القديسين الذين كانوا ماكثين هناك بلا عذاب
إلى أن يتم الخلاص، (يُعتقهم) من حالة الموت كي يأتي بهم
إلى السماء ويجعلهم يشتركون في غبطة التفرس بالله. وتفرّق
الكنيسة اللوثرية بين إحياء المسيح فعلاً وقيامته أو
تجلّيه بالجسد بعد القبر، وتعلّم إن المسيح في الفترة
القصيرة بين هذين الأمرين قد هبط إلى الجحيم ليُعلن هناك
انتصاره للأبالسة والمحكوم عليهم بالعذاب. ويعتقد كثيرين
من اللاهوتيين، ولاسيما في الزمن الحديث، أن المسيح قبل
قيامته، وساء بنفسه وحدها أم بجسده أيضاً، قد نزل إلى
العالم السفلي ليبشر بالإنجيل أولئك الذين ماتوا بخطاياهم
ويعطيهم فرصة التوبة والإيمان.
وإن الاختلاف الواضح بالرأي بشأن هذه المسألة ليبرهن أن
المعنى الأصلي للتعبير"ونزل إلى الجحيم (أو الهاوية)" قد
ضاع. فنحن لا نعرف مصدر هذه العبارة الواردة في قانون
الإيمان، ولا ما هو المقصود بها فعلاً. والكلمة المقدسة لا
تقول شيئاً عن حصول نزول إلى الجحيم حرفيٍّ وفعليٍّ ومحدّد
المكان. وفي أعمال 27:2 يطبق بطرس كلام المزمور 16 على
المسيح : "لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى
فساداً". ولكنه واضح في هذا المقام أن كلمة "هاوية" يجب أن
تُفهم بمعنى "القبر". فمع أن المسيح كان في الفردوس بروحه
البشرية، فإنه بجسده كان في القبر؛ وهكذا في الفترة
الفاصلة بين موته وقيامته كان في حالة الموت. وفي أفسس 9:4
يقول بولس إن الذي صعد هو نفسه قد نزل إلاً إلى أقسام
الأرض السفلى. غير أن هذا القول ليس دليلاً على النزول إلى
الجحيم، بل بالأحرى إشارة إلى التجسد الذي فيه نزل المسيح
إلى الأرض في الأسفل، أو إلى موته الذي فيه نزل إلى القبر.
ثم إن بطرس في رسالته الأولى 19:3 – 21، لا يتحدث بأي حال
من الأحوال عمّا فعله المسيح بين موته وقيامته، بل يتكلم
بالأحرى عما فعله المسيح بروحه قبل تجسده، في أيام نوح، أو
عمّا فعله بعد قيامته إذ كان مُحيىً بالروح فعلاً. فليس
الكتاب المقدس أدنى أساس للتعليم القائل بنزولٍ إلى الجحيم
محدّد المكان.
وعليه، فإن الكنيسة المصلحة قد نبذت هذا التفسير للعبارة
المذكورة من قانون الإيمان، وفسرتها باعتبارها تشير إما
إلى الآلام والعذابات الجهنمية التي قاساها المسيح قبل
موته، سواء في الجثسيماني أو على الجلجثة، وإما إلى ما
يتعلق بحالة الموت التي مرّ فيها المسيح فيما رقد جسده في
القبر. وكلا التفسيرين يتلاقيان في الفكرة التي توردها
كلمة الله ومفادها أن ساعة تسليم المسيح نفسه للموت إنما
كانت ساعة أعدائه وساعة سلطان الظلمة (لو 53:22). فقد علة
المسيح أن تلك الساعة كانت آتية، وقد سلم نفسه لها طائعاً
مختاراً. وفي تلك الساعة التي فيها أظهر ذروة القوة
الروحية في ما يتعلق بمحبته وطاعته (يو 17:10، 18) بدا أنه
في مسيس الحاجة إلى من يُعينه. فها هم الأعداء يفعلون به
ما شاءوا، والظلمة قد خيمت حوله. وإذا به ينزل إلى الجحيم
بالحقيقة، لا بمعنىً مادي الآن، بل بمعنى روحي.
ولكن سلطان الظلمة لم يكن ذاتياً. فإنه قد أعطي من لدن
الآب (يو 11:19). ولم يدرك أعداء المسيح أنهم كانوا مجرد
أدوات وآلات، وأنهم كانوا – على غير علم منهم وبغير
إرادتهم – ينفّذون كل ما سبقت فعيّنت يد الله ومشورته أن
يكون (أع 23:2 ؛ 28:4). وقد كان المسيح في اتضاعه أيضاً
ذلك القدير الذي وضع حياته جانباً بملء حريته وبذل نفسه
فدية عن كثيرين. فإن ساعة سلطان الظلمة كانت ساعته الخاصة
أيضاً (يو 30:7 ؛ 20:8). وفي موته غلب الموت بقوة محبته،
وبإنكاره الكامل لذاته، وبطاعته المطلقة لمشيئة الآب.
ولذلك ما كان ممكناً، وهو القدّوس، أن يحتويه الموت ويسيطر
عليه، ولا أن يتركه الله ويدعه فريسة في قبضة الفساد (أع
25:2 – 27). بل على نقيض ذلك، فإن الآب أقامه، وهو نفسه
قام بحقه الشخصي وقوته الذاتية. وكانت أوجاع الموت، إذا صح
التعبير، عبارة آلام مخاض حياة جديدة (أع 24:2). وهكذا كان
المسيح هو البكر من الأموات (كو 18:1).
وقد احتوت قيامة المسيح هذه على إحياء جسده الميت ونهوضه
من القبر. حتى أن منكري القيامة يتورطون في مشكلة صعبة
بالنظر إلى هذه الحقيقة. ففيما مضى حاولوا أن يعلّلوا خبر
هذه الحادثة الواقعة بقولهم أن المسيح مات موتاً ظاهرياً
فقط، أو إن التلاميذ سرقوا جسده، أو أنهم كانوا في حالة
توهّم صرف فخُيل إليهم أنهم رأوه. ولكن جميع هذه التعليلات
فقدت التأييد، تعليلاً بعد الآخر. وفي زمن أقرب عهداً
إلينا لجأ الكثيرون إلى الروحانية إذ رأوا فيها تعليلاً
مقبولاً لقيامة المسيح. فبحسب هذا المذهب يقولون إن شيئاً
موضوعياً قد حدث بالفعل. وقد رأى التلاميذ شيئاً ما. فالذي
يعانوه إنما كان تجلياً للمسيح الذي مات بالجسد لكنه ظل
حياً بالروح. ذلك أن روح المسيح ظهرت لهم وتجلت أمامهم.
حتى أن بعضهم يُضفون لمسة تقوى على هذا الزعم فيقولون إن
الله نفسه هو من جعل روح المسيح يظهر لهم لكي يسكن حزنهم
ويؤكد لهم الانتصار على الموت، وعدم فناء الحياة. بكلام
آخر، كانت ظهورات المسيح عدّة "برقيات من السماء" تتضمن
رسالة إلهية عن قوة المسيح الروحية.
غير أن الرواية الروحانية، أو تحضير الأرواح، لا يعيرها
الكتاب المقدس إلتفاتاً كما أنها على طرفي نقيض لشهادته.
فبحسب جميع البشيرين، وًجد القبر فارغاً في اليوم الثالث،
وحدث الظهور الأول في ذلك اليوم عينه. إذ إن البشيرين
وبولس، دون إتباع ترتيب منظم ودون إيراد خلاصات وافية،
يفيدوننا أن المسيح ظهر للنسوة، ولاسيما مريم المجدلية،
ولبطرس، وللتلاميذ ما عدا توما ثم التلاميذ ومعهم توما؛
ولكثيرين آخرين – لخمس مئة أخ دفعة واحدة. وقد حدثت هذه
الظهورات أولاً في أورشليم وقربها، ثم في الجليل حيث كان
الرب قد سبقهم، كما يقول مرقس بصريح العبارة (مر 7:16).
ويتفق البشيرون جميعاً على أن المسيح ظهر بالجسد نفسه الذي
وضعه في القبر. وقد كان جسداً ذا لحم وعظم وليسا للروح (لو
39:24)، وكان يمكن أن يجس (يو 27:20) ويتناول طعاماً (لو
21:24 ؛ يو 10:21).
علاوة على هذا فإن المسيح خلق في الناس انطباعاً بعد
القيامة يختلف عما كان قبلها. فالذين رأوه دُهشوا وخافوا
وانطرحوا أمامه ساجدين له (مت 9:28، 10 ؛ لو 37:24). وقد
ظهر بهيئة أُخرى غير التي ظهر بها قبلاً (مر 12:16)
وأحياناً لم يكن يعرف للتو (لو 16:14، 31). فيوجد فرق شاسع
بين قيامة لعازر وقيامة المسيح. إذ إن لعازر عاد من الموت
إلى سابق حياته الأرضية، ولكن المسيح لم يفعل هكذا. فقد
قام المسيح رأساً في الطريق المؤدي إلى الصعود. حتى إذا
ظنت مريم أن معلّمها وسيدها قد عاد لها من الموت، وأن لها
أن تتمتع من جديد بالشركة السابقة معه، صدها قائلاً : "لا
تلمسيني، لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن إذهبي إلى إخوتي
وقولي لهم : "إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"(يو
17:20) فبعد القيامة لم يعد المسيح ينتمي إلى الأرض، بل
ينتمي إلى السماء. ولهذا السبب تغيرت هيئته، مع أنه اتخذ
الجسد نفسه الذي وُضع في القبر. ويعبر بولس عن هذا القول
إنه في الموت يزرع الجسد جسماً حيوانياً (أي طبيعياً)
ولكنه في القيامة (قيامة المسيح وقيامة المؤمنين أيضاً)
يُقام جسماً روحانياً، أو روحياً (1كو 44:15). والجسد في
كلتا الحالتين واحد، إذ أن الروحي لا يقارن هنا مع الجسدي،
بل مع الطبيعي. ولكن في الجسد الذي أُعطي للإنسان الأول
يقع قسماً كبيراً من الحياة خارج نطاق الروح ويتواجد على
كيان مستقل تقريباً. وفي الجسد الروحي سيبيد الله "الجوف
والأطعمة" (1كو 13:6)، وكل ما هو مادي سيصبح خاضعاً
وخادماً للروح.
***************
وليست قيامة المسيح بجسده حادثة تاريخية قائمة بذاتها. فهي
تعني غنى لا ينضب معيته، بالنسبة إلى المسيح نفسه وإلى
الكنيسة وإلى العالم أجمع أيضاً. فبصفة عامة، تعني القيامة
الانتصار على الموت مبدئياً. فإنه بإنسان واحد دخل الموت
إلى العالم. فإن التعدي على ناموس الله فتح طريق الموت
للبشر، لأن أُجرة الخطية هي موت. لذلك هزيمة الموت تتم
بإنسان واحد. فكان لابد أن إنساناً يُحدث القيامة من
الموت. حتى ولو كان ملاكاً، بل حتى ولو كان ابن الله
بالذات، نزل إلى عالم الموتى ثم من هناك عاد إلى السماء،
لما كان ذلك يفيدنا شيئاً. ولكن المسيح كان ابن الله
الوحيد عند الآب ليس ذلك فقط، بل كان أيضاًً إنساناً
حقيقياً وكاملاً. وبصفته إنسان فقد تألم ومات ودُفن، ثم
قام وعاد من عالم الموتى. ففي قيامة المسيح تبرهن أنه كان
هنالك إنسانٌ لم يكن ممكناً أن يمسكه الموت أو أن يملك
عليه الشيطان وسلطان الفساد، إنسانُ كان أقوى من القبر
والموت والهاوية. من حيث المبدأ إذاً لم يعد للشيطان
بالفعل أيّة سيادة على الموت. فالمسيح بموته غلب الموت (عب
14:2). وإذا كان هو وحده قد قام من القبر وما كان أحد سواه
يقوم من القبر، يكون هنالك على أيّة حال إنسان أقوى من
الموت. فإن أبواب عالم الموتى التي انغلقت على المسيح كان
واجباً أن تنفتح امتثالاً لأمره، إذ لم يكن فيه لرئيس هذا
العالم أيّ شيء (يو 30:14).
وما دام ذلك كذلك، فمن البديهي أن كل ما يهم بخصوص قيامة
المسيح هو بالتحديد أنه قام بجسده. فإن قيامةً روحية غير
كافية، إذ تكون نصف نصرٍ وحسب، أي عدم انتصار البتّة بل
بالحري هزيمة. وعندئذ لا يكون الإنسان بكامله – من حيث روح
وجسد – قد نُقل خارج نطاق سيادة الموت. كما يبقى الشيطان
منتصراً في ميدان واسع. وليس ممكناً بحال من الأحوال أن
تحدث للمسيح قيامة روحية، أي تجديد أو إحياء روحي، لأنه
القدوس الخالي من أي ذنب أو عيب أو خطية. فلكي يبرهن قوته
على الخطية كان ينبغي القيام بذلك فقط برجوعه بالجسد من
عالم الأموات، وهكذا يبدي قدرته الروحية في عالم المادة.
وبقيامته بالجسد، تبرهن أولاً أنه – بطاعته حتى الصليب
والقبر – قد قهر تماماً الخطية وجميع عواقبها، بما فيها
الموت الذي، إن صح التعبير، رده على أعقابه خارج عالم
البشر، وأتى بحياة جديدة لا ينالها الفساد والفناء. فكما
أن الموت دخل عالم بإنسانٍ، كذلك جاءت القيامة من الأموات
بإنسان أيضاً (1كو 21:15). فالمسيح هو نفسه القيامة
والحياة (يو 25:11).
يكفي ما تقدم دليلاً على أهمية قيامة المسيح. ولكن يمكن
شرح معانيها الغنية بأكثر تفصيل – وأول كل شيء ما تعنيه
إلى المسيح نفسه. فلو كان الموت على الصليب هو نهاية حياة
المسيح، ولو كانت القيامة لم تتبعه، لكان اليهود على حق في
حكمهم عليه بالموت. إذ نقرأ في تثنية 23:21 أن الذي يُعلق
على خشبة ملعون من الله. والتعليل الوارد في ذلك الموضع هو
أن جثة المجرم المُعدم ينبغي ألا تبقى معلقة على خشبة
الإعدام ليلاً بل يجب أن تُنزل وتدفن في النهار عينه. وإن
بقيع معلقة على الخشبة، تنجس الأرض التي أعطاها الرب
لشعبه. إنما ناموس موسى لا يحتوي على ظاهرة الصلب. ولكن
لّما سُلم المسيح إلى الأمم(مت 19:20) وصُلب بأيدي أثمة
(أع 23:2)، فعندئذٍ صار مثلاً – لا بعد موته فقط بل قبله
وخلاله أيضاً – مثلاً على قساوة الناموس الشديدة، وعلى
صيرورته ملعوناً من الله. وفي نظر اليهود العارفين
بالناموس، لو يكن الموت على الصليب عقاباً واقعاً تحت غضب
الله ولعنته. من هنا كان يسوع المعلق على الصليب عثرةً
لليهود وملعوناً في نظرهم (1كو 23:1 ؛ 3:12).
لكن الآن تأتي القيامة فتحول الإدانة في الاتجاه العكسي.
فالذي جُعل خطية لأجلنا والذي لم يعرف أيّة خطية شخصياً.
الذي صار لعنة لأجلنا هو مبارك الآب. والذي تركه الآب على
الصليب هو الابن الذي سُرّ به جداً. والمرفوض من الأرض هو
المتوج في السماء. فالقيامة إذاً هي البرهان على نبوة
المسيح. إذ إن الذي صار من نسل داود، من جهة الجسد، قد
تبين بقوة أنه ابن الله، من جهة روح القداسة. بالقيامة من
الأموات (رو 3:1، 4). وقد تكلم المسيح بالحق واعترف
الاعتراف الحسن أمام قيافة وبيلاطس البنطي، لمّا شهد بأنه
ابن الله. فلم يكن اليهود والرومان على حقٍّ في الحكم على
المسيح بالموت، بل تبرهن بالقيامة أن المسيح هو الذي كان
على حق. فهو البار الذي سُمر على الصليب بأيدي أثمة وقُتل.
والقيامة هي النقض الإلهي الذي أصدره العالم على المسيح.
على أن معنى القيامة بالنسبة إلى المسيح لا يقتصر كونها
بيّنة على بنوة المسيح وكونه المسيّا. فقد كانت قيامة
المسيح مدخلاً إلى حال حياة جديدة بالكامل، فاتحة لارتفاع
تصاعدي دائم. فإن الله قال لمسيح "أنت ابني، أنا اليوم
ولدتك" لا في الأزل فقط (عب 5:1) ولا عند تعيينه رئيس كهنة
وحسب، (عب 5:5)، بل في القيامة أيضاً (أع 33:13). كأن
القيامة هي يوم تتويج المسيح. فقد كان هو الابن والمسيح
قبل تجسده. وكانا كذلك أيضاً في اتضاعه. غير أن جوهره كان
مستتراً إذ ذاك تحت حجاب صورة عبد. لكنما الآن يعلن الله
جهاراً على الملإ أن يسوع هو ربٌ ومسيح، ورئيس ومخلص.
والآن يتخذ المسيح من جديد المجد الذي كان له من قبل عند
الآب (يو 5:17). بعد هذا يتخذ "هيئة أخرى" أي شكلاً آخر،
أو صورة وجود أخرى. فذاك الذي كان ميتاً، عاد حيّاً إلى
أبد الآبدين، وله مفاتيح الهاوية والموت (رؤ 18:1). وهو
رئيس الحياة، وسبب الخلاص، والمعيّن من الله ديّاناً
للأحياء والأموات.
ثم إن قيامة المسيح هي ينبوع بركات لكنيسته وللعالم أجمع.
فهي بمثابة آمين قالها الآب إزاء عمل الابن الكامل. ذلك أن
المسيح أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا (رو
25:4). فكما أن خطايانا مرتبطة بموت المسيح ارتباطاً
وثيقاً، بل بموته (رو 9:5، 19)، لأن ذلك الموت كان ذبيحة
كفّرت عن خطايانا إلى التمام وأتت ببرٍّ أبديٍّ. ولكن لأنه
أحرز لنا المصلحة الكاملة والغفران الشامل لجميع خطايانا
بآلامه وموته، قام من الموت وكان ينبغي أن يقوم. ففي
القيامة ثبت برّه هو، ونحن تبرّرنا معه. وكانت قيامته
تصريحاً علنياً بالصفح عنا. وليس هذا كل شيء، بل أُقيم
المسيح لأجل تبريرنا أيضاً، بهذا المنى الآخر، حتى يستطيع
أن يحسب لنا شخصياً العفو المتضمن في قيامته. فلولا قيامته
لما كان ممكناً للمصالحة التي أتمها بموته أن تتحقق وتصير
موضوع التطبيق وكأنه برأسمال مجمد. أما الآن فبالقيامة نال
المسيح مقام الرب والرئيس المخلص، يستطيع أن يجعلنا نتمتع
بالمصالحة الفّعالة، وذلك بالإيمان به. فقيامته إذاً هي،
في نفس الوقت ذاته، البيّنة على تبريرنا وعلّة هذا
التبرير.
ولكن لما قام المسيح وصار ممكناً أن يُغدق علينا شخصياً
المصالحة والمغفرة المنجزتين، فقد تضمن عمله بركةً أخرى.
فمثلما لا توجد مغفرة بلا مصالحة سابقة لها، كذلك أيضاً لا
مغفرة بلا تقديس وتمجيد لاحقين لها. ويكمن في المسيح
بالذات الأساس الموضوعي لهذا الارتباط الوثيق غير المنفصم
بين التبرير والتقديس. فالمسيح لم يمت فقط، بل أُقيم
أيضاً. والموت الذي ماته قد ماته للخطية (أي بقصد التكفير
عن الخطية ومحوها)، بحيث أن الحياة التي يحياها إنما
يحياها لله (رو 10:6). فإن حياته الآن تخص الله فقط، بعدما
فك بموته أغلال الخطية إلى التمام. ومن هنا أن المسيح
عندما يُغدق الآن على شخص ما، من طريق الإيمان، ثمار موته
– أعني التوبة والمغفرة أساساً – فهو يعطي ذلك الشخص حياةً
جديدة في الوقت عينه. فهو لا يقدر أن يقسم نفسه، ولا أن
يفصل موته عن قيامته. وهو بالحقيقة يقدر أن يوزع ثمار موته
ويتمتع الإنسان بها لأنه هو نفسه قد قام. فبوصفه رئيس
الحياة، له وحده السيطرة على بركات موته كلها. إذا كما أنه
هو نفسه قد مات مرة واحدة لأجل الخطية، كي يحيا من ثم لله
وحده، هكذا تماماً مات لأجل الجميع في موته، كي يعيش
الأحياء (بفضل كونهم قد ماتوا مع المسيح وأُقيموا معه) في
ما بعد ليس لأنفسهم، بل للذين مات لأجلهم وقام (2كو 15:5 ؛
غل 20:2).
بهذه الطريقة عينها تقوم علاقة ارتباط لا تنفصم عراها بين
غفران الخطايا وتجديد الحياة، منظوراً إلى ذلك الآن من
الناحية الذاتية. فإن كل من يقبل غفران الخطايا بقلبً
مؤمن، يكون بتلك اللحظة قد قطع كل علاقة بالخطية، مثلما
فعل المسيح ذلك في موته. إذ إن ذلك الإنسان قد قال للخطية
: وداعاً، لأنه لا يمكن إلا أن يكره الخطية (أي بالنسبة
إليهما – رو 2:6)، ولذلك لا يقدر أن يعيش بعد فيها.
فبالإيمان وبالمعمودية كعلامة عليه وختم له، قد دخل في
شركة مع المسيح، فصلب ومات ودفن معه، لكي يسلك من ثمَّ في
جدّة الحياة (رو 3:6 وما يلي).
ويرتبط بهذا التقديس أيضاً التمجيد. فبالقيامة ولد
المؤمنون ثانية" لرجاء حيّ (1بط 3:1). وبها حصلوا على
القناعة الراسخة بأنَّ عمل الخلاص لم يبدأ ويكمّل فقط بل
سيتمّم إلى النهاية أيضاً. ففي السماء محفوظ لهم الميراث
الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، وعلى الأرض هم بقوة
الله محروسون للخلاص العتيد أن يعلن لهم في الزمان الأخير.
وكيف يمكن بالحقيقة أن يكون الأمر خلاف هذا؟ فإن الله بين
محبته لنا إذ مات المسيح لأجلنا ونحن بعد خطاة. فكم
بالأحرى إذاً، وقد تبررنا بدم المسيح، يخلصنا الله من
غضبه، ولاسيما الغضب الذي سيستعلن في الدينونة الأخيرة!
فالذين هم في المسيح لا غضب عليهم ولا دينونة، بل فقط لهم
سلام مع الله ورجاء مجده. في السابق، لما كانوا أعداءً
وعرضةً لغضب الله، صالحهم الله لنفسه بموت ابنه. أما الآن،
وقد نحى الله جانباً غضبه اتجاههم وأعطاهم سلاماً ومحبة،
فإنه سيحفظهم بالحياة التي للمسيح الآن بفضل قيامته، والتي
فيها يقوم بعمله عند الآب شفيعاً لهم (رو 8:6 – 10). وهكذا
تستمر فاعلية قيام المسيح إلى الأبد. وهي في الوقت المعين
ستأتي معها بقيامة المؤمنين وإحيائهم والنصرة على السماء
والأرض.
عندما نفهم هذه الأهمية الأبدية الغنية التي لقيامة
المسيح، عندئذ فقط نقدر السبب الذي عند الرسل، ولاسيما
بولس، إلى التشدد كثيراً على صفتها التاريخية. فالرسل
جميعاً شهودُ لقيامة المسيح (أع 22:1 ؛ 32:2). وبولس
يستنتج أنه لولا القيامة لكانت كرازة الرسل باطلة وزائفة.
فهو يقول إن غفران الخطايا، المؤسس على المصلحة والذي
يُقبل بالإيمان، ما كان ليحدث لولا القيامة، كما أن الرجاء
بقيامة مجيدة يكون إذ ذاك أمراً عديم الأساس. ولولاها كانت
بنوة المسيح الإلهية وهويته المسيويّة ذهبتا أدراج الريح،
ولكان هو معلم فضيلة لا أكثر. ولكن ما دامت القيامة قد
حدثت، ففيها أعلن الآب المسيح وتوجه بوصفه المكفّر عن
الخطايا ورئيس الحياة ومخلص العالم.
**************
 |