|

في
ارتفاعه-4
وما ينطبق بالنسبة إلى وظيفة المسيح النبوية، يصدق أيضاً
على وظيفته الكهنوتية. فليست هذه وظيفة تولاها زمناً وحسب.
بل إنه يضطلع بها إلى الأبد. وقد كان في فرز بيت هارون
وسبط لاوي لخدمة الهيكل، في العهد القديم، رمزٌ سابق إلى
طبيعة الكهنوت الأبدية هذه. ففي حين أن جميع الأفراد الذين
مارسوا هذه الخدمة ماتوا حقاً، كلٌّ في دوره، كان آخرون
يخلفونهم حالاً. أما الكهنوت فظل باقياً ومستمراً. على أن
المسيّا الآتي لم يكن مقدراً له أن يكون مجرد كاهن عادي
يخدم مدة ثم يخلفه آخر، بل بالأحرى كاهناً إلى الأبد على
رتبة ملكي صادق (مز 4:110). فعلى خلاف سلالة هارون ولاوي
الذين منعهم الموت عن البقاء كهنة كل حين (عب 23:7)،
يُعطينا ملكي صادق بشخصيته العجيبة صورةً لاستمرار رئاسة
كهنوت المسيح إلى ما لا نهاية. ذلك أن ملكي صادق كان ملك
بر وسلام معاً في آنٍ واحد، وهو فريد في تاريخ الإعلان
كلّه، إذ لا يذكر الكتاب شيئاً عن نسبه أو مولده أو موته.
وهكذا كان بمعنى رمزي مشبّهاً بابن الله إذ يبقى كاهناً
إلى الأبد (عب 3:7).
ولكن ما كان عليه ملكي صادق بصورة رمزية فقط، فالمسيح هو
عليه فعلاً وحقاً. ففي وسع المسيح أن يكون رئيس كهنة
أبدياً بكل معنى الكلمة تماماً، لأنه ابن الله الكائن
أزلاً (عب 2:1، 3). إنه قدّم نفسه قرباناً على الأرض وفي
ملء الزمان، غير أنه جاء من فوق، وهو في جوهره ينتمي إلى
الأزل والأبد؛ لذا استطاع أيضاً أن يقدم نفسه في الزمان
بالروح القدس الأزلي (عب 14:9). وعلى قدر ما كان المسيح –
من حيث كونه ابن الله – مستعداً منذ الأزل لأن يجيء إلى
العالم ويفعل مشيئة الله بالتمام(عب 5:10 – 9)، كان أيضاً
كاهناً منذ الأزل. إنما بالنظر إلى إتمام مشيئة الله في
أيام جسده، يمكننا القول أن كهنوته ابتدأ على الأرض فعلاً.
وهكذا كان كهنوت المسيح هذا على الأرض، بقيامته وصعوده،
سبيلاً لأن يغدو رئيس كهنة في المملكة السماوية ويظل كذلك
إلى الأبد. وما يسترعي الألتفات في الرسالة إلى العبرانيين
أنه يجب ألا تعتبر حياة المسيح وعمله على الأرض خاتمةً
للمطاف بل ينبغي اعتبارهما تمهيداً لخدمته الكهنوتية
الأبدية في السماء.
وقد استنتج بعضهم من هذا أن المسيح، بحسب الرسالة إلى
العبرانيين، لم يكن كاهناً بأية حال لما كان على الأرض،
وأنه تولى هذا المنصب أول مرة لما صعد إلى السماء ودخل قدس
الأقداس. وهؤلاء يؤسسون فكرتهم هذه على حقيقة كون الكهنة
على الأرض هم من سبط لاوي، وكان لابدّ أن يكونوا هكذا
ليُسمح لهم بأن يقدّموا القرابين بموجب الشريعة، وعلى كون
المسيح قد طلع من سبط يهوذا لا من سبط لاوي ولذا لم يقدم
قط أي قربان في الهيكل بأورشليم (عب 14:7 ؛ 4:8). فإذا كان
المسيح مع ذلك كاهناً، فلا يقدر أن يكون كذلك إلا في
السماء، ويلزم أن يكون له ما يقدّمه (عب 3:8). وهكذا
استنتجوا أن ما قدّمه هنالك كان هو دمه الخاص الذي دخل به
الأقداس السماوية (عب 11:9،12).
بيد أن هذا الاستنتاج غير دقيق يقيناً، فإن هذه الرسالة
إلى العبرانيين – شأنه شأن سائر كتابات الرسل جميعاً –
تشدد أقوى التشديد على حقيقة أنّ المسيح قد قدم نفسه مرةً
واحدة فقط، أي على الصليب، فحصل لنا فداءً أبدياً. فإن
غفران الخطايا – هذه البركة العظيمة بين بركات العهد
الجديد ونعمه – قد أُحرز كلياً بفضل ذلك القربان الواحد،
أن العهد الجديد المؤسس بدم المسيح قد وضع حداً للقديم.
كذلك كسرت ذبيحة المسيح الواحدة شوكة الخطية والموت
وإبليس، وقدّس المسيح بدمه وأكمل جميع الذين كانوا مطيعين
له (عب 10:10، 14 ؛ 12:13). وبالتحديد، فلأن المسيح قدّم
هذه الذبيحة الواحة على الصليب، صار من حقه أن يجلس في
يمين عرش الله العظيم رئيس كهنة أبدياً (عب 1:8). وهو لن
يتألم ويموت بعد، بل يجلس على العرش ظافراً. والأمر المهم
في محاجة الرسول هو بالتحديد أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد
جلس في يمين عرش العظمة في السماوات (عب 1:8). ولا إمكانية
البتة الآن في السماء بتقديم أي قربان كذلك الذي قدّمه
المسيح على الأرض.
ومع ذلك فالمسيح هو رئيس الكهنة في السماء، ويبقى كذلك.
فبهذه الصفة أُجلس عن يمين الله. نعم، يمكن أن يقال،
بمعنىً من المعاني، مع الرسالة إلى العبرانيين، إنه في
السماء صار أولاً رئيساً للكهنة على رتبة ملكي صادق وتولى
أولاً مباشرة كهنوته الأبدي. وقد كانت حياته كلها على
الأرض تمهيداً وإعداداً ليقوم الآن في السماء بدور رئيس
الكهنة الأبدي لأجل خيرنا. فقد كان هو الابن، وكان ينبغي
أن يكون هكذا لكي يتمكن من أن يصير هو كاهننا الأعلى
العظيم، غير أن هذا لم يكن يكفي. ذلك لأنه، مع كونه ابناً،
كان لازماً أن يتعلم الطاعة مما تألم به (عب 8:5). والطاعة
التي له لكونه ابناً (عب 5:10 – 7) كان ينبغي أن يبديها،
بصفته كائناً بشرياً، في آلامه، ليصير بالتالي رئيس الكهنة
الذي لنا. فجميع الآلام التي جاءت على المسيح، والتجارب
التي تعرض لها، والموت الذي خضع له، هذه كلها كانت في يد
الله بمثابة الوسيلة لتقديس المسيح وتكميله لأجل الخدمة
الكهنوتية التي ينبغي الآن أن يقوم بها أمام وجه الله.
طبعاً، لا يجوز أن نفهم تقديس المسيح وتكميله هذين بمعنىً
أدبي، كما لو كان المسيح قد صار طائعاً بالتدريج من خلال
الجهاد. إنما يفكر الرسول، بالأحرى، بوصفه ابناً، على
طاعته في مواجهة كل تجربة، وبذلك يتأهل كلياً ليكون رئيس
كهنة إلى الأبد.
فمن طريق الطاعة إذاً أحرز المسيح بكل جدارة منصبه هذا
كرئيس كهنة عن يمين الله في عرش العظمة. فعلى أساس آلامه
وموته، أي على أساس ذبيحته الواحدة الكاملة، هو الآن جالس
عن يمين الجلالة في أعلى السماوات. إذ أنه بدم نفسه
(والباء هنا لا تفيد المصاحبة بل السببية) دخل مرةً واحدة
إلى الأقداس السماوية (عب 12:9) وهو الآن هناك، في المسكن
الحقيقي الذي بناه الله نفسه. وهناك يقوم الآن بعمله
خادماً للأقداس (عب 2:8). فالآن هو، أول مرة، كاهن على
رتيبة ملكي صادق، بكل معنى العبارة، وإلى الأبد (عب 10:5 ؛
20:6). وكما كان رئيس الكهنة في العهد القديم يدخل قُدس
الأقداس مرةً واحدة في السنة، وذلك في يوم الكفّارة
العظيم، بدم التيس المذبوح لأجل نفسه، وبدم التيس المذبوح
لأجل الشعب، بغيّة أن يرش الدم على كرسي الرحمة (غطاء
التابوت) وحواليه، كذلك تماماً شق المسيح، بفضل دم ذبيحته
على الصليب، الطريق إلى الأقداس الحقيقية في السماء (عب
12:9). فهو لم يأخذ معه في السماء الدم الذي سفكه فوق
الجلجثة، بالمعنى الحرفي، ولا قدّمه ورشه هناك، بالمعنى
الواقعي، بل إنه بدمه الخاص دخل المسكن الحقيقي. إذ عاد
إلى السماء آنذاك بوصفه مسيحاً قد مات وأُقيم، فهو كان
ميتاً أما الآن حيّ إلى أبد الآبدين (رؤ 18:1). وهو القائم
في وسط العرش كالخروف الذي كان مذبوحاً (رؤ 6:5). إنه، في
شخصه، واسطة الكفّارة : فهو كفّارة لخطايانا وللعالم أجمع
(1يو 2:2).
وعليه، فإن خدمة المسيح في السماء بوصفه رئيس الكهنة تكمن
في ظهوره، أمام وجه الله لأجلنا (عب 24:9). وبقيامه هناك
بكل ما ينبغي القيام به أمام الله لأجل التكفير عن خطايا
شعبه، يتبرهن أنه رئيس كهنة رحيم وأمين (عب 17:2). وهو يهب
كي يعين المجرّبين (عب 18:2 ؛ 15:4)، ويأتي إلى المجد
بأبناء كثيرين (10:2). وفي طريق الطاعة صار هو نفسه رئيساً
لجميع الذين يتقدمون إلى الله بوساطته. وهو رائدهم وقائدهم
في الإيمان، ولذلك يقدر أن يأتي بالآخرين إلى الإيمان
ويحفظهم فيه إلى النهاية (عب 2:12). كما أنه أيضاً رئيس
الحياة (أع 15:3) بالنسبة إلى المؤمنين به، لأنه كسب تلك
الحياة أولاً بموته، ولذلك يقدر الآن أن يعطيها إلى
الآخرين. كذلك هو رئيس الخلاص (عب 10:2) لأنه نفسه قد شق
الطريق إلى الخلاص وسار فيها، ولذلك يقدر أن يقود الآخرين
إليها ويدخل بهم إلى الأقداس (عب 20:10).
فالمسيح إذاً هو، دائماً وفي كل شيء،شفيعنا عند الآب.
ومثلما صلّى لأجل تلاميذه لما كان على الأرض (لو 34:23)،
وسلّم الكنيسة كلّها للآب في صلاته كرئيس كهنة (يو 17)،
فكذلك أيضاً يواصل في السماء تشفعه لأجل خاصته. صحيح أنه
ينبغي أن نفهم هذا بمعنى أنه ينطرح أمام الآب متضرعاً إليه
ومناشداً إياه أن يبدي الرحمة. لأن الآب نفسه يحبنا وقد
بذل ابنه بيّنة على محبته. ولكن شفاعة المسيح تعني ضمناً
أن محبة الآب لا تمنح لنا البتة إلا في الابن الذي أطاع
حتى الموت موت الصليب. فليس تشفع المسيح إذاً توسلاً لأجل
النعمة، بل هو التعبير عن إرادة قاعة (يو 24:17)، إذ هي
سؤال الابن أيعطيه الآب الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض ملكاً
له (مز 8:2). فأمامنا هنا المسيح المصلوب والممجد، ابن
الآب الوحيد الحبيب، ذاك الذي أطاع ولكنه أيضاً رُفّع إلى
عرش الظلمة. ههنا رئيس الكهنة الرحيم والأمين الذي قدّس
وكمل خدمته في السماء، والذي بشفاعته تُقدم إلينا رحمة
الآب.
فإزاء جميع التهم التي يوجهها إلينا الناموس والشيطان
وقلوبنا، سيتولى المسيح بنفسه مهمة الدفاع عنا (عب 25:7 ؛
1يو 2:2). وهو يأتي إلى معونتنا في جميع تجاربنا، ويرثي
لضعفاتنا. وينقي ضمائرنا. إنه يقدس ويُخلص إلى التمام جميع
الذين يتقدمون به إلى الله، ويعدّ لهم مكاناً في بيت الآب،
المنازل كثيرة والمجال متسع للعديدين (يو 2:14، 3)، ويحفظ
لهم ميراثهم السماوي(1بط 4:1). وإذاً، فلا شيء يخشاه
المؤمنون. فمن حقهم أن يتقدموا بثقة إلى عرش النعمة (عب
16:4 ؛ 22:10) وقد نالوا أيضاً من عند المسيح في السماء
روح التبني الذي به يصرخون "أباً، أيها الآب" وبه قد
انسكبت محبة الله في قلوبهم (رو 5:5 ؛ 15:8). وكما أن
المسيح هو شفيعهم عند الآب في قلوبهم. ومن المعتقدات
الأساسية المهمة في إيماننا المسيحي إذاً إن لنا رئيس كهنة
جالساً عن يمين عرش الجلالة في السماوات (عب 1:8). من هنا
لا نحتاج بعد إلى كاهن ولا ذبيحة، ولا مذبح ولا هيكل، هنا
على هذه الأرض.
***************
 |