الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 في ارتفاعه-5

ثم إن المسيح يواصل أيضاً ممارسة وظيفته الملكية في السماء بعد قيامته. وبخصوص هذه الحقيقة، يقلّ الاختلاف في الآراء طبعاً، لسبب أن المسيح بقيامته وصعوده قد رفّعه الآب ربّاً ومسيحاً، ورئيساً (قائداً) ومخلصاً، وأجلسه في يمين عرش العظمة، وأعطاه اسماً يفوق كلّ اسم. فإن كون المسيح ملكاً واضحاً بكل جلاء في ارتفاعه أكثر مما هو في اتضاعه.

وتضع الكلمة المقدسة حداً ضمن ملكوت المسيح هذا الواحد. فهنالك ملك المسيح على صهيون، إي على شعبه، وعلى الكنيسة؛ وهنالك أيضاً مُلكه الذي يمارسه على أعدائه. أما الأول فملك النعمة؛ وأما الثاني فملك قوة وسلطان.

وفيما يتعلق بالكنيسة، غالباً ما يستخدم العهد الجديد لفظة "الرأس" بالتبادل مع " الملك ". فإن للمسيح بالكنيسة التي اقتناها بدمه علاقة حيوية  وثيقة جداً بحيث لا يكفي اسم واحد للتعبير عن مضمونها. وهكذا يقدم الكتاب المقدس صور بيانية عديدة لإيضاح شيء ما عما يعنيه المسيح لكنيسته. فهو منها ما هو العريس من عروسه (يو 29:3 ؛ رؤ2:21)، والرجل من امرأته (أف 25:5 ؛ رؤ 9:21)، والبكر من أخوته (رو 29:8 ؛ عب11:2)، وحجر الزاوية من البناء (مت 24:21  ؛ أع 11:4 ؛ 1بط 4:2-8)، والكرمة من الأغصان (يو 1:15 ؛2)، والرأس من الجسد. نعم، إن المسيح بالنسبة إلى الكنيسة هو ذلك كله وفوق ذلك.

و الصورة البيانية الأخيرة، على الخصوص، ترد في الكتاب مراراً وتكراراً. ويقول الرب يسوع نفسه في متى 42:21 إن التصريح الذي جاء في المزمور 22:118 قد تحقق فيه هو : الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية. وكما يعمل حجر الزاوية على ربط جدران البناء بعضها ببعض وعلى توطيدها، كذلك المسيح أيضاً، ولو رفضه اليهود، قد اختاره الله ليؤدي دور حجر الزاوية لكي تتحقق فيه الثيوقراطية، أي مُلك الله على شعبه. ويذكر الرسول بطرس هذه الفكرة في أعمال الرسل 11:4، كما يتوقف عندها في رسالته الأولى بأكثر تحديد، حيث لا يردها فقط إلى المزمور 22:118، بل أيضاً إلى أشعياء 16:28. فهو يصف المسيح  بأنه الحجر الحي الذي وضعه الله في صهيون ولذي إليه أُضيف المؤمنون كحجارة حية (1 بط 4:2-6). ويأتي بولس بوصف مكمل لهذه الصورة إذ يشير إلى أن الكنيسة قد بنيت على الأساس الذي أرساه الرسل والأنبياء في كرازتهم بالإنجيل، وأنّ المسيح نفسه هو حجر الزاوية في بناء الكنيسة المرفوعة على ذلك الأساس (أف 20:2). وفي موضع آخر يُدعى المسيح نفسه أساس الكنيسة (1كو10:3). لكنه هنا، في أفسس 20:2، يدعى حجر الزاوية. مثلما يكمن مبدأ الثبات في حجر زاوية البناء، هكذا تماماً لا وجود للكنيسة إلا في المسيح الحي وحده.

ولكنّ استعارة البناء، رغم أنها تصور المسيح بوصفه حجر الزاوية، لا تكفي وحدها للتعبير عن العلاقة الوثيقة بين المسيح وكنيسته. فالعلاقة بين حجر الزاوية والبناء هي علاقة اصطناعية رغم كل شيء، أما وحدة المسيح وكنيسته فهي رباط وحدة حي. وتبعاً لذلك تكلم المسيح لا كمجرد حجر جعله الله رأس الزاوية، بل أيضاً كالكرمة التي تفرخ الأغصان وتغذيها بعصارتها (يو 1:15 ؛ 2). وفيما عزز بطرس الاستعارة بوصفه الحجارة بأنها حية، لم يقف بولس عند ذكر بناء ينمو وجسد يبنى (أف 21:2 ؛ 12:4)، بل يصور المسيح أيضاً، ومرة تلو المرة، بوصفه رأس الكنيسة (جسده).

فإنّ كل كنيسة محليّة هي جسد للمسيح أعضاؤها مترابطون كأعضاء الجسد الواحد، يحتاج بعضهم إلى بعض ويخدم أحدهم الآخر (رو 4:12، 5 ؛ 1كو 12:12-27). ولكن كنيسة المسيح ككل هي جسد المسيح أيضاً.وهو بفضل قيامته وصعوده قد جُعل رأس لها. وبهذه الصفة هو مصدر حياة الكنيسة. فهو يمنح الكنيسة حياتها في البداية، لكنه أيضاً يطعمها ويعتني بها ويحفظها ويحميها. وهو يجعل الكنيسة تنمو وتزدهر، ويجعل كل عضو من أعضائها يبلغ نضجه الكامل، وهو أيضاً يوحد الأعضاء جميعاً ويجعل كلاً منهم يعمل لخير الآخر. وبكلمة، إنه يملؤها إلى كل ملء الله.

عاش في أيام الرسول بولس معلمو بدع زعموا من أعماق الكينونة الإلهية تنبثق كل أنواع الكائنات الروحية في سلسلة انحدارية، وإنّ هذه كلها تكون معاً ملئه أو قامته المكتملة. ففي مواجهة هذا الزعم يقدم بولس حقيقة أنّ ملء الله كله يحل في المسيح وحده وأنّه يحل فيه جسدياً، وأنّ المسيح يجعل هذا الملء بدوره يحل في كنيسته التي هي جسده وملؤه (أي الجسد مملوء إلى التمام بالمسيح) - ملء ذاك الذي يملأ الكل في الكل (أف 23:1). فلولا المسيح الذي منه كل شيء لما كان في الكنيسة شيء – لا موهبة ولا قوة ولا وظيفة ولا خدمة ولا إيمان ولا رجاء ولا محبة ولا خلاص. ولسوف يستمر المسيح في عمل الملء هذا إلى أن تمتلىء  الكنيسة بجملتها وأجزائها بملء الله. عندئذ تكون الكنيسة قد اكتملت ويكون الله هو الكل في الكل (1كو 28:15).

غير أن المسيح يدعى أيضاً "الرأس" بمعنىً آخر. ففي 1كورنثوس 3:11 يقول إن المسيح هو رأس كل رجل. وفي 2تسالونيكي 10:2 يدهوه رأس كل رياسة وسلطان، أي الملائكة جميعاً، لأنه هو البكر على كلّ خليقة (كو 15:1). وفي أفسس 10:1 يذكر أنّ قصد الله من جهة تدبير ملء الأزمنة هو أن يجمع كل شيء في المسيح (الكلمة اليونانية تفيد معنى اختصار جميع الأشياء وحصرها تحت رأس واحد) ما في السماوات وما على الأرض. فواضح على كل حال أنّ اسم "الرأس" له في سياق هذه الآيّات معنىً يختلف عن مدلوله حيث يدعى المسيح رأس الكنيسة. ففي الحالة الأخيرة هنا يفكر بولس على الخصوص بالعلاقة العضوية – إي مبدأ الحياة الموّحد – بين المسيح والكنيسة. ولكن حيث يدعى المسيح رأس الرجل، أو الملائكة أو العالم، فالتشديد يكون على صورة الملك السيّد. فالخلائق كلها بغير استثناء خاضعة للمسيح، كما أنّ المسيح نفسه بوصفه وسيطاً هو خاضع للآب (1كو 13:11). وبينما يمارس سيادة النعمة على الكنيسة، ولذلك يُدعى غالباً رأس الكنيسة، فإنه يتقلد سيادة السلطة على الخلائق كلها. وفي هذه العلاقة نادراً ما يُدعى رأساً، وغالباً ما يُدعى ملكاً وربّاً. فهو ملك الملوك وربّ الأرباب، وبوصفه ملكاً سوف يملك حتى توضع جميع أعدائه تحت قدميه.

وينبغي عدم توحيد ملكوت السلطة هذا بالسيادة المطلقة التي يملكها المسيح، من حيث طبيعته اللاهوتية، مع الآب والروح على السواء. فمن الواجب أن نميز بين صفة القدرة على كل شيء التي هي بيد الابن منذ الأزل والسلطان الذي يذكره المسيح في مت 18:28 والذي يُدفع إليه خصيصاً باعتباره وسيطاً في كلتا طبيعتيه. فباعتبار المسيح وسيطاً، له أن يجمع كنيسته ويحكمه ويحميها، ولكي يقوم بذلك ينبغي قبلاً أن يكون أقوى من جميع أعدائه وأعداء الكنيسة. ولكن ذلك بالطبع ليس هو السبب الوحيد الذي لأجله دُفعت إلى يد المسيح سلطة الملك المطلقة. فثمّة أيضاً سبب آخر لذلك، وهو أنه للمسيح، بوصفه وسيطاً، من أن ينتصر حتماً على جميع أعدائه. وهو لا يواجههم في المعركة بقدرته الإلهية الكلية، بل يبدي لهم السلطان القاهر في كسبه بآلامه وموته. والنزاع بين الله وخليقته نزاع عدلً وحق. فكما أن الكنيسة اُفتديت في طريق العدل، فأعداء المسيح كذلك لابدّ أن يُدانوا يوماً في طريق العدل. وفي مواجهتهم، لن يستعمل الله قدرته على كل شيء، الأمر الذي يستطيع يقيناً أن يفعله، ولكنه سيظفر بهم في صليب المسيح (كو 15:2). ولو شاء الله أن يطارد أعداءه بقدرته الكلية، لما استطاع الوجود لحظة. غير أنه يسمح لهم بأن يولدوا ويعيشوا، جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن. وهو يُغدق عليهم خيراته، ويهبهم جميع الهبات التي يملكونها في الروح والجسد، ولكنهم هم يسيئون استعمالها بتوظيفها ضدّه تعالى. لكنا في وسع الله أن يفعل هذا، وهو حقاً يفعله، لأن المسيح هو الوسيط. ومع أن الآن ليس كل شيء مُخضعاً له بعد، فهو مع ذلك مكلل بالمجد والكرامة، ولسوف يسود ملكاً حتى تُخضع له جميع أعدائه قهراً. وأخيراً، في آخر الدهر، عندما ينتهي تاريخ العالم كله، وتاريخ كل إنسان فرد أيضاً، لابدّ أن يُقرّ كلّ امرئٍ، في ضميره الخاص، بسيادة المسيح، إذ يرى الجميع كل ما أسبغه الله من عطايا روحية ومادية لأجل خاطر الوسيط الوحيد. فطوعاً أو كرهاً، سوف تنحني له يوماً كلّ ركبة، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربّ، لمجد الله الآب (في 10:2، 11). ويوماً ما، لابدّ أن ينطق المسيح بالحكم النهائي على كلّ مخلوق بشريّ. وهو لن يدين أحداً غير الذين قد دينوا قبلاً في ضمائرهم بتبكيتٍ من الروح القدس (يو 18:3 ؛ 8:16 – 11).