الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية   بين العقل والإيمان الجزء 4

الفصل الأول
 
عطية الروح القدس

العمل الأول الذي قام به المسيح بعد ارتفاعه إلى يمين الآب هو إرسال الروح القدس. فبارتفاعه إلى السماء، قَبِلَ شخصياً من الآب، الروح القدس الموعود به في العهد القديم، ولذلك يستطيع الآن أن يسكبه على تلاميذه كما وعدهم (أعمال 2: 33). والروح الذي أعطاه المسيح منبثق من الآب ومُعطى له من قبل الآب وموهوب بالتالي للكنيسة (لو 24: 49؛ يوحنا 14: 26).

وإرسال الروح القدس هذا الذي جرى يوم الخمسين هو حدث فريد في تاريخ كنيسة المسيح. فمثله مثل الخلق والتجسد، حدث مرة واحدة فقط. ولم يسبقه أي مَنحٍ للروح معادل له في الأهمية ولا حق له. وكما أن المسيح عندما حُبِلَ به اتخذ الطبيعة الإنسانية بحيث لن يعود يتخلى عنها أبداً، هكذا اختار الروح القدس الكنيسة في يوم الخمسين مسكناً له وهيكلاً، ولن يعود ينفصل عنها البتة. ويشير الكتاب المقدس بوضوح إلى الأهمية الخاصة لما حدث يوم الخمسين إذ يصفه بأنه "تدفق" أو "انسكاب" للروح القدس.

هذا لا يعني بالطبع أن نقول إنه لا ذكر لنشاط الروح القدس بمختلف أوجهه ولا مواهبه قبل يوم الخمسين. فقد سبق لنا أن لاحظنا أو الروح مع الآب والابن هو خالق جميع الأشياء، وأن الروح في مجال الفداء هو محدِثُ الحياة والخلاص جميعاً ومعطي المواهب والقدرات كلها. ولكن هنالك فرقاً بين نشاط الروح القدس وهباته في أيام العهد القديم وبينهما في العهد الجديد. والفرق واضح وجوهري. ويبدو ذلك، أول كل شيء، في حقيقة كون تدبير العهد القديم قد تطلّع دائماً إلى ظهور الرب الذي سيستقر عليه روح الرب بكل ملئه، بوصفه روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب (إش 11: 2). وفي المقام الثاني، يتنبأ العهد القديم نفسه، بالرغم أنه من وجود مواهب ونشاطٌ للروح القدس بصورة ما، إلا أن الروح لن ينسكب على كل بشرٍ – بنين وبنات وشيوخاً وشباباً وعبيداً وإماءً – إلا في الأيام الأخيرة.

وكلتا النبوءتين قد تمّتا في العهد الجديد. يسوع هو المسيح. مسيح الله فائق المجد. أجل، قد حُبِلَ به بالروح القدس، وقد مُسِحَ عند معموديته بالروح القدس. ولكن ليس هذا هو كل ما في الأمر، بل إنه قد عاش وعمل في كل حين بذلك الروح أيضاً. به اقتيد إلى البرية (لو 4: 1)، وبه رجع إلى الجليل (4: 14) وبه كُرز بالإنجيل، وشفى المرضى، أخرج الشياطين، وأسلم نفسه للموت (عب 9: 14)، وأُقيم، وتعيّن ابن الله بقوة (رو 1: 4). وعلى مدى الأربعين يوماً التي انقضت في ما بين قيامته وصعوده، أعطى تلاميذه وصايا بالروح القدس. وعند صعوده الذي به أخضع لنفسه جميع أعدائه وأُخضعت له جميع الملائكة والسلاطين والقوات (أف 4: 8؛ 1 بط 3: 22) أخذ الروح القدس بملئه وكل سلطانه. فإذ صعد إلى العلاء، سبي سبياً، أعطى الناس عطايا، وارتفع فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل (أف 4: 8 - 10).

نوال المسيح للروح القدس هو امتلاك مطلق بمعني إن الرسول بولس استطاع أن يقول في (2 كورنثوس 3: 17) إن الرب (أي المسيح بوصفه الرب الممجد) هو الروح. ولا يعني بولس بهذا القول، بطبيعة الحال، أن يلغي التمايز بين الاثنين، لأنه في الآية التالية يعود فيتكلم مباشرة عن الروح (في قوله "الرب الروح"). بل أن الروح القدس قد صار في المسيح إلى كمال الملء، حتى إن المسيح – إذا جاز التعبير – قد تشبّع به كلياً، أو تمثّله تماماً. فبقيامة المسيح وصعوده صار هو "روحاً مُحيياً" (1 كو 15: 45). وله الآن الأرواح السبعة (أي الروح في ملئه كما أنه هو مالك الكواكب السبعة) (رؤ 3: 1). وروح الله هو إذ ذاك روح الابن، روح المسيح، الروح الذي – ليس من حيث الكينونة الإلهية فقط بل على توافق معا وبالنسبة إلى تدبير أزمنة الخلاص أيضاً – ينبثق من عند الآب والابن ويرسله الابن كما يرسله الآب (يو 14: 26؛ 15: 26؛ 16: 7).

فعلى أساس طاعته الكاملة حصل المسيح على حرية التصرف المطلق في ما يتعلق بالروح القدس وجميع مواهب ذلك الروح وقواته. فيمكن للمسيح الآن أن يعطي هذا الروح لمن يشاء، وبالكيل الذي يريد، لا على خلاف مع مشيئة الآب والروح كليهما، بل وفاقاً لها بالطبع. فإن الابن يرسل روح الآب (يو 15: 26). والآب يرسل الروح باسم الابن (يو 14: 26). والروح لا يتكلم من نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمعه. فكما مجّد المسيح على الأرض الآب في كل حين، هكذا أيضاً يمجّد الروح بدوره المسيح، فيأخذ منه كل شيء ويخبر تلاميذه (يو 16: 13، 14). وعلى هذا، يضع الروح القدس نفسه في خدمة المسيح بغير حد، وفي الروح القدس وبه يعطي المسيح للكنيسة مما له ومن بركاته.

فليس بالقوة ولا بالقدرة يسود المسيح في الملكوت الذي أعطاه إياه الآب. إنه لم يفعل هذا في اتضاعه، ولن يفعل في ارتفاعه. بل يستمر في أداء كامل عمله، النبوي والكهنوتي والملكي، بطريقة روحية من مقامه في السماء. فهو لا يحارب إلا بأسلحة روحية فقط. إنه ملك نعمةٍ وملك قوة، لكنه في كلا الحالتين يُجري مُلكه بالروح القدس الذي يستخدم بدوره الكلمة كواسطة نعمة. فبذلك الروح يعلّم ويرشد كنيسته، ويعزيها ويقودها ويسكن فيها. وبذلك الروح عينه يبكّت العالم على خطية، وعلى برّ، وعلى دينونة (يو 16: 8 - 11). ولسوف يكون النصر النهائي الذي يحرزه المسيح على جميع أعدائه نصراً للروح القدس.

بعد ارتفاع المسيح إلى يمين الله، يمكن أن يتم الوعد الثاني المبيّن في العهد القديم، إنه يتحدث عن سكب الروح القدس على كل بشر. وكان لابد أولاً أن ينال المسيح ذلك الروح ويخصّصه لنفسه بالتمام، قبل أن يعطيه لكنيسته. فقبل ذلك الحين، أي قبل الصعود، لم يكن الروح القدس قد أعطي بعد، لأن المسيح لم يكن قد مُجِّد بعد (يو 7: 39). ولا يعني هذا بالطبع أن الروح القدس لم يكن موجوداً قبل تمجيد المسيح، فإنه يشار إليه في العهد القديم مراراً وتكراراً. وتفيدنا الأناجيل أيضاً أن يوحنا المعمدان امتلأ من الروح القدس (لو 1: 15)، وأن سمعان أتى به الروح القدس إلى الهيكل (لو 2: 26، 27)، وأن يسوع حُبل به بالروح القدس وبه مُسح، وهكذا دواليك. بالإضافة إلى أنه لا يمكن أن يعني ذلك أن التلاميذ لم يكونوا يعلمون قبل يوم الخمسين أن الروح القدس موجود. لأنهم تعلموا خلاف ذلك من العهد القديم ومن المسيح بالذات. حتى تلاميذ يوحنا الذين قالوا لبولس في أفسس إنهم لم يقبلوا الروح القدس ولا سمعوا أنه يوجد (أع 19: 2) لا يعقل أن يكون قصدهم أنهم يجهلون كلياً حقيقة وجود الروح القدس. فما قصدوا قوله هو أنهم لم يلاحظوا أي عمل غير معتاد للروح القدس، أي حدث يوم الخمسين. أنهم كانوا يعلمون أن يوحنا المعمدان كان نبياً أرسله الله وأهلّه الروح. لكنهم ظلّوا تلاميذ ليوحنا ولم ينضموا إلى المسيح وجماعته، وهكذا لبثوا خارج نطاق الكنيسة التي قبلت الروح القدس يوم الخمسين. ففي ذلك اليوم انسكب الروح القدس على نحوٍ لم يسبق له مثيل.

كان العهد القديم قد سبق فعبّر عن هذا الموعد، ويسوع أيضاً اتخذه وأشار إليه مراراً في تعليمه. وسبق يوحنا المعمدان فقال عن المسيح الذي كان آتياً بعده، إنه لن يعمّد بالماء مثله بل بالروح القدس وبالنار المطهِّرة والمحرقة. ووفقاً لهذا التصريح وعد الرب يسوع تلاميذه بأنه بعد ارتفاعه سيرسل إليهم من عند الآب الروح القدس الذي يرشدهم إلى جميع الحق. وبقوله هذا كان يشير صراحة إلى فاصل بين نوعين من نشاط الروح القدس. ذلك أن الروح القدس، بمقتضى نوعٍ واحد، وقد سُكب في قلوب تلاميذ المسيح، يعزّيهم ويرشدهم إلى الحق ويمكث معهم إلى الأبد. غير أن روح التعزية والإرشاد هذا لا يُعطى إلا لتلاميذ المسيح. فالعالم لا يستطيع أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه (يو 14: 17). وعلى عكس ذلك، يقوم الروح القدس في العالم بنشاط من نوع آخر مختلف: فإذ يسكن في الكنيسة من حيث يمارس تأثيره في العالم، يبكّت العالم على خطية، وعلى برّ، وعلى دينونة، ويحكم عليه بالنسبة إلى هذه الثلاثة جميعاً (يو 16: 8 - 11).

وقد أتمّ المسيح وعده لتلاميذه بالمعنى الحصري، أي للرسل، قبل صعوده. فلما ظهر لهم ثانيةً في مساء يوم قيامته، عرّفهم بمهمتهم الرسولية على نحو جليل، إذ نفخ فيهم وقال: اقبلوا الروح القدس؛ من غفرتم خطاياه تُغفر، ومن أمسكتم خطاياه تُمسَك (يو 20: 22، 23). فلأجل القيام بالوظيفة الرسولية التي ينبغي أن يمارسوها آنذاك، كانت تعوزهم عطية الروح الخاصة وقوته. وقد أعطاهم ذلك هو نفسه قبل صعوده. وهذا يمتاز نوعياً عن الانسكاب الذي أعطاه في ما بعد لتلاميذه بالاشتراك مع جميع المؤمنين به.

فالانسكاب التام حدث بعد أربعين يوماً من صعود المسيح (يوم الخمسين). كان اليهود آنئذ يعيّدون عيد الحصاد، تذكاراً لإعطائهم الشريعة على جبل سيناء. وكان التلاميذ في أورشليم ينتظرون إتمام وعد المسيح لهم، وهم كلّ حين في الهيكل يسبحون الله ويباركونه (لو 24: 29، 53). ولكنهم الآن لم يكونوا وحدهم. فقد كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع إخوته، ومعهم آخرون كثيرون، إذ كان مجموع الأسماء معاً نحو مئة وعشرين (أع 1: 14، 15؛ 2: 1). وإذ كانوا مجتمعين هكذا، حصل بغتةً وعلى غير توقّع صوت من السماء كصوت هبوب ريح عاصفة، وملأ البيت كله حيث كانوا جالسين جميعاً، وليس فقط المكان الذي كان الرسل فيه، بل ظهرت في الوقت عينه ألسنة منقسمة كأنها من نار، جاءت على كل واحدٍ من المجتمعين هناك واستقرت عليهم أجمعين. وهكذا حصل انسكاب الروح القدس، مصحوباً بهذه العلامات الظاهرة التي تدل على نشاط الروح المطهِّر والمنوِّر. فقد امتلأ الجميع من الروح القدس (أع 2: 4).

ومثل هذا التعبير ورد من قبل أيضاً (خر 31: 3؛ مي 3: 8؛ لو 1: 41). ولكن الفرق يكمن في المظهر. فحتى ذلك الحين كان الروح القدس يحل على قلّة من الأشخاص المتفرقين، وبصورة وقتية فقط لأجل غرض معين. غير أنه الآن انسكب على الكنيسة كلها بجميع أفرادها، وهو يظل ساكناً فيها وعاملاً باستمرار. وكما ظهر ابن الله أكثر من مرة في أيام العهد القديم لكنه اختار الطبيعة البشرية مسكناً دائماً فقط عندما حُبل به، فكذلك أيضاً تماماً وُجدت في ما مضى جميع أنواع النشاط والقدرة الخاصة بالروح القدس، إلا أنه في يوم الخمسين فقط اتّخذ الروح القدس الكنيسة مسكنه الذي يستمر في تقديسه وبنيانه والذي لن يغادره البتة. وسُكنى الروح القدس يعطي كنيسة المسيح كيانها المستقلّ. فلم تعد تلك الكنيسة بعد مقصورة على أمة واحدة ولا محصورة ضمن حدود أرض معينة، بل إنها الآن تحيا مستقلة بالروح الذي يسكنها وتنتشر على الأرض كلها. ولم يعد الله يقيم في هيكل أرضي، بل سكناه في الكنيسة، جسد المسيح. ففي ذلك اليوم ولدت هذه الكنيسة باعتبارها كنيسة ذات رسالة تؤديها في العالم كله. فنزول الروح القدس هو النتيجة الحتمية لصعود المسيح والبرهان على حقيقة هذا الصعود. ومثلما قدّس الروح أولاً المسيح بالآلام وكمّله ورفعه إلى أعلى مقام، كذلك هو الآن عاكفٌ بالطريقة نفسها على تكوين جسد المسيح إلى أن يبلغ قامته الكاملة، فيصير هذا الجسد هو ملء ذاك الذي يملأ الكل في الكل.

صاحَب انسكاب الروح هذا، في زمن التلاميذ الأولين، أنواع شتى من القوات والأعمال الخارقة. فما أن امتلئوا من الروح القدس في يوم الخمسين، حتى ابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع 2: 4). وبحسب وصف لوقا، ينبغي لنا أن نحسب هذه الظاهرة معجزة كلام لا معجزة سماع. فقد كان لوقا رفيقاً لبولس ومعاوناً له، وشهد جيداً ظاهرة التكلّم بألسنة كما حدثت في كورنثوس مثلاً. وهو يتكلم عنها في (أعمال 10: 46، 47؛ 19: 6). فلا شك في أن هذه الظاهرة التي حدثت يوم الخمسين منوطة بالتكلّم بألسنة، وإلا فما كان في وسع بطرس أن يقول إن كرنيليوس وصحبه قد قبلوا الروح القدس كما كان بطرس وسائر التلاميذ قد قبلوه (أعمال 10: 47؛ قارن 11: 17 و 15: 8). غير أنه كان هناك فرق. إذ إن التكلم بألسنة، في (1 كو 14) كما في (أع 10: 46 و 19: 6)، لا تتبعه الصفة "أخرى"، بينما ترد هذه اللفظة صراحةً في (أعمال 2: 4). فحينما كان أفراد الكنيسة في كورنثوس يتكلمون بألسنة، لم يكن من يفهمهم إلا إذا حصلت ترجمة في ما بعد (1 كو 14: 2 وما يلي). ولكن في أورشليم كان التلاميذ يتكلمون بألسنة أخرى قبل أن يأتي الجموع ويسمعوهم. فمن المستبعد أن تكون عجزة سماع قد حصلت (أع 2: 4). ولما سمع الجموع الكلام، فهموا ما كان يُقال، لأن كل واحدٍ سمع التلاميذ بلغته التي نشأ عليها (أع 2: 6، 8). فاللغات الأخرى المشار إليها في الآية الرابعة هي بلا شك اللغات التي تدعوها الآية السادسة لغات السامعين، والتي تسمَّى أيضاً في الآية الثامنة اللغات التي وُلِد فيها السامعون. إذاً، لم تكن تلك أصواتاً بلا معنى نطق بها الرسل، بل كانت ألسنة "أخرى"، ألسنةً "جديدة" على حدّ قول مرقس في (مر 16: 17)، لغات لم تكن متوقّعة من جليليين غير متعلمين (أع 2: 7). وفي تلك اللغات كلها أعلن التلاميذ عظائم الله؛ ولاسيما تلك التي فعلها تعالى في أقرب عهد إليهم بإقامة المسيح وترفيعه (أع 2: 4 ثم 14 وما يلي).

ليس لنا أن نأخذ ما جاء في لوقا عن ذلك كما لو أنه يعني أن تلاميذ المسيح في تلك اللحظة عرفوا جميع اللغات الممكنة على الأرض وصاروا قادرين على التكلّم بها. ولا تعني أقوال لوقا أيضاً أن جميع التلاميذ تكلموا بجميع اللغات الأخرى. حتى إن القصد من وراء معجزة الألسنة هذه لم تكن تمكين التلاميذ من المناداة بالبشارة للغرباء بلغاتهم الخاصة لأن هؤلاء لم يكونوا ليفهموها إلا بهذه الطريقة. فإن الخمسة عشر اسماً الواردة في الآيات 9 – 11 لا تمثل لغاتٍ تماثلها عدداً، بل هي أسماء البلدان التي منها جاء الغرباء إلى أورشليم بمناسبة يوم الخمسين. وكان جميع الغرباء المذكورين قادرين على فهم الآرامية أو اليونانية، بحيث لم تدع الحاجة في هذا المجال إلى جعل الرسل قادرين على التكلم بلغات جديدة. ولا نجد في العهد الجديد في ما بعد أيضاً أي ذكرٍ لموهبة اللغات الغربية هذه. حتى أن بولس، رسول الأمم، لا يتكلم عنها شيئاً، مع أنه كان ينبغي بكل تأكيد أن يحصل على هذه الموهبة أكثر من سواه. فقد كان في وسعه أن يتخاطب جيداً مع أهل زمانه بالآرامية واليونانية.

لذلك، كان التكلم بألسنة غريبة، يوم الخمسين، حدثاً فريداً. حقاً أنه كان على علاقة بالتكلم من نوعٍ خاص وبدرجة أعظم. وقد صنّف بولس ذلك النوع العام والشائع في مرتبة أدنى من التنبؤ. فقد كان عمل الروح القدس، المسكوب آنذاك أول مرة في ملئه، قوياً جداً حتى أنه سيطر على كامل الوعي وعبّر عن نفسه بنطق أصوات جليّة ميّزها السامعون باعتبارها لغاتهم الخاصة. وهكذا لم يكن غرض هذه المعجزة إعداد التلاميذ بمعرفة لغاتٍ أجنبية، بل بالأحرى – وعلى نحو فائق للعادة – أن يتخلّف انطباع عن الحادثة العظيمة التي حصلت أنئذ. وكيف كان ممكناً أن يتم ذلك على نحو أفضل من جعل الكنيسة الصغيرة والحديثة العهد تُعلن عظائم الله بلغاتٍ عديدة؟ فعند الخلق ترنّمت كواكب الصبح معاً تهلّل بنو الله جميعاً. وعند ولادة المسيح أشاد جمهور الجند السماوي بمسرّة الله. ويوم ولادة الكنيسة، تُشيد الكنيسة نفسها بعظائم الله في نغماتٍ شتى.

ومع أن للتكلم بألسنة بارزة بين علامات يوم الخمسين، ينبغي لنا أن نتذكر أن انسكاب الروح في تلك الفترة الأولى تجلّى في عدّة قوات وأعمال فائقة. فكانت عطيّة الروح القدس تُمنح عندما يقبل أحدهم إلى الإيمان، وأحياناً عند المعمودية (أع 2: 28)، أو عند وضع اليد قبل المعمودية (أع 9: 17) أو بعدها (أع 8: 17؛ 19: 6). لكنها اشتملت عادةً على منح قوةٍ خاصة. وهكذا نقرأ عن إعطاء التلاميذ بالروح القدس جسارة للتكلم بالكلمة (أع 4: 8، 31)، وقوة إيمان خاصة (أع 6: 5؛ 11: 24)، وعزاءً وفرحاً (أع 9: 31؛ 13: 52)، وحكمةً (أع 6: 3، 10)، وتكلّماً بألسنة (أع 10: 46؛ 15: 8؛ 19: 6)، ونبوّة (أع 11: 28؛ 20: 23؛ 21: 11)، ورؤىً وإعلانات، وقدرة عجيبة على الشفاء، وإلى غير ذلك. وعلى غرار الأعمال المعجزية التي أجراها المسيح، فإن هذه القوات غير المعتادة التي ظهرت في الكنيسة سبّبت خوفاً ورعدةً عظيمين، ومن جهة، أثارت هذا القوات جماعة المعارضة فتحركت قلوب الأعداء بالحقد والاضطهاد. لكنها من جهة أخرى أعدّت أيضاً التربة لقبول بذار الإنجيل. وقد كانت ضرورية في ذلك العهد الأول لتعد دخول الإيمان المسيحي إلى العالم.

وقد استمرت أعمال الروح غير المعتادة هذه طيلة العصر الرسولي. ونعرف هذا على الخصوص من شهادة الرسول بولس. فقد كان شخصياً موهوباً بمواهب الروح الخاصة وبدعوة غير عادية، أي بإعلان خاص من يسوع المسيح نفسه، أُتي به إلى التوبة على طريق دمشق، ودُعي ليكون رسولاً (أع 9: 3 وما يلي)، وفي ما بعد أيضاً جاءته إعلانات دورية. وفي قرارة نفسه يعلم أن لديه مواهب العلم والنبوءة والتعليم والتكلّم بألسنة (1 كو14: 6، 18). ويُجري آيات وعجائب وأعمالاً تثبت رسوليته (2 كو 12: 12). ويعظ ببرهان الروح والقوة (1 كو 2: 4). والمسيح نفسه عمل فيه لإطاعة الأمم، بالقول والفعل، بقوة آيات وعجائب، بقوة روح الله (رو 15: 18، 19).

ولكن مع أن بولس كان مدركاً تماماً لوظيفته الرسولية ورفعتها، وناهضاً بأعبائها في كل حينٍ خير إدراك، فقد أيقن أن مواهب الروح لم تُعط له وحده بل أيضاً لجميع المؤمنين. ففي 1 كورنثوس 12: 8 – 10 (قارن رو 6: 8) يذكر بولس عدداً من المواهب، ثم يقول إن هذه كلها يعملها الروح الواحد عينه، قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء. ويقدّر الرسول كل هذه المواهب أسمى تقدير. فالفضل لا يعود إلى المؤمنين أنفسهم، لأن هؤلاء لا يملكون شيئاً إلا وسبق أن أخذوه، ولذلك فلا أساس لديهم على الإطلاق للافتخار بأنفسهم واحتقار الآخرين (1 كو 4: 6، 7). وذلك أن جميع هذه المواهب والقدرات يتم إحرازها بالروح الواحد عينه. وهي إتمام للنبوة الموعود بها في العهد القديم (غل 3: 14)، ومن الواجب اعتبارها جميعاً باكوراتٍ تبشّر بحصادٍ وفير وعربوناً لميراثنا السماوي العتيد.

على أن بولس يورد تقييماً لجميع هذه المواهب غير المعتادة يختلف أساساً عما يراه كثيرون من الأفراد في الكنيسة. فقد كان في كورنثوس أشخاص مجّدوا أنفسهم على أساس المواهب التي أُعطيت لهم بإظهار الروح، ونظروا باحتقار إلى الذين لم يستخدموا مواهبهم لمنفعة الآخرين، بل عرضوها تباهياً. وقد علّقوا أهمية خاصة على التكلّم بألسن، هذه الموهبة الغامضة والمبهمة. إلا أن بولس يشير إلى خطأهم (1 كو 12- 14). فأولاً، يبيّن بولس المعيار الذي به يجب أن تُقاس جميع هذه المواهب. هذا المعيار هو الاعتراف بيسوع المسيح رباً. فلا أحد، وهو يتكلّم بروح الله، يدعو يسوع مرذولاً. والذين يعترفون بيسوع رباً هم وحدهم يبرهنون أنهم يتكلمون بالروح القدس. فالعلامة المميّزة للروح القدس ولكل مواهبه وأعماله إنما هي كونه ملتزماً الاعتراف بيسوع ربّاً ( 1 كو 12: 3).