الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية   بين العقل والإيمان الجزء 4

عطية الروح القدس -2

وثانياً، يبيّن بولس أن مواهب الروح كلها، وإن كانت جميعاً تفي بالمعيار الواحد عينه، هي مع ذلك متنوّعة ومتفاوتة، وهي توهب لكل واحد بمفرده لا بحسب استحقاقه أو قدره، بل بحسب مشيئة الروح المطلقة (1 كو 12: 4 - 11). ولذلك لا ينبغي أن تكون المواهب مناسبةً أو معطاة أساساً لتمجيد الذات واحتقار الغير. بل بالأحرى ينبغي أن تُمارس المواهب كلها، بإخلاص وبرغبة صادقة، لمنفعة الآخرين، لأن جميع المؤمنين أعضاء في جسد واحد، ويحتاج بعضهم البعض (1 كورنثوس 12: 12 - 30). ولكن إذا استُخدمت المواهب لهذه الغاية، إذا خُصّصت لما يؤول إلى المنفعة (1 كو 12: 7)، أي منفعة الآخرين وفي سبيل بنيان الكنيسة، الأمر الذي جُعلت له (1 كو 14: 12)، فعندئذ يظهر التفاوت بين تلك المواهب، لأن إحداها تكون أنفع من الأخرى لبنيان الكنيسة، وهكذا يستطيع الواحد أن يتحدّث عن مواهب حسنة، ومواهب أحسن. من هنا ينصح الرسول المؤمنين، في (1 كورنثوس 12: 31)، أن يجدوا فعلاً للمواهب "الحُسنى".

وفي سياق السعي المتواصل إلى المواهب الحُسنى، تبرز المحبة بوصفها الطريق الأفضل. فمن دونها تكون المواهب العظمى بلا قيمة (1 كو 13: 1 - 3). والمحبة تفوقهنّ جميعاً في فضلها (1 كو 13: 4 - 7). فالمحبة تتفوّق على جميع المواهب، لن جميع المواهب ستبطل يوماً، أما المحبة فأبدية. وبين الفضائل الثلاث، الإيمان والرجاء والمحبة، تبرز المحبة أيضاً بوصفها أعظمهنّ ثباتاً (1 كو 13: 8 - 13). ولذلك ينبغي أن نسعى إليها قبل كل شيء، وإن كان الجدّ في إثر المواهب الروحية محموداً في حدّ ذاته (1كو 14: 1). ولكن جدِّنا للمواهب الروحية ينبغي أن نوجّه اهتمامنا نحو تلك المواهب التي تنفع لأجل بنيان الكنيسة والتي نمارسها بالمحبة أكثر من سواها. فمن زاوية النظر هذه، يأتي التنبؤ في منزلة أسمى جداً من التكلم بألسنة. وذلك لأن الذين يتكلمون بألسنة لا يفهم كلامهم، ويتكلمون بأسرار مبهمة على السامعين، يتكلمون في الهواء، تاركين الذهن والحكم خارج الحسبان، ولا يأتون بغير المؤمنين إلى الإيمان، بل يخلّفون انطباعاً بأنهم مرضى عقلياً. فإذا وُجد في الكنيسة من له هذه الموهبة، كان عليه أن يستخدمها ضمن حدود وقيود، ويُفضّل أن يشفع ذلك بالترجمة أو التفسير. فإذ لم يوجد مترجم، فليصمت في الكنيسة! وعلى نقيض ذلك، فإن الذين يتنبأون، أي الذين يذيعون كلمة الله بإعلان الروح القدس، إنما يكلمون الناس ببنيان وتشجيع وتعزية. إنهم يبنون الكنيسة ويربحون غير المؤمنين. فبصرف النظر إذاً عن نوع الموهبة التي يكون الشخص قد ناهلا، فإن معيار أصالتها هو الاعتراف بيسوع رباً، وهدفها هو بنيان الكنيسة. وإلهنا ليس إله تشويش بل إله سلام.

هذه المعالجة الجميلة لموضوع المواهب الروحية لم تؤت ثمارها لكنيسة كورنثوس وحدها، بل تبقى ذات شأن بالنسبة إلى الكنيسة عموماً على مرّ العصور. لأنه دائماً وأبداً يقوم أشخاص وجماعات ممن يعلّقون أهمية زائدة على الظواهر غير المألوفة والإعلانات والعجائب تفوق ما يعلقونه على عمل الروح في الولادة الجديدة والاهتداء وتجديد الحياة. فما هو فائق الطبيعة يجذب الانتباه دائماً، أما العادي والطبيعي فلا يكاد أحد يلاحظه. والناس يولعون بالرؤى والإعلانات والظواهر وانخطافات النفس والغلو الزائف، فيما يغمضون أعينهم دون تقدّم ملكوت الله. أما بولس فكان ذا فكرٍ مغاير. فمع تقديره الكثير لمواهب الروح الفائقة، يناشد الإخوة في كورنثوس أن: لا تكونوا أولاداً في أذهانكم، بل كونوا أولاداً في الشرّ، وأما في الأذهان فكونوا كاملين (1كو 14: 20).

وهكذا ينقل الرسول مركز الثقل من إعلانات الروح الوقتية والعارضة إلى العمل العادي والثابت الذي ينجزه الروح في الكنيسة دائماً على الصعيدين الديني والأدبي. ومثل هذه الفكرة عن عمل الروح كان قد سبق الإعداد لها في أيام العهد القديم. فآنذاك أيضاً كان ينسب إلى الروح القدس كل نوع من المواهب والقوات المعجزية، ولكن إذ أتيح للأنبياء وناظمي المزامير أن ينظروا عن كثب في ارتداد بني إسرائيل وفي خبث القلب البشري وخداعه، أعلنوا بأكثر وضوح وقوة أنه لن يصير الشعب شعباً لله بالمعنى الصحيح إلا بتجديد يجريه فيهم الروح القدس. فالكوشي لا يقدر أن يغير جلده، ولا النمر وقطه. هكذا لا يقدر الذين تعودوا الشر أن يصنعوا خيراً (إر 13: 23). فيجب أن يغير الله بروحه قلوب الناس كي يسلكوا في طرقه ويحفظوا وصاياه وأحكامه. إذ إن روح الرب وحده هو من يهب الحياة الحقيقية روحياً وأدبياً.

وكرازة المسيح في إنجيل يوحنا تؤيد هذا كله. ففي حديث المسيح مع نيقوديموس يوضح أنه لا سبيل إلى ملكوت الله، ولا الإسهام فيه، إلا بالولادة الجديدة التي تحدث فقط بالروح القدس (يو 3: 3 - 5). وفي خطابه الوداعي (يو 14 - 16) يعرض بالتفصيل فكرة كون الروح الذي سيرسله من عند الآب بعد تمجيده مزمعاً أن يحلّ محله بين التلاميذ. لذلك كان خيراً لهم أن ينطلق عنهم، وإلا فما كان المعزي ليأتيهم. ولكن عندما يذهب هو نفسه إلى الآب، عندئذ يقدر أن يرسل الروح إليهم، وقد أرسله فعلاً. ذلك لأن صعود المسيح إلى الآب سيكون هو البيّنة على أنه قد أتمّ على أكمل وجه العمل الذي كان ينبغي أن ينجزه على الأرض. وعندئذ يستطيع أن يجلس في مكانه عن يمين الآب، وله أن يقوم بعمله كرئيس كهنة وشفيع لأجل الكنيسة على الأرض، طالباً من الآب كل ما تحتاج إليه الكنيسة. بعبارة أخرى، يستطيع عندئذ أن يطلب من الآب ويرسل الروح القدس بكل ملئه إلى تلاميذه. إذ ذاك يحتلّ هذا الروح مكانه في ما بينهم، ومن بعد يكون الروح هو معزّيهم ومرشدهم، وشفيعهم ونصيرهم.

ولن يتكبد التلاميذ في ذلك أية خسارة. ذلك أنه لما كان المسيح شخصياً على الأرض، كان يدخل ويخرج مع تلاميذه حقاً، ولكن كان بينهم تنافر وسوء فهم غير أن الروح الذي سيأتيهم ما كان ليظل واقفاً خارجهم أو إلى جانبهم، بل يمكث معهم ويكون فيهم. وقد كانت إقامة المسيح على الأرض إلى حين، أما الروح الذي سوف يرسله فما كان ليتركهم، بل يمكث معهم إلى الأبد. في الواقع أن المسيح نفسه سيأتي إليهم ثانية في ذلك الروح. إنه لا يتركهم يتامى، بل يعود إليهم، ويضم نفسه إليهم في الروح بطريقة كانت متعذرة من قبل. عندئذ يرونه من جديد، ويحيون كما هو حيّ، ويعترفون أن المسيح في الآب، وأنهم هم فيه وأنه هو فيهم. وفي المسيح يأتي الآب إليهم. وبالروح يأتي كلاهما. إذ إن الآب والابن معاً يأتيان إلى التلاميذ ويصنعان لنفسهما منزلاً فيهم بالروح. ذلك هو إذاً ما ينجزه الروح القدس في المقام الأول: شركة بين الآب والابن من جهة، وبين التلاميذ من جهة أخرى – شركة لم يوجد مثلها من قبل.

وعندما يسهم التلاميذ في هذه الشركة ويحيون بها، عندما يثبّتون في المسيح كالغصن في الكرمة، حينما يصيرون أحباء لا عبيداً في ما بعد، فعندئذ، الروح عينه الذي جعلهم يشتركون في هذه الشركة سوف يرشدهم في المستقبل إلى جميع الحق باعتباره هو روح الحق. لن يقتصر على تذكيرهم بما قاله لهم المسيح وعلّمهم إياه شخصياً، بل سيشهد لهم دائماً عن المسيح. سيقول ما سمعه من المسيح وما قبله منه، بل يخبرهم بأمور آتية أيضاً. ولن تقتصر شركة التلاميذ مع المسيح والآب فقط، بل سيدركون أيضاً أن لهم هذه الشركة. فلسوف ينوّر الروح القدس بصائرهم في ما يتعلق بالمسيح، وبكونه واحداً مع الآب، وبعلاقتهم بالآب والابن معاً. أما القصد النهائي فهو أن يكون جميع المؤمنين واحداً – على حدّ ما قاله المسيح بالحرف الواحد – "كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني" (يو 17: 21 وما يلي).

لما انسكب الروح القدس يوم الخمسين، كان من الطبيعي في تلك الفترة الأولى أن تجذب الانتباه تلك الظاهر الخارقة والتي بها تبدّى سكب الروح هكذا بكل غنى. ولكن لا يجوز لنا لذلك السبب أن نغضّ الطرف عن الحقيقة الأخرى، والأهم بكثير جداً في الواقع، ألا وهي أن التلاميذ، بعطيّة الروح القدس، اتحدوا – بأوثق طريقة – في كنيسة واحدة مستقلة مقدسة. فقد كان المسيح هو الرب والمخلِّص لتلك الكنيسة، وجميع المؤمنين واظبوا بثبات وتعاون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات (أع 2: 42). وهكذا تحققت، ولفترة في الكنيسة بأورشليم، الوحدة التي سبق أن تكلّم المسيح عنها. ولما حلّ في ما بعد محل حماسة المحبة الأولى موقف قلبيّ وعقليّ أكثر اتصافاً بالهدوء، ولما تكاثرت الكنائس في أماكن أخرى وبين شعوب أخرى، ثم لما حدث لاحقاً قرن الانشقاق والانقسام من كل صنف في الكنيسة المسيحية، اتخذت الوحدة التي تربط جميع المؤمنين صورة مختلفة وصارت أقل حيوية وعمقاً، بل باتت في بعض الأحيان ضعيفة جداً أو أوهى من أن تُلاحَظ. ولكن علينا ألا ننسى، في خضمّ جميع الفروقات والخلافات، أن وحدة الكنيسة في الجوهر ما تزال قائمة حتى اليوم. ولسوف تصير في المستقبل ظاهرةً على نحو أمجد مما كانت عليه في أورشليم خلال تلك الفترة القصيرة.

والرسول بولس، بين جميع الرسل، هو أكثر من يرفع أمام أبصارنا موضوع وحدة الكنيسة، وهو الذي يتمسك بهذه الوحدة شخصياً رغم كل انشقاق كان له شاهد عيان حتى في تلم الأيام الأولى. فالكنيسة جسدٌ واحد كل عضو فيه يحتاج إلى الآخر، وينبغي لأعضائه أن يخدموا بعضهم بعضاً (رو 12: 4؛ 1 كو 12: 12 وما يلي). هذه هي حقيقة، لأن الكنيسة هي جسد المسيح. فإن جذور وحدة الكنيسة ضاربة في تربة الشركة مع المسيح وطالعة منها. والمسيح هو رأس كل مؤمن، وكل كنيسة محلية، كما أنه رأس الكنيسة العامة. وجميع المؤمنين هم خليقة جديدة خلقها الله في المسيح لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي يسلكوا فيها (2كو 5: 17؛ أف 2: 10). والمسيح يسكن فيهم، وهم يحيون ويتحركون ويوجدون في المسيح: إذ المسيح حياتهم. وترد العبارة "في المسيح" (أو "في الرب" و"فيه") أكثر من مئة وخمسين مرة في العهد الجديد. وهي تدل على أن المسيح ليس هو مصدر الحياة الروحية فقط، بل إنه أيضاً يسكن هكذا في المؤمن بصورة دائمة ومباشرة. هذه الوحدة قريبة قرب ما بين حجر الزاوية والبناء، أو الرجل والمرأة، أو الرأس والجسم، أو الكرمة والأغصان. والمؤمنون هم في المسيح كما أن جميع الأشياء هي في الله بفضل الخلق والعناية. إنهم يحيون فيه كما يحيا السمك في الماء، والطير في الهواء، والإنسان في مهنته، والعالم في دراسته. وهم معه مصلوبون وأموات ومدفونون، ومُقامون أحياء وجالسون عن يمين الله ومُمجَّدون. وقد لبسوا المسيح وشابهوا صورته، ويُظهرون في جسدهم آلام المسيح وحياته، وهم مملوؤون (مكمّلون) فيه. وبعبارة أخرى، إن المسيح هو الكل في الكل. بالنسبة لهم.

وقد صارت هذه العلاقة الوثيقة ممكنة بفضل حقيقة كون المسيح، بالروح القدس، يشارك المؤمن في نفسه. فلأن المسيح بآلامه وموته أحرز الروح وكل مواهبه وقواته على أكمل وجه بحيث يمكن أن يُدعى – المسيح نفسه – "الروح" (2كو 3: 17)، فلذلك أيضاً اكتسب الحق بأن يعطي الروح لمن يشاء. وهكذا صار روح الله هو روح المسيح، روح الابن، روح الرب. فقبول المرء ذلك الروح يعني قبوله المسيح، لأن من ليس له روح المسيح لا ينتمي إلى المسيح وليس من خاصته (رو 8: 9 - 10). وكما أعطى الله المسيح للعالم، كذلك يعطي المسيح نفسه للكنيسة بالروح. والمؤمنون هم روح واحد في المسيح (1كو 6: 17). وهم هياكل الروح القدس الذي به يسكن الله فيهم (1كو 3: 16 و 17؛ 6: 19). إنهم في الروح، وفيه يعترفون ويسلكون ويصلّون ويفرحون. وهم روحيون، يفهمون ويحكمون في أمور الروح (رو 8: 2؛ 1كو 2: 14). كما أنهم ينقادون بروح الله دائماً، وفي رفقته إلى يوم الفداء. ولهم جميعاً بذلك الروح قدوم إلى الآب وهم مبنيّون معاً على أساس الرسل والأنبياء مسكناً لله بالروح (أف 2: 18، 22).

بمثل هذه العبارات تتحدث الكلمة المقدسة عن تلك الوحدة العجيبة الكائنة بين المسيح والكنيسة، وقد بات يُشار إليها فيما بعد بتعبير "الاتحاد السري". ونحن بالحقيقة لا نستطيع أن نفهم هذه الوحدة في عمقها وألفتها الوثيقة. فهي تسمو جداً عن أفكارنا. ومن الواجب حتماً أن نميز، من حيث الطبيعة والنومع، بين هذه الوحدة الكائنة فيما بين أقانيم اللاهوت الثلاثة، لأن جميع هذه الأقانيم تتشارك في الكينونة الإلهية الواحدة بعينها، وأنه من الجوهري تماماً، أن يبقي المسيح والمؤمنون، كل متميزاً عن الآخر. حقاً إن وحدة المسيح والكنيسة تقارن أكثر من مرة بالوحدة الكائنة بين المسيح والآب. ولكن المسيح في تلك الأوقات لا يتحدث عن نفسه من حيث كونه لبن الله الوحيد، بل باعتباره الوسيط الذي سيُرفع إلى يمين الله والذي بواسطته سيتم الآب مسرّته. فكما أن الآب اختار خاصته في المسيح قبل تأسيس العالم (أف 1: 4) لمجد نعمته التي فيها جعلهم مقبولين عنده في المحبوب (أف 1: 6، 7؛ أع 20: 28)، هكذا أيضاً يجمعهم في المسيح كياناً واحداً (أف 1: 10). فالآب حال في المسيح باعتباره الوسيط، وبذلك يقدم ذاته وبركاته إلى الكنيسة.

وبمثلما العلاقة بين الآب والوسيط وثيقة وغير منفصمة، كذلك أيضاً هي العلاقة بين المسيح والمؤمنين به. ففي قوتها الداخلية تفوق كل اتحاد يمكن أن يتواجد بين الخلائق، بل أيضاً تلك العلاقة بين الله والعالم الذي تراه. فإذ تتميز هذه الوحدة، من جهة، عن التمازج الذي يقول به معتقدو وحدة الوجود، فهي من الجهة الأخرى تفوق جداً التجاور الذي يقول به معتقدو الربوبية (التأليه الطبيعي)، كما تسمو على كل علاقة تعاقدية. ويعلّمنا الكتاب المقدس بعض ما يتعلق بطبيعتها إذ يشبّهها بالعلاقة بين الكرمة والأغصان، ورأس الجسم وأعضائه، والرجل وزوجته. إنها علاقة توحّد كلياً وأبدياً بين المسيح كاملاً وكنيسته بجميع أفرادها في عمق كيانهم وجوهر شخصيتهم. علاقةٌ بدأت في الأزل إذ أعلن ابن الله استعداده للوساطة، ثم كان لها وجودها الموضوعي في تمام الزمان إذ اتّخذ المسيح الطبيعة البشرية فدخل في شركة مع شعبه وأسلم نفسه للموت ِلأجل خاصته. وتتحقق هذه الوحدة بالفعل شخصياً في كل مؤمن بمفرده حينما يأتي الروح القدس إلى داخله ويدمجه في جسد المسيح، وعندما يعترف هو بدوره بهذه الوحدة مع المسيح ويمارسها.

وتصطحب الشركة مع المسيح المشاركة في جميع بركاته وخيراته. فلا مشاركة لنا في خيرات المسيح ما لم شترك في شخصه، لأن خيراته لا تنفصل عن شخصه. ولو كانت الخيرات التي يهبها المسيح عطايا مادية، لكان ذلك معقولاً إلى حدّ ما. فقد يعطينا أحدهم ماله وأملاكه دون أن يعطينا نفسه. غير أن الخيرات التي يهبها المسيح هي روحية بنوعها. فقوامها، قبل كل شيء، نعمته ورحمته ومحبته، وهذه عطايا شخصية تماماً في نوعها، ولا تُفصل عن شخص المسيح. وكنز النِّعم لا يوجد في أي مكان على الأرض – لا في يد بابا أو كاهن مثلاً، ولا في كنيسة أو "سرّ مقدس". فهو لا يوجد إلا في شخص المسيح إنه هو ذلك الكنز. ففيه يلتفت الله إلينا بوجهه الكريم المحب، وفي ذلك خلاصنا كاملاً.

وعلى عكس ذلك، فلا شركة مع شخص المسيح دون مشاركة في كنوزه وخيراته. والعلاقة بين الآب والمسيح، في هذا المجال أيضاً، هي الأساس والمثال للعلاقة بين المسيح والكنيسة. فالآب أعطى نفسه للابن، وبالتحديد أيضاً للابن بوصفه الوسيط بين الله والناس. ولم يحتفظ الآب لنفسه بشيء، بل أعطى الابن كل شيء. فكل شيء قد دُفع إليه من لدن الآب (مت 11: 27؛ يو 3: 35). وكل ما للآب فهو له (يو 16: 15؛ 17: 10). والآب والمسيح واحد؛ فالآب فيه وهو في الآب (يو 10: 38؛ 17: 21 - 23). وهكذا المسيح بدوره يعطي نفسه وكل بركاته للكنيسة بالروح القدس (يو 16: 13 - 15). وهو لا يبقي لنفسه شيئاً. وكم أن ملء اللاهوت يحل جسدياً (كو 1: 19؛ 2: 9)، فكذلك هو أيضاً يكمّل الكنيسة لتبلغ قياس قامة ملئه، حتى تُملأ إلى كل ملء الله. فالمسيح هو الكل في الكل (كو 3: 11).

غنه ملء نناله في المسيح، ملء إلهي، ملء نعمة وحق، ملء لا ينفد البتة يهب نعمة فوق نعمة (يو 1: 14، 16). هذا الملء يحل في المسيح نفسه، في شخصه، في طبيعته الإلهية وفي طبيعته الإنسانية، خلال حالة اتضاعه وحالة ارتفاعه. إن في تجسده ملء نعمة: فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، إنه من أجلكم افتقر، وهو الغني، لكي تغتنوا أنتم بفقره (2كو 8: 9). وفي حياته وموته ملء نعمة: لأنه في أيام جسده تعلّم الطاعة مما تألم به، وإذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه مصدر خلاص أبدي (عب 5: 7 - 9). وفي قيامته ملء نعمة: لأنه بالقيامة تبرهن أنه ابن الله بقوة، وقد ولدنا ثانية لرجاء حي (رو 1: 4؛ 1بط 1: 3). وفي صعوده ملء نعمة: إذ بها سبي سبياً وأعطي الناس عطايا (أف 4: 8). وفي شفاعته ملء نعمة: لأنه يقدر أن يخلص إلى التمام جميع الذين يتقدمون بواسطته إلى الله (عب 7: 25). إن فيه ملء نعمة الغفران والولادة الجديدة والعزاء والحفظ والقيادة والتقديس والتمجيد. يا له من نهر نعمة في طوله وعرضه وعمقه، يحمل المؤمنين من البداية إلى النهاية، حتى الأبدية! إنه ملء يعطي نعمة فوق نعمة، ونعمة بدل نعمة، مدعماً كل نعمة بنعمة أخرى في الحال، مبدلاً هذه بتلك على نحو متواصل. فلا انقطاع في نهر النعمة ولا توقُّف. وكل ما يأتي الكنيسة في المسيح إنما هو النعمة، كل النعمة، ولا شيء غير النعمة.

يحسن بنا إذاً أن نجمل جميع الخيرات التي يهبها المسيح، في الشركة معه، تحت لفظة واحدة هي "النعمة". هذا الاسم الواحد يشتمل على ملء بركات غنية لا يمكن سبر غورها. وقد سبق لنا أن ذكرنا، في الجزء الثالث من السلسلة، المصالحة التي أتمّها المسيح مع الآب بقربان نفسه الوافي. ففي المسيح، وضع الله غصبه جانباً ووقف موقف نعمة تجاه العالم (2كو 5: 19). والشخص الذي يقبل هذه المصالحة بإيمان قلبيّ، تفيض عليه جملة بركات، هي في الواقع الخلاص بالذات. وتذكر الكلمة المقدسة كثيراً من هذه البركات: الدعوة، التجديد، الإيمان، التبرير، غفران الخطايا، التبنّي، التحرر من الناموس، حرية الروح، الرجاء، المحبة، السلام، الفرح، الابتهاج، التعزية، التقديس، الحفظ، الثبات، التمجيد، وغيرها. حتى إن سردها الإجمالي متعذِّر، لأنها تشتمل على كل ما صدر من ملء المسيح، وسوف يصدر، للكنيسة ككل ولكل مؤمن بمفرده، على مر جميع العصور وفي جميع الأحوال، في السرّاء والضرّاء، في الحياة والممات، في ما قبل القبر ما وراءه ومدى الأبدية.

ولما كانت هذه البركات كثيرة جداً وغنية، فمن المستحيل أن نفيها حقها من التأمل والشرح. ويصعب جداً أن نجري لها مسحاً شاملاً. وهنالك أيضاً مجازفة في معالجة هذه البركات بترتيب تسلسلي وفي تصنيف كل واحد منها في مكانها من سياقها جميعاً. وتبعاً لهذا، يختلف التصنيف كثيراً بين لاهوتي وآخر. إلا أننا نستطيع عموماً أن نحدد ثلاث مجموعات رئيسية من البركات أو الخيرات. فأولاً، هنالك مجموعة الخيرت التي تُعدُّ الإنسان لعهد النعمة وتُدخله فيه، وتعطيه القدرة كي يقبل، من جانبه، بركات ذلك العهد ويمتلكها شخصياً. تلك هي بركات الدعوة والتجديد (بمعناه الحصري) ولإيمان والتوبة. ثم، إن المجموعة الثانية تشتمل على تلك البركات التي تبدّل وضع الإنسان في نظر الله، وتحرره من الخطية، وتجدد ذهنه بالتالي. هذه البركات هي – على الخصوص – التبرير، مغفرة الخطايا، التبني، شهادة الروح القدس مع أرواحنا، التحرر من الناموس، حرية الروح، السلام، الفرح. وثانياً، لدينا مجموعة ثالثة من الخيرات، وهي تحدث تغييراً في حال الإنسان، وتفتديه من وصمة الخطية، وتجدده حسب صورة الله. إلى هذه المجموعة ينتمي التجديد (بالمعنى الواسع)، والموت مع المسيح والقيامة معه، والاهتداء المستمر، والسلوك في الروح، والحفظ والثبات حتى النهاية. جميع البركات تكمل وتكتمل في المجد السماوي والخلاص الأبدي الذي أعدّه الله لخاصته. وسنخصص لهذا الموضوع فصلاً مستقلاً في نهاية هذه الأبحاث المتعلقة بالإيمان المسيحي.

وقبل ما نبدي لكل واحدة اهتماماً خاصاً من هذه المجموعات، ينبغي لنا أن نلاحظ أن هذه الخيرات جميعاً، مثلها مثل شخص المسيح بالذات، لا يمكن أن تُمنح إلا بالروح القدس وحده. وقد لاحظنا فيما سبق أن الآب هو في المسيح، أنه في المسيح لا غير يلتفت إلينا بوجهه الكريم، وأنه فيه فقط يأتي الآب إلينا ويصنع له منزلاً عندنا. إنما المسيح هو كذلك أيضاً في الروح القدس، وهو لا يأتي إلينا إلا بالروح القدس فقط، ويريد أن يأتي إلينا فعلاً. وتُضفى على الروح صفة "القُدُس" بالتحديد لأن له بالآب والابن علاقة خاصة، وهو يجعل لنا – تبعاً لذلك – علاقة خاصة بالآب والابن كليهما. لذا ينبغي لنا ألا نفترض أننا نستطيع أن نحصل على الشركة مع الآب ومع المسيح بأية طريقة أخرى، مهما كانت، ما خلا الحصول عليها بالروح القدس فقط. فليتجنّب الإثم كل من يسمي اسم المسيح (2تي 2: 19).

فبحسب كلمة الله المقدسة أن الروح القدس هو العامل والمنفِّذ في التجديد والإيمان (يو 3: 5؛ 1كو 12: 4). فهو يبررنا ويؤتينا أن ندرك ذلك، ويشهد لحقيقة تبنّي الله إيانا أولاداً له. وهو يسكب محبة الله في قلوبنا، ويعطينا سلاماً وفرحاً، ويحررنا من الناموس، ومن الجسد، ومن الخطية والموت. وهو المعزي والنصير الذي يحمل قضيتنا، ويحمينا ويسندنا، الذي لا يتركنا كما تركنا المسيح بحسب الجسد، بل يبقى معنا دائماًن معزياً ومصلّياً فينا. وهو ليس باعث الحياة الروحية فحسب، بل أيضاً حافظها ومرشدها في كل حين: إنه ناموسها وقانونها (رو 8: 2، 14؛ غل 5: 18). إنه يجدّد تلك الحياة ويقدّسها، ويجعلها تثمر وتكون مرضية عند الله. وحياة المسيحي بجملتها سلوك في الروح (رو 8: 4 وما يلي؛ غل 5: 16، 25). والروح هو الذي يجمع المؤمنين كلهم في جسد واحد، ويبنيهم هيكلاً واحداً، مسكناً لله (أف 2: 18 – 22؛ 4: 3، 4). وهو ضامن الميراث السماوي، ومن سيجري ذات يوم قيامة المؤمنين وتمجيدهم (رو 8: 11؛ 1كو 15: 44).

وبعبارة أخرى، عن المسيح وجميع خيراته، ومحبة الآب ونعمة الابن، لا تصير من نصيبنا إلا في شركة الروح القدس لا سواه.