|

الفصل
الثاني
الدعوة
المسيحية
لكي يشملنا المسيح إلى شركة شخصه وبركاته، فإنه يجعلنا
شركاء ليس فقط في الروح القدس الذي سكبه على الكنيسة
وأسكنه فيها، بل أيضاً في الكلمة التي أعطاها إياها
لتعليمها وإرشادها. وقد أقام المسيح بين الاثنين ارتباطاً
من شأنه أن يجعلهما كليهما معاً نافعين في مجال ممارسته
لوظائفه النبوية والكهنوتية والملكية. ولكن الحصول على
فكرة صحيحة عن هذه العلاقة، أو تعريفها بوضوح، ليست مهمة
سهلة. ولقد كانت على الدوام آراء مختلفة حول العلاقة بين
الكلمة والروح، ولا تزال حتى الزمان الحاضر مزاعم مختلفة
تسير جنباً إلى جنب.
فهناك، من جهة، أولئك الذين يعتبرون الكرازة بالكلمة كافية
في حدّ ذاتها ولا ينصفون عمل الروح القدس. أولئك هم أتباع
بيلاجيوس الذين تمسكوا بهذه البدعة قديماً وحديثاً. إنهم
ينظرون إلى المسيحية باعتبارها مجرد عقيدة، ولا يرون في
المسيح إلا مثلاً أعلى، ويتخذون الإنجيل كأنه ناموس جديد
ليس إلا. ويعتقدون أن الخطية قد أضعفت الإنسان فعلاً، إلا
أنه ليس بميتٍ روحياً. فعندهم أنه ما يزال محتفظاً بحرية
الإرادة، وأن الكرازة بالإنجيل وافية بالغرض، في حدّ
ذاتها، ما دام الإنسان راغباً فيها، لتأتي به إلى حيث
يقتدي بمثال المسيح في العمل والسلوك. ولا يشعرون بأنه من
الضروري أن يكون للروح القدس أي تأثير لإحياء الإنسان. ومن
ثم ينكرون شخصية الروح القدس، في أفضل الحالات، هو قوة
تنطلق من الله، أو بأكثر تحديد من شخص المسيح، وتُنشئ
نوعاً من النزعة الأخلاقية والقصد المثالي في الكنيسة.
وهنالك، من جهة أخرى، من يتبنون فكراً آخر مختلفاً جداً.
وهم يُدعون غيورون ولا مناقضون ومتعصبون، وهم يتحدثون
كثيراً عن الروح، ويقللون من أهمية دور الكلمة في التجديد.
هؤلاء يرون أن كلمة الله المقدسة أو الكرازة بالإنجيل ليس
هي الحقيقة الروحية في ذاتها، بل مجرد رمز لها أو إشارة
دالة عليها. فالكلمة في حدّ ذاتها ليست إلا حرفاً ميتاً لا
يستطيع اختراق قلب الإنسان وغرس مبدأ الحياة الجديدة فيه.
ولا يمكن، في أفضل الحالات، أن يكون للكلمة إلا تأثير فتح
الذهن. لكنها لا تعطي قوة أو قدرة تستطيع أن تغير القلب
وتجدده. فذلك لا يمكن أن يحدث، وهو لا يحدث فعلاً، إلا
بالروح القدس الذي يتغلغل مباشرة ورأساً من الله إلى
الكيان الداخلي للإنسان ويجعله يتمتع بالحقيقة التي ليست
الكلمة إلا مجرد رمز لها. وعليه، فالإنسان الروحي يولد من
الله مباشرة ويتعلم منه رأساً. هذا وحده يفهم المكتوب،
وينفذ من وراء الحرف إلى لبّ الكلمة وجوهرها. وبينما
يستفيد هذا الإنسان الروحي من الكلمة حيناً كشعار ومبدأ
هادٍ، لا تكون هي مصدر معرفته الدينية، لأنه يتعلم ذاتياً
من روح الله وينمو تدريجياً فيتجاوز المكتوب. وإذ يعتق
الروح قلب الإنسان أكثر فأكثر من سلطان الكلمة، يتقدم قلب
الإنسان كذلك ليصير أكثر استقلالاً عن شخص المسيح وعن
المسيحية التاريخية بمجملها. ففي الطور الأكثر تقدماً
إذاً، تتحول الصوفية فتصير عقلانية. ذلك أنه عندما ينفصل
عمل الروح الداخلي عن الكلمة المقدسة، عندئذ يفقد صفته
الخاصة ولا يعود يمكن تمييزه عن عمل روح الله عموماً في
عقل الإنسان وضميره. والله، بالطبيعة، يسكن بروحه في كل
إنسان، وفقاً لهذا المذهب، كما أن الإنسان منذ ولادته له
الكلمة الداخلية مكتوبة على قلبه. ولم يُدخل المسيح على
هذا الواقع إلا تعديلاً طفيفاً. فإن شيئاً ما هو حقٌ لا
لأنه مكتوب في الكتاب المقدس بل لأنه حق في ذاته.
والمسيحية هي الدين الطبيعي الأصلي. إنها قديمة قدم
العالم، وهي تكمن بجوهرها في أساس جميع الديانات
التاريخية. وهكذا تتحول الصوفية، دائماً ومرة بعد مرة، إلى
عقلانية، ثم ترتد العقلانية فتعود صوفية دورياً.
وقد حاولت الكنيسة المسيحية دائماً أن تتجنب مثل هذه
البدع، محافظةً على العلاقة المتبادلة بين كلمة الله
وروحه. لكن الكنيسة في عملها هذا اتّبعت، مع ذلك، في
إقرارات الإيمان المتعددة لديها، سبلاً شتى. فالكنيسة
الكاثوليكية مثلاً لا ترى في الكلمة المقدسة وفي التقليد
الكنسي واسطة نعمة فاعلة بل مجرد مصدر للحق. والإدراك
العقلي لهذا الحق يُدعى إيماناً. ولكن لأن هذا الإيمان لا
يعدو كونه تصديقاً، فهو غير كافٍ للخلاص، وليس له بالتالي
إلا دور تمهيدي لبلوغ هذه الغاية. أما النعمة المخلِّصة
الحقيقية فهي تُمنح أول في القربان المقدس، وهكذا تعترف
الكنيسة في روما بعمل الروح القدس، قبل كل شيء، في تأسيس
الكنيسة واستمرارها، بوظائفها المتعلقة بالتعليم والرعاية
وخدمة المذبح؛ ثم تُمنح هذه النعمة تالياً في ما يناله
المؤمنون، بواسطة الأسرار المقدسة، من نِعمٍ وفضائل وهبات.
في مواجهة هذه المحاولة لفصل عمل الروح الخلاصي عن كلمة
الله ووصله بالقربان المقدس فقط، وقف الإصلاح بكل ثبات
وعناد. فلم يكتف بأن ردّ الاعتبار للكلمة المقدس بوصفها
مصدر الحق الوحيد والواضح والوافي، ومحك التقليد، بل
قدرتها أيضاً باعتبارها واسطة نعمة وأعاد إليها مرتبتها
المتفوقة على الأسرار المقدسة. ووفقاً لذلك رأى الإصلاح
أنه مضطر إلى إنعام النظر في العلاقة بين الكلمة والروح.
وقد اضطر إلى ذلك بالأحرى لأن البدع القديمة انتعشت ووجدت
لها أنصاراً يدافعون عنها بقوة. فبينما انكفأ السوسيانيون
إلى تعاليم آريوس وبيلاجيوس، فاعتبروا الإنجيل ناموساً
جديداً واستبعدوا أية حاجة إلى عمل خاص من الروح القدس،
سلك الأنابابتيون (معيدو العماد) من جديد سبيل الصوفية،
فعظموا شأن الكلمة الباطنة وتحدثوا عن الكتاب المقدس
باعتباره حرفاً ميتاً ورمزاً خاوياً.
وقد اقتضى الأمر بذل جهد وفير للعودة إلى سواء السبيل.
وسلكت الكنيستان اللوثرية والمصلحة سبلاً مختلفة. فقد وحّد
اللوثريون بين الكلمة والروح معاً إلى حد المجازفة بجعلهما
واحداً وفقدان التمييز بينهما. بل إنهم بلغوا حدّ حصر نعمة
الروح المخلّصة في الكلمة والسماح بأنه يدخل الإنسان من
خلال الكلمة. ولما كانت الكلمة المقدسة قد برزت إلى الوجود
بفعل الروح القدس، فإن ذلك الروح قد جعل قوته المجددة
مستقرة في الكلمة، وداعاً إياها هناك – إذا صح التعبير –
كما في إناء. وكما أن للخبز قوة غذائية طبيعية داخلية،
فكهذا الكلمة المقدسة استلمت من الروح الذي أوجدها قوة
روحية لخلاص الإنسان تنوير الذهن والتأثير أدبياً في
الإرادة، بل إن لها أيضاً بفضل فاعلية الروح القدس الكامنة
فيها، قدرة داخلية مخلّصة ومجددة للقلب. حتى إن الروح
القدس لا يعمل البتة بأية طريقة سوى عمله من خلال الكلمة.
أما الكنائس المصلحة فلم تتقبل هذا الرأي على علاّته، لأن
مبدأها في هذه المسألة أيضاً كان يقضي بأن المحدود لا يمكن
أن يستوعب اللامحدود ويدركه. وبالتالي، فإن الكلمة والروح
لهما أن يكونا على علاقة وثيقة جداً، لكنهما أيضاً يظلاّن
متمايزين. فالروح يستطيع أن يعمل بدون الكلمة، وهو يعمل
أحياناً. وعندما يقتر الروح بالكلمة، فإنه يفعل ذلك بسبب
اختياره الحرّ. فبحسب مسرته الصالحة فعلاً يعمل في العادة
بارتباط مع الكلمة، وحيث تكون الكلمة حاضرة ويكرز بها، أي
في فلك عهد النعمة، في شركة الكنيسة. إلا أنه، حتى في هذه
الحالة، لا يكون – كما ارتأى اللوثريون – مقيماً في الكلمة
المقدسة أو الكلمة المكروز بها، بل في الكنيسة باعتبارها
جسد المسيح الحي. ولا يعمل الروح أيضاً من خلال الكلمة كما
لو كانت مركبة قوته. لكنه إذ يقرن عمله بعمل الكلمة،
يتغلغل هو شخصياً إلى داخل قلب الإنسان ويجدده للحياة
الأبدية.
إذا شئنا أن نفهم العلاقة بين الكلمة والروح فهماً صحيحاً،
فعلينا الانطلاق من هذه الحقيقة: أن الله يستخدم الكلمة
كواسطة، ليس فقط في تقديم المسيح وخيراته لنا، بل أيضاً في
جميع أعمال الله في العالم. فالكلمة، في الكتاب المقدس،
ليست صوتاً فارغاً ولا رمزاً بلا معنى، بل هي دائماً ذات
قوة وحياة. إذ لها في ذاتها بعض من شخصية المتكلم ونفسه،
ولذلك فهي لا ترجع فارغة البتة، بل تُحدث أثرها دائماً.
قال الله فكان، وهو أمر صار (مز 33: 9). وكلمته لا ترجع
إليه فارغة بل تنجح في ما أرسلت له (إش 55: 11). وبكلمته
أوجد في البدء كل شيء من العدم (تك 1: 3 وما يلي؛ قارن مز
33: 6)، وبكلمة قدرته يحمل كل شيء معاً (عب 1: 3). ولهذه
الكلمة قدرة خلاّقة وضابطة لأن الله يتكلم في الابن (يو 1:
3؛ كو 1: 15؛ عب 1: 2) وبالروح القدس (مز 33: 6؛ 104: 30)،
وهو تعالى في هذين معاً – إن صحّ التعبير – يعطي ذاته
لخلائقه. ففي جميع الخلائق صوت من الله؛ وهي جميعاً تستقر
على أقوال قد نطق الله بها. وكلها مدينة لكلمة الله فهم
يقرون بفضلها في وجودهم وبقائهم.
غير أن هذه الآراء التي ضمّنها الله في العالم، لا تفهمها
جميع خلائقه، بل قاصرة على الخلائق العاقلة، أي الإنسان
فقط. وذلك لأن الإنسان مخلوق على صورة الله، فهو نفسه
يستطيع أن يفكر ويتكلم، وأن يستوعب بإدراكه أفكار الله
المودعة في خليقته، وأن يجعلها ملكه روحياً، وأن يعبّر
عنها من ثم بكلامه هو. ولما خرج الإنسان أولاً كاملاً من
بين يدي خالقه، كان يقدر أن يفهم كلام الله الذي أتاه
داخلياً في الناموس الأدبي. آنذاك وصل الله مع الإنسان إلى
حيث لم يصل مع أي مخلوق آخر. فقد دخل في عهد معه، وأدخله
في شركة معه، وطلب منه أن يسلك في طرقه بوعيٍ واختيار. وقد
كان الناموس الأدبي هو المضمون والإعلان، القاعدة والمبدأ،
لعلاقة العهد الأصلية التي أسسها الله مع الإنسان المخلوق
حديثاً.
ولكن الإنسان، بعصيانه بمحض إرادته كسر ذلك العهد، ففقد
القوة الروحية لحفظ قانون الله وإحراز الحياة الأبدية
بالتالي. غير أن الله، من جانبه، لم يترك الخليقة ولا
تخلّى عن البشرية كلياً. ومع أنه يمكن القول عن الأمم، أي
الوثنيين، أن الله قد أسلمهم – بالمقارنة مع شعب العهد
القديم – إلى طرقهم الخاصة، فإنه يستمر في إظهار ذاته لهم
بقدرته ولاهوته، ولا يترك نفسه بدون شاهد بينهم، ويحتم
بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم، لكي يطلبوا الرب لعلّهم
يتلمّسونه فيجدوه.
فهناك إذاً كلام من الله ما يزال ينطلق إلى كل إنسان. وقد
أقرّ أصحاب العقيدة المصلحة بهذا الواقع، إذ تحدثوا عن
"دعوة مادية" يمكن العثور عليها أيضاً خارج نطاق العالم
المسيحي، وهي من امتياز جميع البشر والأمم. فالأمم لا
يشاركون في الدعوة من خلال كلمة الإنجيل، إلا أن هذا لا
يعني أنهم لا يتلقون أية دعوة على الإطلاق. ذلك أن الله
يكلمهم أيضاً، في الطبيعة (رو 1: 20) والتاريخ (أع 17: 26)
والعقل (يو 1: 9) وبالضمير (رو 2: 14، 15). حقاً أن هذه
الدعوة غير كافية للخلاص، إذ لا علم فيها بالمسيح، وهو
الطريق الوحيد إلى الآب والاسم الوحيد المُعطى تحت السماء
للخلاص (يو 14: 6؛ أع 4: 12)، غير أنها مع ذلك ذات قيمة
عظيمة ولا يمكن التقليل من شأنها.
ربما لا تكون هذه الدعوة التي يصدرها الله لجميع البشر في
نعمته الشاملة، رغم كل شيء إذاعة للإنجيل، غير أنها
بالتوكيد إعلان للناموس. ومع أن الإنسان، بسبب كونه مظلم
الفكر، يخطئ غالباً في تصورها وتأويلها وتطبيقها، فإنها
رغم ذلك تتضمن – مادياً وجوهرياً – الناموس الأدبي عينه
الذي أعطاه الله للإنسان أصلاً وكتبه على قلبه. وعليه، فإن
تلك الدعوة، بصرف النظر عن مدى ما أصابها من فساد ومسخٍ،
ما تزل مع كل هذا ترسي المطلب القاضي بأن يحب الإنسان الله
فوق كل شيء وأن يحب قريبه كنفسه. صحيح أن الأمم (غير
المؤمنين) لا يملكون الناموس بذلك الشكل الكامل الذي به
أعطاه الله لبني إسرائيل فيما بعد، غير أنهم يعملون بأمور
الناموس رغم ذلك. فإنهم، في جميع أفكارهم وأعمالهم،
ينقادون بقوانين أخلاقية، وبذلك يبرهنون أن أمور الناموس
هذه مكتوبة في قلوبهم وأنهم يشعرون بأنهم ملزمون بها في
ضمائرهم (رو 2: 14، 15).
وعليه، فإن الارتباط بين الله والإنسان لم ينقطع أبداً رغم
الخطية. فالله لا يترك الإنسان لنفسه، والإنسان لا يمكنه
أن يتخلى عن الله. بل إنه، عوض ذلك، يظلّ داخل مجال إعلان
الله وتحت قيود ناموسه تعالى. سيظل الله يتكلم إلى
الإنسان، في الطبيعة والتاريخ، في العقل والضمير، في
البركات والأحكام، في إرشادات الحياة واختبارات النفس.
بوساطة هذا الكلام الغني والقوي، يُبقي الله في الإنسان
وعيه بمسؤوليته. إنه يدعه يجاهد ليحيا حياة دينية وخلقية،
ويجعله يشعر باتهامه والحكم عليه من قبل ضميره بعد تعديه.
وما يربط الإنسان بالله وإعلانه ليس إكراهاً من الخارج بل
التزام أدبي بحثّه على الصلاح. فإن في الإنسان أيضاً عملاً
لروح الله، بمقدار ما فيه صوت من الله عامّ وإنارة بالكلمة
(اللوغوس) عامة. بذلك الروح يقيم الله في كل مخلوق، وبه
نحيا ونتحرك ونوجد (أع 17: 28). فالدعوة "المادية" العامة
ليست فقط خارجية وموضوعية، بكونها في الطبيعة والتاريخ كما
في العقل والضمير تبصّر الإنسان بإعلان الله وناموسه على
الخصوص؛ بل إن لها أيضاً جانباً داخلياً وذاتياً، بكونها
تُلزم أدبياً كل شخص بمفرده بذلك الإعلان، تجعله ملتزماً –
في اقتناعه الخاص – أن يقوم بواجب العمل بناموس الله.
من الواضح طبعاً أن الله لا يجدّد الإنسان ويخلصه بإعلان
الناموس هذا، لأن الناموس يعجز عن هذا في كونه ضعيفاً
بالجسد (رو 8: 3). ولكن الله بهذه الواسطة يكبح جماح
الخطية ويقمع الأهواء، ويقيّد فيضان الإثم. فبها يصبح
ممكناً وجود مجتمع بشري وعدالة مدنية، وهذان بدورهما يشقان
الطريق إلى تمدّن أسمى وحضارة أغنى وازدهار للفنون
والعلوم. فبالحقيقة إن الأرض ما تزال ملآنة من خيرات الله.
إن الرب صالح نحو الجميع، ومراحمه هي على كل أعماله. فهو
يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار
والظالمين. وهو لا يترك نفسه بلا شاهد، بل يصنع خيراً
ويرزقنا من السماء أمطاراً مثمرة، مالئاً قلوبنا طعاماً
وسروراً.
وينبغي لنا التمييز بين شهادة الله هذه العامة أو مخاطبته
التي تأتينا عير الطبيعة والضمير، وبين تلك الدعوة الخاصة
التي تحتوي عليها كلمة الإنجيل والتي هي موجهة إلى جميع
الذين يعيشون ضمن حدود الدائرة المسيحية. على أن الدعوة
العامة لا تهملها هذه الدعوة الخاصة ولا تغلبها، بل
بالأحرى تحتويها وتقويها. وهذا تبرهنه حقيقة كون الكتاب
المقدس الذي هو كلمة الإعلان الخاص يعترف بالإعلان العام
في الطبيعة والتاريخ، ويؤيده، وينقيه من جميع ما يشوبه.
فإن كون السماوات تحدّث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه
(مز 19: 1)، وكون أمور الله غير المنظورة تُرى منذ خلق
العالم مدركة بالمصنوعات (رو 1: 20)، وكون عمل الناموس
مكتوباً في قلوب البشر (رو 2: 15)، ذلك كله إنما هو شيء
يفهمه المسيحي المتعلم من المكتوب أكثر مما يفهمه الإنسان
الذي يحيا فقط بنور العقل.
حتى إن ثمة بيّنة أقوى على استمرار دور الإعلان العام
قائمة في حقيقة كون الناموس الأدبي، الذي لم يكن الأمم
يعرفونه إلا بصورة غير كاملة وغير واضحة، قد أعلن بكل وضوح
من قبل الله على جبل سيناء وقُدِّم إلى شعبه باعتباره
قانون الحياة. ولما جاء المسيح إلى العالم، لم ينقض هذا
الناموس بل كمّله (مت 5: 17)، أولاً في شخصه وحياته، ومن
ثم أيضاً في حياة جميع الذين يسيرون على خطاه ويسلكون في
الروح. وبمقتضى هذا المثال، جعلت الكنيسة المسيحية، في
اعترافها وكرازتها وتعليمها، مكاناً للناموس كما للإنجيل
أيضاً.
إن الناموس والإنجيل هما الجزءان المكوِّنان لكلمة الله.
ومع أن كل منهما يتميز عن الآخر، فهما لا ينفصلان البتة،
بل يصحب أحدهما الآخر على مدى الكتاب المقدس كله، من بداية
الإعلان إلى نهايته. فالتمييز بين الناموس والإنجيل إذاً
هو تمييز يختلف تماماً عن ذاك الذي بين كل من العهد القديم
والعهد الجديد. هذا التمييز يختلط حتى لا يكاد يظهر عند
جميع الذين يرون في الناموس إنجيلاً غير كامل، وفي الإنجيل
ناموساً مكمَّلاً. ولكن كلا التمييزين يختلف أحدهما عن
الآخر بالتبادل، ومن الواجب بالتالي أن نبقي على اختلافهما
واضحاً. ذلك أن العهدين القديم والجديد هما تسميتان
لمجموعتي الأسفار المقدسة الموافقتين لهذين التدبيرين. غير
أن التمييز بين الناموس والنعمة يضعنا على صعيد مختلف
تماماً، فهاتان التسميتان لا تدلان على تدبيرين لعهد
النعمة الواحد بعينه، بل على عهدين متخالفين كلياً. إذ إن
الناموس ينتمي في الواقع إلى ما يسمى "عهد الأعمال" الذي
حصل مع الإنسان الأول ووعده بالحياة الأبدية عن طريق
الطاعة الكاملة. أما الإنجيل فهو إعلان "عهد النعمة" الذي
عُرف لأول مرة بعد سقوط الإنسان والذي يعطيه الحياة
الأبدية بالنعمة عن طريق الإيمان بالمسيح.
على أن عهد النعمة ليس نبذاً ولا نقضاً لعهد الأعمال، بل
بالأحرى إتمام له.فالفارق بين الاثنين قائم أساساً في كون
المسيح يتم عوضاً عنا تلك المطالب التي يحمّلنا الله
مسؤوليتها بموجب عهد الأعمال. ومن هنا فإن عهد النعمة، وإن
كان في حدّ ذاته نعمة صرفاً، يستطيع من أول الطريق أن يضع
تحت خدمته ناموس عهد الأعمال، وأن يتّحد بذلك الناموس ويصل
به – بواسطة روح المسيح – إلى الاكتمال في المؤمنين.
فالناموس يحتفظ بمكانه في عهد النعمة، لا لكي نحاول أن
نكسب الحياة الأبدية عن طريق حفظه، لأن الناموس لا يستطيع
أن يفعل هذا بسبب ضعف الجسد، بل لأجل غرضين: الأول، لكي
ندرك بواسطته معرفة خطيتنا وذنبنا، شقائنا وعجزنا، لكي
نلجأ إلى نعمة الله في المسيح بعد الإحساس بالذنب ويعترينا
الخزي (رو 7: 7؛ غل 3: 24). أما الغرض الثاني، فباعتبار
أننا متنا مع المسيح وقمنا معه، نسلك في جدّة الحياة،
وهكذا نكمل برّ الناموس (رو 6: 4؛ 8: 4).
إذاً، لا مكان في المسيحية للتناقض، أو احتقار الناموس
وخرقه. وينبغي أن يتماشى الناموس والإنجيل، كما في الكتاب
المقدس كذلك أيضاً في الكرازة والتعليم، وفي العقيدة
والحياة. فهما عنصران، لا يُستغنى عنهما وحقيقيان، يكوّنان
كلمة الله الواحدة الكاملة. ورغم ذلك، فإن الخلط بين
الاثنين أمرٌ رديء كالفصل بينهما كلياً. والناموسية
الجديدة، التي تجعل من الإنجيل ناموساً جديداً، لا تقلّ
ضلالاً عن إهمال الناموس. فالناموس والنعمة يختلف أحدهما
عن الآخر لا في الدرجة بل في النوع. إنهما يختلفان كما
يختلف الطلب عن العطية، والوصية عن الوعد، والسؤال عن
العرض. صحيح أن الناموس، شأنه شأن الإنجيل، يشتمل على
مشيئة الله، وأنه مقدس وعادل وصالح وروحي، إلا أنه صار
عاجزاً بسبب الخطية، وهو لا يبرر الخطية بل يضاعفها، ويثير
الغضب، ويجلب القضاء والموت. وفي المقابل هذا يقوم الإنجيل
الذي مضمونه المسيح (رو 1: 3؛ أف 3: 6)، والذي لا يأتي إلا
بالنعمة والمصالحة والغفران والبرّ والسلام والحياة
الأبدية. فإن ما يطلبه الناموس منا نناله في الإنجيل
مجاناً.
وما دام الناموس والإنجيل متمايزين على هذا النحو، يترتّب
على ذلك أن الدعوة العامة التي تأتي جميع البشر في الطبيعة
والضمير، والدعوة الخاصة التي تبلغ كل من يعيش في العالم
المسيحي، هما أيضاً، يتخالفان لا في الدرجة بل في الجوهر
والنوع. فليس الفرق كامناً في حقيقة كون المسيحية تقدم لنا
ناموساً أفضل وأكمل من ذاك المعروف عند الأمم، بل بالأحرى
في كونها تعلن شيئاً جديداً، إذ تأتينا بالإنجيل، وفي ذلك
الإنجيل تعرّفنا بشخص المسيح. فليس في الناموس وحده، بل في
إنجيل نعمة الله على الخصوص، يمكن التمايز بين الوثنية
والمسيحية؛ بين الإعلان العام والإعلان الخاص؛ بين الدعوة
التي تأتي كل إنسان وتلك التي يتشارك في المسيحيون وحدهم.
والدعوة العامة الموجهة إلى جميع البشر غير مُعبَّر عنها
بكلمة من الله حرفية وواضحة لا لبس فيها ولا غموض، بل هي
متضمنة بصورة مكنونة في الإعلان الذي يعطيه الله أيضاً
للأمم في أعمال يديه، وفي عقلهم وضميرهم بالذات، وهي شيء
يجب أن يُستخلص من هذه الأمور بالبحث والتفكير. ولكن لحظة
حاول الوثنيون أن يتقصّوا ويفكروا، وقعوا في الضلال سواء
من حيث الدين أو من حيث الأخلاق. فخارج نطاق الإعلان
الخاص، مع أن الناس عرفوا الله، لم يمجدوه ولا شكروه، بل
حمقوا في تصوراتهم، وأظلم قلبهم، وتردّوا في مهاوي الوثنية
والفساد الأخلاقي بكل صنوفهما (رو 1: 21 وما يلي).
وقد تبيّن أن الإعلان في الطبيعة، والدعوة في العقل
والضمير بالتالي، ليسا وافيين. ولذلك، ففي الإعلان الخاص
لا يتكلم الله بعد من خلال طبيعة المخلوقات، بل يستخدم
الكلمة الحرفية الفريدة التي يستعملها الإنسان بوصفها
التعبير الأسمى والأفضل عن أفكاره. وقد كان استخدام الكلمة
هذا في الإعلان الخاص ضرورياً أيضاً لسبب آخر. فالطبيعة،
خارج الإنسان كما داخله، تبقى هي إياها دائماً. فما زالت
السماوات الآن تحدّث بمجد الله على النحو عينه الذي كانت
تفعل هذا به منذ ألف سنة أو عدة آلاف من السنين. وما زال
الإنسان، رغم كل تطوره وتمدنه، هو إياه في جوهره وطبيعته،
في قلبه وضميره، كما كان تماماً أقدم أسلافه.
ولكن الإعلان الخاص غير متضمن في نظام الطبيعة. فقد برز
إلى الوجود على مدى الطريق التاريخي، في تاريخ استمر
قروناً، ومركز الدائرة فيه شخصية المسيح التاريخية. فلا
تقدر الطبيعة أن تخلصنا؛ بل يقدر على ذلك فقط شخص عاقل.
ولكننا، بحسب خطة الله، لا نستطيع البتة أن نتوصل إلى
معرفة أي شيء يتعلق بأحداث التاريخ وأشخاصه – وهذه كما
نعلم ليست معنا دائماً كما هي أمور الطبيعة بل تأتي وتمضي
وتزهر وتختفي – إلا بواسطة الكلمة، سواء كانت الكلمة
المنطوقة أو المكتوبة، وسواء دوِّنت في أحرف أو في إشارات
أخرى. ويترتب على طبيعة الإعلان التاريخي الخاص أن يتخذ
الكلمة وسيلة للتعبير كي يعرف من جيل إلى جيل ومن مكان إلى
آخر. فالدعوة العامة تأتي عن طريق الطبيعة، والدعوة الخاصة
عن طريق الكلمة. والأولى لها الناموس على الخصوص مضموناً،
أما مضمون الثانية فهو الإنجيل على الخصوص.
بدأ الإنجيل أول طريقه في الفردوس. فهنالك أعلنه الله أول
مرة، ثم كان للآباء والأنبياء أن يذيعوه، ودبّر له الله أن
يُمثَّل في الذبائح وسائر طقوس الناموس، ثم تممه أخيراً في
ابنه الوحيد. وليس هذا هو كل شيء. فقد أمر الله بتدوين
كلمة الإنجيل كتابياً في أسفار العهد القديم والعهد
الجديد، ثم عهد به من بعد إلى الكنيسة لحفظه وإذاعته وشرحه
وحمايته وزرعه في كل مكان ، لكي يصير معلوماً عند جميع
الخلائق.
ويوم تلقّت الكنيسة هذه المهمة وبدأت بتنفيذها، يومذاك
بالذات حصل انسكاب الروح القدس. وبطريقة معكوسة، فساعة جعل
الروح القدس الكنيسة مسكنه الخاص، ساعتئذ بالذات كانت
للكنيسة بداءتها باعتبارها جماعة مستقلة تضم جميع
المؤمنين، وحاملة لكلمة الإنجيل، وعمود الحق وقاعدتها. ومع
أن كلمة الله وروحه كانا متحدين قبل ذلك الحين بطريقة
تمهيدية، فإنهما في يوم الخمسين اتحدا كلياً على نحوٍ
حاسم. وهما يعملان معاً في خدمة المسيح الذي هو ملك
الكنيسة ورب الروح، من ما تصوره لنا الكلمة ومن ما نناله
نعطاه نصيباً لنا بواسطة الروح. فالحق والنعمة يسيران معاً
لأن المسيح مملوء منهما كليهما (يو 1: 14).
والدعوة التي تأتينا بواسطة الكلمة أسمى جداً من تلك التي
تأتي عبر الطبيعة. فبينما تتيح الأخيرة للإنسان أن يسمع
فقط صوت الناموس، وترفع أمامه المطلب القائل: "افعل هذا
فتحيا"، تنطلق الأولى – أي الدعوة بالكلمة – من المسيح،
ولها نعمة الله مضموناً، وتقدّم للإنسان مجاناً أشهى
الخيرات، ألا وهي غفران الخطايا والحياة الأبدية عن طريق
الإيمان والتوبة. وإذا تأمل المرء مضمون هذه الدعوة،
يراوده حيناً الأمل بأن جميع الناس حالما يسمعونها
سيقبلونها بفرح وابتهاج يغمران القلب. فأي شيءٍ يُعقل أن
يعترض به مخلوق بشري خاطئ وسائر نحو الفساد على بشارة
تطمئنه إلى نعمة الله وتبتغي إعطاءه خلاصاً كاملاً دون أي
جهد من قبله، ما خلا قبول هذه البشرى بإيمان طفولي؟
غير أن الحقيقة تُطلعنا على ما يختلف عن هذا كثيراً. فعلى
مدى العصور يوجد فاصل بين الذين يعبدون الله ويخدمونه
وأولئك الذي لا يعبدونه ولا يخدمونه. ففي عائلة آدم، سار
قايين وهابيل كلٌّ في طريقه. والجنس البشري قبل الطوفان
انقسم إلى نسل شيث ونسل قايين. واستمر هذا الانقسام بعد
الطوفان في ذرية سام وذرية أخويه. وقد شهدت عائلات الآباء
هذا الانقسام ظاهراً في اسحق وإسماعيل، وفي يعقوب وعيسو،
ولاحقاً في بني إسرائيل وباقي الشعوب. حتى إن شعب العهد لم
يكن هو جميع إسرائيل المنحدرين جسدياً من إبراهيم، بل
أولاد الموعد حُسبوا نسلاً (رو 9: 6 - 8). وفي أيام العهد
الجديد تطالعنا الحقيقة عينها. فكثيرون يُدعون ولكن قليلين
يُختارون (مت 22: 14). وليس ثمة تباين حاد بين الكنيسة
والعالم فقط، بل إن في الكنيسة نفسها آلافاً هم بالحقيقة
سامعون للكلمة لكنهم غير عاملين بها (يع 1: 22). حتى لو
رفض المرء المسيحية بجملتها، فهو لا يستطيع التخلص من هذا
التباين. إذ كان في كل مكانٍ – ويبقى – الصالحون والأشرار،
والأبرار والظالمون. فهنالك تباين في الطبقة والوضع، في
الموهبة والقوة، في الغنى والكرامة، إلا أن بين البشر
فارقاً أعمق بعد، فارقاً ذا طبيعة دينية وأدبية.
هذا التباين في الواقع واضح للعيان وله طبيعة خطيرة بحيث
ينبغي أن يتنبه له كل إنسان. ولكن كثيرين في كل زمان
حاولوا أن يفسروا هذه اللامساواة الأدبية، تماماً كما
حاولوا تفسير فوارق أخرى بين البشر، على أساس الإرادة
الحرة التي أُعطيت لهم. فهم يذهبون إلى أن إرادة الإنسان،
رغم الخطية، ظلت حرة، وأنها بقيت قادرة على فعل الصلاح.
وإلا، فإنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان، وإن أضعفتها لحد
ما، اكتسبت مع ذلك قوة كافية تجعلها قادرة على قبول دعوة
الإنجيل، وذلك من خلال استنارتها العامة بالكلمة (اللوغوس،
يو 1: 9)، أو بنعمة الروح القدس الممنوحة قبل المعمودية أو
عندها.
هذا الشرح غير مقبول، حتى في ذاته وبمعزل عن تعليم الكلمة
المقدسة. فبحسب هذا التعليل، ليس الله هو الذي يجعل فرقاً
بين الناس، بل البشر أنفسهم. ولكن ما دام الله هو هو، فإن
مشورته تهيمن على كل شيء، وهو خالق السماوات والأرض،
وبعنايته يعتني بجميع خلائقه ويسودهم. فمن غير المعقول أن
نفترض أن يسود الطبيعة كلها ويتحكم في دقائق كل شيء، ومع
ذلك يستثني من مشورته مسألة التباين الروحي أو اللامساواة
بين البشر، تاركاً لهذه الحادثة العظيمة الكلّية الشمول أن
تدبر نفسها بنفسها، متحكمة في المصائر الأبدية، متخلياً
عنها للاختيار البشري. فأي من يعتقد هذا الفكر يقوّض، من
حيث المبدأ، فكرة مشورة الله وسيادة عنايته، ويسحب كامل
التاريخ البشري إلى خارج متناول يد الله، ويجعل مستقبل هذا
التاريخ شيئاً لا يمكن التنبؤ به بسلبه نهايته وغايته،
وينسب إلى الله موقفاً خاملاً يتسم بالانتظار ويتضارب مع
كينونته وأعماله.
وعلى كون هذا التمايز الروحي بين البشر هو الأهم، فهو ليس
التباين الوحيد بينهم. فبين الخلائق أنواع شتى من التفاوت
والتباين، ولاسيما بين الذين خصّهم الله بعطية العقل. إذ
يختلف البشر في الطبقة والوضع، وفي الجنس والعمر، وفي
قدرات العقل وقوى الجسد. كما يختلفون أيضاً في كونهم قد
ولدوا داخل نطاق النصرانية أو خارجه، فيستطيعون أن يسمعوا
دعوة الإنجيل أولاً. وجميع هذه الفروق لا يمكن تفسيرها أو
تبريرها بقرارات البشر أو مواقفهم، لأن الفروق تسبق هذه
القرارات والمواقف وتؤثر فيها بقوة إلى حدِّ بعيد. ولكن
إذا كان المرء لا يرغب في أن يقنع بكون مسرة الله الصالحة
هي المحددة لذلك، وإذا ظلّ يبحث عن الحل في اختلاف مواقف
البشر، فلابد له من اللجوء إلى افتراضات يتعذّر الدفاع
عنها. فاللوثريون مثلاً لم يشاؤوا الإقرار بتقدير الله
المهيمن في كون إنسان ما يولد تحت ضوء الإنجيل، وإنسان آخر
يولد بعيداً عنه، ورأوا أن دعوة الكلمة أُبلغت إلى جميع
البشر في زمن آدم ونوح والرسل (استندوا أساساً على رومية
10: 18 وكولوسي 1: 23)، ولكن البشر عادوا ففقدوها بسبب
غلطتهم هم فقط. وعلى هذا المنوال عينه نُسجت الفكرة التي
ترد عند أوريجينوس والتي يتشارك فيها أيضاً كثيرون في
الأزمنة الحديثة، ومفادها أن النفوس البشرية خُلقت في
الأصل متساوية وفي وقت واحد، ولكنها بحسب تباين سلوكها في
وجودها السابق كان نصيبها على الأرض أجساد متخالفة.
وجميع الافتراضات المماثلة لما سبق تزيد صعوبات المسألة
ولا تسهم بشيء في حلها. ففي هذا المجال أيضاً، لا راحة
للإنسان ما لم يسترح في قلب الله الأبوي ويُقرّ بالأساس
الأعمق للتباين بين الخلائق في كونه عائداً إلى مشورة الله
المطلقة والتي لا يسبر غورها. فأنصبة البشر المتباينة فيما
يتعلق بالدعوتين العامة والخاصة لا يستقر أساسها في تفوق
شعب على آخر، أو في الاستفادة من نور الطبيعة على نحو
أفضل، بل في مسرة الله الصالحة المطلقة السيادة وفي محبته
التي لا نستحقها (قوانين دورت، ج 3، ف 4، ص 7). والأمر
نفسه ينطبق على اللا مساواة الروحية التي تحصل بين الذين
يسمعون صوت الإنجيل بقلب مؤمن والذين يحتقرونه ويختارون
المضيّ في طريقهم الخاص فليس الإنسان، بل الله، هو من يجعل
الفرق هنا. والدعوة التي يوصلها الله إلى إنسان، تختلف عن
تلك التي يوصلها إلى آخر. وفي ما يخص الدعوة بالكلمة، يميز
الكتاب أيضاً بين دعوة خارجية وأخرى داخلية.

|