|

الدعوة
المسيحية -2
ولكن قبل أن نبين الأسس الوافية التي يرتكز عليها هذا
التمييز، علينا أن نشدد على واقع كونه غير مقصود به البتة،
بطريقة أو بأخرى، أن يجرد الدعوة الخارجية، كما يُقال، من
قوتها وقيمتها.
ففي المقام الأول، ينبغي التصريح بأن هذه الدعوة من جانب
الله تبقى جدية وحسنة النية. إذ إن جميع المدعوين
بالبشارة، مدعوون دعوة فعالة، لأن الله يقول في كلمته،
بجدية وإخلاص، ما الذي يسره – أي أن يُقبل المدعوون إليه.
وهو تعالى، بكل تأكيد، يعد جميع الذي يُقبلون إليه براحة
لنفوسهم وبالحياة الأبدية (قوانين دورت، ج 3، ف 4، ص 8).
والذين يقرّون بالتمييز بين الدعوة الخارجية والدعوة
الداخلية ما يزالون يعزون إلى الأولى القوة والأهمية
اللتين يرى رافضو هذا التمييز أنهما تابعتان للدعوة
بكاملها. والمقرّون بالتمييز لا يضعون البشر في وضعٍ أقل
إرضاء من ذاك الذي يرى الرافضون أن البشر فيه فعلاً. فإن
كلمة الإنجيل التي بها تُبلَّغ الدعوة الخارجية ليست حرفاً
ميتاً، بل هي قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو 1: 8)، وهي
حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدّين (عب 4: 12)، وهي
واسطة الولادة الثانية (1بط 1: 23). إنها بعينها الكلمة
التي يستخدمها الله في الدعوة الداخلية، وهي ليست في ذاتها
معزولة عن التأثير الكلي للروح القدس. فهذا الروح ليس فقط
يشهد في قلوب المؤمنين بأنهم أولاد الله (رو 8: 16)، بل
إنه أيضاً ينفذ إلى ضمائر الذين يبكّتهم على خطية وبرّ
ودينونة. إذاً لم يكن كالفن مخطئاً لما تحدّث عن مستوى
أدنى لعمل الروح القدس يصحب الدعوة الخارجية.
وتبعاً لذلك، فإن رفض الدعوة الخارجية لا يتم البتة دون
تحمّل عواقبه. فالذين يحتقرون الإنجيل لا يمكنهم أن
يتذرّعوا بعجزهم، لأنهم لا يرفضونه لأنهم عاجزون. فلو كان
ذلك، لاستطاعوا اللجوء إلى نعمة الله التي تمنحهم الخلاص.
لكنهم بالأحرى يرفضون الإنجيل لأنهم يشعرون شعوراً قوياً
بأنهم قادورن على تخليص نفوسهم، ولأنهم يبتغون أن يخلصوا
بغير نعمة الله. فكون الكثيرين ممن يُدعون بواسطة الإنجيل
لا يُقبلون ولا يتوبون، ليس هو خطأ الإنجيل ولا المسيح
المقدَّم لهم فيه، ولا الله الذي يدعوهم به والذي يمنح
المدعوين أيضاً بركاتٍ عديدة. بل إن الخطأ يكمن بالأحرى في
أولئك المدعوين الذين لا يقبل بعضهم كلمة الحياة لكونهم
غير مبالين. وآخرون يقبلون الكلمة دون أن يُدخلوها في
قرارة قلوبهم، وبالتالي يرتدون بعد فرحهم الوجيز المقترن
بالإيمان الوقتي. كما أن آخرين يخنقون الكلمة بأشواك هموم
الحياة ومباهج العالم فلا يثمرون. ذلك هو تعليم المخلص في
مثل الزارع والبذار (قوانين دورت، ج 3، ف 4، ص 9).
وفي المقام الثالث، ليست هذه الدعوة الخارجية بلا نتائج.
إذ يمكن القول عموماً إن الله يتمم مقصده بواسطتها. فعن
كلمة هذه الدعوة الخارجية أيضاً يمكن القول إنها لا ترجع
خائبة بل تعمل ما يسرّه وتنجح في ما يرسلها لأجله (إش 55:
11). بها يؤكد الله حقه على خلائقه ويصون كرامة اسمه. ثم
إن المسألة ليست على الإطلاق، لا هنا ولا هناك، كيف يستجيب
الناس لهذه الدعوة الخارجية. فبين الوثنيين تفاوت كبير
وردود الفعل تجاه دعوة الطبيعة. حتى إن سقراط وأفلاطون،
مثلاً، ينبغي ألا يوضعا في مصفّ واحد مع كاليفولا ونيرون.
وهكذا، ليس هو شيئاً واحداً على الإطلاق أن يلقى الإنجيل
هزءاً وتجديفاً من جهة، أو قبولاً بإيمان تاريخي أو وقتي
من جهة أخرى. صحيح أن بين هذين النوعين من الإيمان
والإيمان الكلي. بل إنهما، على النقيض، من ثمار نعمة الله
العامة، ويحملان معهما عدة بركات وقتية. فهما يضعان الناس
تحت التزامٍ تجاه الحق، ويصدانهم عن ارتكاب كثير من
الخطايا الرهيبة، ويجعلانهم يحيون حياة احتشام واحترام،
ويسهمان بغنىً في تكوين المجتمع المسيحي، وهو بالغ الأهمية
بالنسبة إلى حياة البشرية وتأثير الكنيسة.
أضف إلى هذا أنه يجدر بنا أن نلاحظ أن دعوة الله هذه
الخارجية غالباً ما يستخدمها الله وسيلة لتهيئة عمل النعمة
في قلوب خاصته. فليس هنالك بالحقيقة نعمة تحضيرية، بمعنى
أن الدعوة الخارجية تتدرّج فتصير هي الدعوة الداخلية دون
حدوث تغيير، أو أن الإنسان الطبيعي ينمو تدريجياً فيصير
ابناً لله. وكما أنه ليس في الطبيعة نفسها فليس في النعمة
أيضاً انتقال تدريجي من الموت إلى الحياة أو من الظلمة إلى
النور. ولكن هنالك شيئاً من قبيل النعمة التحضيرية أو
الإعدادية إذا كان المقصود أن الله، مجري كل نعمة، هو
أيضاً خالق الطبيعة، وهو يرسي بين النعمة والطبيعة رباط
اتصال يحافظ عليه دائماً من بعد. وفي تنفيذه لمشورة الفداء
يسير على الخط الذي كان قد رسمه في عمل الخلق والعناية.
فكما أنشأ لدى زكا رغبة في أن يرى يسوع (لو 19: 3)، وكما
أحدث تجاوباً لدى الجمهور الذي سمع بطرس (أع 2: 37)، كذلك
تماماً يعتني بخاصته ويوجّههم بطريقة تعدّهم للساعة التي
فيها يُمجِّد نعمته فيهم، وهو نفسه يقتادهم بيده القديرة
لبلوغ ذلك الوقت.
على أنه بصرف النظر عن قوة هذه الدعوة الخارجية وقسمتها،
فهي ليست في ذاتها كافيةً لتغيير قلب الإنسان وحمله فعلاً
على قبول الإنجيل للخلاص. إنما ينبغي أن نفهم عدم كفاية
الدعوة الخارجية على هذا النحو فهماً صحيحاً. فالإنجيل
الذي تذيعه لا ينقصه شيء من حيث كونه بشارة، لأنه يشتمل
على كامل مشورة الفداء ، ويعرض أمام أنظارنا المسيح بكل
بركاته، ولا يحتاج إلى بسط مضمونه. وليس هذا الإنجيل بحرف
جامد يجب أن يحييه الروح، ولا بكلام مجرد أو رمز بلا قيمة
تعوزه العلاقة الواقعية بالحقيقة التي يشير إلأيها. فمع أن
بولس يقول عن الخادم إنه ليس شيئاً (1كو 3: 7)، لأنه يمكن
أن يخلفه، أو قد يُغفل كلياً، فهو لا يقول هذا عن الإنجيل.
بل على النقيض، فالإنجيل هو قوة الله للخلاص (رو 1: 16؛
1كو 15: 2)، وهو ليس كلمة بشر بل كلمة الله، الحية
والفعالة، وبمعنىً ما يقوم بعمله دائماً، إذ إنه إن لم يكن
رائحة تؤدي إلى الحياة يكون رائحة تؤدي إلى الموت (2كو 2:
16). والمسيح الذي هو مضمون الإنجيل لا يدع أحداً في حالة
حياد: فهو قد أتى إلى العالم بأزمة، أو دينونة، أو فاصل
(يو 3: 19؛ 9: 39)، وبكلمته التي تصل إلى لبّ كيان الإنسان
يُظهر أفكار القلب ونياته (لو 2: 35؛ عب 4: 12). قد صار
المسيح صخرة عثرة للذين يرفضونه كصخرة ملجأ، وجهالة للذين
يرفضونه باعتباره الحكمة، وهو يعلن سقوط الذين لا يؤمنون
به قيامةً لهم.
ولكن هذا التأثير المزدوج لكلمة الإنجيل يبرهن بدقة على أن
اختلاف النتيجة لدى الذين يقبلون الكلمة ولدى الذين
يرفضونها لا يمكن تفسيره بلغة تلك الكلمة وحدها، ولا بلغة
الدعوة الخارجية أيضاً. صحيح أن كلمة الإنجيل، بصرف النظر
عمّن يحملها وإلى من، هي دائماً كلمة من الله، حية وفعالة.
ولكن التعبير "كلمة الله" لا يتضمن المعنى نفسه دائماً في
الكتاب المقدس بأي حال من الأحوال. فحيناً يعني قوة الله
التي يخلق بها العالم ويعتني به. وحيناً يعني الإعلان
الخاص الذي به يعلن الله للأنبياء شيئاً ما (إر 1: 2، 4؛
2: 1؛ ومواضع أخرى). وهو يُستعمل عدة مرات للدلالة على
مضمون الإعلان أو فحواه، بصرف النظر عن كونه يتعلق
بالناموس أو بالإنجيل (خر 20: 1، لو 5: 1؛ ومواضع أخرى).
وفي الحالة الأخيرة تبقى الكلمة هي كلمة الله بالحقيقة من
حيث معناها، ولكنها ليست منطوقة من قبل الله مباشرة ورأساً
كما هو شأن الكلمة الحاصلة في الخلق والعناية. بل إنها
بالأحرى تأخذ شكل الكلمة البشرية، إذ يمكن للكائنات
البشرية أن يتكلموا بها ويكتبوها، وهكذا يصير لها – إن صح
التعبير – وجود مستقل. وبهذا المعنى أيضاً تبقى بالطبع من
حيث مضمونها كلمة حية وفعالة، غير أنها تشترك أيضاً في
خصائص الكلمات البشرية، وبذلك لا تُحدث إلا تأثيراً
أدبياً. إنما لا ينبغي التقليل من شأن التأثير الأدبي. فهو
أقوى بكثير من مجرد الإرشاد العقلاني، إذ إن كلمة الإنجيل
ليست فقط مصدر لمعرفتنا بالله والشؤون الإلهية بل هي أيضاً
واسطة نعمة.
ولكن مثل هذا النشاط الذي يؤديه الإنجيل على المستوى
العقلاني والديني الأدبي ليس كافياً. كان يكفي لو أن
الإنسان لم يسقط، أو لو أنه لم يفقد بسقوطه حريته الأدبية.
ولكن الكتاب يشهد، والحياة تؤكد كل يوم، أن ذهن الإنسان
مظلم (أف 4: 18؛ 5: 8)، وإنه مقيَّد في إرادته كعبد للخطية
(يو 8: 34؛ رو 6: 20)، وأنه ميت بالذنوب والخطايا (أف 2:
1، 2). ولذلك فهو لا يقدر أن يرى ملكوت الله (يو 3: 3)،
ولا يستطيع أن يقبل أو يفهم ما يتعلق بروح الله (1كو 2:
14)، ولا يقدر أن يخضع لناموس الله (رو 8: 7)، كما لا
يستطيع في نفسه ومن تلقاء ذاته أن يتصور الخير أو يعمله
(يو 15: 5؛ 2كو 3: 5). فالإنجيل موجَّه يقيناً إلى
الإنسان، ولكنه ليس مفصلاً على قياسه، أي ليس حسب رغباته
وأفكاره (غل 1: 11). لهذا السبب يرفض الإنسان الإنجيل
ويقاومه إذا تُرك يسلك سبله الخاصة.
ولكن غنى نعمة الله يكمن في كونه تعالى، رغم هذا كله، يضفي
عمل الروح على الدعوة بالكلمة لجميع الذين اختارهم للحياة
الأبدية. وقد كان الروح القدس في العهد القديم هو منشئ
الحياة الروحية ومرشدها (مز 51: 12؛ 143: 10). غير أنه
موعود به هناك بصورة خاصة باعتباره من سيتولى في أيام
العهد الجديد تعليم جميع الناس، ومن سيُعطى قلباً جديداً
ويكتب عليه شريعة الرب. لهذه الغاية أيضاً سكب الروح يوم
الخمسين. ومع الرسل وبهم كان سيشهد للمسيح ويسكن في
الكنيسة أيضاً لكي يجددها (يو 3: 5)، ويقودها إلى الاعتراف
بالمسيح رباً (1كو 12: 3)، ويعزيها ويرشدها، ويمكث معها
إلى الأبد.وبالعمل خارج الكنيسة، يخترق الروح العالم
ويبكّته على خطية وبرّ ودينونة (يو 16: 8 - 11).
إن عمل الفداء هو عمل الله، عمله وحده – لا موضوعياً وحسب
بل ذاتياً أيضاً. فليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي
يرحم (رو 9: 16). هنالك دعوة خارجية تصل إلى الكثيرين (مت
22: 14)، ولكن توجد أيضاً دعوة داخلية فعلية هي نتيجة
للاختيار (رو 8: 28 - 30). فالله لا يعطي الإنجيل فقط، بل
أيضاً يجري الكرازة به في قوة الروح القدس (1كو 2: 4؛ 1تس
1: 5، 6)، وهو نفسه من ينمي (1كو 3: 6 - 9). هو يفتح القلب
(أع 16: 14) وينير الذهن (أف 1: 18؛ كو 1: 9 - 11) ويطوّع
الإرادة (أع 9: 6)، ويُنشئ الإرادة والعمل معاً في سبيل
مسرّته (في 2: 13).
ولا ينبغي أن تُعزى حقيقة كون المدعوين على هذا النحو
يُقبلون إلى المسيح ويتجددون، إلى الاستحقاق البشري، وكأن
الإنسان بإرادته الحرة قادر على تمييز ذاته عن الآخرين. بل
يجب أن تُعزى هذه الحقيق إلى الله الذي كما اختار خاصته في
المسيح قبل الزمان في الأزل يدعوهم أيضاً في الزمن بقوة
وفعالية، ويمنحهم إيماناً وتوبة، وإذ ينقذهم من سلطان
الظلمة ينقلهم إلى ملكوت ابنه ولكيلا يفتخروا بأنفسهم بل
بالرب، على حد ما تشهد به الكتابات الرسولية باستمرار
(قوانين دورت، ج 3، ف 4، ص 10).
أما طبيعة هذه الدعوة الداخلية فهي تظهر في الكلمة المقدسة
بطرق شتى. صحيح أن هذا التعبير بالذات غير وارد في الكلمة،
ولكن الحقيقة التي يعبّر عنها يُشار إليها مراراً
وتكراراً. حتى الطبيعة تقدم لنا إيضاحاً لما يحدث في دائرة
النعمة. إذ إن الخلق يسلّط ضوءاً على الفداء، مثلما يسلط
الفداء بدوره ضوءاً على الخلق. وقد أوضح المسيح طبيعة
ملكوت السماوات وخصائصه وقوانينه بأمثال مستمدة من الطبيعة
والحياة اليومية. وفي مثل الزارع خصوصاً أظهر المسيح
التأثيرات المتباينة لكلمة الإنجيل في قلوب الناس.
يسري في دائرة الطبيعة قانون مؤداه أنه لكي يحوز الإنسان
علماً أو معرفة بأمر معين ينبغي أن تكون له علاقة معينة
بذلك الأمر الذي يريد أن يراه أو يعرفه. فإذا ابتغى المرء
رؤية شيء ما فلابد من وجود غرض بالطبع، ولكن من الضروري أن
توجد أيضاً عين منفتحة، فضلاً عن وجود ضوء يخدم هذا وذاك.
وإذا شاء المرء أن يسمع، فلابد من توافر شيء آخر غير
الموجات الهوائية والأصوات – لابد من وجود أذن مفتوحة
لاستقبال الصوت. وإذا شاء الإنسان أن يفهم الأغراض التي
يدركها بحواسه، فهو يحتاج أيضاً إلى لب واعٍ. إذاً، يجب أن
نكون على علاقة بالشيء الذي نراه حتى نستوعبه ونحوزه كملك
روحي لنا. فلا الأعمى يبصر ولا الأصم يسمع، ولكن اللامبالي
أيضاً لا يستطيع أن يفهم. فالشخص الذي تعوزه الأذن
الموسيقية لا يستوعب الأنغام، والذي يعوزه الذوق الفني لا
يتمتع بقصيدة أ, لوحة. إذاً، لابد من قيام علاقة ما، رابطة
تناغم، بين الإنسان والعالم الخارجي، كي يصل إلى العلم أو
المعرفة.
وفي دائرة الطبيعة، تظل تلك العلاقة كامنة بالقوة على
العموم. حقاً إن الخطية أيضاً قد خلّفت آثارها في هذا
المجال، بحيث إن الأعمى والأصم والأبله، وسواهم من
المنكوبين، ليس لهم شيء من تلك العلاقة، وجميع البشر قد
ضعفت لديهم نفس العلاقة أو تشوشت. ولكن يمكن القول بصورة
عامة إن الله جعل تلك العلاقة تستمر في دائرة الطبيعة. فما
زال في وسع الإنسان أن يرى ويسمع، ويشعر ويفكر، ويعرف
ويتعلم.
ولكن في دائرة الروح انفصمت هذه العلاقة كلياً من جراء
الخطية. فإن تصورات قلب الإنسان شريرة منذ حداثته (تك 8:
21). والثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل
فلا يعرف، وشعب الرب لا يفهم (إش 1: 3). وجيل البشر يشبه
أولاداً جالسين في الأسواق، ينادون إلى أصحابهم، قائلين:
زمرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تلطموا (مت 11: 16،
17). وهذا الشعب ليس له أعين تبصر، ولا أذن تسمع، ولا قلوب
تفهم (إش 6: 9؛ مت 13: 14، 15). حتى إن البشر، لما أعلن
الله لهم ذاته في الطبيعة، لم يعرفوه ولا شكروه (رو 1:
21)؛ وعندما يعلن لهم ذاته في الإنجيل، لا يفهمون أمور روح
الله، ويعثرون بجهالة الصليب، ويرفسون المناخس. فالإنسان
بالطبيعة ميت بالنسبة إلى الله وإعلانه وجميع الأمور
الروحية والسماوية. إنه لا يبالي بها ولا يهتم، ويفتكر فقط
في الأرضيات، ولا يُسرّ بمعرفة طرق الرب. ذلك أن العلاقة
بين الله والإنسان قد انفصمت. فليس بينهما بهد شركة روحية
ولا بينهما وحده فيها بعد.
ولذلك فإن الدعوة الداخلية عامة تقوم على حقيقة كونها
تسترد رباط العلاقة، وتوصل ثانية ما بين الإنسان والله
روحياً حتى يصغي الإنسان إلى كلمة الله ويفهمها. وعمل
الروح القدس هذا في ما يتعلق بالدعوة الداخلية يطلق عليها
الكتاب المقدس "الإعلان". فلما اعترف بطرس في نواحي قيصرية
فيلبس بيسوع أنه المسيح ابن الله الحي، قال له المخلِّص:
طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأن لحماً ودماً لم يعلن له، بل
أبي الذي في السماء (مت 16: 17). وهكذا أيضاً يشهد الرسول
بولس أنه عند تجديده سر الله أن يُعلن ابنه فيه (غل 1:
16). هذا الإعلان لا يشير إلى ظهور المسيح موضوعياً. فإنه
حينما اعترف بطرس بيسوع أنه المسيح، كان المخلص قد عاش على
الأرض وعمل عدة سنين، وقد أعلن غير مرة أنه هو المسيح
(مثلاً، مت 11: 5 وما يلي)، واعترف به آخرون بهذه الصفة
(مت 8: 29؛ 14: 33). ولكن لم يكن قد تمّ من قبل الاعتراف
بيسوع على هذا النحو الواضح والحاسم أنه المسيح ابن الله،
ولذلك يقول ما يفيد أن إعلاناً ذاتياً في قلب بطرس وذهنه
كان هو الأمر الوحيد الذي جعله يعترف هذا الاعتراف الجريء
القاطع. ذلك أن الله نفسه أنار الرسول داخلياً حتى رأى
آنذاك في المسيح ما لم يسبق له أن رآه فيه بمثل ذلك بوضوح.
بكلمة أخرى، يتكون الإعلان المشار إليه في هذه الآيات من
استنارة داخلية. ففي عالم الطبيعة، وُهبت أعيننا نوراً من
الشمس، وهي بدورها تنير الجسد كله، كما ينير المصباح البيت
(مت 6: 23). والذهن والعقل ينيرهما في الإنسان ذلك الكلمة
الذي كان عند الله، والذي كوّن كل شيء، من كان نور الناس
وما يزال ينير كل إنسان في هذا العالم (يو 1: 1 - 9).
وبسبب إنارة الذهن هذه، يستطيع الإنسان أن يتنبّه إلى
العالم ويتفحصه ويعرفه. وهكذا، فإن حكمة الإنسان تنوّر
وجهه (أم 8: 1).
كذلك أيضاً توجد استنارة في عالم الروح. وقد سبق المرنم في
أيام العهد القديم فصلّى طالباً إياها، إذ قال: اكشف عن
عيني فأرى عجائب من شريعتك (مز 119: 18). وفي العهد
الجديد، يتحدث بولس عن إعلان (غل 1: 16) وفي موضع آخر عن
إنارة شارك فيها. فإن الله، خالق النور، قد أشرق أيضاً في
قلب بولس، حتى يتمكن – بوصفه رسولاً وبواسطة الكرازة – من
أن يجعل مجد الله يشع على الآخرين، وأن يأتي بهم تالياً
إلى معرفة هذا المجد (2كو 4: 6؛ قارن أف 3: 9).
وفي غير موضع يوصف عمل الروح القدس هذا على صعيد الدعوة
الداخلية بأنه فتْح الرب يسوع للقلب (أع 16: 14) أو للذهن
(لو 24: 45)، حتى تُفهم كلمة الله وتٌقبل على حقيقتها.
ويُوصف هذا العمل أيضاً بصورة النمو الذي يعطيه الله
للكلمة التي كرز بها الرسل (1كو 3: 5 - 9). لأن الرسل
ليسوا إلا خداماً، عاملين مع الله، آلات بين يديه، بحيث
إنهم ليسوا هم الذين يعملون بالحقيقة، بل نعمة الله التي
معهم (1كو 15: 10). إنهم بالحقيقة لا شيء ولكن الله هو
الكل، لأنه هو من يعطي لبذرة الكلمة نموها، وعليه فالكنيسة
كلها هي فلاحته وبناؤه. ويقيناً أن القدرة اللازمة لإحياء
خاطئ ميت هي خارج طاقة أي مخلوق، ملاكاً كان أو رسولاً.
فالقوة اللازمة لهذا ليست شيئاً أقل من القوة الإلهية
القادرة على كل شيء، القوة نفسها التي أقامت المسيح من بين
الأموات.
نعلم أن الرسول بولس يصلي لأجل مؤمني أفسس لكي يعطيهم الله
بعد روح الحكمة والإعلان، حتى يعرفوه وينير لهم عيون
أذهانهم (أي بصائرهم). وهكذا يتسنى لهم أن يعرفوا، أولاً:
أي رجاء عجيب وتوقّع مجيد يمنح الله للذين دعاهم؛ وثانياً:
أي ميراث غنيّ بالمجد ينتظرهم في المستقبل؛ ثالثاً: أية
عظمة فائقة لا تُقاس لقدرته التي يبديها نحو المؤمنين من
بداية دعوهم، وطوال حياتهم، حتى المجد النهائي. ويستطيعون
أن يكوّنوا فكرة ما عن عظمة قدرة الله بأن يقيسوها بما
عمله في المسيح إذ أقامه من بين الأموات وأجلسه عالياً
جداً، فوق كل رياسة وسلطان، عن يمينه تعالى في السماء. ففي
دعوة المؤمنين وتجديدهم وحفظهم وتمجيدهم، تظهر جلياً قدرة
الله نفسها التي ظهرت في قيامة المسيح وصعوده وتمجيده (أف
1: 15 وما يلي).
فبحسب ما جاء في الكتب المقدس إذاً، تعترف الكنيسة المصلحة
بأنه عندما يُجري الله مسرته في المختارين ويُنشئ فيهم
التوبة الحقيقية، لا يدبر فقط أمر الكرازة لهم بالإنجيل
خارجياً، كما أنه لا ينير فقط بكل قوة أذهانهم بعمل الروح
القدس، كي يفهموا ويميزوا بحق ما هو لروح الله، بل إنه
أيضاً ينفذ إلى الإنسان الباطن بالعمل الفعال للروح المحيي
نفسه هذا العمل، على حدّ تعبير الاعتراف عينه، هو عمل فائق
الحد بجملته، عمل قوي جداً لكنه في الوقت نفسه عمل لطيف
وعجيب وغامض ولا يُعبَّر عنه. إنه، بحسب شهادة كلمة الله
المقدسة (المعطاة، كما لا يفوتنا من قبل المصدر الإلهي
عينه الذي يتم هذا العمل أو التأثير)، لا يقل قوة عن
القدرة التي تجلت في الخلق أو في إقامة الأموات (قوانين
دورت، ج 3، ف 4، ص 12).
والتغيير الذي يحدثه عمل الروح القدس في الإنسان هذا يُعرف
بالتجديد. وهذه الكلمة ليست من كلمات الكتاب المقدس أصلاً،
ولم ترد فيه لفظاً، بل إنها استُخدمت منذ أقدم الأزمنة في
ديانة الهنود للدلالة على التغيير الذي يعتقدون أن النفس
تجتازه عند الموت. فيذكر أن النفس، بحسب الديانة الهندية،
لا تحيا بعد الموت في حال انفصال، بل تدخل للحال جسداً
آخر، سواء كان جسد إنسان أو حيوان أو نبات، تبعاً لتصرفها
في أثناء تجسّدها السابق. وعندهم أن كل ولادة تنتهي إلى
الموت، ولكن كل موت يُفضي أيضاً إلى ولادة أخرى. وهكذا
يكون كل كائن بشري خاضعاً لسلسلة مستمرة من "الولادات
الجديدة" على مدى القرون، حيث تتخذ النفس الواحدة تجسدات
جديدة. وبحسب البوذية، لا يوجد عتق من هذا القانون الرهيب
ومن كل معاناة للألم في العالم إلا حينما يعلم الإنسان في
ذاته كيف يسكّن التوق إلى الوجود، وحينما يعمل على إبادة
الذات، أو على الأقل على تحييد وعيه، وذلك بواسطة أعمال
التقشف بجميع أنواعه. هذا الاعتقاد بوجود "ولادات جديدة"
قديم جداً في الشرق، وما زال كثيرون حتى اليوم يرون فيه
حكمة سامية.
غير أن الكتاب المقدس يتحدث عن تجديد البشر بمعنى آخر
مختلف تماماً. وقد وردت اللفظة "تجديد" في العهد الجديد في
موضعين أصلاً: مرة في (متى 19: 28)، حيث يشير المسيح إلى
تجديد العالم الذي سيسبق إقامة الملكوت المجيد؛ وأخرى في
(تيطس 3: 5)، حيث يقول بولس إن الله خلصنا لا بأعمال برّ
عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته بغسل الميلاد الثاني وتجديد
الروح القدس. ومن الصعب أن نجزم هنا هل يفكر بولس في
المعمودية كعلامة أو ختم للولادة الثانية أو هو يشبّه
بركات الولادة الثانية وتجديد الروح القدس بعملية استحمام
يشرع فيها المؤمنون. ومهما كانت حقيقة الأمر، فإن العبارة
المعطوفة "تجديد الروح القدس" تثبت أن التجديد ينطوي على
تغيير روحي أدبي يحصل في المؤمن عند اهتدائه. وقرينة
الكلام تؤيد هذا الفكر، إذ تفيدنا أن المؤمنين كانوا قبلاً
أغبياء، غير طائعين، ضالين، مستعبدين لشهوات ولذات مختلفة،
عائشين في الخبث والحسد، إلى ما هنالك (تي 3: 3)، غير أنهم
قد خلّصوا إذ وُلدوا ثانية وتجددوا، وصاروا ورثة حسب رجاء
الحياة الأبدية (الآيات 4 - 7). وعلى ذلك يُحرَّضون على
ممارسة الأعمال الحسنة (الآية 8)، ما داموا تحديداً قد
حصلوا بالولادة الثانية والتجديد على القدرة والرغبة
للقيام بمثل هذه الأعمال.
غير أنه، وإن كان اسم "التجديد" في الأصل لا يرد في العهد
الجديد إلا مرتين، يُشار إلى هذه الحقيقة عينها بكلمات
وصور مختلفة. حتى أن العهد القديم ينبّه بني إسرائيل إلى
ضرورة عدم الافتخار بعلامة الختان الخارجية ويشير عليهم
بوجوب أن يختنوا عُزلة قلوبهم ولا يعودوا يصلّبون رقابهم
(تث 10: 16). ويعد العهد القديم أيضاً بأن الرب إلههم سوف
يختن قلوبهم وقلوب نسلهم لكي يحبوا الرب إلههم من كل
قلوبهم ومن كل نفوسهم (تث 30: 6). وقد تحقق هذا الوعد
لقديسي العهد القديم جزئياً، لكنه سوف يلقى إتماماً أوفى
في المستقبل، يوم يعمل عهداً جديداً مع شعبه، ويسكب روحه
على الجميع، ويعطيهم قلب لحمٍ بدل قلب الحجر، ويكتب
نواميسه على قلوبهم.
ولما حان ذلك المستقبل واقترب ملكوت السماء، ظهر يوحنا
المعمدان يكرز بالتوبة شرطاً لدخول الملكوت. وكان شعب
إسرائيل، رغم امتيازاته الخارجية، فاسداً كلياً. فعلى
الرغم من ختانه، احتاج إلى المعمودية، معمودية التوبة لأجل
مغفرة الخطايا، معمودية يُغطَّس فيها الإنسان كله لكي يخرج
إنساناً جديداً يحيا حياة جديدة (مت 3: 2 وما يلي). وقد
تولى المسيح الكرازة عينها بالتوبة والإيمان، وقبل هو نفسه
المعمودية وطلبها من جميع الذين أرادوا أن يكونوا تلاميذاً
له (مر 1: 14، 15؛ يو 4: 1، 2). وكل من أراد أن يدخل
الملكوت عليه أن يقطع كل علاقة له بسيرة حياته السابقة، أن
يخسر نفسه (مت 10: 39)، وأن يتخلى عن كل شيء (لو 14: 33)،
وأن يحمل صليبه ويتبع الرب (مت 10: 38)، وأن يصير مثل ولدٍ
(مت 18: 3)، وأن يرجع إلى الآب معترفاً بالخطية (لو 15:
18)، وأن يدخل إلى الحياة الأبدية من الباب الضيق والطريق
الكرب (مت 7: 14). وكل من يريد أن يفعل ذلك، يعطيه الله
نفسه قدرة على فعله، لأن البشر أشرار (مت 7: 11). ومن
قلوبهم لا تخرج إلا الشرور (مت 15: 19). فإنهم لا يجتنون
ثمراً جيداً من شجرة رديئة (7: 17). إذا، إن شئنا الحصول
على ثمر جيد، فلابد أولاً من جعل الشجرة جيدة، ولا يقدر أن
يعمل هذا إلا اله وحده (مت 19: 26). فالذين يغرسهم الآب
السماوي غرساً هم أولاد الله ومواطنو ملكوت السماء (مت 15:
13) وهم الذين أعلنهم الابن للآب، والآب للابن (مت 11: 27؛
16: 17). ومع أنهم كانوا من قبل أمواتاً بالروح، فلهم الآن
نصيب في الحياة الحقيقية وهم ينتظرون الحياة الأبدية (مت
8: 22؛ لوقا 15: 24؛ 18: 30).
في جميع تعاليم المسيح هذه كما تعرضها لنا روايات الأناجيل
الثلاثة الأول، لا ترد كلمة "التجديد"، غير أن الحقيقة
ذاتها معلنة بوضوح. وعليه، فعندما يقول الرب يسوع في
مقابلته لنيقوديموس إنه لا يقدر أحد أن يرى ويدخل ملكوت
الله ما لم يولد ثانية (من فوق) من الماء والروح (يو 3: 3
- 8)، عندئذ لا تتعارض شهادته مع شهادة الأناجيل الأخرى.
بل إنه بالأحرى في تعليمه هذا لنيقوديموس يلخّص بإيجاز
ووضوح ما كان قد عرضه في مواضع أخرى علناً وبأكثر تفصيل.
ونحن نعلم أن نيقوديموس كان شخصاً مرموقاً، معلماً عند بني
إسرائيل، وعضواً في مجلس السنهدريم. وكان قد سمع بمعجزات
المسيح، ولذلك حسبه معلماً مرسلاً من عند الله. لكنه لم
يكن متيقناً في ذهنه فظل في شك من أمره. وهكذا قصد إلى
يسوع ليلاً – لئلا يثير ريبة اليهود وعداءهم – لعله يتيقن
بمقابلة سرية ما إذا كان يسوع هو المسيح فعلاً. وعليه،
يستهل نيقوديموس المحادثة بإظهار اقتناعه بأن يسوع هو معلم
جاء من لدن الله وأعطاه الله القدرة على القيام بأعماله
العجيبة التي يعملها. ويبدو أنه أراد أن ينيط بذلك سؤالاً
عما ينبغي أن يعمله الإنسان ليدخل ملكوت السماء. ولكن
المسيح لم يمهله حتى يطرح السؤال، بل أجابه في الحال: الحق
الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد (ثانية) من فوق، لا يقدر
أن يرى ملكوت الله. وهكذا ينزع المسيح، بإيماءة واحدة، من
نيقوديموس كل اعتبار للاستحقاق البشري ولحفظ الناموس على
طريقة الفريسيين سبيلاً إلى دخول الملكوت.
من هنا لا يتكلم المسيح حرفياً عن ولادة "ثانية" من جديد،
بل عن ولادة "من فوق". فالتشديد لا يقع على حقيقة كون
الإنسان يحتاج إلى ولادة ثانية لدخول الملكوت، وإن كان
التجديد يمكن أن يُحدد هكذا بصورة طبيعية للغاية. ولكن
الرب يسوع يريد أن يؤكد لنيقوديموس على الحقيقة القائمة في
أنه لا سبيل للإنسان إلى دخول الملكوت إلا إذا وُلد "من
فوق" (ع 3)، من الماء والروح القدس (ع 5)، من الروح (ع 8).
هذه الولادة هي على نقيض الولادة الجسدية، لأن المولود من
الجسد هو جسد (ع 6). إنها ولادة ليست من الدم، ولا من
مشيئة الجسد، ولا من مشيئة الإنسان، بل من الله (يو 1:
13). من هنا كونها أمراً لا يُدرك مصدره واتجاهه، إلا أنها
ممكنة رغم ذلك لأنها ولادة من الروح (ع 8). فبعد ما قال
المسيح أولاً بوجه إجمالي إنها ولادة من ماء وروح
(وكلتاهما في الأصل غير معرَّفتين) (ع 5) يتحدث بالتحديد
في الآيتين 7، 8 عن الروح (بالتعريف هذه المرة)، والغاية
أن يبين أن هذا الروح، لكونه روح الله، يقدر أن يُحدث
عملية الميلاد الثاني العظيمة هذه. وإذ يذكر المسيح الماء
(ع 5) لا يقصد المعمودية بالدرجة الأولى، بل إنه بالأحرى
يشير إلى طبيعة الولادة من فوق. فهي ولادة لها صفة التجديد
والتطهير – وصورة هذين حاصلة في الماء (حز 36: 25). وهي
ولادة تُوجد حياة روحية جديدة، الأمر الذي تحققه الولادة
من فوق لأنها ولادة من الروح القدس، أي من الله نفسه (ع 6
- 8).

|