|

الدعوة
المسيحية-3
هذا، وفي العهد الجديد فصول أخرى تلقي أضواءً كاشفة على
هذا التعليم الأساسي من تعاليم المسيح. فالتجديد هو عمل
يجريه الله. إذ منه يُولد المؤمنون (يو 1: 13؛ 1يو 3: 9؛
5: 18). وهو الذي يدعوهم فعلاً (رو 8: 30). وهو يحييهم (أف
2: 1)، ويلدهم (يع 1: 18)، ويجددهم (1بط 1: 2). لكنه لا
يمنح هذه البركة إلا بالاشتراك مع المسيح الذي أعطاه خاصته
(يو 6: 37، 39)، ويجذبهم إليه (يو 6: 44)، ويدمجهم فيه (رو
6: 4؛ أف 2: 1؛ غل 2: 20). وهو يجري ذلك بواسطة عطية الروح
القدس الذي ينفذ إلى قلب الإنسان، والذي هو مبدئ الحياة
الجديدة. والمؤمنون، بفضل ولادتهم من الله هم عمله،
مخلوقين في المسيح (أف 2: 10)، وفلاحته وبناءه (1كو 3: 9)،
وخليقة جديدة (2كو 5: 17). فالتجديد ليس عملاً من صنع
القوة البشرية، ولا حصيلة تطور طويل وتدريجي للحياة
الطبيعية، بل هو بالأحرى تغيير كلّي لنمط الوجود العتيق
وخلق أوليّ لحياة روحية جديدة. إنه موت الإنسان العتيق
وقيامة الجديد (رو 6: 3 وما يلي).
ومع هذا، فإن التجديد ليس في المقابل خلقاً ثانياً من
العدم، كالخلق الأول، بل هو خلق من جديد للإنسان الذي نال
حياته الأولى بولادته من أبويه. ففي التجديد، يبقى الإنسان
في جوهره هو الشخص نفسه والذات نفسها والشخصية نفسها.
ويقول بولس عن نفسه أنه قد صُلِبَ مع المسيح وأنه ليس هو
من يحيا فيما بعد بل إن المسيح يحيا فيه. لكنه يردف فيقول:
الحياة التي أحياها الآن في الجسد إنما أحياها بإيمان ابن
الله (غل 2: 20). فإن ذاته قد ماتت ودُفنت مع المسيح، إلا
أنها أيضاً أُقيمت في الحال مع المسيح. إنها لم تُمحق ولم
تحلّ محلها ذات أخرى، بل قد وُلدت ثانية وجُدِّدت. وعلى
هذا النحو أيضاً يقول بولس عن مؤمنين معينين في كورنثوس
إنهم كانوا قبلاً زناةٍ وعبدة أوثان وفاسقين وما إلى ذلك
لكنهم غُسلوا وقُدِّسوا وبُرِّروا باسم الرب يسوع وبروح
إلهنا (1كو 6: 9 - 11). إذاً، لا يقضي التجديد على
استمرارية الكائن البشري ووحدته وتماسكه، بل بالأحرى يُحدث
في هذه تغييراً مهماً على نحوٍ هائل.
هذا التغيير روحيٌ في طبيعته. فما يُولد من الروح هو روح
(يو 3: 6). إنه يحيا يفضل الروح ويسلك حسب الروح. فالتجديد
يغرس في داخل الإنسان مبدأ حياة جديدة، مبدأ يُنشئه الروح
القدس بقدرة خلاّقة على ارتباط بقيامة المسيح الذي منه
يتلقى كل شيء (1بط 1: 3). فهو يزرع بذرة في القلب (1بط 1:
23) ينبت منها شخص جديد كلياً. وعلى نحو غامض وسرّي جداً
ينطلق التجديد ويتركز في لبّ الشخصية الإنسانية، في ذاتية
الإنسان إن صحّ التعبير (غل 2: 20)، لكنه من هناك ينتشر
ليشمل جميع قدرات الشخص: ذهنه (رو 12: 2؛ 1كو 2: 12؛ أف 4:
23)، وقلبه (عب 8: 10؛ 10: 16؛ 1بط 3: 4)، وإرادته (رو 7:
15 - 21)، ورغباته وميوله (رو 7: 22)، وروحه ونفسه وجسده
(1تس 5: 23؛ رو 6: 19). فإنه يُولد إنسان كامل، وإن يكن
غير بالغ بعد، وعليه أن يصارع خطايا الجسد بكل أنواعها (غل
5: 17)، إلا أنه يرغب في أن يسلك في جدّة الروح (رو 6: 4؛
7: 6).
فبحسب الإنسان الجديد يُخلق المؤمنون من جديد على صورة
المسيح في البرّ والقداسة الحقيقيين. إنهم ليسوا بعد على
صورة الإنسان العتيق، آدم الأول، بل تظهر فيهم صورة
الإنسان الثاني، الرب من السماء (1كو 15: 48، 49). وقد
صُلبوا للعالم، ولم يعودوا يحيون هم، بل يحيون في ذاك الذي
مات لأجلهم وقام (2كو 5: 15؛ غل 2: 20؛ 6: 14). لقد نالوا
مركزاً مختلفاً لكل أفكارهم وأعمالهم، لأنهم يحيون
ويتحركون ويُوجدون في المسيح، وقد لبسوه بالمعمودية كثوب،
وتظهر فيهم هيئته، وهم في كل حين يتغيرون أكثر فأكثر إلى
تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجد، كما من الرب الروح.
وبهذه الشركة مع المسيح هم أولاد الآب السماوي، يحبون الله
والأخوة، وسيكونون مثله يوماً لأنهم سيرونه كما هو (1يو 3:
2؛ 5: 2؛ وآيات أخر). على هذا النحو الغني والمجيد يتكلم
الكتاب المقدس عن التجديد، وهو لا يفعل ذلك بالدرجة الأولى
لكي ندرك هذا التعليم على حقيقته خير إدراك، بل بالأحرى كي
نشترك شخصياً في هذه البركة العظيمة من بركات نعمة الله
ونتعلم كيف نسلك كأولاد لله في هذا العالم الشرير. فيا لها
من قوة تصدر عن الكنيسة إن هي لم تكتفِ بتدوين صورة المسيح
في اعترافها بل تعرضها أيضاً في الحياة العملية التي
يحياها كلُ من فيها!
إنها لحقيقة أكيدة أن الشجرة تُعرف من ثمارها. فالشجرة
الجيدة تثمر ثمراً جيداً، والإنسان الصالح يُخرج أموراً
صالحة من كنز قلبه الصالح (مت 7: 17؛ 12: 33، 35). وما دام
التجديد يغرس في القلب مبدأ حياة جديداً، فينبغي أن يظهر
ذلك – ولا بد أن يظهر فعلاً – في الأعمال التي تنبثق من
تلك الحياة الروحية. وفي طليعة هذه الأعمال اثنان:
الإيمان، من جانب الذهن؛ والتوبة، من جانب الإرادة.
وعلى العموم، فإن الإيمان – كما هو متعارف عليه أيضاً في
أمور الحياة – هو قبول شهادة ما. فإننا نؤمن بشيء ما، أو
نصدقه، عندما لا نكون قد رأينا ذلك الشيء بأم العين أو قد
أدركناه ولكننا نتيقن منه رغم ذلك لأن شخصاً آخر موضع ثقة
قد أطلعنا عليه، إما شفاهاً وإما كتابةً، إما ماضياً وإما
حاضراً. هذا المعنى الأساسي للكلمة يظل قائماً أيضاً عندما
ننقلها إلى الدائرة الدينية، ومن الواجب أن نحتفظ بهذا
المعنى، لأننا لا نعرف شيئاً عن مضمون الإنجيل الكامل، وعن
شخص المسيح وعمله، سوى ما تلقيناه بشهادة الرسل. فبكلامهم
فقط يمكننا أن نؤمن بالمسيح (يو 17: 20). وعن طريق الشركة
مع الرسل نصل إلى الشركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح
(1يو 1: 3).
على أن كلمة "الإيمان" حين تُستعمل في الدائرة الدينية،
وتُطلق في الكلمة المقدسة بالتحديد على الطريق المفضي إلى
ملكوت السماء، يتعدل معناها على نحو ذي شأنٍ ومغزى بفضل
هذا الاستعمال الخاص. قد يقبل المرء الإنجيل أيضاً قبوله
لشهادة تتعلق بشخص أو حدث تاريخي، ولكن ذلك ليس قبولاً
للإنجيل باعتباره الإنجيل، وفي تلك الحال لا يكون الإيمان
الذي به يقبل ذلك الشخص الإنجيل هو الإيمان الحقيقي.
وطالما شهد اختبار جميع الأنبياء والوعّاظ والرسل وخدّام
الكلمة في الكنيسة وفي العالم الوثني – نعم، واختبار
المسيح نفسه – أن الكلمة لم تجد قبولاً لدى الكثيرين ولم
يكن لها تأثير فيهم. من صدّق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع
الرب؟ فالناس الذين يسمعون بشارة الإنجيل يقفون منها مواقف
ذهنية متباينة جداً، ويتخذون إزاءها مواقع تختلف كثيراً.
وقد بيّن المسيح هذه المواقف والمواقع المتفاوتة في المثل
الذي ضربه عن الزارع. فعند بعضهم، تقع بذار الإيمان على
الممرات الواقعة على تخوم الحقل فتأتي الطيور وتلتهمها،
وهؤلاء هم غير المكترثين، غير المتجاوبين، المتبلّدون، من
يسمعون الكلمة لكنهم يصغون إليها كشأن لا يعنيهم البتة. لا
يهتمون بها شخصياًً أدنى اهتمام، ويفترضون أنها غير
موجَّهة إليهم. فالكلمة لا تقع داخل حقل قلوبهم، بل على
جوانبه، على الممرات القاسية المطروقة. بل إنهم بالحقيقة
غالباً ما لا يبقونها في الذاكرة. فكأنها تدخل من أذن
لتخرج من الأخرى. ولا تكاد تمضي لحظات قلائل حتى تكون
حالهم كأنهم لم يسمعوها من قبل. وإذا الكلمة تُطرد خارج
أذهانهن بفعل الطيور التي تمثّل كل نوع من أفكار المناقضة
والاستخفاف وعدم الإيمان والتجديف، تلك التي يستخدمها
الشرير وسائل بيده. هؤلاء يسمعون الكلمة لكنهم لا يفهمون
معناها (مت 13: 4، 19).
وعند آخرين، تقع بذار الكلمة على الأماكن المحجرة حيث لا
يكون لها تربة عميقة بما يكفي. فتنبت البذار حالاً، لأن
ليس لها عمق أرض، ولكن عندما تشرق الشمس، تذوي وتجف لأنها
بلا جذور. هؤلاء هم السطحيون، السريعو التأثر، المتقلّبون.
إنهم لا يسمعون الكلمة فقط، بل يقبلونها حالاً بفرح. إذ
تستهويهم البشارة لجمالها وسموها أو بساطتها وعذوبتها،
وتخلِّف لديهم أيضاً انطباعاً ما. يتأثرون بها وتتحرك
مشاعرهم، ويرون فيها نوعاً من القوة، ونتيجة لذلك يتخذون
كل نوع من العزائم الحسنة. غير أنهم لا يدعون الحق يؤثر
فيهم تأثيراً عميقاً ويضرب جذوره في أعماق قلوبهم، بل
يُحلّونه في مخيلتهم، في عقولهم وأفهامهم دون أن يفتحوا له
أعماق كيانهم. فتكون على السطح طبقة رقيقة من التربة تقع
فيها الكلمة، ولكن كل شيء تحتها بارد وجامد وقاسٍ كالصخر.
من هنا لا يقدر هؤلاء أن يتحملوا الضيق والتجارب التي تأتي
عليهم، ولا الاضطهاد والمحن. فإذا حدث ذلك، عثروا وسقطوا.
ويكون إيمانهم إلى حين (مت 13: 5، 6، 20، 21).
وآخرون تسقط الكلمة عندهم بين الشوك، فيطلع الشوك مع
البذار (لو 8: 7) ويخنقها، فتصير بلا ثمر. هؤلاء هم سامعو
الكلمة ذوو التفكير الدنيوي، فقلوبهم ملأى بالأشواك، غاصّة
بهموم الحياة وتجارب الغنى، وقد ابتلعتهم هموم العالم أو
تجاربه. إنهم يسمعون الكلمة، ويقبلونها أيضاً. فأحياناً
تنفذ الكلمة من خلال هذه الهموم والمسرات العالمية وتصل
قلوبهم. وتراودهم حيناً فكرة بأنه ربما يكون أفضل لهم لو
قطعوا علاقتهم بالعالم وطلبوا ملكوت الله. وأحياناً يستبد
بهم الخوف من الدينونة. ولكن حالما توشك البذرة أن تفرخ،
تطلع الأشواك، أي هموم العالم وشهواته، وتخنق ولادة الحياة
الجديدة. فهؤلاء الأشخاص لا يبلغون البتة نقطة ترك كل شيء
وحمل صليبهم وإتباع المسيح. إذ إن قوة العالم تغلبهم
دائماً (مت 13: 7، 22).
وعلى هذا كله، يوجد تصديق أو قبول لبشارة الإنجيل لكنه
ليس، هو الإيمان الحقيقي. صحيح أن هنالك اللا مبالين
المتعالين الذين، شأنهم شأن بيلاطس الذين ينظرون إلى
البشارة بابتسامة سخرية (يو 18: 38). وهنالك أيضاً أولئك
الذين مثلهم مثل الفريسيين المتكبرين واليونانيين الحكماء،
الذين يجدون في الصليب عثرة وجهالة، ويهاجمونه بعداء سافر
ووحشية عنيفة. ولكن هناك قوم مؤمنون لا يبلغون حد الاعتراف
لأنهم يحبون تمجيد الناس لهم أكثر من مجد الله (يو 12: 42،
43). فطوال حياتهم، حتى ساعة مماتهم، يظلون سامعين للكلمة
غير عاملين بها. وكسمعان السامري، يقبلون الإنجيل للعجائب
والمعجزات العظيمة التي تجري بواسطته (أع 8: 13 وما يلي).
وكأغريباس، يتأثرون عند نقطة معينة في حياتهم ويقتنعون
بضرورة أن يصيروا مسيحيين (أع 26: 27، 28). وكديماس، قد
يخدمون الإنجيل سنين ثم يعودون لمحبة العالم الحاضر (2تي
4: 10). فالإيمان على أنواع شتى: إيمان وقتي، وإيمان
تاريخي، وإيمان عجائبي – أي إيمان تثيره الآيات والمعجزات،
وهذه كلها تحمل اسم الإيمان، لكنها ليست إيماناً بمعناه
الحقيقي. وأصحاب مثل هذا الإيمان لهم صورة التقوى لكنهم
ينكرون قوتها (2تي 3: 5).
أما الإيمان الحق، الإيمان الذي يخلص، فيتميز عن سائر هذه
الأنواع بثلاث نواحٍ. ففي المقام الأول، لهذا الإيمان مصدر
مختلف. إن الإيمان التاريخي والإيمان الوقتي والإيمان
العجائبي ليسوا خطأ بحد ذاتهم. فجميعهم أفضل من عدم
الإيمان الكلي والعداء السافر. ولهم أيضاً نفع مؤقت. لكنهم
من هبات نعمة الله العامة فحسب، وهم يوهبون أيضاً للإنسان
الطبيعي. إلا أن الإيمان الخلاصي هو عطية من الله، مثل
الخلاص بجملته (أف 2: 8). إنه عطية من عطايا نعمة الله
الخاصة (في 1: 29) ونتيجة للاختيار (أع 13: 48؛ رو 8: 30؛
أف 1: 5). وهو عمل من أعمال الروح القدس (1كو 12: 3) وثمر
من ثمار التوبة (يو 1: 12، 13).
إن المولودين ولادة طبيعية فحسب، ينتمون إلى العالم، وهم
من أسفل ويحبون الظلمة أكثر من النور، ولا يفهمون الكلمة.
إلا أن التجديد يعلّل سبب استجابة قومٍ لدعوة الإنجيل
وقبولهم المسيح (يو 1: 12، 13). فهؤلاء وُلدوا من الله،
وهم من الحق، وقد اقتادهم الآب إلى المسيح، وهم يسمعون
صوته ويفهمون كلامه ويتبعونه. والروح القدس الذي وُلدوا
منه يشهد مع أرواحهم أنهم أولاد الله (رو 8: 16) ويجعلهم
ينطقون بالاعتراف بأن المسيح هو ربهم (1كو 12: 3).
ثم إن الإيمان الخلاصي، في المقام الثاني، وبفضل مصدره
هذا، ينبغي أن يتميز عن سائر الأنواع بجوهره أيضاً. لاشك
أن فيه عنصر معرفة، لأنه معني بشهادة تتناول أموراً غير
منظورة وأبدية لم نرها نحن بأعيننا ولا يمكن أن نراها. ولا
قبل لهذا الإيمان بأن يبني الحق فقط على الحياة المجدَّدة
ولا على الاختبار الديني الذاتي والمشاعر الشخصية. ذلك أن
المؤمنين، وإن كانوا قد نالوا مسحة الروح القدس من القدوس
– أي المسيح – ويعلمون كل شيء (1يو 2: 20)، يدينون للمسيح
تحديداً بفضل ذلك الروح، ويظلون ملتزمين التقيّد بكلمة
الحق التي سمعوها معاً على أساس الرسل والأنبياء (أف 2:
20).
غير أن المعرفة المختصة بالإيمان الخلاصي هي من نوع خاص.
فهي ليست معرفة نظرية بحتة يتولى أمرها العقل والذاكرة فقط
وتبقي على الإنسان في ما عدا ذلك جامداً وغير مبالٍ. إنها
لا تقوم على المستوى الواحد عينه مع المعرفة الحاصلة في
العلم عن طريق البحث والتفكير، كما لا ينبغي أن تعادل
بتصديق خبر تاريخي يتعلق بأمر وقع في الماضي. فالمعرفة
الإيمانية معرفة عملية، معرفة قلبية أكثر منها عقلية،
معرفة عميقة يُعنى بها الشخص نفسه بكل جوارحه، إذ إنها
تتعلق بشيء يهمّ النفس في لبّ جوهرها – شيء يتناول وجودي
وحياتي ونفسي وخلاصي. إذاً الإيمان تصديق، وقبول، ومعرفة
لشهادة تبلغ الإنسان ولكنه قبول لتلك الشهادة بتطبيقها على
الذات – قبول لكلمة خبرٍ من الله لا ككلمة بشر بل
باعتبارها كلمة الله (1تس 2: 13). إنه تصديقي في قرارة
نفسي لبشارة الإنجيل بوصفها رسالة يبعثها الله إليّ
شخصياً.
وفي المقام الثالث، ترتبط بما تقدم حقيقة كون الإيمان
الخلاصي مختلفاً عن غيره من حيث الغرض. فالإيمان التاريخي
يتوقف عند الخبر الخارجي ولا ينفذ إلى ما دونه. والإيمان
الوقتي يرى في الخبر جمالاً ما يبتهج به، لكنه في الحقيقة
يرفض التسليم بمضمونه ومعناه الحقيقي. كذلك يتعلق الإيمان
العجائبي بالآيات والعجائب، لكنه لا يبالي أساساً بالرب
الذي يجريها. على أنه عندما نقبل البشارة بقلب صادق ككلمة
يعطينا الله إياها شخصياً لا يمكن أن هذا الإيمان الخلاصي
يتركنا خاوين وبلا ثمر. فلو أن شصاً مسافراً علم أن أسرته
في خطر عظيم لكان لا يتابع سفرته بكل هدوء على أكثر
احتمال. كذلك تماماً لا يُحتمل أن من يؤمن بالبشارة حقاً
ويرى ضرورة الاستجابة لها شخصياً، ويدرك بالتالي أنه مذنب
وهالك وأنه لا فداء في المسيح يسوع وحده، يظل مع ذلك
بارداً ولا مبالياً تجاهها. فالإيمان الصادق، على النقيض،
يبدأ سريعاً في العمل في أولئك الذين يقبلونه. وهو لا
يدعهم يستريحون بل يدفعهم نحو المسيح باطّراد. فإيمان كهذا
لا يقنع بمجرد الخبر الموضوعي، بل ينفذ إلى داخل الإنسان
الذي يتبلّغ الخبر.
هكذا كانت الحال في العهد القديم أيضاً. فالقديسون الذين
يظهرون أمامنا هناك هم دائماً مشغولون وعاملون مع الله
نفسه. أحياناً، يُدعى ذلك إيماناً ولكن فعل الإيمان هذا
ليس مجرد اقتناع عقلي بأن الله موجود، بل هو الاتكال على
الله بكل النفس والسلوك بمقتضى كلمته. من هنا تُستعمل
ألفاظ مختلفة للتعبير عن هذا الإيمان. فيقال دائماً عن
القديسين إنهم يتكلون على الله، ويلجأون إليه، ويرجونه،
ويخافونه، ويتوقعون كل شيء من عنده، وينتظرون، ويستندون
إليه، ويطلبونه. وهكذا الحال أيضاً في العهد الجديد.
فالرسل الذين أطلعونا على حقيقة الإيمان، ليسوا كتّاب
تاريخ بمعنى الكلمة المألوف، بل هم عاشوا في شركة مع
المسيح ومنها تكلموا عما خبروه. والإيمان هو قبول المسيح،
لا مجرد الشهادة المتعلقة به كما قدمها الرسل. إنه قبول
للمسيح شخصياً (يو 1: 12). وهو يتضمن لبس المرء للمسيح كما
يلبس ثوباً (غل 3: 27)، كما يتضمن أيضاً موت الإنسان مع
المسيح والقيامة معه (رو 6: 4)، والحياة في الشركة معه (غل
2: 20)، والثبات فيه بوصفه الكرمة الحقيقية. إلى غير ذلك
فالله، في المسيح، وهو أبو القديسين، وهم بنوه وبناته (2كو
6: 18).
وباختصار، فإن الإيمان الخلاصي ليس مجرد معرفة معينة
وقناعة راسخة ويقين ثابت فيما يتعلق بالشهادة النبوية
والرسولية باعتبارها كلمة الله، بل هو في الوقت عينه ثقة
وطيدة، كما لشخص في آخر، بالمسيح نفسه باعتباره ملء النعمة
والحق المُعلَنين فيه من قبل الله. والأمران مرتبطان
أحدهما بالآخر ارتباطاً لا تنفصم عراه. فبغير معرفة، لا
إمكانية لثقة ولا اتكال. إذ كيف نثق بشخص لا نعرفه؟
وبالعكس أيضاً، فإذا كانت المعرفة لا تفضي إلى الثقة
والاتكال لم تكن معرفة من النوع الصحيح، فالعارفون اسم
الرب، يتكلون عليه (مز 9: 10). ولكن الذين لا يتكلون عليه
لا يكونون بعد قد تعلّموا أن يعرفوه كما هو بالحقيقة من
خلال كلمته. وكل من يلتمس المسيح خارج نطاق كلمته، وبالروح
القدس فقط، يفتقد إلى المعيار الصالح لامتحان الأرواح، وقد
يصل أخيراً إلى حدّ اعتبار روحه الذاتية وروح المسيح أمراً
واحداً؛ وكل من يدرس الكلمة بغير روح المسيح إنما يدرس
الصورة فيما يتجاهل الشخص الذي تمثّله.
لهذا السبب أعطانا المسيح كلا الأمرين: كلمته وروحه. وروح
المسيح هو الذي يؤدي الشهادة نفسها في الكلمة المقدسة وفي
قلوب المؤمنين. وعند التجديد يزرع الروح الكلمة في قلوبنا
(يع 1: 18، 21؛ 1بط 1: 23، 25)، وهو يوجّه حياة المؤمنين
الروحية، بمقتضى طبيعته، فيردّهم دائماً إلى الكلمة لكي
يغذيهم بها ويقويهم. وما دمنا هنا على الأرض لن يأتي يوم
فيه نستغني عن الكلمة المقدسة، لأن هذه الكلمة هي الوسيلة
الوحيدة لتوطيد شركتنا مع المسيح الحي الحقيقي الذي صُلب
مرة لكنه الآن جالس عن يمين الله. فالمسيحية ديانة
تاريخية، ولكنها ديانة الحاضر أيضاً. إذ إن فيها كلمة ترسم
لنا صورة المسيح، ولكن فيها أيضاً روحاً به يسكن المسيح
الحي نفسه في قلوبنا. لهذا السبب، يجمع الإيمان المعرفة
والثقة كلتيهما. فهو قبول للمسيح نفسه في رداء الكلمة
المقدسة.
وكما أن الإيمان هو ثمر التجديد من جانب العقل، فكذلك
التوبة هي التعبير عن الحياة الجديدة من جانب الإرادة. هذا
الأمر يُطلعنا عليه العهد القديم مراراً وتكراراً. فبعد
تحرير بني إسرائيل، قادهم الرب إلى سيناء وأدخلهم في عهده.
وبوصفهم شعباً لله، كان ينبغي لهم أن يحفظوا ذلك العهد
ويطيعوا صوت الرب، فيصيروا له مملكة كهنة وأمّة مقدسة (خر
19: 5، 6). ولكن الشعب، وهو بعد في البرية، ارتكب ذنب
الخيانة والعصيان. ثم تفاقم الارتداد في أرض كنعان، إذ سكن
الشعب هناك بين شعوب وثنية. فلما فني الجيل الأول وقام
بعده جيلٌ آخر لم يعرف الرب ولا العمل الذي عمله للشعب،
حينئذ فعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعل (قض
2: 10، 11).
من هنا صارت الدعوة إلى التوبة ضرورية بين بني إسرائيل.
وفي أول الأمر أقام الرب قضاةً أنقذوا الشعب من أيدي
أعدائهم وردوهم إلى عبادة الرب. وفيما بعد، جاء الأنبياء
ينذرون الشعب كي يتوبوا عن طريقهم الرديئة ويحفظوا وصايا
الله وفرائضه حسب الشريعة التي أوصى بها الآباء (2 ملوك
17: 13). وقد بدأ صموئيل ذلك (1صم 7: 3)، وكرر جميع
الأنبياء الكرازة ذاتها: فجميعهم مُنادون بالتوبة والرجوع
إلى الرب، لكنهم أيضاً معلنون لمغفرة الخطايا والفداء
الكامل. ومن ثم كانت هناك توبة ما ملموسة بين الشعب
أحياناً. فلما استعبدهم أعداؤهم وجاروا عليهم، بدأوا
يصرخون إلى الرب (قض 3: 9، 15؛ 4: 13؛ ومواضع أخرى). وقد
حدثت إصلاحات كبرى أو صغرى على أيدي الملوك الأتقياء، آسا
ويهوشافاط ويوشيا وحزقيا. وذهب يونان إلى نينوى، واستجابة
لمناداته آمن أهلها بالله ودعوا إلى صوم ولبسوا مسوحاً،
ورجعوا عن طريقهم الرديئة (يون 3: 5، 10). ونقرأ عن أخاب
أنه بعد إنذار إيليا له بالدينونة اتّضع أمام الرب (1ملوك
21: 27، 29)، وعن منسّى أنه في آخر حياته طلب وجه الرب
واعترف بأن الرب هو إلهه (2أخ 33: 12).
ومع أن هذه التوبة كانت لدى بعضهم، كما هو مفترض، صادرة عن
رغبة صادقة ومخلصة، فقد كانت عند عامة الشعب لا تكاد
تتعدّى التغيير الظاهري فكما تكلم إرميا، لم يتوبوا بكل
القلب بل بالكذب (إر 3: 10). ولذلك واصل الأنبياء دعوتهم
إلى التوبة. فقد ظلّوا يبرزون ضرورة التوبة وواجبها،
وشددوا باستمرار على ضرورة توبة الشعب عامة أيضاً لكل شخص
بمفرده، أن يتوب ويترك طريقه الرديئة ويرجع إلى الرب (حز
18: 23، 32: 33: 11). وعندما يتمادى الشعب في تجاهل هذه
التحريضات تنضج لدى الأنبياء الفكرة بأن مناداتهم سيكون
لها مفعول دينونة على الشعب (إش 6: 10)، وأن إسرائيل تحولت
أغصان كرمة برية (إر 2: 21)، وأنها لا تقدر على التوبة كما
لا يستطيع الزنجي أن يغير جلده أو النمر رقطه (إر 13: 23)،
وأن الله هو من يمنح التوبة ويعطي القلب الجديد. ويتطلّع
الأنبياء بشوقٍ إلى اليوم الذي فيه يصنع الله عهداً جديداً
ويختن قلوب الشعب ويكتب شريعته عليها.
ذلك اليوم بزغ فجره، حسب كرازة يوحنا المعمدان والرب يسوع،
باقتراب ملكوت السماوات. وقد نادى كلاهما بأن التوبة تفتح
الطريق إلى الملكوت وكل بركاته – لا أية مجهودات لحفظ
الشريعة ولا البر الذاتي الفريسي (مر 1: 4، 15). وللدلالة
على هذه التوبة، يستعمل العهد الجديد كلمتين في الأصل
اليوناني أولاهما اسم أو فعل يعني تغييراً روحياً داخلياً،
تغييراً في الموقف الأدبي واللفظة الثانية تشير بالأحرى
إلى التوبة العملية، إلى تغيير اتجاه الحياة، أي الرجوع
الذي هو نتيجة التغيير الداخلي وإعلانه. وفي (أع 3: 19،
26: 20)يتم الجمع بين الكلمتين: توبوا وارجعوا، أي غيروا
موقفكم ومسلككم، ارجعوا إلى رشدكم وغيّروا اتجاهكم.
ولما كُرز بالإنجيل في أيام الرسل لكل اليهود والأمم،
وقَبله قومٌ من هؤلاء وأولئك، واقتضى ذلك أيضاً تغييراً
خارجياً يراه الآخرون. فكان على اليهود أن يتخلوا عن حفظهم
لشريعة موسى، ولاسيما الختان ونظام الذبائح بجملته، وعلى
الأمم أن يقلعوا عن وثنيتهم وعبادتهم للصور وممارساتهم
الدينية. وهكذا كان الانتقال إلى المسيحية يتطلّب قدراً
وافياً من إنكار الذات ومن الجرأة. والشخص الذي كان يقوم
بذلك إنما كان يقوم به بفضل الاقتناع القلبي، بإخلاص وصدق،
إذ لم يكن ممكناً أن يُحصِّل كرامة أو ربحاً من وراء ذلك.
وتبعاً لهذا، كان الأمران المعبَّر عنهما بالكلمتين
اليونانيتين اللتين تفيدان معنى التوبة والرجوع مترابطين
في العادة ترابطاً وثيقاً جداً. فالتغييران الداخلي
والخارجي سارا جنباً إلى جنب.
هذا التحول الكليّ، في الداخل والخارج معاً، كان في
المعمودية المقدسة ختم المصادقة عليه (أع 2: 38): فكل من
قبل المعمودية أعلن قطع علاقته بماضيه، وانفصل عن أترابه،
وصُلب للعالم، ومات مع المسيح، ودُفن معه بالمعمودية؛ لكنه
في الوقت نفسه أُقيم مع المسيح إلى حياة جديدة، ولبس
المسيح كثوبٍ جديدٍ ومختلف يظهر به أمام العالم، وصار
تلميذاً للمسيح وتابعاً، وخادماً له وجندياً، وعضواً في
جسده، وهيكلاً للروح القدس. وما دام على الكنيسة المسيحية
أن تنتشر في العالم بين اليهود والأمم، لم تكن التوبة مجرد
تغيير داخلي، بل كانت أيضاً رجوعاً خارجياً، إقلاعاً عن
عبادة الأوثان البُكم (1كو 12: 2؛ 1تس 1: 9)، وعن العبادة
الباطلة حسب أركان العالم (غل 4: 3؛ كو 2: 8، 20)، وعن
الأعمال الميتة (عب 9: 14؛ 1تس 1: 9)، وعن خطايا العلن
والتعدّيات، لكي يتم الانصراف مذ ذاك فصاعداً على عبادة
الله الحي الحقيقي (عب 9: 14؛ 1تس 1: 9) والإخلاص للرب
وحده (1كو 6: 15 - 20).
ولكن لما مضت فترة الإعداد هذه ترسّخت الكنيسة عبر
الأجيال، لم يتغير الرجوع إلى الرب بطبيعته الجوهرية في
الواقع، ولكنه وضع جانباً ذلك المظهر الخارجي الخاص الذي
اتخذه تعبيراً عن حقيقته فيما مضى، الأمر الذي اقتضاه
تغيُّر الحال. وهكذا درجت العادة على إدخال الأطفال في
العهد عقب ولادتهم، فعُمّدوا بالعماد المقدس، علامةً على
ذلك وختماً له، وبذا كانوا يدمجون في جسد المسيح، ولو قبل
أن يبلغوا الإدراك الذاتي فيخصصون الإيمان لأنفسهم.
وغالباً ما كان يحدث بطبيعة الحال أن أعضاء الكنيسة الذين
عُمِّدوا كباراً أو صغاراً يسقطون فيما بعد في خطايا كبرى
أو صغرى. وكان هنالك مذاهب، أمثال المونتانيين
والنوفاتيين، تعتقد أن الكبائر لا يمكن ولا يجوز أن تسامح
الكنيسة بها. غير أن الكنيسة على العموم وقفت موقفاً
مغايراً، فكانت تستردّ إلى شركتها أولئك الذي سقطوا أو
ضلّوا إذا عادوا تائبين نادمين واعترفوا بخطاياهم،
وأُخضعوا أنفسهم للتأديب الكنسي الكنسية.
عن هذا الطوق شبّ سر التوبة تدريجياً. فبات المؤمنون الذين
يرتكبون صغائر أو كبائر يعترفون بها للكاهن على كرسي
الاعتراف، ويُبدون ندماً أو أسفاً كاملاً أو ناقصاً
(كاملاً حين يحزن المرء على خطاياه لأنه أخطأ إلى الله،
وناقصاً حين يخشى العواقب وما شابه)، وأخيراً يقومون
بالصلوات والأعمال الصالحة التي يمليها كاهن الاعتراف على
التائب. وهكذا باتت التوبة في الموقف القلبي الداخلي إلى
الاعتراف والتكفير الذاتي، إذ كانت الندامة غير الكاملة
كافية للحصول على التحرر من الخطايا. حتى إنه كان بمقدور
المرء أن يُعفى من أعمال التوبة التكفيرية بالحصول على صك
غفران.
عند هذه النقطة بالذات افترق الإصلاح على يد لوثر عن
الكنيسة. فبقراءة لوثر للعهد الجديد اكتشف أن التوبة
بالمعنى الكتابي المقدس كانت أمراً مختلفاً تماماً عن
إجراءات التوبة التي مارستها الكنيسة. ولكن لوثر مع ذلك
ظلّ يفصل التوبة عن الإيمان فصلاً أبعد كلاً منهما عن
الآخر كثيراً. فقد شعر في ضميره الخاص بلعنة الناموس ووجد
راحته في تبرير الخاطئ بالإيمان وحده. وعلى حدّ ما تصور
الأمر، اعتبر أن الرجوع إلى الله، بمعنى تبكيت الضمير
والتوبة والندامة، قد حصل عن طريق الناموس، أما الإيمان
فعن طريق الإنجيل. وقُيِّض لكالفن فيما بعد أن ينظر نظرةً
أفضل في حقيقة هذه العلاقة، فأتى بتفسير لها يختلف نوعاً.
فكما جاء في الكتاب المقدس، فصل كالفن بين التوبة الحقيقية
والتوبة الزائفة (إر 3: 10) بين حزن العالم والحزن الذي
بحسب مشيئة الله (2كو 7: 10)، بين الندامة، أي الحزن على
عمل خاطئ، والتبكيت القلبي من جراء إثارة الإنسان لغضب
الله بسبب خطيته. فإن الندم على عمل خاطئ قد يحدث أيضاً
عند أهل العالم. وحين تكون للخطية عاقبة مختلفة عما كان
متوقعاً، حين تُفضي إلى الخسارة والخزي، يشعر العالم أيضاً
بالندم. ولنا بيّنة على هذا في أمثال قايين (تك 4: 13)
وعيسو (عب 12: 17) ويهوذا (مت 27: 3). ندمٌ كهذا لا يؤدي
إلى التوبة الصادقة، بل يفضي إلى الموت ويجلب معه اليأس
والمرارة وقساوة القلب.
غير أن الرجوع والتوبة الحقيقيين ليس قوامهما مثل هذا
الندم الذي يتأسف على عواقب الخطية بل بالأحرى انكسار
القلب الداخلي (مز 51: 17؛ أع 2: 37)، أو الحزن الناشئ من
الخطية ذاتها، لأنها ضد مشيئة الله ومثيرة لغضبه، وتأنيب
الضمير الصادق، وكره الخطية والنفور منها. هذه التوبة لا
تطلع من الإنسان العتيق بل من الإنسان الجديد. فهي تفترض
وجود إيمان خلاصي، وهي ثمر هذا الإيمان. وقوامها حزن يريده
الله وينشئه، وإليه تعالى تتجه انفعالاته، ويُنشئ توبة
لخلاص لا ندم عليه (كو 7: 10). فلما ثاب الابن الضال إلى
رشده ونوى أن يعود إلى البيت، قال: أقوم وأذهب إلى أبي
وأقول له: يا أبي، أخطأت إلى السماء وقدامك (لو 15: 18).
فهو ينطق باسم "الأب" بلسانه وإن كان ما يزال بعيداً عنه.
وهو يتجاسر أن يذهب إلى الأب ويعترف بخطاياه أمام وجهه،
لأنه يؤمن في قرارة قلبه بأن الأب هو أبوه. ونحن ما كنا
لنجرؤ على الالتفات نحو الله لو لم نثق في قرارة نفسنا،
وبعمل الروح القدس، بأنه يقبل اعترافنا بالخطايا ويغفر لنا
بوصفه أباً لنا. فالتوبة الحقيقية مرتبطة بالإيمان الخلاصي
الحقيقي ارتباطاً لا ينفصم.
ومن هنا أن المعالجة الوافية لرجوع الإنسان إلى الله لا
تنتمي إلى عقيدة الشقاء والفداء بل إلى الإقرار بفضل الله
(التعليم المسيحي لهيدلبرج - 33). وأحياناً تُفهم كلمة
"الاهتداء" أو الرجوع بمعنىً أوسع لتشمل التغيير الكلي
الواجب أن يجري في الإنسان ليصير ابناً من أبناء الله
ومواطناً من مواطني الملكوت. فكما أن المسيح في (يوحنا 3)
يتكلم عن الولادة الجديدة فقط، وفي مواضع أخرى، في (مرقس
16: 16) مثلاً، عن الإيمان فقط بوصفه الطريق المؤدي إلى
الخلاص، فكذلك في (متى 4: 17) يذكر التوبة وحدها. ورغم كل
شيء فالمرء لا يستطيع أن يحوز بركة من هذه البركات دون
الأخرى. فالإيمان والتوبة، من حيث المبدأ، تنطوي عليهما
الحياة الجديدة التي تبدأ بالولادة الجديدة، وهما ينتجان
منها حتماً ويعبّر عنهما في حينه. ولكن مع أن هذه الأمور
لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، فمن الممكن تمييزها بعضها من
بعض. وإذاً، فالتوبة هي ثمرة من ثمار التجديد الذي يفترض
بدوره وجود الإيمان. وفي هذه الحال أيضاً تكون التوبة
وتبقى عطية من عطايا الله وعملاً من أعماله، لا في بدايتها
فقط بل في استمرارها أيضاً. لكن التوبة أيضاً، بفضل الحياة
الجديدة التي تكون قد سُكبت في الإنسان، عملٌ من أعمال
الإنسان لا يقتصر على لحظة واحدة بل يدوم مدى الحياة.
ثم إن التوبة، على وحدتها في الجوهر، تختلف من حيث الشكل
باختلاف الأشخاص الذين يختبرونها والظروف التي تحيط
بحدوثها. فالطريق التي يسلكها أولاد الله هي طريق واحدة،
إلا أنهم يُقادون على تلك الطريق بطرائق متنوعة ولهم
اختبارات متنوعة. فيا له من تنوع ظهر في القيادة التي قاد
بها الله مختلف الآباء، ويا له من تباين شهده تجديد كلٍّ
من منسّى وبولس وتيموثاوس! وما أبلغ الاختلاف بين اختبارات
أشخاص مثل داود وسليمان، ويوحنا ويعقوب! هذا التفاوت عينه
نلحظه أيضاً، خارج نطاق الكتاب المقدس، في حياة آباء
الكنيسة ورجال الإصلاح وسائر القديسين. وما إن ترى أنظارنا
غنى الحياة الروحية، حتى نقلع عن عادة الحكم على الآخرين
وفقاً لمعيارنا لضئيل. فربّ قوم لا يعرفون غير أسلوب واحد
فقط، ولا يعتبرون أحداً أنه قد تاب ما لم يكن قادراً على
التحدث عن الاختبار الروحي نفسه الذي اختبروه أو يزعمون
أنهم اختبروه. غير أن الكتاب المقدس أغنى كثيراً وأوسع
جداً من ضيق مثل هذه التحديدات. ففي هذا المجال أيضاً
تنطبق الكلمة القائلة: "أنواع مواهب موجودة، ولكن الروح
واحد؛ وأنواع خدَم موجودة، ولكن الرب واحد؛ وأنواع أعمال
موجودة، ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل" (1كو 12:
4 - 6). فليس قوام التوبة الصادقة ما يعتبره الناس بل ما
يقوله الله. على تنوع التدبيرات والاختبارات، فإن قوامها –
ولابد أن يكون قوامها – موت الإنسان العتيق وقيامة الجديد.
وما هو موت الإنسان العتيق؟ إنه ندامة قلبية على كوننا
أثرنا بخطايانا غضب الله، ندامة فيها نكره خطايانا أكثر
فأكثر وننفر منها.
ثم ما هي قيامة الإنسان الجديد؟ إنها فرح قلبي في الله
بالمسيح، ورغبة ومحبة بالعيشة لأجل الله في كل عمل صالح.
|