الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية   بين العقل والإيمان الجزء 4

التبرير-2

وإذاً، فالتبرير يقيناً عمل نعمة من لدن الله، لكنه أيضاً عمل قضاءٍ من لدنه، إذ إنه تصريح به يعلن الله، بوصفه قاضياً، تبرئتنا من الذنب وإعفاءنا من العقاب ويعطينا الحق في الحياة الأبدية. ومن جانب الكاثوليك وجميع الذين يلتمسون أساس تبرير الإنسان – إما جزئياً وإما كلياً – في الإنسان نفسه (في إيمانه، أو أعماله الصالحة، أو المسيح فينا، أو مبدأ الحياة الجديد، أو أي شيء من هذا القبيل)، فإن إعلان البرّ على هذا النحو القضائي طالما لقي اعتراضاً بحجة أنه غير واقعي وغير لائق بالله. ويجادلون بأنه لو كان أساس تبريرنا يكمن كلياً في المسيح وخارج ذواتنا، ولو كان الإيمان أو الأعمال الصالحة أو أي شيء آخر من هذا القبيل لا تُحسب عند الله جزءاً من برّنا نحن، لكان الشخص المبرَّر عندئذ غير بارٍّ فعلاً، يكون الله قد أصدر عليه حكماً غير واقعي وغير صحيح، إذ إن الإنسان والحالة هذه لا يكون قد صار على الحال التي أُعلن الله أنه فيها.

فردّاً على هذا الاعتراض ينبغي أن تكفينا الملاحظة أن الكتاب المقدس يقصد بالتبرير، دائماً، عملاً قضائياً. فهو يتكلم مرةً بعد مرة عن تبرير الخاطئ أمام الله، مستعملاً في ذلك كلمة مستعارة من قاعة المحكمة ولها دائماً معنىً قضائي. وقد أوصى الله قضاة شعبه قديماً بأن "يبرروا البارّ ويحكموا على المذنب". وهو تعالى يُظهر برّه في هذا: أنه لا يبرّر الأثيم ولا يقتل البريء والبارّ. فإذا طُبِّقت كلمة الله هذه في المجال الروحي، تظل محتفظة بمدلولها القضائي. فالمسيح مثلاً يقول إن الحكمة التي ظهرت فيه قد تبرّرت، أي تم الاعتراف بها أنها حكمة، من قبل بنيها (مت 11: 19). وفي (لو 7: 29) يقول المسيح إن الذين سمعوا يوحنا، والعشارين الذين تعمّدوا بمعموديته، قد برّروا الله، أي أقروا بأنه بارّ. في هاتين الآيتين ينحصر المعنى في المدلول الأدبي للتبرير.

ويصحّ الأمر عينه عند استعمال الكلمة في مجال خلاص الخطاة. فإن بولس لا يقول فقط إن برّ الله مُعلَن في الإنجيل (رو 1: 19؛ 3: 20 وما يلي)، بل يُعلن أيضاً أن الله يبرر من هم من الإيمان بيسوع، وأنه في عمله ذلك يظلّ بارا (رو 3: 26)، وأن الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر يحسب إيمانه له براً (رو 4: 5). فهو يضع البار مقابل المذنب والمحكوم عليه ثم يهتف قائلاً: من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرر: من هو الذي يدين؟ (رو 8: 33، 34). ثم إ، بولس يستخدم أيضاً التعبيرين "تبرير" و"حسبان البرّ" بالتبادل (رو 4: 3، 6، 11) وكذلك التعبير "يُجعَل بارّاً" (رو 5: 19). وفي (رو 5: 18) يقول: كما بخطية واحد صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببرّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. ففي جميع هذه الآيات إذاً، يُعتبر التبرير عملاً قضائياً أو شرعياً، إذ هو حكم براءة يصدره القاضي السماوي على الخاطئ الذي هو بحسب معيار الشريعة مذنب لكنه بالإيمان قَبِل البرّ الذي يقدمه الله نفسه في المسيح. وإذ يُحاكم بمقتضى ذلك يكون بارّاً.

وفضلاً عن حقيقة كون الكلمة المقدسة تتكلم بكل وضوح عن التبرير باعتباره عملاً شرعياً أو فعلاً قضائياً، هذه الحقيقة المُشار إليها ينبغي أن توضّح لدى معارضي عقيدة التبرير أن لديهم مفهوم للتبرير غير صحيح. فهم يقولون إن تبرئة الإنسان على أساس برّ خارج عن ذاته هو أمر غير جدير بالإنسان، وإن ذلك يبقيه على حاله دون أدنى تغيير. غير أن هذه الحجة ترتدّ على رؤوس أصحابها، لأنهم إذا برروا الإنسان على أساس برٍّ موجود فيه فعليهم شخصياً أن يعترفوا حتماً بأن هذا البرّ في الإنسان هنا على الأرض واهٍ جداً وغير كامل، وعليهم بالتالي أن يقرّوا بأن الله يبرر المرء على أساس برٍّ غير وافٍ البتة وبذلك يعوّج تعالى قضاءه. وفي المقابل، فإن التبرئة على أساس البرّ الذي في المسيح هي تبرئة عادلة تماماً لأنها قُدِّمت بتمامها من قِبَل الله نفسه في ابن محبته. أضف أن تبرير الخاطئ هذا أو إعفاءه، وإن كان مؤسَّساً فقط على البرّ الذي في المسيح، يصير في حينه فعالاً بالحقيقة في وعي الإنسان ويُحدِث هنالك تغييراً هاماً. حتى إن هذه ليس حال الإنسان الذي يُتَّهم بجريمةٍ خطيرة ويُبرّئه قاضٍ بشري، وإن كان موقفه من القانون قد يتغير كلياً. فإن تبرير الله يعمل عمله في وعي الإنسان ويحرره من كلّ شعور بالذنب.

وبمعنىً ما، فإن تبرير الخاطئ قد سبق أن جرى في مشورة الاختيار. وقد أُعلِن على نحوٍ موضوعي في قيامة المسيح الذي أُسلِم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا (رو 4: 25)، وفي الإنجيل الذي يذيع البشارة بأن الله في صليب المسيح يقف موقف المصالحة والمسالمة تجاه العالم (2كو 5: 19). ويأتي هذا التبرير إلى الإنسان على نحوٍ موضوعي في الدعوة الداخلية كما يتمّ قبوله بالإيمان من جانب الإنسان. وما التبرير إلا حلقة من سلسلة الخلاص. إذ إنه مرتبط من جهة بسبق المعرفة والدعوة، ومن جهة أخرى بالتقديس والتمجيد (رو 8: 30). وعليه، فالتبرير في قضاء الله يُعبَّر عنه في الزمان من طريق الإيمان في وعي الإنسان. ثم إن البرّ الذي أحرزه المسيح ليس قدراً كبيراً من رأس المال الموضوع خارج المسيح، بل هو بالأحرى متضمن في شخصه. وقد جاء المسيح بالتحديد لأجل هذه الغاية: حتى في حينه يُمَتِّع خاصته بجميع بركاته بالروح القدس. وما إن تنفتح عين الإيمان في الإنسان على هذه الحقيقة حتى تتغير في الحال علاقته بالناموس كلياً. فالذي كان من قبل فقيراً يصير في الحال غنياً بالغنى الكلي الذي في المسيح يسوع؛ والذي كان مذنباً بتعدّي جميع وصايا الله يجد نفسه مرة واحدة بريئاً من كل ذنب ومعفىً من أي قصاص؛ والذي كان يستحق العقاب الأبدي يجد أن الحق في الحياة الأبدية صار في حسابه! ومثل هذا الشخص يهتف مع بولس مفتخراً: من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر؛ من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله، الذي أيضاً يشفع فينا!

وأخيراً، لابد من التنبيه على أن التبرير والتقديس ليسا شيئاً واحداً، ومن الواجب تمييز أحدهما عن الآخر بدقة. إذ إن من يهمل أو يزيل هذا الفارق يعود فيقيم في الإنسان برّاً ذاتياً، وينتقص من الكمال والوفاء اللذين يتصف بهما برّ الله المُعلَن في المسيح، ويحول الإنجيل إلى ناموس جديد، ويحرم نفس الإنسان عزاءها الوحيد، ويجعل الخلاص متعلقاً بالاستحقاق البشري. ففي التبرير، للإيمان فقط دور عامل القبول، كدور اليد إذ تمتدّ لتتناول شيئاً، وبه تضع النفس ثقتها فقط في المسيح وبرّه. صحيح أن كلمة الله تستخدم غير مرة التعبير أن الإيمان يُحسب أو يُعدّ للمرء برّاً، والأرجح أن معنى هذا التعبير هو أن الإيمان يحلّ محل البرّ الذي يطلبه الناموس ولكن الخاطئ لا يملكه، ولكن في هذا المجال يُثار، رغم ذلك، السؤال: لماذا يحلّ الإيمان محل البرّ المطلوب في الناموس، ولماذا يمكن ذلك؟ أيُعزى هذا إلى كون الإيمان ذا قيمة أدبية استثنائية، وأمراً صالحاً وفضيلاً يفي بالغرض؟

كثيرون يرون هذا الرأي ويذهبون إلى أن الإيمان في حدّ ذاته، بصرف النظر على الإطلاق عن مضمونه موضوعه، يبرر وحده فقط بفضل طبيعته الفعالة. غير أن هذا، بكل تأكيد، ليس هو ما يعلّم به الكتاب المقدس. فإنه لو كان الإيمان يبرر بفضل قيمته الأدبية لاحتلّ مكانه إلى جانب الأعمال والاستحقاقات، بدل أن يظل بالحري في موقف معارض لها. ونحن نعلم أن بولس يقول بمنتهى الصراحة والوضوح إن التبرير الذي يحصل الآن في الإنجيل عن طريق الإيمان هو على النقيض لكل تبرير بأعمال الناموس. أضف أن هذا الوجه من المسألة يُبادل أحياناً بوجهها الآخر الذي بحسبه يعتبر التبرير بالإيمان تبريراً بالنعمة، وبالتالي يكون أمراً يستبعد كل افتخار أو استحقاق (رو 3: 24؛ 4: 4 وما يلي؛ تيطس 3: 5). وفي (رو 4: 16) يفيدنا الرسول، بجلاء، أن الميراث هو من الإيمان تحديداً لكي يكون على سبيل النعمة. وما كان هذا ممكناً أن يُقال على هذا النحو لو أن الإيمان يبرر الإنسان بفضل ما له من قيمة وقوة فعالتين. وفي النهاية، لو كان الإيمان – حسب هذا التأويل – قادراً على تأدية هذه الخدمة إذاً، لفقد المسيح كامل قيمته من حيث عمل التبرير. ولكان الأمر الوحيد المهم عندئذ هو أن إنساناً آمن؛ أما بماذا آمن فهذا أمر لا يقدم ولا يؤخر، ما دام الإيمان إذ ذاك يُنجز عمل التبرير بغضّ النظر عن كونه إيماناً بصنم أو بقوة شيطانية أو بنيً كذاب. وطالما كان هذا هو الاعتقاد المعمول به مثلاً عندما ينصح أطباء غير مؤمنين مرضاهم بأن يقوموا بزيارة إلى أي مزار ديني، لأن "للإيمان قوة شافية".

ولكن شهادة الكتاب المقدس على النقيض تماماً لمثل هذا الرأي. فما يهم بحسب الكتاب هو محتوى الإيمان باعث الإيمان. ذلك أن الإيمان يمكن أن يحلّ محل البرّ المطلوب في الناموس ويُحسب براً، لأن إيمان في المسيح يسوع الذي قدّمه الله كفارة بفضل قوة دمه (رو 3: 25) والذي حمل اللعنة عنّا (غل 3: 13)، وجُعل خطية لأجلنا (2كو 5: 21)، والذي مات وقام وجلس عن يمين الآب شفيعاً وحيداً لنا (رو 8: 34)، وصار لنا برّاً (1كو 1: 30)، وفيه صرنا برّ الله (2كو 5: 21). وباختصار، فالإيمان يبرر لأنه في المسيح يصير شريك برٍّ كاملٍ ووافٍ كذاك المطلوب في الناموس، برٍّ يهبه الله الآن في المسيح بالنعمة وعن طريق الإنجيل (في 3: 9). فهو يبرر لا بفضل قيمته المعنوية الفعالة، بل بمضمونه، أعني برّ المسيح.

فمع أنه من الأهمية القصوى بمكان أن ندرك بوضوح الفرق بين التبرير والتقديس، وأن نبقي عليه جلياً، فإن هاتين البركتين لا تنفصلان البتة بالطبع بعضهما عن بعض ولا لحظة واحدة. إنهما غير منفصلتين في مشورة الله، لأن التبرير هو مجرد حلقة في سلسلة الخلاص. فإن الذين سبق الله فعرفهم، سبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه؛ والذي سبق فعيّنهم، فهؤلاء دعاهم أيضاً؛ والذي دعاهم، فهؤلاء بررهم أيضاً؛ والذين بررهم، فهؤلاء مجدهم أيضاً (رو 8: 29، 30). وهاتان البركتان غير منفصلتين أيضاً في شخص المسيح وعمله، لأن البرّ ليس شيئاً كامناً خارج المسيح ممكناً قبوله بمعزل عن شخصه. فالمسيح نفسه هو برّنا، وهو في الوقت عينه حكمتنا وقداستنا وفداؤنا (1كو 1: 30). فليس في وسع المرء أن يقبل بركة من بركات المسيح دون الأخرى، لأنها جميعاً متضمنة في شخصه. وكل من يقبل المسيح برّاً له بالإيمان، يقبله في الوقت عينه قداسة له. إذ إن المسيح لا يمكن أن يُقبَل أجزاءً. فكل من له المسيح يكون له بكامله، ومن يفتقر إلى بركاته يفتقر إلى شخصه أيضاً. وأخيراً، فإن بركتي التبرير والتقديس غير منفصلتين أيضاً في الإيمان الذي يربطهما إحداهما بالأخرى دائماً. صحيح أن هذا الإيمان، فيما يتعلق بالتبرير، يحرز اعتباره فقط وحصراً في صفته الدينية بوصفه ثقةً في نعمة الله وبوصفه قبولاً للمسيح وللبرّ الذي يمنحنا إياه الله فيه. ولكن ما دام الإيمان هو هكذا ويفعل هذا، فهو إذ ذاك إيمانٌ حيٌّ وخلاصي، إيمان من عمل الله أساساً (يو 6: 29)، إيمانٌ يظهر حقيقته وقوته في الأعمال الصالحة (غل 5: 6؛ يع 2: 20 وما يلي). ليس التبرير والإحياء شيئاً واحداً، فكما أن الخطية والموت مترابطان ترابطاً وثيقاً، فكذلك حال البرّ والحياة. فالبار بالإيمان يحيا (رو 1: 17). وكما بخطية إنسان واحد صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببرّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة (رو 5: 18).

ومن هنا نجد أن التبرير ينطوي على بركتين: غفران الخطايا والحق في الحياة الأبدية. وهذان الأمران يرتبط أحدهما بالآخر، ولهما بعضهما ببعض مثل العلاقة القائمة بين الطاعة المذعنة والطاعة العاملة فيما يتعلق بعمل المسيح. فإن المسيح لم يصلح فقط ما قد أفسده آدم بتعدّيه، بل حقّق أيضاً ما كان واجباً أن يحققه آدم بحفظه للوصية، أعني الحياة الأبدية. حتى أن كل من يؤمن بالمسيح ينال بفضل ذلك الإيمان غفران الخطايا، وفي تلك اللحظة عينها ينال الحياة الأبدية أيضاً (يو 3: 16، 36).

يبدو لنا أن معظم الناس يقللون من قيمة غفران الخطايا. إذ إنه في نظرهم أمر طبيعي كلياً أن يغفر الله الخطايا ويتغاضى عن القصور البشري. وهم يعرضون القضية بجملتها وكأن الله ينبغي أن يغفر الخطايا وإلا برهن أنه ليس إله محبة. ولكن اختبارات الحياة كان يجب أن تعلّم هؤلاء القوم شيئاً آخر. فالمغفرة الحقيقية، المغفرة بإخلاص، أي أن نغفر بحيث لا يبقى شيء من آثار الإساءة الحاصلة، هي أمر يتطلب عملاً مضنياً من جانبنا ويتضمن انتصاراً على الذات يصعب إحرازه. حقاً إن الشعور بالإساءة غالباً ما يكون غير مسوَّغ فينا، إذ تؤثر فينا أشياء ينبغي ألا تؤثر ونجيز أشياء أخرى كان يجب أن تحزننا في العمق. وحقاً أن إحساسنا بالحق والكرامة لم يبطل ولكنه فسد ومال في اتجاه خاطئ. ورغم ذلك قد يحدث أن نستاء في الصميم من أمر أو آخر، ونشعر بامتهان كرامتنا وإهانة شخصنا واسمنا. فعندئذ يقتضي الأمر كثيراً من الجهاد لكي نزيل من قلوبنا كلّ أثر للغضب ونسامح بإخلاص المسيء إلينا، نسامحه كلياً بحيث ننسى الإساءة ولا نعود نتذكرها البتة. فالغفران دائماً يفترض حصول انتهاك لحقٍ ما ويصحبه رفع العقوبة المستحقة أو الإعفاء منها.

هذا كله صحيح بالنسبة للبشر. غير أن الخطية والغفران كليهما يكتسبان مضموناً أثقل حينما تُقترف الخطية ضد الله ويتم الحصول على الغفران من لدنه. فإن لله أيضاً حقاً على البشر، حقاً في كل زمان ومكان وكل شيء، وذلك هو الحق بأن يعترف به البشر أنه الله ويخدموه ويكرموه كما يليق به. هذا الحق هو المبدأ والأساس لكل حق وكل قانون أو شريعة؛ فمن يمسّ هذا الحق يمسّ نظام الشريعة بكامله، أي كامل بنية العالم الأدبية من حيث أن أساسها وثباتها هما في الله. فأي من تتأتى له معرفة الخطية على هذا النحو، من ينظر إليها في ضوء كلمة الله المقدسة، من يعتبرها كما يعتبرها الله إلى حدٍّ ما، لابد أن ينحو مفهومه لأهمية غفران الخطايا منح التغيير. إنسان كهذا لا يكاد يصدق مغفرة الخطايا، لأنها مضادة لطبيعة الأشياء على خطٍّ مستقيم. فهنالك، أولاً، قلبه الخاص الذي يدينه ويعلن مذنوبيته أمام وجه الله. وهنالك، ثانياً، الناموس الذي ينطق عليه باللعنة ويعتبره مستحقاً الموت. وهنالك أيضاً الشيطان الذي يشتكي عليه، وإذ يفعل ذلك يتذرع باستحقاق الإنسان للدينونة بحسب الشريعة. ثم إن هنالك الناس الذين يجعلونه يقف وحيداً في ضيقه ويتلون عليه خطاياه بإسهاب. وأخيراً، بين هذه كلها ووراءها، يدوّي في مسمعيه صوت برّ الله، مفتشاً عنه ومُطارداً له وقابضاً عليه وآتياً به إلى كرسيّ القضاء. فمن ذا يمكن أن يؤمن بالمغفرة الكاملة لجميع خطاياه، إذ يتأمل هذه الأمور ويختبرها؟

على أن كنيسة المسيح تجرؤ أن تؤمن بالغفران الكامل، إذ يمكنها ذلك ومن حقها أن تؤمن به. فهي باتضاعٍ وابتهاجٍ قلبيّ تعترف قائلة: أومن بمغفرة الخطايا. أومن بها، ولو كنت لا أستوعبها. أومن بها، ولو كان ضميري يتهمني بأني قد أخطأت خطايا فادحة ضد وصايا الله كلها، ولم أحفظ أياً منها، وبأني مُعرَّض بعد لكل شر. وللكنيسة أساس راسخ حين تعترف بإيمانها هذا. فكلّ من يلتمس غفران الخطايا خارج المسيح، يمكنه أن يتمناه ويرجوه، ولكن لا يقدر أن يؤمن به بإخلاص واقتناع. إنه يساويها بنوعٍ من التغاضي عن الخطية، وبذلك يسيئون تقدير خطورة الخطية وفداحتها. ولكن الإنجيل يفيدنا أن الله يغفر الخطايا، أنه يقدر أن يغفرها وهو يغفرها فعلاً، لأن حقوقه قد أدّاها المسيح كاملةً. ذلك أن واجب تقديس قداسة الله لا يجعل الغفران مستحيلاً، بل يمهد له السبيل ويضمنه ويجعلنا نؤمن به إيماناً وطيداً مقروناً بثقة لا تتزعزع. وعليه، فإن غفران خطايا كلها كامل تماماً بحيث إن الكلمة المقدسة تتحدث عنه باعتباره نسياناً وطرحاً للخطايا وراء الظهر. فالرب لا يبصر إثماً في يعقوب، ولا يرى تعباً في إسرائيل (عد 23: 21).

هذا الغفران كان مشمولاً في مشورة الله وقد أُذيع علانية على الكنيسة كلها في قيامة المسيح (رو 4: 25). وهو مُعلَن عموماً في بشارة الإنجيل (أع 5: 31)، ويعطى لكل واحد بمفرده، أي لكل مؤمن. ولكن مع أن المؤمن حاصل على مغفرة جميع خطاياه، عليه دائماً، من يوم إلى يوم، أن يخصصها لنفسه بالإيمان لكي يتمتع بيقينيتها وعزائها. وكم يكون سهلاً علينا، لو استطعنا، أن نمضي في سبل الحياة بحسب ميول قلوبنا وموقفنا على أساس الشعار "من تجدّد مرةً، تجدد أبداً". وصحيح أن كثيرين يظلون يعيشون على ذكرى اختبارٍ مضى وهم قانعون بذلك. غير أن الحياة المسيحية ليست هكذا. فلا التبرير الذي في المسيح يسوع، ولا الإيمان الذي يغرسه فينا الروح القدس، هو مبلغ من رأس المال الجامد. إذ إننا، في نهاية المطاف، لا نصبح مشاركين في مغفرة الخطايا، مع ما يصحبها من يقين أكيد، إلا بأن نمارس الشركة مع المسيح نفسه ممارسة الإيمان الآيل إلى الخلاص. ومن هنا وضع المسيح الصلاة لأجل مغفرة الخطايا في أفواه التلاميذ (متى 6: 12). والاعتراف المتواضع بخطايانا هو الطريقة التي بواسطتها يُثبت الله أمانته وعدله، إذ يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم (1يو 1: 9). ولكي يجعلنا المسيح نشعر في قرارة نفوسنا، دائماً وباستمرار، بعِظم البركة الممنوحة لنا في غفران الخطايا، يضيف إلى طلب مغفرة الخطايا هذه الكلمات: "كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا". هذه العبارة الإضافية لا تشكّل الأساس الذي عليه نتجاسر أن نطلب إلى الله أو يحق لنا أن نطلب إليه، إعفاءنا من عقوبة خطايانا. وليست هذه العبارة هي المقياس الذي بموجبه نطلب إلى الله أن يقيس، بل إنها بالأحرى تصف الموقف الذي ينبغي أن يكون عليه المصلّي كي يتمتع ببركة الغفران ويقدّرها حقها. عندئذٍ فقط ندرك إلى حدٍّ ما، بمنطقنا البشري، ماذا كلّف الله منحنا غفران الخطايا في المسيح. فعندما نستأصل من قلوبنا كل عداء ونغفر لجميع المسيئين إلينا جميع إساءاتهم، عندئذ فقط نقدّر قيمة ما فعله الله لنا. ومن هنا نستطيع أن نصلي لأجل هذه البركة العظيمة والفائقة الثمن، بحرارة ورغبة قلبية صادقة، فقط عندما نكون ميّالين من صميم القلب إلى مسامحة القريب. حقاً أن غفران الخطايا قد تمّ عند الله مرةً واحدة وعلى نحوٍ كامل، إلا أنه يعطى لنا، ونخصصه لأنفسنا طيلة حياتنا، بالإيمان والتوبة. وإن في العشاء الربّاني أيضاً بيّنة على ذلك، إذ إننا فيه نُذَكَّر مرة بعد مرة أن المسيح قد بذل جسده وسفك دمه لأجل مغفرة الخطايا (مت 26: 28).

أما الوجه الآخر من بركة مغفرة الخطايا هذه فهو الحق بالحياة الأبدية. وإذ يتكلم يوحنا عن هذه الحياة يقصد على الخصوص الحياة الجديدة المولودة من الله والمغروسة فينا بالروح القدس (يو 1: 13؛ 3: 5). فالصيرورة أولاداً لله، هذه التي يتكلم عنها تنتج من الولادة الجديدة، وقوامها أساساً تحويل الإنسان ليصير أهلاً للشركة مع الله (يو 1: 13؛ 1يو 1: 1 - 3). ولكن بولس، يتكلم عادةً، عن كوننا أولاد الله بمعنىً آخر. فهو يعني بذلك أن الله، على أساس برّ المسيح، يقبلنا أولاداً له وورثة.

كانت الأسر الرومانية تتميز إحداها عن الأخرى تميّزاً واضحاً. فقد كان لكل عائلة امتيازاتها الخاصة وحقوقها، وممارساتها الدينية أيضاً على الخصوص. ومن هنا أن الولد لم يكن يقدر على الانتقال من أسرة إلى أخرى إلا عن طريق معاملة قضائية شرعية بموجبها يعمد الوالد الفعلي، إن جاز التعبير، إلى بيع ابنه للوالد الآخر الراغب في قبوله ابناً له. وفي حال وفاة الوالد الفعلي قبل إجراء ذلك، لا يمكن إتمام الانتقال إلا بإعلانٍ رسمي في جلسة عامة يحضرها المعنيون. بهذه الطريقة وحدها كان يمكن إعفاء الولد من واجباته في الأسرة الواحدة وإخضاعه لواجباته في الأسرة الأخرى.

فالمرجح أن الرسول بولس يستعير مفهومه لتبنّي الأولاد من هذه الممارسة، وبذلك يوضّح العلاقة الجديدة التي فيها يقوم المؤمن تجاه الله. وقد كان مثل هذا التبنّي، في العهد القديم، من نصيب بني إسرائيل (رو 9: 4)، ولذلك دُعي هذا الشعب غير مرة ابناً لله. غير أن هذا التبنّي، بمعناه الأوفى هو من بركات العهد الجديد، لأن المؤمنين في العهد القديم كانوا قصراً تحت وصاية الناموس (غل 3: 23؛ 4: 1 - 3). أما الآن، فقد جاء المسيح في ملء الزمان، ووضع نفسه تحت الناموس حاملاً لعنته، لكي يتم الفداء للذين هم تحت الناموس ولكي ننال التبنّي (غل 4: 4، 5). فالمسيح اشترى لنا بموته الحرية من العبودية للناموس والخطية، بحيث أننا الآن ننتمي إلى آخر، وتحديداً إلى الذي أُقيم من بين الأموات (رو 7: 1 - 4)، وقد قبلنا الله أبناءً له وورثة (غل 4: 7). وبما أننا هكذا، فقد نلنا أيضاً روح ابن الله، روح التبنّي، الروح الخاص بهذا الميراث. وبواسطة هذا الروح صرنا مدركين بنويتنا، ولنا جرأة لمخاطبة الله بوصفه أبانا، ونحصل دائماً على القيادة والإرشاد (رو 8: 14 – 16؛ غل 4: 6). وبالحقيقة، فكما أن هذا التبنّي بصفة الأولاد متأصل في خطة الله الأزلية (أف 1: 5) هكذا أيضاً هو ممتدّ بعيداً جداً نحو المستقبل المجيد. فمع أن المؤمنين هم الآن أولاد لله ولهم امتيازات الورثة كلها (رو 8: 17؛ غل 4: 7)، فإنهم رغم ذلك يشتركون مع الخليقة كلها في انتظار إعلان كونهم أبناء الله، أي فداء أجسادهم (رو 8: 18 - 23). فلا يبلغ التبنّي غايته إلا عند القيامة من بين الأموات، إذ يتمّ فداء الجسد أيضاً على نحوٍ كامل.

نجد في بركة التبرير بالإيمان وحده عزاءً كثيراً للمسيحي. فإن غفران خطاياه والرجاء بالمستقبل السعيد، ويقينية الخلاص الأبدي، لا تتعلق بدرجة القداسة التي أحرزها في الحياة، بل هي جميعاً متأصلة في نعمة الله وفي الفداء الذي بالمسيح يسوع. ولو كان لهذه البركات أن تستمدّ يقينيتها من أعمال المسيحي الصالحة، لكانت تظل – حتى ساعة الموت – غير مؤكَّدة، لأنه حتى أقدس البشر لا تكون لديه إلا بداءة يسيرة من الطاعة الكاملة. ولكان المؤمنون، تبعاً لذلك، فريسةً للخوف والقلق دائماً، ولا يستطيعون أن يثبتوا في الحرية التي حررنا بها المسيح، وإذ لا يقوون مع ذلك على العيش بلا يقين يضطرون لأن يلجأوا إلى التماس العون لدى الكنيسة والكاهن، وفي المذبح والقربان، والشعائر والممارسات الدينية. وهذه في الواقع حال آلاف المسيحيين داخل الكنيسة الكاثوليكية وخارجها. فهم لا يدركون ما في التبرير المجاني بالنعمة من بهاءٍ وعزاء.

ولكن المؤمن الذي انفتحت عيناه على غنى هذه البركة، يرى الأمر على نحوٍ مختلف. فهو قد وصل إلى الإقرار متواضعاً بأن الأعمال الصالحة لا يمكن أن تكون أساساً للإيمان بل هي فقط ثمرٌ له، سواء كانت تلك أعمالاً فعلية خارجية أو تأثرات وجدانية مما تختبره النفس. وخلاصه ثابت خارج ذاته، في المسيح يسوع وبرّه، ولذلك لا يمكن أن يتزعزع البتة. إن بيته مبنيّ على الصخر، ولذا يقوى على الصمود في وجه عنف الأمطار والسيول والرياح. وبطبيعة الحال، يمكن إساءة استخدام هذا الاعتراف، شأنه شأن سائر مواد الإيمان. فإذا ما اعتُبر الإيمان الذي يقبل المسيح وبرّه أنه امتثال عقلاني لحقيقة تاريخية، فعندئذٍ يمكن أن يظلّ الكائن البشري واقفاً إزاءه في جمود وعدم مبالاة وموت. وإذ ذاك لا يُثمر أية أعمال صالحة من ذلك الإيمان، بل إنه في الحقيقة لا يقبل شخص المسيح معه. غير أن الإيمان الحقيقي الذي يجعل الكائن البشري يحسّ هول الذنوب وطغيان الشعور بالذنب عليه إنما يقتاده إلى المسيح بالذات، وهذا الإيمان لا يتعلق إلا بنعمة الله وحدها، كما أنه يفتخر بغفران الخطايا المجاني، ومنذ تلك اللحظة يبدأ بإعطاء ثمر الأعمال الصالحة.

وبالحقيقة أن هذا الإيمان الذي يعتمد فقط على نعمة الله في المسيح، والمدرك بالتالي لغفران الخطايا، هو وحده الإيمان المساوي حقاً للعمل الصالح. فما دمنا نجعل غفران الخطايا مؤسَّسا بالكامل على التأثرات الوجدانية التي نختبرها وعلى الأعمال الصالحة التي نقوم بها، فلابد أن نظل نعيش في خضمّ الخوف والهلع. عندئذ لا نكون قد صرنا أبناءً يقومون بأعمالهم بدافع من المحبة، بل نبقى عبيداً وأجراء يقومون بها طمعاً بالأجر. وعندئذ أيضاً لا نعمل الأعمال الصالحة فقط لأنها صالحة، أي إكراماً لله، بل ما نزال نعملها لأجل الربح الشخصي تقريباً، لكي نحرز بواسطتها الرضى والقبول لدى الله. غير أن الصورة كلها تتغير عندما ندرك بالإيمان أن خلاصنا يستقر بالذات في نعمة الله وبرّ المسيح. عندئذ نقلع عن التركيز على البرّ الذاتي ولا نعود نكلّف أنفسنا عناء العمل لإحراز خلاصنا الخاص، لأن ذلك كله مضمون لنا في المسيح يسوع. وإذ نتيقن من هذا الخلاص في المسيح، نستطيع أن نعكف على القيام بالأعمال الصالحة لنمجد بها الله أبانا. إذ ذاك لا ننجزها لأجل أنفسنا، بل لأجل الرب. فنحن نخصّ مسيحاً أُقيم من بين الأموات لكي نثمر لله (رو 7: 4). وبالناموس قد متنا للناموس حتى نحيا لله (غل 2: 19). ومثل هذه الأعمال تكون لأول مرة أعمالاً صالحة حقاً ناتجة عن الإيمان وتتم بحسب مشيئة الله، وغايتها تمجيده تعالى.

وتبعاً ل ذلك، فإن الحرية التي تصبح من نصيب المسيحي في التبرير تقوم في أنه قد تحرر من مطالب الناموس ولعنته. وليس المؤمن محرَّراً من الناموس بمعنى أنه يستطيع أن يعيش وفقاً لرغبات قلبه، وأنه – بلغة اليوم – يستطيع أن يعيش حياته مستجيباً لميول طبيعته الشريرة ونزعاتها. ولكن للمؤمن، على نقيض ذلك، علاقته بالناموس تُعتبر أوثق جداً من ذي قبل، لأن الإيمان لا يُبطل الناموس بل يثبّته (رو 3: 31). فإن مطلب الناموس يتم في الذين يسلكون ليس بحسب الجسد بل حسب الروح (رو 8: 4). وكيف يُعقل أن الذين ماتوا عن الخطية يعيشون بعدُ فيها؟ ولكن العلاقة التي تصير للمؤمن تجاه الناموس تختلف تماماً عن تلك التي كانت قائمة من قبل. فهو يتمم وصايا الناموس بفضل قانون العرفان بالجميل؛ غير أنه معفى من حكم الناموس ولعنته.

وفي هذا المقام، يتمتع مؤمنو العهد الجديد في الواقع بامتياز مهم لم يكن لمؤمني العهد القديم مثله. ففي العهد القديم كانت غالباً ما تُوصف الديانة بـ"مخافة الله" وكان المؤمنون كثيراً ما يُلقبون بـ"عبيد الرب". صحيح أنهم أولاداً، لكنهم كانوا قاصرين، وبالتالي مثل العبيد الموضوعين تحت أوصياء ووكلاء إلى الوقت المحدد لدى الآب (غل 4: 1، 2؛ 3: 23، 24). ولكن لمّا جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه، مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس (غل 4: 4). وإذ أكمل المسيح بنفسه كل برّ نيابة عنا (مت 4: 15)، وبصيرورته لعنةً من أجلنا (غل 3: 13)، وقبوله أن يكون خطيةً لأجلنا (2كو 5: 21)، حررنا من لعنة الناموس ومطالبه، وقد أُدّي ذلك على الوجه الأكمل. وهكذا لم نعد عبيداً للناموس، بل بالناموس متنا للناموس، ونحن الآن عبيد للمسيح، نحيا لله (رو 7: 1- 4؛ غل 2: 19). لسنا بعدُ تحت الناموس، بل تحت النعمة، ونحن ثابتون في الحرية التي حررنا بها المسيح (رو 6: 15؛ غل 5: 1). لم تعد بعد القاعدة لنا: "اعمل هذه فتحيا". بل انعكس الترتيب بالتمام: فإننا نحيا بالإيمان، ونحن نتصرف بما يوافق الناموس، لأننا نُسرّ به حسب الإنسان الباطن. وهكذا صار الناموس بلا تأثير عكسي بالنسبة إلى المؤمنين. لم يعد للناموس أن يضعهم في موضع، لأن المسيح قد حمل لعنته وتولى بنفسه تنفيذ حكم الناموس فيه. ولم يعد بعد للناموس أن يدينهم لأن المسيح قد أخذ على نفسه لعنة الناموس وتحمل كل قصاصها. حتى الشيطان لم يعد يستطيع أن يركن إلى الناموس ليشتكي على الإخوة، فمن ذا يشتكي على مختاري الله ما دام الله نفسه هو الذي يبررهم، والمسيح الذي مات، وهو الآن ممجَّد، يشفع فيهم في السماء؟

في الوقت نفسه عندما يحدث التغيير الذي أدخله التبرير على العلاقة بين المؤمنين والناموس، من حيث مطالبه ولعنته، يحدث أيضاً في الوقت عينه تغييرٌ في علاقتهم بكل شيء وبالعالم ككل. فعندما نتصالح مع الله، نتصالح أيضاً مع كل شيء. وعندما تكون علاقتنا بالله صحيحة وسليمة، تصير علاقتنا بالعالم صحيحة وسليمة أيضاً. ذلك أن الفداء الذي في المسيح هو فداء من مذنوبية الخطية وقصاصها، ولكنه أيضاً افتداء لنا من العالم الذي يحاصرنا ويضايقنا. نحن نعلم أن الله أحب العالم، وأن المسيح قد غلب العالم. يستطيع العالم أن يضايقنا بعد، ولكنه لا يقدر أن يسلبنا ثقتنا الوطيدة (يو 16: 33). والمؤمنون كأولاد للآب السماوي، لا يقلقون من جهة ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون، لأنه يعلم أنهم يحتاجون إلى هذه كلها (مت 6: 25 وما يلي). وهم لا يكنزون كنوزاً على الأرض، بل إن لهم كنزهم في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون (مت 6: 19، 20). يظهرون كمجهولين لكنهم معروفون، كمائتين لكنهم أحياء، كمؤدبين لكنهم غير مقتولين، كحزانى لكنهم دائماً فرحين، كأن لا شيء لهم لكنهم يملكون كل شيء (2كو 6: 9، 10). وهم لا يعذبون أنفسهم بالنواهي "لا تذق، لا تمس"، بل يعتبرون خليقة الله كلها صالحة ويقبلونها بالشكر (كو 2: 20؛ 1تي 4: 4). وهم يبقون ويعملون في الدعوة التي دُعوا فيها، وليسوا عبيداً للناس بل للمسيح وحده (1كو 7: 20 - 24). ويرون في التجارب التي تلمّ بهم تأديباً لا عقاباً من الله وعلامة على محبته (عب 12: 5 - 8). وهم أحرار تجاه جميع الخلائق لأن لا شيء يمكن أن يفصلهم عن محبة الله التي هي في المسيح يسوع ربهم (رو 8: 35، 39). وبالحقيقة، كل شيء لهم لأنهم هم للمسيح (1كو 3: 21 - 23)، إن كل الأشياء تعمل معاً للذين يحبون الله والذي هم مدعوون حسب قصده (رو 8: 28).

إن المؤمن الذي برره المسيح هو المخلوق الأكثر حرية في العالم – وعلى الأقل، هكذا ينبغي أن تكون الحال.