|

الفصل
الرابع
التقديس
نظراً لأن صورة الله لم يكن قوامها المعرفة والبرّ فقط بل
القداسة أيضاً، فإن رد الإنسان ينبغي أن لا يكون فقط إلى
علاقة صحيحة بالله بل أيضاً أن يجدده من الداخل وفقاً لما
يطلبه ناموس الله المقدس. فالخطية إثم، ولكنها أيضاً دنس.
فالتبرير يعفي الإنسان من إثمه، والتقديس يطهره من دنس
الخطية. بالتبرير تغيّر ضميره، وبالتقديس تبدل كيانه، بفضل
الأول استعاد الإنسان علاقته السليمة مع الله، وبفضل
الثاني صار الإنسان صالحاً وقادراً على فعل الخير.
تكاد كلمة "قداسة" ومشتقاتها ترد على كل صفحة من صفحات
الوحي المقدس. ومهما يكن المعنى الأصلي الذي به استُخدمت
هذه الكلمة أولاً، فإنها في الكتاب المقدس لا تستعمل البتة
بمعناها المألوف عامةً بل إن لها في كل حين دلالة دينية.
على أن الكلمة المستعملة في الكتاب المقدس جاءت على أكثر
ترجيحٍ من أصل يعني "فرز" أو "فصل" أو "خصص". كذلك أيضاً
لا يمكننا أن نحدد في أي معنى أُدخلت هذه الكلمة في مجال
البحث الديني. فبحسب ما يرى بعضهم، نُسبت إلى الأشخاص
والأشياء صفة القداسة أولاً لأنهم كانوا ينفصلون عن سائر
الأشخاص والأشياء صفة القداسة أولاً لأنهم كانوا ينفصلون
عن سائر الأشخاص والأشياء، فيُعزلون بالتالي عن الاستعمال
العام – إذا صحّ التعبير. ومن هنا كان نقيض القداسة هو
النجاسة والدنس وعدم القداسة والحقارة. وبحسبما يرى آخرون،
قُصِدَ بهذه الكلمة أولاً، فيما يتعلق بالأمور الدينية،
أنه جُعلت للأشخاص والأشياء علاقة خاصة بالله، فكانوا بهذا
المعنى مختلفين عن سواهم. ويمكن القول، بالنسبة إلى هذا
الرأي، أن الأشخاص والأشياء ليسوا بالطبيعة مقدَّسين في
ذواتهم البتة، بل يمكن أن يصيروا كذلك فقط من خلال عملٍ
معيّن يُجرى لهم. وليس في وسطهم أيضاً أن يقدسوا أنفسهم،
لأن مصدر كل قداسة وتقديس إنما هو الله. فالرب قدوس، ولذلك
يطلب لنفسه شعباً مقدساً وكهنوتاً مقدساً. وهو الذي يبيّن
من هو له ومن المقدَّسون (عد 16: 5).
وعليه، فكثيراً ما دعى الله في العهد القديم باسم
"القدوس". وفقط في (دانيال 4: 8، 9، 18؛ 5: 11) يتحدث
نبوخذ نصر أيضاً عن آلهته القدوسين. وإذ تُستعمل لفظة
"القدوس" هذه بالإشارة إلى الكائن الإلهي لا يُقصد بها
إلصاق صفة خاصة إليه ضمن صفاتهه التي له، بل إنها تُستخدم
بالأحرى للتعبير عن عظمة الله وسموه وجلاله ونزاهته. فليس
قدوس مثل الرب، لأنه ليس غيره؛ وليس صخرة مثل إلهنا (1صم
2: 2). إنه الله وليس إنساناً (هو 11: 9). وما من أحد يقوى
على الوقوف أمام الرب الإله القدوس (1صم 6: 20). وهو مرتفع
جداً على جميع الآلهة، معتزّ في القداسة، مخوف بالتسابيح،
صانع عجائب (خر 15: 11). إنه مخوف من مقادسه (مز 68: 35)،
واسمه عظيم ومهوب (مز 99: 2، 3)، والقسم بقدسه هو قسمٌ
بنفسه (عا 4: 2؛ 6: 8). وباختصار، فإن القداسة تشير إلى
الله في تنزّهه عن جميع الخلائق وتعاليه عليها. إنه القدوس
لأنه هو الله. وإشعياء على الخصوص يؤثر إطلاق هذه الكلمة
على الله.
وتتجلى قداسة الله في جميع علاقاته مع شعبه. فإن إعطاءه
الشريعة لبني إسرائيل يرتكز بجملته على قداسة الله
باعتبارها المبدأ الأول كما يهدف إلى تقديس الشعب. إنه
قدوس في جميع إعلانه وفي كل ما يصدر عنه تعالى: فاسمه قدوس
(لا 20: 3)، وذراعه مقدسة (مز 98: 1)، وعهده تقديس (دا 11:
28)، وكلمته مقدسة (مز 105: 42)، وروحه قدوس (مز 51: 11؛
إش 63: 10، 17). ومن هنا يريد لشعبه أيضاً أن يكونوا
قديسين. وبين ذلك الشعب يريد خصوصاً من الكهنة واللاويين،
الذين يخدمون في المقدسات والمُفرزين لعملهم بإجراءات
طقسية معينة، أن يكونوا قديسين (خر 29). وفي الواقع ينبغي
أن يكرّس للرب ويُعتبر مقدساً كل شيء له علاقة ما بخدمته،
سواء في تلك الأمكنة والأزمنة أو التقدمات وأثواب الكهنة
أو الهيكل وما شابه. وكامل المغزى من إعطاء الشريعة هو أن
يكون الشعب مملكة كهنة وأمة مقدسة للرب (خر 19: 6). ويكون
الشعب مقدساً بالفعل إذا تجاوب في كل شيء مع الشريعة التي
أعطاه الله إياها.
وينبغي لنا أن نذكر أن هذه الشريعة لم تقتصر على الوصايا
الأدبية بل شملت أيضاً عدة وصايا مدنية وطقسية. لذلك كان
قوام القداسة هو الكمال أو الامتثال الكلي للشريعة، ولكن
هذا الكمال لم يكن ذا طبيعة أدبية فقط بل ذا طبيعة مدنية
وطقسية. على أن الشعب كثيراً ما جنحوا إلى ناحية واحدة
والتمسوا جوهر الدين في الطهارة اللاوية الخارجية. وتبعاً
لذلك كان على الأنبياء أن يعترضوا على ذلك ويُعلنوا أن
الطاعة أفضل من الذبيحة والإصغاء خير من شحم الكباش (1صم
15: 22). وكان عليهم أن يقولوا إن الله يريد رحمةً لا
ذبيحة ومعرفة الله أكثر من المحرقات (هو 6: 6). كان عليهم
أن يعلنوا أن الله لا يطلب من الإنسان شيئاً غير أن يصنع
الحق ويحب الرحمة ويسلك متواضعاً أمامه تعالى (مي 6: 8).
وقد أشار الأنبياء إلى أن قداسة الله تكمن في كماله
الأدبي، في تعاليه عن نجاسة خلائقه ومناقضته لها (إش 6: 3
- 7). وعندما يدنس البشر اسم الله وعهده، يتقدس هو بالبرّ
(إش 5: 16؛ حز 28: 22). وبوصفه القدوس فلابد من أن يعاقب
العدو ليعرف شعبه أنه هو الرب (إر 50: 29؛ حز 36: 23؛ 39:
7)، لكنه سينجي شعبه بتطهيرهم من كل إثم، وإقامته معهم
عهداً جديداً، وجعلهم يسلكون في طرقه بقلب جديد (إر 31: 31
– 34؛ حز 36: 25 - 29). وهو يفعل ذلك لا لأجل الشعب، بل
لأجل اسمه العظيم (إش 43: 34؛ حز 36: 22).
ومثلما أعطى الله شعبه في العهد الجديد برّاً في المسيح
هكذا أعطاهم قداسة في ابن محبته. والمسيح هو قداستنا أو
تقديسنا، مثلما هو حكمتنا وفداؤنا، بالطريقة عينها
وبالمعنى نفسه. وعلينا أن نعرف أنه كان، أول كل شيء،
متمتعاً بقداسة شخصية، وإلا فما كان له أن يحرز قداسة لنا.
فذاك الذي حُبِلَ به في مريم من الروح القدس ووُلد منها
إنما هو القدوس وقد دُعي ابن الله (لو 1: 35). وعند
معموديته فيما بعد، نزل عليه الروح القدس بغير كيل، وكان
ممتلئاً من الروح القدس (لو 3: 22؛ 4: 1). والمسكونون
بالأرواح الشريرة اعترفوا به أنه قدوس الله (مر 1: 24؛ لو
4: 34). والرسل، بلسان بطرس، أقروا هذا الإقرار: يا ربّ
إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك، ونحن قد آمنا
وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحيّ (يو 6: 68). وفي (أع
4: 27) (قارن 3: 14)، يتكلم الرسول نفسه عن المسيح بوصفه
فتى الله القدوس (ابنه أو خادمه)، والمسيح في (رؤيا 3: 7)
يدعو نفسه "القدوس الحق". فكما كان المسيح مدركاً كماله
وخلوّه من الإثم، كذلك يشهد رسله أيضاً بأنه لم يفعل خطية
ولا وُجد في فمه مكر.
على أنه ينبغي لنا، فيما يتعلق بالمسيح، أن نميز بين
القداسة التي كانت له بطبيعته وتلك التي أحرزها بطاعته
الكاملة. فإن الحبل به بغير دنس وولادته قدوساً كان لهما،
في المقام الأول، فضل أن يكون وسيطنا (التعليم المسيحي
لهيدلبرج – الجواب 16)؛ ولكن كان لهما أيضاً فضل أنه – وهو
وسيطنا منذ لحظة الحبل به – يستر الخطية التي فيها حُبل
بنا ووُلدنا، يسترها ببراءته وقداسته الكاملة أمام وجه
الله (التعليم المسيحي لهيدلبرج – الجواب 36). فالقداسة
التي وُلد فيها جعلها حالاً جزءاً من القداسة التي كانت له
طيلة حياته، بل حتى مماته، أن ينجزها لكنيسته. ونحن نعلم
مثلاً أن الآب كان قد قدسه قبل تجسده، خاصاً إياه بدور
الوسيط، ولأجل هذه الغاية بالتحديد أرسله إلى العالم (يو
10: 36). والمسيح أيضاً قدس نفسه وسلّم ذاته لمشيئة الآب
قبل الحبل به في مريم والولادة منها. إذ كان تجسده إتماماً
لمشيئة الآب السابقة وفعل تقديس (عب 10: 5 - 9). فلم يكن
يكفي أن يكون المسيح قدوساً، بل كان عليه أيضاً أن يقدس
نفسه من لحظة الحبل به حتى ساعة موته.
وبوصفه الوسيط، فقد خضع رغم كل شيء لأقسى التجارب والمحن،
خصوصاً بعد قبوله المعمودية ومسحه بالروح القدس وانطلاقه
في خدمته العلنية. وما التجربة التي نقرأ خبرها في
الأناجيل إلا مبتدأ حياة ملؤها الجهاد؛ فلما كملت تلك
التجربة، فارقه إبليس إلى حين (لو 4: 13). ولا يمكننا أن
نتصور ماهية تلك التجارب، لكنه يُقال لنا صراحة إنه أشبه
إخوته "في كل شيء" وجُرِّب في كل شيء مثلنا، إنما بلا خطية
(عب 2: 17؛ 4: 15). فليس لنا من ضعف إلا وهو عليم به، وما
من تجربة إلا ويقدر أن يعيننا عليها. ولكن بينما نتعثر نحن
كل حين يبقى هو أميناً إلى النهاية. فهو قد جُرِّب في كل
شيء، لكنه كان بغير خطية، وقد أطاع حتى الموت – موت الصليب
(في 2: 8). وهو لم يصلِ طالباً أن يُعفى من الموت، بل
قدّم، بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات للقادر أن ينجيه من
الموت، لكي يظل على ثباته في آلامه ويحرز في موته الحياة.
ولقد استجيبت له هذه الصلاة (عب 5: 7).
لكنه، مع كونه ابناً، كان لابد من أن يتعلم الطاعة مما
تألم به (عب 5: 8). فقد كان مطيعاً منذ البداية، وكان
راغباً في أن يكون مطيعاً، إذ كان طعامه هو أن يعمل مشيئة
الآب (يو 4: 34). غير أنه، في آلامه، قبل الفرصة للبرهنة
على تلك الطاعة – ففي آلامه وبواسطتها تسنى له أن يترجم
رغبته في الطاعة وعزمه عليها إلى فعلٍ ملموس. وهكذا تقدس
بما عاناه من الآلام (عب 2: 11؛ 5: 9) تقدّس لا بالمعنى
الأدبي بل بمعنى التكميل وبلوغ الغاية المنشودة دائماً
وأبداً، ومن أجل الموت كُلّل بالمجد والكرامة (عب 2: 9؛
12: 2). وهكذا صار رائد الخلاص ومكمل الإيمان بالنسبة إلى
أولاد الله (عب 2: 10؛ 12: 2). فباحتماله للصليب واستهانته
بالخزي، ناظراً إلى السرور المُعدّ له بعد اتضاعه، صار
منشئ الخلاص لخاصته، رائد ذلك الخلاص وصانعه، كما صار في
الوقت عينه من يُوجد ذلك الإيمان فيهم ويوصله إلى غايته.
إنه بتكميل نفسه في طريق الطاعة بسعيه إلى المجد عن يمين
الآب عن طريق الاتضاع الأعمق، صار موجد الخلاص الأبدي
لجميع الذين يطيعونه (عب 5: 9). أجل لقد قدس المسيح نفسه،
فقدم نفسه ذبيحة حتى الموت، في سبيل أن يُقدَّس تلاميذه في
الحق (يو 17: 19). وهكذا أُعطي لنا من الله لأجل تقديسنا
(1كو 1: 30).
ولكي نفهم تقديس المسيح للمؤمنين حق الفهم، ينبغي لنا أن
ندرك يقيناً أنه هو قداستنا مثلما هو برّنا، بالمعنى عينه.
فهو مخلِّصٌ كاملٌ وكافٍ، إذ لا يتمّم عمله جزئياً فحسب،
بل يخلصنا فعلاً إلى التمام؛ وهو لا يرجئ عمله ريثما
يوصلنا إلى نصيبنا في الحياة الأبدية والسعادة السماوية.
وعليه، فبواسطة برّه لا يعيدنا فقط إلى مقام الأبرار، الذي
يقفون أمام قضاء الله أبرياء من الذنب، لكي يترك المسألة
بين أيدينا فيما عدا ذلك، بحيث إننا – إذا جاز التعبير –
ننطلق الآن كي نكسب الحياة الأبدية عن طريق القيام
بالأعمال الصالحة ونجعل أنفسنا مشابهين للصورة التي يريدها
لنا الله. كلا، بل إن المسيح يكمّل كل هذا العمل عنا. فهو
قد حمل عنّا ذنب الخطية وعقابها، وهو أيضاً حفظ الشريعة
عنّا وأحرز لنا الحياة الأبدية. فقد كانت طاعته طاعة
"خضوع" وطاعة "عمل" في آن واحد.
وقد كانت قيامة المسيح هي البيّنة على ذلك. فبها نعلم أن
الله لم يترك نفس المسيح في الهاوية (والمقصود بها طبعاً
في هذا السياق لا موضع المحكوم عليهم بالعذاب، لأن نفس
المسيح بعد موته كانت في الفردوس، بل القبر أو عالم
الأموات الذي انضمّ إليه المسيح أيضاً مدة بقائه في حال
الموت) ولم يدع قدوسه يرى فساداً، بل عرّفه سبل الحياة
وملأه سروراً بمعاينة محيّاه تعالى (أع 2: 27، 28؛ 13: 35
- 37). وبحسب روح القداسة الذي كان مقيماً في المسيح، فإنه
بعد قيامته من بين الأموات تبيّن وتعيّن من قبل الله أنه
ابنه بقوة (رو 1: 4)، وجُعل رئيساً ومخلصاً لكي يعطي الشعب
التوبة ومغفرة الخطايا (أع 5: 31) فكان رئيس الحياة الذي
أحرز الحياة الأبدية ويعطيها الآن لخاصته (أع 3: 15).
غير أن هذا التقدي الذي أنجزه المسيح لكنيسته لا يبقى
خارجاً عنا، بل بالأحرى نُعطى نصيباً فيه. ففي التبرير
تُعلن براءتنا من الذنب والعقاب على أساس برّ خارج عنا
وموجود في المسيح يسوع، وبنعمة الله يُحسب لنا ويُقبل
بالإيمان من جانبنا. أما في التقديس فإن قداسة المسيح، بكل
يقين، تُسكب فينا بالروح القدس. وعليه فعندما يتحدث
الكاثوليك عن نعمة تُسكب فينا، لا يكون لنا اعتراض على هذا
الأمر في حدّ ذاته، بل نعترض على القول بأن هذه النعمة
تُحسب لنا جزءاً من البرّ الذي على أساسه تُعلن براءتنا
أمام الله. فلو كان ذلك صحيحاً، لاختلط التبرير والتقديس –
أي الإعفاء من الذنب والتطهير من الدنس – بعضهما ببعض،
وسُلب المسيح كمال برّه المحرز، وحُرمت النفس راحتها
ويقينها. على أن هنالك فعلاً نعمةً مسكوبة؛ إذ هنالك حقاً
"المسيح فينا" كما أن هنالك "المسيح عنا". ويوجد شيء يسمى
التجدّد حسب صورة الله، كما يوجد ما يدعى نقلاً إلى مقام
الأبرار. كما أن ثمة تغييراً في حالتنا الأدبية مثلما يوجد
تغيير في مقامنا أمام الله.
وفي الواقع أن هذا التقديس يجب أن يتم تحقيقه بتصميم وقوة
لا يقلان عنهما فيما يتعلق بالتبرير. فلطالما اعتبر كثيرون
أن غفران الخطايا هو بركة المسيح العظمى، وأنكروا تجدّد
الإنسان الداخلي حسب صورة الله، أو على الأقل أهملوا هذا
التجدّد وتركوا سبر أغواره. فهؤلاء يذهبون إلى أنه ما دام
المرء قد تبرر وهو يعي ذلك بالإيمان فلا حاجة إلى حصول شيء
أكثر من ذلك. ويقولون بأن إدراكه لمغفرة الخطايا يجعله
بالفعل شخصاً مختلفاً. وبكلمة موجزة، فإن التبرير والتجديد
في نظر أمثال هؤلاء ليسا إلا اسمين لمسمى واحد.
إنه لصحيح كلياً أن المسيحي الذي يؤمن إيماناً صادقاً بأن
جميع خطاياه – بمحض النعمة وباستحقاقات المسيح فقط – قد
غُفرت له، يصير بكل يقين شخصاً مختلفاً بوعيٍ منه. فهو
يشعر بأنه معفىً من كل ذنب، وقد وجد سلاماً مع الله إذ
تبرر بالإيمان، وله الثبات في الحرية التي بها حرره
المسيح، وهو يستطيع أن يقول مع داود: طوبى للذي غُفر إثمه
وسُترت خطيته، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطيةً (مز 32: 1،
2)! حتى إن تغييراً كهذا يمكن أن يُدعى تجديداً للوعي.
ولكن إذا استطرد المرء ليستدلّ بهذا على أن التبرير
والتجديد سيّان، يكون مخطئاً ومناقضاً بالكلية لشهادة
الكلمة المقدسة. فعلى الرغم من كل شيء، نعلم أن الإيمان
الحقيقي الخلاصي الذي يقبل برّ المسيح ويصير واعياً لغفران
الخطايا لا يصدر عن الإنسان الطبيعي إطلاقاً، بل هو من
ثمار الولادة الجديدة، ولذلك فهو يفترض حدوث تغيير روحي
سابق جرى بالروح القدس وما يتمتع به المؤمن من فرح وسلام
في القلب من جراء تيقنه من مغفرة خطاياه، إنما هو من خصال
الإنسان الروحي الذي أُقيم من موت الخطية بفضل المسيح.
أضف إلى هذا أنه لابد من التمييز بين الوضع الشرعي الذي
يكون الإنسان فيه والحالة التي يجد نفسه فيها. فهذان يختلف
أحدهما عن الآخر كثيراً، بحيث إن شخصاً بريئاً في بعض
الأحيان قد يُتهم ويُحكم عليه وآخر مذنباً قد يبرئه
القاضي. وعليه فإن وضع المرء الشرعي لا يغير حالته رغم
ذلك، والعكس صحيح أيضاً. وهذا لا يصحّ في المجال الطبيعي
فقط بل في الروحي أيضاً. فالخطية ليست ذنباً وحسب، بل هي
دنس أيضاً. ونحن نُحرَّر من الأول بالتبرير، ومن الثاني
بالتقديس. فالخلاص الكامل لا يقتصر على المعرفة والبر، بل
يتعداهما إلى التقديس والتحرير. ولذلك أعطانا المسيح
عطيتين مقترنتين، هما غفران الخطايا والحياة الأبدية.
ثم إن ما يحسم الأمر في هذا الموضوع هو أن الكلمة المقدسة
تميز بين التبرير والتجديد بكل وضوح. فقد تضمّن وعد العهد
القديم الفكرة التي مفادها أن الرب في العهد الجديد سوف
يصفح عن إثم شعبه، ولكنه أيضاً تضمن الفكرة التي تفيد أنه
سيعطيهم قلباً جديداً يكتب عليه شريعته. وسوف يضع روحه في
داخلهم، ويجعلهم يسلكون في فرائضه ويحفظون أحكامه ليعملوا
بها (حز 36: 27). ولكي يتمّ المسيح ذلك الوعد لم يكتفي
ببذل نفسه فديةً عن كثيرين، بل إنه بعد ارتفاعه إلى يمين
الآب أرسل أيضاً الروح القدس حتى يسكن ذلك الروح في
الكنيسة ويعمل فيها. وقد سبق لنا أن أشرنا إلى ما ينجزه
الروح في الكنيسة: ففي الروح وبه يقدم المسيح نفسه وجميع
بركاته ليتشارك فيها شعبه.
وتبعاً لذلك، فبعدما عالج الرسول بولس في رسالته إلى أهل
رومية موضوع التبرير أولاً، يتقدم في الإصحاح السادس إلى
موضوع التقديس. وكما كان فيما بعد، كذلك كان في أيام
الرسل، قوم يعتقدون أن تعليم التبرير المجاني من شأنه أن
يؤثر سلبياً في الحياة الأخلاقية. فقد خشي هؤلاء أن يبيح
الناس لأنفسهم – إنطلاقاً من الاعتراف بهذا التعليم –
ارتكاب الخطية لكي تنتج الخيرات من ذلك وتتوافر النعمة (رو
3: 8؛ 6: 1). هذه التهمة يردها بولس ويقول إنه يستحيل على
الذين ماتوا بالنسبة إلى الخطية أن يعيشوا بعد فيها (رو 6:
2).
ويبرهن بولس ذلك بالإشارة إلى أن المؤمنين الذي نالوا
بالإيمان غفران الخطايا والسلام مع الله قد دُفنوا أيضاً –
كما تشهد معموديتهم – مع المسيح في موته وأُقيموا معه
للسلوك في حياة جديدة. (رو 6: 3 - 11). فعند بولس أن
المؤمنين هم دائماً أشخاص لم يكتفوا بقبول برّ الله في
المسيح لمغفرة خطاياهم فقط، بل إنهم شخصياً قد ماتوا
وأُقيموا بشركتهم مع المسيح، ولذلك هم أموات عن الخطية
ولكن أحياء لله بالمسيح. وبعبارة أخرى، إن لموت المسيح قوة
تقديسية أيضاً كما أن له قوة تبريرية (2كو 5: 13).
والإيمان الذي له الختم الصحيح عليه لا يقبل المسيح
باعتباره برّاً فقط بل باعتباره قداسة أيضاً، حتى أنه
يستحيل في الواقع فصل هذين أحدهما عن الآخر. فلا يجوز أن
ينقسم المسيح، ولا يمكن أن تُفصل هباته عن شخصه. وهو لنا
في آن واحد الحكمة والبرّ والقداسة والفداء (1كو 1: 30).
فهكذا صار لنا من الله، وهكذا أعطانا الله إياه.
إذاً القداسة التي علينا أن نشترك فيها تكمن لنا مُحرزةً
في المسيح بالكمال والتمام. غير أن كثيرين من المسيحيين،
على الأقل في حياتهم العملية، يفكرون في هذا الأمر تفكيراً
مختلفاً جداً. فهم يقرّون بأنهم مبررون بالبر الذي أنجزه
المسيح، لكنهم يعتقدون، أو على الأقل يتصرفون بوحي من
اعتقاد كهذا، أنه ينبغي لهم أن يقدَّسوا بقداسة يجب أن
يحرزوها هم أنفسهم. ولو كان هذا صحيحاً، لما كنا نعيش تحت
النعمة في الحرية بل تحت عبودية الناموس، الأمر الذي يناقض
الشهادة الرسولية مناقضةً صريحة. على أن التقديس الإنجيلي
يتميز أيضاً عن التقديس الشرعي كما أن برّ الله المُعلَن
في الإنجيل يتميز أيضاً، لا في مضمونه بل في أسلوب الإفادة
منه، عن البرّ الذي كان مطلوباً في الناموس. وهذه هي حقيقة
الأمر: أن الله يعطينا في المسيح التقديس الكامل مع
التبرير، وهو يعطينا ذلك كعطية داخلية نمتلكها بالولادة
الجديدة وعمل الروح القدس التجديدي.
وعليه، فالتقديس هو عمل الله، عمل برّه ونعمته في وقت
واحد. إذ إن الله يحسب المسيح وكل خيراته في حسابنا، ومن
ثم يقدمه لنا بكل ملئه لنستفيد منه. فالله هو الذي يختن
القلوب (تث 31: 6)، ومن ينزع قلب الحجر ويُحلَّ محله قلب
لحم (حز 11: 19)، ويسكب روحه على البشر (يؤ 2: 28)، ويجعل
روحاً جديدة في داخلهم (حز 11: 19، 36: 26)، ويكتب شريعته
في قلوبهم ويجعلهم يسلكون في طرقه ويتخذهم له شعباً. ويوضح
العهد الجديد هذا الأمر بأكثر ما يمكن من القوة حيث نقرأ
أن المؤمنين هم عمل الله (رائعته أو تحفته) وقد خُلقوا في
المسيح يسوع (أف 2: 10) خليقةً جديدة (2كو 5: 17؛ غل 6:
15) وهم عمل الله (رو 14: 20). وهنا يُدعى المؤمنون أيضاً
فلاحة الله وبناء الله، ونُفاد أن الكل هو من الله (2كو 5:
18). ولمّا دُفن المؤمنون مع المسيح وأُقيموا معه، غُسلوا
أيضاً وقُدِّسوا؛ ويظلّون يُقدَّسون بعد أن يصيروا في
النهاية مشابهين كلياً لصورة الابن. فإن سلسلة الخلاص لا
يمكن كسرها لأنها، من البداية إلى النهاية، عمل الله.
والذين عرفهم ودعاهم وبرّرهم، فهؤلاء مجَّدهم أيضاً (رو 8:
30).
وعلى أساس عمل التقديس هذا الذي يجريه الله بروح المسيح في
الكنيسة، يدعى المؤمنون "قديسين" مراراً وتكراراً في
الكتاب المقدس. وكان بنو إسرائيل قد دُعوا كذلك في القديم
(حز 19: 6). فقد ميزهم الرب من بين الشعوب ليكونوا له (لا
20: 26) ولكي يسلكوا في طرقه (خر 19: 5). وفي المستقبل،
عندما يقيم الله عهده الجديد الوطيد، سيدعي شعبه مفديّي
الرب، وذلك بمزيد من الحق وبمعنىً أعمق. قدَّس رئيس الكهنة
العظيم، في أيام العهد الجديد، ذاته لأجل خاصته ليكونوا هم
أيضاً مقدسين في الحق، (يو 17: 19)، يُضفي على المؤمنين
لهذا في الحال أيضاً اسم المقدَّسين أو القديسين. ولا
يتضمن هذا الاسم أنهم، بمعنىً أدبي، خلوٌ من أية خطية وفوق
كل خطية، بل بمعنى أن كنيسة العهد الجديد قد حلّت الآن محل
إسرائيل القديم إذ صارت خاصة الرب، كما أنها أيضاً قد
تقدّست في المسيح وصارت هيكلاً للروح القدس.
على أن هذا التقديس الذي أعطاه المسيح للكنيسة، والذي
أُعطي لها أولاً بالروح القدس، يُلقي مسؤولية شاقة على
المؤمنين. فالتقديس مع أنه عملٌ إلهي، لكنه يُقصد به أن
يكون عملاً فيه ينشط المؤمنون بقوة الله. وفي العهد القديم
نقرأ مرة أن الرب نفسه يقدّس شعبه، ومرة أخرى أنه يجب على
الشعب أن يقدسوا أنفسهم. وحيناً نقرأ أن الرب يختن القلب،
وآخر أن بني إسرائيل مدعوون لأن يختنوا غرلة قلوبهم (تث
30: 6؛ تث 10: 16؛ إر 4: 4). وآناً يدعى التجديد عمل الله
(إر 31: 18؛ مرا 5: 21)، وآناً آخر مسؤولية الإنسان نفسه
(إر 3: 12، 13؛ وآيات أخر). كذلك أيضاً في العهد الجديد
يقدَّم التجديد كعطية من الله في المسيح وكعمل الروح القدس
الذي يقدَّس به المؤمنون. ولكن هؤلاء المؤمنين، رغم ذلك،
يدعون أن يكونوا كاملين كما أن أباهم الذي في السماء هو
كامل (مت 5: 48)، وأ، يعملوا أعملاً حسنة تمجد الآب الذي
في السماء (مت 5: 16؛ يو 15: 8)، وأن يقدموا أعضاءهم آلات
برّ للقداسة (رو 6: 19)، ويكونوا قديسين في كل سيرة وعمل
(1بط 1: 15؛ 2بط 3: 11)، وينشدون القداسة ويكملوها في
مخافة الرب، ويتبعون، السلام مع الجميع والقداسة التي
بدونها لا يرى أحد الرب (عب 12: 14).
ولكن القداسة الموهوبة لا تتعارض والقداسة المطلوبة على
الإطلاق. بل الأصح أن يُقال إن سعي المؤمنين في العمل على
تقديس ذواتهم لا يُتاح لهم إلا بواقع كون ذلك عملاً من
أعمال الله ينجزه فيهم. فيقيناً أن النعمة تُصلِح حال
الطبيعة بدلاً من أن تلغيها كلياً. ولما كان الإنسان، بسبب
من الخطية، قد فقد الرغبة والقدرة على السير في طرق الرب،
فإنه بفضل الخليقة الجديدة قد صار فيه ميلاً بل توجهاً، من
حيث المبدأ على الأقل، لأن يسلك باستقامة لا في بعض وصايا
الله بل فيها جميعاً. فعندما يخترق الله الأجزاء الداخلية
من الكائن البشري بالعمل الفعال بالروح المجدِّد، فإنه
يفتح القلب المغلق، ويليّن ما هو قاسٍ، ويختن ما هو أغلف.
إنه يغرس في الإرادة إمكانيات جديدة، يحيي الإرادة الميتة
ويصلح الإرادة الشريرة والإرادة التي كانت ميتة تحيا من
جديد، والإرادة التي كانت شريرة تصبح صالحة، والإرادة التي
لم تكن تريد الطاعة تختار طرقه، والإرادة التي كانت عاصية
تصير مطيعة. فهو يحوّل تلك الإرادة ويقويها بحيث تصير
قادرة على إتيان الأعمال الصالحة كما تثمر الشجرة الجيدة
ثمراً جيداً.
وتبعاً لذلك، فعندما تعبِّر الكنائس المُصلحة عن فكرها على
هذا النحو في إقرار إيمانها (قوانين دورت)، فإنها تضع بذلك
نفسها على أساس الكلمة المقدسة وتجد دعماً وثيقاً في القول
البعيد الغور الذي قال الرسول بولس: تمموا خلاصكم (عملياً)
بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا
من أجل المسرّة (الإلهية) (في 2: 12، 13)، فكما أنه
التبرير يكون غفران الخطايا مُعدَّاً لنا كاملاً في
المسيح، ولكن لا يمكن قبوله والتمتع به من جانبنا إلا
بإيمان حيٍّ وفعال، فكذلك أيضاً يقدسنا الله مستخدماً
إيانا شخصياً. إنه لا يلغي شخصيتنا بل يرقيها، ولا يقتل
عقلنا وإرادتنا ورغباتنا بل بالأحرى يحييها نظراً لأنها
كانت ميتة ويجعلها عاملة. إنه تعالى يجعلنا حلفاءه وشركاء
عمل.
ولكن تقديس المؤمنين هذا ينبغي أن يفهم على حقيقته. فلا
يجوز أن يصير تقديساً شرعياً، وإنما هو تقديس كرازي –
وهكذا ينبغي أن يظل. فهو لا يقوم على حقيقة كون المؤمنين
ينطلقون ليقدسوا أنفسهم بقداسة أوجدوها هم بأنفسهم، أو
بقداسة موجودة سابقاً لكن عليهم أن يخصصوها لذواتهم
بمجهودهم وأعمالهم الصالحة. فالقداسة التي يعلنها الله في
الإنجيل ليست فقط مُعدَّة بالكامل على يد المسيح، بل إنها
أيضاً تتم بواسطة روحه وتُطبَّق على قلوبنا وتتحقق هناك
عملياً. وما أحسن ما يقوله بول بصدد هذا في (أفسس 2: 10)،
"ونحن عمله (رائعته) مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة
قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها"! وكما أن الخليقة
الأولى برزت إلى الوجود بواسطة الكلمة، هكذا الخليقة
الثانية تنال وجودها بالشركة مع المسيح. فالمؤمنون قد
صلبوا، ماتوا، دفنوا بالشركة مع المسيح، ومعه أيضاً
أُقيموا وولدوا ثانيةً إلى حياة جديدة.
ولهذه الخليقة الجديدة غرضٌ محدد، فإن غايتها الصالحة التي
يعملها المؤمنون. فالله لا تهمه الشجرة بقدر الثمار، كما
يهمه تمجيده بهذه الثمار. ولكن هذه الأعمال الصالحة لا
تبرز إلى الوجود على نحوٍ مستقل وجديد بأيدي المؤمنين
أنفسهم. فهي مُعدَّة لهم جميعاً، ولكل منهم شخصياُ، بحسب
رأي مشيئة الله. إن هذه الأعمال قد أُنجزت وأُحرزت لهم على
يد المسيح الذي ناب عنهم في تتميم برّ الناموس كله، وهي
عاملة فيهم بالروح القدس الذي يأخذ كل شيء من المسيح ويوزع
على كل واحد بحسب مشيئة المسيح. وعلى هذا، ففي وسعنا أن
نقول عن التقديس بجملته، وعن أعمال الكنيسة الصالحة كلها،
أي عن أعمال جميع المؤمنين معاً وكل مؤمن بمفرده، إنها لا
تبرز إلى الوجود أولاً على أيدي المؤمنين، ولكنها موجودة
قبل ذلك بزمن طويل جداً في مسرّة الآب الصالحة، وفي عمل
الابن، وفي توزيع الروح القدس. من هنا يُنحى جانباً كل
افتخار من جانب الإنسان في مسألة التقديس هذه. فعلينا أن
نعلم أن الله لا يصير مديناً لنا بحالٍ من الأحوال، ولذلك
لا يمكن البتة أن يكون معترفاً بجميلنا، عندما نقوم بأعمال
صالحة. بل إننا نحن، على النقيض من ذلك، ندين لله بالفضل
فيما يتعلق بالأعمال الصالحة التي نؤديها، ومن واجبنا أن
نكون شاكرين له عليها.
على ذلك تترتب أيضاً أهمية الإيمان في عمل التقديس. فنحن
بالإيمان مخلَّصون، لا من حيث التبرير فقط، بل من حيث
التقديس أيضاً. إذ إننا، من جهتنا، لا يمكننا أن نقبل
المسيح وبركاته ونخصصها لنا إلا بالإيمان. ولو كان البر
والقداسة من ثمار الناموس، لكان من واجبنا أن نحققهما
كلتيهما بإتيان الأعمال الصالحة. لكنهما، في الإنجيل، عطية
من الله تُمنح لنا في شخص المسيح: فإن فيه ملء النعمة
والحق (يو 1: 17)، والحكمة والمعرفة (كو 2: 3)، والبرّ
والقداسة (1كو 1: 30). وفيه توجد كل بركة روحية (أف 1: 3)،
ويحلّ ملء اللاهوت جسدياً (كو 2: 9). هذا المسيح يعطينا
ذاته بالروح القدس، ويتّحد بنا اتحاداً وثيقاً كما تتحد
الكرمة بأغصانها (يو 15: 2 وما يلي)، وكما يتحد هو، في
كونه الوسيط، بالآب (يو 14: 20؛ 17: 21 - 23). والمؤمنون
هم معه روحٌ واحد (1كو 6: 17) وجسدٌ واحد (أف 5: 30، 31).
إن المسيح يحيا فيهم، وهم فيه (غل 2: 20). فهو الكل فيهم
جميعاً (كو 3: 11).
وما دام المسيح بهذه الطريقة هو العامل في تقديسنا، فإن
عمل التقديس لا يتمّ من جانبنا إذ ذاك بالإيمان. ذلك لأن
التقديس – شأنه شأن سائر بركات المسيح الأخرى – مرتبط بشخص
المسيح ارتباطاً لا ينفصم بحيث لا نستطيع أن نقبله بغير
الشركة مع المسيح بالذات. وهذا الأمر، منظور إليه منجانبنا
نحن، ولا يتم الحصول عليه والتمتع به إلا بالإيمان. ومهما
يكن، فبالإيمان وحده يسكن المسيح في قلوبنا (أف 3: 17)
ونحيا نحن في المسيح (غل 2: 20). بالإيمان وحده نصير أبناء
الله (غل 3: 27) وننال موعد الروح (غل 3: 14)، وننال غفران
الخطايا (رو 4: 6) والحياة الأبدية (يو 3: 16). وأن نحيا
بالإيمان فذلك ببساطة هو الوجه الآخر للقول إن المسيح يسكن
فينا (2كو 13: 5؛ غل 2: 20). وهكذا تبدو لنا حياة المسيح
بجملتها حياة إيمان، كما أن قديسي الكتاب المقدس يمثَّلون
أمامنا في (عبرانيين 11) بوصفهم أبطال الإيمان. ونحن أيضاً
نُحرَّض على أن نحيا بالإيمان (2كو 5: 7)، وندع الإيمان
يعمل بالمحبة (غل 5: 6)، ونطفئ سهام الشرير الملتهبة بترس
الإيمان (أف 6: 16)، ونغلب العالم بالإيمان (1يو 5: 4).
وجميع هذه التحريضات تتوافق كلياً مع تلك التي تُلقي على
المؤمنين واجب عدم السلوك بحسب الجسد بل حسب الروح (رو 8:
4 وما يلي)، وخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد، وقبول الرب
يسوع المسيح والسلوك فيه (كو 2: 6؛ 1بط 3: 16)، ولبس الرب
يسوع والقيام بكل شيء باسمه (رو 13: 14؛ كو 3: 17)، وأن
نتقوى بالرب وفي شدة قوته (أف 6: 10؛ 2تي 2: 1) والنمو في
معرفة ربنا ومخلّصنا (2بط 3:18). وباختصار، إن التقديس،
بالمفهوم الإنجيلي، هو نشاط مستمر للإيمان وممارسة دائمة
له.
ويعترض كثيرون على هذا التعليم الكتابيّ. لأنهم يعتبرونه
متحيزاً وخطراً على الحياة الأخلاقية. فهم يقرّون أن
الناموس لا دور له في التبرير وأن الإيمان وحده العامل
الحاسم. ولكن عندما يناقشون في التقديس يذهبون إلى أن
الإيمان وحده يكفي إلا أن الناموس، بكل أوامره ونواهيه،
وبكل مكافآته وعقوباته، لابد أن يكون له أيضاً دوره الفعال
إذا شئنا أن ننشد سيرةً مقدسة على نحوٍ مثمر وإذا طلبنا
حافزاً على الأعمال الصالحة. بيد أنه، ولو صح تماماً أن
الناموس يبقى قاعدة السلوك المسيحي، لا يستمد الإنجيل
البتة التحريضات على الجهاد المقدس من أهوال الناموس، بل
بالأحرى من الدعوة العليا التي إليها يُدعى المؤمنون في
المسيح. فمطلوب منا أن نكون كاملين كما أن الآب السماوي
كامل (مت 5: 48). والرب يسوع هو الكرمة وتلاميذه هم
الأغصان: فالثابتون فيه يأتون ثمراً وفيراً، إذ بدونه لا
يستطيعون أن يفعلوا شيئاً (يو 15: 5). ومع المسيح قد مات
المؤمنون عن الخطية لكنهم فيه أيضاً صاروا أحياء لله (رو
6: 11). وهم ليسوا تحت الناموس بل تحت النعمة، ولذلك ينبغي
ألا تسودهم الخطية (رو 6: 14). إنهم بالناموس قد ماتوا
للناموس، وهم للمسيح لكي يحيوا لله (رو 7: 4؛ غل 2: 19).
وليسوا في الجسد بل في الروح، ولذلك يجب أن يسلكوا بالروح
(رو 8: 5). لقد تناهى الليل وتقارب النهار؛ فمن الواجب أن
نخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور (رو 13: 12). وأجساد
المؤمنين أعضاء للمسيح وهياكل للروح القدس، ولذا يجب أن
يهربوا من خطيئة الزنا (1كو 6: 15 وما يلي). وهم قد اشتروا
بثمن، ولذلك يجب أن يمجدوا الله في أجسادهم وفي أرواحهم
التي هي لله (1كو 6: 20). إنهم يقومون في الحرية – الحرية
التي قد حررهم المسيح بها، وفي ذلك لا شيء ينفع، غير
الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 1، 6). ومن ذلك المسيح
سمعوا، ومنه تعلموا أنه ينبغي أن يخلعوا الإنسان العتيق
ويلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر الحقيقي
والقداسة الحقيقية (أف 4: 21 وما يلي). وكأولاد أحباء،
فعليهم أن يتمثلوا بالله (أف 5: 1)، وأن يسلكوا في المحبة
كما أحبهم المسيح (أف 5: 2). إنهم نور في الربّ، وتالياً
يجب أن يسلكوا كأولاد نور (أف 5: 8).
وبالاختصار، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار جميع التحريضات
الخلقية في العهد الجديد إذا شئنا أن نلخّص على نحوٍ وافٍ
جميع المناشدات المقدمة لتشجيع المؤمنين على السلوك في
سيرة مقدسة. ولكن في الآيات التي اقتبسناها ما يكفي
للدلالة على أنها كلها مستمدة من الإنجيل لا من التوراة.
وسواء كان الرسل يخاطبون رجالاً ونساءً، آباءً أو أولاداً،
سادةً أو عبيداً، سيدات أو إماء، حكاماً أو رعايا، فإنهم
في كل حال يناشدون الجميع في الرب. فإن أساس الله الراسخ
قد ثبت وله هذا الختم... ليتجنب الإثم كل من يسمي اسم
المسيح (2تي 2: 19).

|