|

التقديس-2
فالإيمان إذاً هو العمل العظيم الذي ينبغي للمسيحي أن يفي
به في تقديسه وفقاً لمبادئ الإنجيل (يو 6: 29). ومع أن هذا
الإيمان فيما يتعلق بالتقديس يتجلى بطريقة مختلفة، ويُنظر
إليه من زاوية مختلفة، عما هو فيما يتعلق بالتبرير، فإنه
في كلتا هاتين البركتين هو السبيل الوحيد والوافي الذي به
يصير لنا نصيب في كلتيهما. فالإنجيل لا يطلب منا شيئاً إلا
الإيمان، أي اتكال القلب على نعمة الله في المسيح. وذلك
الإيمان لا يبررنا وحسب بل يقدسنا أيضاً ويخلصنا. وتتجلى
قوة الإيمان المقدسة، بكل وضوح، في الاعتبارات التالية.
ففي المقام الأول، لابد من الإشارة إلى أن الإيمان الحقيقي
العديم الرياء يحطم ثقتنا المزيفة في ذواتنا، ويطيح
بكبريائنا من على عرشها، ويضع حداً لكل برّ ذاتي فينا.
فإذا صرفنا النظر عن أولئك الذين لا يكلفون أنفسهم عناء
التفكير بالله وبوصاياه، والذين يشربون الإثم كالماء، وإذا
صرفنا النظر أيضاً عن جميع الذين يعملون الصلاح خارجياً
فقط بدافع الخوف من العقاب أو الخسارة أو الخزي، يتبقى بعد
أولئك الذين يجاهدون جدياً للوفاء بمطالب الناموس الأدبي
بقوتهم الخاصة. إلا أنهم، بعملهم هذا، لا يستطيعون البتة
أن يهتدوا إلى الموقف الصحيح الذي ينبغي إتمام مطاليبه
بواسطته. فهم يقفون من الناموس إما فوقه وإما دونه،
ويجعلون أنفسهم في خدمته أو يجعلونه في خدمتهم. وفي الحالة
الأولى يقولون إن الخير يجب أن يُصنع لأجل النفع والفائدة
الذين يتكاثران لمصلحة الفرد أو الجماعة من جراء ذلك. أما
في الثانية، فإنهم يضعون الناموس الأدبي أعلى كثيراً جداً
إذ ينظر إليه باعتباره أمراً كليّ الخطورة. وهكذا يتأرجح
الإنسان الطبيعي بين الصدوقية والفريسية، بين الحرية
والناموسية. إذ يعييه أن يجد التوازي بين مطالب الناموس
الأدبي وإرادة الإنسان. غير أن الإيمان يضع حداً لهذا
التأرجح. فهو يمكننا من أن ندرك أن الناموس الأدبي أسمى
منا جداً، وأنه يطلب منا طاعة غير مشروطة، وإننا بالتالي
عاجزون عن تتميمه فعلاً على أية حال، وإنه لن يعطينا حياة
أبدية. وفي هذا الوضع المتعارض والمتعذر إصلاحه ظاهرياً،
يخضع الإيمان لنعمة الله، ويثق برحمته، ويفتخر بالبرّ الذي
أتى به هو تعالى. فالمؤمن الصادق يتخلى عن كل ادعاء بكونه
قادراً على العمل بمقتضى مطالب الناموس الأدبي. إنه يدع
ذلك المثال الأخلاقي في مقامه الرفيع من حيث مطاليبه
السامية، لكنه في الوقت عينه يتخلى عن كل أمل بأنه يستطيع
يوماً، بجهده الخاص، أن يفي ذلك المثال حقه. وهكذا يضع
المؤمن رجاءه في الله وحده، وهو الذي أعلن برّه في الناموس
ولكن أيضاً في ألإنجيل من بعده. وبالتالي، فإن مثل هذا
الإيمان هو نبع فضائل عدة: فهو يُنشئ في الإنسان تواضعاً
ويعزز الثقة والاتكال، وهذه السجايا جميعاً ذات أهمية قصوى
بالنسبة إلى الحياة الخلقية. وبذا يستمد فعل الخير من
الدين أساساً راسخاً وقوةً لا تُقهر.
وتمتزج بهذه فضائل أخرى بعد. فبحسب النظام الذي أقامه الله
نفسه في الكنيسة، تتقدم مواعيد الإنجيل على وصايا الناموس.
إذ إنه يطمئننا أولاً إلى نعمته وإحسانه وغفران خطايانا
وميراثنا مع القديسين، ومن ثم يهدينا سبيل شهاداته
وفرائضه. فالشجرة الجيدة تأتي قبل الثمر الجيد. ونحن لا
نحيا بالأعمال الصالحة بل لأجلها. ونعمل بالوصايا لا طلباً
للحياة الأبدية بل نتيجة لها، لأن هذه الحياة قد غُرست في
قلوبنا بالإيمان. بحسب هذا النظام وحده تصير الحياة
الخلقية الحقيقية ممكنة. وأي من شاء أن يعكس هذا النظام
وأراد أن يستمد راحته ويقينه وخلاصه من أعماله، فلن يحقق
غايته البتة، وسيظل عرضةً للشكوك الممرضة، ويحيا كل أيام
حياته في الخوف. إنما الله قد رسم طريقاً آخر. ففي
الإنجيل، يُعطينا تعالى كل شيء مقابل لا شيء: غفران
الخطايا، المصالحة، إسقاط العقاب كلياً، الخلاص، السعادة
الأبدية. وهو يقول لنا أننا بواسطة الإيمان بنعمته، نستطيع
أن نتكل عليه كلياً، وهو أيضاً يؤكد لنا هذا يقيناً من
خلال شهادة الروح القدس. وعليه، فالإيمان – بفضل طبيعته
وفي حد ذاته – يمنحنا العزاء والسلام والفرح والسعادة،
وهذه بدورها سجايا لا تُقدَّر بثمن فيما يخصّ الحياة
الخلقية. فهي جميعاً منابع ودوافع للسيرة المقدسة. ذلك أن
تطهير الضمير من جميع الأعمال الميتة يُفضي إلى غايته
القائمة في خدمة الله الحي (عب 9: 14). والذين يعزي الله
قلوبهم يقويهم بالتالي في كل كلام وعمل صالح (2تس 2: 17).
وفرح الرب هو قوة شعبه (نح 8: 10).
وفي المقام الثاني، ينبغي أن نشير إلى أن الإيمان الخلاصي
الذي يركن كلياً إلى نعمة الله في المسيح يتميز بنشاط
مزدوج يتمثل في الإقلاع والإتباع، كما في الهدم والبناء.
فهو يحمل الابن الضال على الإقلاع عن سيرته الأثيمة
والرجوع إلى بيت الأب. وهو يجعلنا في شركة مع المسيح في
موته وقيامته، فيصلبنا ثم يقيمنا إلى حياة جديدة. فكل من
يؤمن بالمسيح حقاً يموت عن الخطية؛ إنه يشعر في قرارة نفسه
بالأسف والأسى لأنه استنزل بالخطية غضب الله، وبالتالي
يكرهها ويهرب منها. وهو يحدث فاصلاً بينها وبين نفسه بحيث
يمكنه أن يقول بحق: لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر
الذي لست أريده فإياه أفعل (رو 7: 19). ومن الناحية
الثانية، يتّبع الإيمان المسيح وبرّه بتخصيصهما للذات؛ إنه
يجعل المسيح يحلّ في القلب فيعيش دائماً في شركة معه أوثق
وأعمق. بل إنه يجعل المسيح يتصور فينا ويغير شكلنا أكثر
فأكثر على حسب صورته. وبالاختصار، يقدر المؤمن أن يقول مع
بولس: أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني (في 4: 13).
وفي المقام الأخير، ولا نزيد على هذا شيئاً، نقول إن
الإيمان غالباً ما يشبَّه حسناً باليد. ولكن اليد ليست فقط
العضو الذي به نتناول الشيء ونخصصه لأنفسنا، بل هي أيضاً
الأدلة التي بها نترجم فكرنا وإرادتنا بصورة عملية. وعليه
فإن الإيمان ليس عضواً متلقياً وحسب، بل هو قوة فعالة
أيضاً. والإيمان الذي يبرر ويخلّص ليس إيماناً ميتاً، بل
هو إيمان حيّ. وهو، بطبيعته الخاصة، ينتج ثمر الأعمال
الصالحة، عاملاً بالمحبة
(غل 5: 6). فالإنسان لا يبرَّر بالمحبة، بل إن الإيمان
الذي يبرره يبين قوته الفعالة بالمحبة. وبغير المحبة لا
يكون الإيمان من النوع الخلاصي الحقيقي (1كو 13: 1)، كما
أن عمل المحبة مقترن دائماً بالإيمان الحق (1تس 1: 3)، لأن
غاية الوصية (أو غاية الكرازة الرسولية كلها بالأحرى) إنما
هي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان عديم الرياء (1تي
1: 5). وهذه المحبة، لكونها ثمر الإيمان، هي محبة كاملة
تطرد الخوف خارجاً (1يو 4: 18) كما أنها في الوقت عينه
تكميل للناموس.
وفاقاً لذلك، لا يبطل الإنجيل الناموس، بل يثبته ويضعه في
مكانه الصحيح. صحيح أنه قد وضع حدّ نهائي لحكم الناموس
ولعنته، لأن المسيح وضع نفسه تحت الناموس ووفى بحكمه
لعنته. ومن هنا لم نعد عبيداً بل صرنا نسلك بالروح وفي
الحرية. وحيث روح الرب، فهناك حرية (2كو 3: 17؛ غل 5: 18).
غير أن حرية الإيمان هذه لا تُبطِّل الناموس، بل بالأحرى
تكمله؛ إذ إن بر الناموس، أي ما يطلبه في وصاياه، يتم
تحديداً في السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح (رو 8:
4). وبينما يجعل الجسد الناموس عديم الفاعلية لأنه لا يريد
ولا يستطيع أن يخضع له (رو 8: 3، 7)، فإن روح المسيح
تحديداً هو الذي يعطي البشر الحياة (2كو 3: 6) وهو الذي
يعطي النور أيضاً ليختبر الإنسان ما هي مشيئة الله الصالحة
المرضية.
ومشيئة الله، عند المسيح ورسله، لم تزل تُعرف من العهد
القديم، على الرغم من حقيقة كون الناموس – بمعناه المبين
أعلاه – قد نُحِّي جانباً. فالمسيح ما جاء لينقض الناموس
والأنبياء، بل ليكمّل (مت 5: 17). وهو لا يلمّح إطلاقاً
بما يفيد إبطال الناموس إلا في معرض نبوءته عن سقوط
المدينة وخراب الهيكل وانهيار النظام المدني والعبادة
الجمهورية (مت 24؛ يو 4: 21 - 24)، لكنه نقّى الناموس
فعلاً من التعاليم البشرية التي أضافتها إليه المدارس
اليهودية (مت 5: 20 وما يلي). ففي تصوّره للناموس يعود من
الفريسيين إلى الأنبياء، ويخترق الظاهر إلى لبّ الناموس،
ويضع الجوهر في مكانة أسمى كثيراً من الصفات الخارجية (مر
7: 15)، مقدِّماً الرحمة على الذبيحة (مت 9: 13؛ 12: 7)
ويقرن الناموس بالأنبياء في التنبيه على المحبة لله
والقريب. فالوصايا الأدبية تظلّ محتفظة بقوتها.
وجميع الرسل يقفون موقفاً واحداً من الناموس والأنبياء.
فهم يعتبرون أن العهد القديم هو مرجع إلهي ذو سلطان. فهو
قد أُعطي من قبل الله (2تي 3: 15) وكتبه أناس قديسون ساقهم
الروح القدس (2بط 1: 21) وقد أُعطي لنا لتعليمنا وعزائنا.
ولذلك يُقتبس العهد القديم مراراً وتكراراً لإطلاع الكنيسة
المسيحية على مشيئة الله. فبولس، مثلاً، يستند إلى (تكوين
3: 16) في (1كورنثوس 14: 34) للتعليم عن خضوع المرأة
للرجل، وإلى (المزمور 112: 9) في (2كورنثوس 9: 9) للتحريض
على إعانة المحتاجين بسخاء؛ وإلى (إرميا 9: 23) في
(1كورنثوس 1: 31) للحضّ على الافتخار بالرب. وبعبارة أخرى،
إن الناموس الأدبي، فيما يتعلق بمضمونه، هو هو في العهد
القديم كما في العهد الجديد،ويشتمل عليه ناموس المحبة
الواحد. حقاً، إن المسيح يتكلم عن المحبة التي ينبغي أن
يمارسها أتباعه بعضهم نحو بعض باعتبارها وصية جديدة. لكنه
لا يعني بهذا أن الوصية بأن يحب المؤمنون بعضهم بعضاً كانت
غير معروفة قط من قبل، إذ إن في (لاويين 19: 18) تعليم
صريح عنه، كما أن (المزمور 133) يتحدث عن حلاوة سكنى
الإخوة معاً في شركة المحبة.
إلا أن هذه المحبة التي ينبغي أن تربط المؤمنين معاً
بالتبادل، أُضيفت عليها في العهد الجديد صفة خاصة جديدة.
فلأنه في أيام العهد القديم كانت الكنيسة والأمة
متطابقتين، لم يكن ممكناً إذ ذاك أن يتم التمييز بوضوح بين
محبة الإخوة ومحبة القريب. ولكن الحال تغيرت في العهد
الجديد: فقد فُصلت الكنيسة عن تاريخ بني إسرائيل القومي
وجُعلت جماعة مستقلة. وفي الروح القدس أُعطيت الكنيسة مبدأ
حياتها الخاص. فالآن بدأ التمييز بين محبة الأخ ومحبة
الجميع. إلى هذا الحدّ يمكن أن تُدعى المحبة الأخوية وصيةً
جديدة. فهي تربط المؤمنين معاً في اختلافهم عن العالم.
أمام في ما عدا ذلك فإن العهدين القديم والجديد ديانة
واحدة وقانوناً أخلاقياً واحداً. صحيح أن بعض التوضيح قد
طرأ، وكذلك أيضاً حصل تطوير وتطبيق مختلفان، ولكن لم تجرِ
أية إضافة خارجية أو أية عملية تضخيم آلية. فالمسيح لم يكن
مشترعاً آخر مثل موسى وأسمى منه، بل إن بحياته وموته أكمل
هو نفسه للناموس، وهو بروحه يكمّله في جميع الذين هم
تلاميذ له.
ومع أن المسيح ورسله يخصون دائماً الناموس الأدبي التابع
للعهد القديم بمحبة الله والقريب، فقد نمت تدريجياً في
التعليم الأخلاقي المسيحي عادة تفسير فضائل الإنسان
وواجباته في ضوء الوصايا العشر. وقد كانت هذه الطريقة على
نحوٍ خاص محبوبة لدى المُصلحين لأنهم رأوا أن إحدى
العلامات المميزة للأعمال الصالح في كونها تُجرى بحسب
مشيئة الله. وبعملهم هذا اتخذوا موقفاً مناقضاً للكنيسة
الكاثوليكية التي حسبت ضمن الأعمال الصالحة أيضاً أفعالاً
مؤسسة على الوصايا والفرائض البشرية (قارن التعليم المسيحي
لهيدلبرج – الجواب 91).
تميز كنيسة روما بين الوصايا والنصائح، وتعتقد أن هذه
النصائح قد زادها المسيح على شريعة موسى، بوصفه – له المجد
– مشترعاً جديداً وأسمى. والكنيسة المسيحية في أو لعهدها
لم تُقم مثل هذا التمييز، ولكن لما انقضت فترة اضطهاد
الكنيسة وانضم إليها أجناس مختلفة من الناس الذين انضموا
تحت لوائها طلباً فقط للمقام والاعتبار، هبط حينئذ المستوى
الخلقي. حتى فضّل كثيرون من ذوي المواقف الجادّة أن
يعتزلوا. وقد حاولت الرهبانية التي ظهرت على هذا النحو أن
تلتزم المثالية الأخلاقية، إلا أنها فعلت ذلك بطريقة لا
يستطيع المسيحيون العاديون أن يتقلدوها فيما هم يعيشون
حياتهم بين أسرهم وفي أشغالهم. وهكذا حدث بالتدريج فاصل
بين رجال الدين أو الإكليريكيين والعامة أو العلمانيين،
وعلى هذا النحو حصل فرق بين أخلاقية عليا وأخرى دنيا، وفرق
بين وصايا ونصائح. بعبارة أخرى، عُدَّت الوصايا، وهي
المتضمنة في الكلمات العشر، مُلزِمة لجميع المسيحيين، فيما
تُركت النصائح لاختيار الناس طوعاً. وسرعان ما برزت بين
هذه الإضافات الفضيلة المسماة "عفة أو حالة العزوبية"، على
أساس (متى 19: 11، 12) و (1كورنثوس 7: 7 وما يلي)؛
و"الفقر" أو التنازل عن جميع الممتلكات الأرضية استجابة
لما جاء في (متى 19: 21) و(1كورنثوس 9: 14)؛ و"الطاعة
المطلقة" للرؤساء الذين يخضع المسيحي لإرشاداتهم، استناداً
إلى (متى 16: 24) و (لوقا 14: 26، 27). ولكن في الرهبانيات
غالباً ما يعقب هذه النصائح أنواع شتى من التقشفات
والتدريبات، وجميعها بالتجاوب مع (متى 5: 29، 39، 42).
صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية بعملها هذا تريد أن تؤكد أن
مثال الكمال الخلقي هو بالذات لجميع المؤمنين وينبغي لهم
جميعاً أن ينشدوه بالطاعة للوصايا. غير أن من يزيد النصائح
على الوصايا ينهج سبيلاً أسرع وآمن إلى بلوغ تلك الغاية،
كما أنه يحرز أيضاً اعتباراً أعظم وثواباً أجزل. وبينما
يبقى المؤمن العادي الذي يتمم الناموس عبداً بطّالاً، لأنه
إنما عمل ما طُلب منه (لو 17: 10)، لابد أن يسمع المسيحي
الآخر الذي عمل بالنصائح أيضاً المديح القائل: نعمّا أيها
العبد الصالح والأمين، كنت أميناً في القليل فأقيمك على
الكثير (مت 25: 21).
ومن الطبيعي جداً ألا يوافق الإصلاح على هذا التمييز.
فاقتناعاً كلياً منه بعجز الطبيعة البشرية وقصورها، نادى
بأن المولود ثانية أيضاً لا يستطيع أن يحفظ الناموس
بكامله، وأن أفضل أعماله ما تزال ملزثة بالخطية، وأنه حتى
أقدس القديسين لا يستطيعون أن ينجزوا ما يعدو كونه بداءة
يسيرة من الطاعة الكاملة (التعليم المسيحي لهيدلبرج –
الجوابان 62، 114). بعبارة أخرى، إن المؤمن لن يمكنه البتة
أن يبلغ نقطة إتمام النصائح لمجرد أن ينبغي له أن يقوم
بأكثر مما يستطيع لإتمام الوصايا وحدها. وعلى أية حال،
يطلب الله في الناموس الأدبي أن نحبه بكل فكرنا وكل قوتنا
وأن نحب القريب كالنفس (مت 22: 37؛ لو 10: 27). فكيف يمكن
بعد أن يُضاف أي شيء إلى هذه الوصية؟ ما دام الله يطلبنا
بجملتنا، في كل زمان زمكان، لنكون في خدمته، فلا يتبقى أي
شيء يمثل خياراً يمكننا إما أن نتخذه وإما أن نرفضه
ويمكننا – وفقاً لحرية اختيارنا – أن نقدمه له أو أن نمسكه
عنه.
وبالتالي، فليس من أساسٍ للزعم بأن المسيح قد زاد أي شيء
كنوع من ناموس الحرية، على الوصايا المطلوبة في ناموس
موسى. فمع أنه قد تكون حالاتٌ فيها ينبغي أن يمتنع المرء
عن الزواجـ ويتنازل عن أملاكه، ويبرح محيطه المعتاد وشغله
المعهود، فلا خيار يُعرض عليه هنا فيقبله أو يرفضه. حتى إن
الشاب الغني لم يتلقَّ من المسيح خياراً إما أن يقبله أو
يرفضه، بل تلقى وصية بأن يبيع كل ما له ويوزع على الفقراء،
كمحك لاستقامة قلبه وصدق عزمه فقد كان من شأن نوع تجاوبه
يتضح هل هو مكرَّس كلياً للمسيح وملكوته أو لا. إذاً،
علينا أن نميز بين الناموس والواجب: فالناموس هو بذاته
للجميع، غير أن الواجب هو الطريقة الخاصة التي بها ينبغي
أن يُطبَّق الناموس العام من قبل كل فردٍ بمقتضى طبيعته
وظروفه.
وعلى ذلك رفض المُصلحون جميع الأعمال التي تعتمد على نيّات
الإنسان أو إرشادات الكنيسة، ورجعوا إلى مشيئة الله كمعيار
للعمل الصالح. وقد وجدوا هذه المشيئة معبّراً عنها، بإيجاز
وعلى نحوٍ جوهري، في الوصايا العشر. غير أن ناموس الوصايا
العشر لا يقوم وحده بصورة مستلقة وغير محددة، بل إنه
بالأحرى يوجد في وسط بيئة غنية. ومن حيث مادته التي
يحتويها، كان مكتوباً في الأصل على قلب الإنسان منذ خلقه
الله. وهو ما زال، بصورة جزئية، محفوظاً هنالك إذ يفعل
الناس بالطبيعة ما هو في الناموس، وبذلك يُظهرون عمل
الناموس مكتوباً في قلوبهم (رو 2: 14، 15). فإن لكل كائن
بشري وعياً بأنه في وجوده وسلوكه مُلزَم قوانين خلقية
معينة، وهو يشعر أنه عندما يتعداها يشتكي عليه ضميره.
وفيما يتعلق ببني إسرائيل، أُعيد ذلك الناموس إلى نقاوته
الأصلية عن طريق إعلان خاص، وجُعل في خدمة عهد النعمة الذي
كان الله – وفقاً لما جاء في استهلال الناموس بالذات – قد
أقامه مع الشعب، والذي تم التعبير عنه بجملة حقوق وفرائض
كان واجباً أن تتحكم في حياة الشعب بجميع نواحيها. ثم إن
هذا الناموس قد جرى تفسيره وتطويره وتطبيقه على مرّ تاريخ
الشعب من قبل كتبة المزامير والأمثال والأنبياء، حتى إ،ه
كان في وسع المسيح أن يقول إن مجمل الناموس وكتب الأنبياء
تتعلق بالوصيتين الداعيتين إلى محبة الله والقريب (مت 22:
40).
وعليه، فعندما يحقق المسيح إتمام مواعيد الخلاص التي في
العهد القديم، لا يبطل الناموس، بل يتمّ كل برّه. وهو،
بطاعته الكاملة يمهِّد السبيل – وفي الروح القدس يهب القو
– لكي يتسنى لتلاميذه بالفعل، من حيث المبدأ، أن يسلكوا
بمقتضى الوصايا. وبالحقيقة، لنا أن نقول إن غاية الإنجيل
بمجمله هو أن برّ الناموس يتم في الذين يسلكون ليس حسب
الجسد بل حسب الروح. فالحياة الروحية الحاصلة بالولادة
الجديدة توضع في الخدمة لإعادة الحياة الخلقية إلى نصابها
الصحيح. وما لوائح التحريضات المطولة التي ينهي بها الرسل
رسائلهم كقاعدة عامة، إلا تفسير وتطبيق لناموس الرب
المقدس، والمقصود بها أن تعين المؤمنين على أن يعيشوا، في
جميع علائقهم وأحوالهم، بمقتضى مشيئة الله وتمجيد اسمه.
وناموس الوصايا العشر لا يجوز فصله عن هذا السياق الغني.
بل إن هذه الكلمات العشر ينبغي بالحقيقة أن يُنظر إليها
وتُفسّر في ضوء إعلان الله بكامله سواء في الطبيعة أو في
الكلمة المقدسة.
فإذا ما فهمنا الوصايا العشر على هذا النحو، وجدناها خلاصة
موجزة للمفهوم المسيحي للأخلاق وقاعدة لا مثيل لها للسلوك.
كما أن هنالك أيضاً قوانين أخرى عديدة نحن مُلزمون بها فقد
أرسى الله أيضاً القوانين اللازمة لتفكيرنا، ولتقدير ما هو
جميل، ولحياتنا الاجتماعية، ولدراستنا للطبيعة واستعمالها.
لقد أرسى قوانين لخلائقه جميعاً، للسماء والأرض، للشمس
والقمر والنجوم، للنهار والليل، للصيف والشتاء، للزرع
والحصاد. غير أن الناموس الأدبي يتفوق على هذه الأحكام
جميعها، لأنه – على خلافها جميعاً – يتوجه إلى إرادة
الإنسان، أو بالحري إلى الإنسان نفسه باعتباره كائناً ذا
إرادة، وبالتالي إلى جوهر كيانه الداخلي ولبّ شخصيته. ويضع
الناموس الأدبي أمامنا المطلب القاضي بأن يُحفظ لا بالكلام
والأفعال فقط كذلك أيضاً في الأفكار والرغبات، فإن الناموس
روحي (رو 7: 14)، وعلينا أن نكوم كاملين كما أن أبانا الذي
في السماء كامل (مت 5: 48)، وفي الوصية العاشرة يبلغ
الناموس جذر الخطية إذ يتحدث عن الاشتهاء أ, الحسد، ويعتبر
ذلك أيضاً أمراً أثيماً وغير طاهر أمام الله.
ثم إن هذا الناموس يتحكم في جميع العلاقات التي يجد
الإنسان نفسه فيها، سواء نحو الله أو نحو أخيه الإنسان،
وسواء تجاه نفسه أو تجاه الطبيعة كلها. إنه يتحكم في علاقة
الإنسان بالكائنات البشرية نظيره، في مختلف طبقاتهم
ودرجاتهم، في حياتهم وأشغالهم وممتلكاتهم. ويتحكم أيضاً في
علاقة الإنسان برجاحة عقله وسلامة قلبه. وفي ذلك كله يتحكم
في علاقة الإنسان بالطبيعة كلها من حيث هي بيئته، وبوظيفته
ودعوته، وبعمله واستجمامه، وبكل ما في الطبيعة من مخلوقات
حية أو جامدة. وفي لبّ كيان الإنسان الداخلي، كما فيما
يخصّ هذه العلائق المتشعبة، يطلب الناموس الأدبي من
الإنسان أن يقوم بكل ما يفعله لمجد الله (1كو 10: 31؛ كو
3: 17).
وحالما ندرك الناموس، بمعناه الروحي العميق هذا، نروع
ونيأس من الوفاء بمطاليبه. وإ، كنا لا نعرف غير البرّ الذي
يطلبه الناموس منا، لا نكون في وضع يمكننا من تلبية
مطاليبه ولا تكون لنا حتى الرغبة في القيام بذلك. ولكنا
آنذاك نحاول دائماً أن نسلب الناموس مضمونه الروحي ونجعله
يقتصر على المظاهر كي يتناسب وحالتنا الساقطة، ولَكُنَّا
نخدع أنفسنا باعتقادنا أننا نستطيع الوفاء بمطاليبه
السامية عن طريق حياة المواطنية الصالحة. ذلك أن الإنسان
الطبيعي يخيفه سموّ الشأن الروحي في الناموس، أي الكمال
الذي يتصف به؛ فإن الإنسان في دخيلة نفسه يقاوم البرّ
والقداسة المطلقين اللذين يطلبهما الناموس. ولكن ما إن
ندرك معرفة البرّ والقداسة اللذين قدمهما الله في المسيح
اللذين يجعلهما ملكاً لنا بالإيمان، حتى يتغير بالكامل
موقفنا من الناموس وإدراكنا لمغزاه المهم. حقاً، قد نشكو –
مثل بولس – من أننا ما نزال مبيعين تحت الخطية جسدياً،
ولكنا رغم ذلك ندع الناموس قائماً في سموه الرفيع ولا نبذل
أي جهد لإطاحته من على قاعدته العالية. نظل نكرمه بوصفه
مقدساً وعادلاً وصالحاً لكونه ناموس الله، ونحبه بالتحديد
لأنه روحي بطبيعته، كما نُسرّ به بحسب الإنسان الباطن.
ونحن نشكر الله لا على الإنجيل وحده. بل على ناموسه أيضاً،
ناموسه المقدس والعادل والكامل. عندئذ يصير ذلك الناموس
أيضاً في نظرنا إعلاناً لنعمة الله وعطية من عطايا هذه
النعمة. كم أحببت شريعتك؛ اليوم كله هي لهجي!
ومع أن المؤمنون ينالون بالولادة الجديدة في الحال رغبة
ومحبة داخليتين، فيريدون بالتالي أن يعيشوا بحسب مشيئة
الله سالكين في كل عملٍ صالح، فإنهم لا يصيرون كاملين في
الحال، بل إنهم في الواقع لا يحرزون هذا الكمال في هذه
الحياة. وينبغي التمييز بين التقديس والتبرير. فالتبرير
قوامه إعفاء إلهي مُكمَّل في الحال. صحيح أنه يطبَّق على
الضمير مرة بعد مرة، غير أنه لا يتطور ولا يزداد. ولكن
حياة التقديس، شأنها شأن حياة المخلوق كلها، رهنٌ بقانون
التطور. فلها في التجديد نقطة الانطلاق، وهي بحاجة للغذاء
كي تتقوّى، ولن تبلغ ذروتها إلا عندما تُستعلن كلياً مع
المسيح.
وقد سبق أن قيل في العهد القديم عن المسيح إنه يرعى قطيعه
كراعٍ ويجمع بذراعه الحملان ويحملها في حضنه، ويقود
المُرضعات (إش 40: 11). بل نقرأ عنه في موضعٍ آخر، وعلى
نحوٍ أكثر وفاءً بالمرام، أن الرب قد مسحه ليبشّر
المساكين، ويعصب منكسري القلب، ويُعلن الحرية للمأسورين،
ويعزّي النائحين، ويعطيهم رداء تسبيح عوضاً عن الروح
اليائسة، وجمالاً عوضاً عن الرماد، لكي يُدعوا أشجار
البرّ، غرس الرب، للتمجيد (إش 61: 1 – 3؛ قارن حز 34: 16).
ومن هنا لم يتوجّه المسيح، خلال خدمته على الأرض، فقط إلى
الراشدين في الشعب، بل جاء إلى الأطفال أيضاً ونسب إليهم
ملكوت السماوات (مت 18: 1 – 6؛ 19: 13، 14). ولم يدعُ إلى
التوبة فقط أهالي كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم أورشليم، بل
أيضاً العشارين والخطاة، وقد دعا إليه جميع المتعبين
والرازحين تحت الأحمال الثقيلة لكي يريحهم. ودعا وارثي
الملكوت بأسماء شتىً، واصفاً إياهم بأنهم المساكين بالروح
والحزانى، والجياع والعطاش، والودعاء وصانعي السلام (مت 5:
3 - 9). وميّز بين من هم أصغر ومن هم أعظم، من هم أوّلون
ومن هم آخرون في الملكوت (مت 11: 11؛ 20: 16). وكما شكى من
ضآلة الإيمان وبلادة الفهم لدى تلاميذه. وابتهج عندما وجد
عند بعض الناس إيماناً عظيماً (مت 8: 10؛ 15: 28). وفي
مقابل هذه كلها أثبت أنه هو الراعي الصالح الذي يجمع خرافه
كلها في رعية واحدة، ويعطيهم الحياة كاملةً وفياضة،
ويحفظهم أجمعين ولا يسمح بهلاك أحد منهم (يو 10: 1 - 30).
وتُقام بين مؤمني الكنائس الرسولية تمايزات مماثلة. فقد
وضع مؤمنو العهد القديم تحت أوصياء ووكلاء، وبذلك لم
يتميزوا في شيء عن العبيد (غل 4: 1، 2). وبالمقارنة مع
هؤلاء، فإن مؤمني العهد الجديد هم أبناء وبنات أحرار،
مقبولون عند الله باعتبارهم أولاده وورثته، وثابتون في
الحرية التي حررهم المسيح بها (غل 4: 4 - 7). ورغم ذلك،
فإن أصنافاً شتى من الفوارق تميّز بعضهم عن بعض. صحيح أن
الإيمان المُعطى لأفراد الكنيسة هو واحد في الجميع، إلا
أنه مُعطى لكل واحد بحسب طبيعته وبمقدار معين (رو 12: 3)؛
والمواهب التي يوزعها الروح القدس في الكنيسة هي مواهب
مختلفة (رو 12: 6 – 8؛ 1كو 12: 4 - 11)؛ والمكان الذي
يحتله كل عضو في جسد المسيح يختلف عن أماكن سائر الأعضاء
كاختلاف أعضاء الجسد أحدها عن الآخر (رو 12: 4، 5؛ 1كو 12:
12 وما يلي). ولكن فضلاً عن هذا الاختلاف في الموهبة
والوظيفة، يوجد بين المؤمنين أيضاً اختلاف بين الأقوياء
والضعفاء، بين الأولاد الذي ما زالوا يحتاجون إلى اللبن
(1كو 3: 2؛ 5: 12) والكاملين الناضجين القادرين على هضم
الطعام القوي، أولئك الذين بسبب التمرن قد صارت لهم القدرة
على التمييز بين الخير والشر. ثم إن في المؤمنين فرقاً بين
الأحداث الذين غلبوا الشرير ولكن عليهم مع ذلك أن ينتبهوا
لئلا يخسروا هذا الانتصار، والآباء الذين أحرزوا خبرة
طويلة في الجهاد وأوتوا بصيرة أكثر نفاذاً في معرفة الذي
كان من البدء، أي المسيح (1يو 2: 12 - 14). إضافة إلى هذا،
قام في العصر الرسولي تمييز بين الكنائس والمؤمنين
الثابتين في الإيمان، الأغنياء بالمحبة، الصابرين على
الألم، والآخرين الذي سمحوا لأنفسهم بأن ينقادوا بأنواع
شتى من الضلال، واستسلموا لكل نوع من الخطايا. وإننا نجد
أوصافاً تفصيلية لهذه الأحوال المتفاوتة في رسائل الرس
عموماً وفي رسائل المسيح إلى الكنائس السبع في آسيا الصغرى
خصوصاً (رؤ 1 - 3).
من هذا كله نتعلم أن الإنسان، في حياته الروحية كما في
حياته الطبيعية، يولد مخلوقاً صغيراً وضعيفاً ومحتاجاً،
وإنه ينبغي أن ينمو تدريجياً في نعمة ربنا ومخلصنا يسوع
المسيح وفي معرفته (2بط 3: 18). وإذا كانت الحياة الروحية
تنمو على نحوٍ صحي وسوي، إذا تغذت بالغذاء الروحي وشربت
الشراب الروحي الذي هو المسيح (يو 6: 48 وما يلي؛ 1كو 10:
3، 4)، فلابد أن يحصل نموٌ ثابتٌ في النعمة وترسّخ فيها
وتجددٌ تدريجي حسب صورة المسيح. إلا أن صنوفاً شتى من
العوائق تعترض سبيل هذا النمو السوي. فليست حياة المسيحي
نمواً هادئاً، بل هي جهاد متواصل، جهاد ضد أعداٍ في الخارج
لا يقل عن الجهاد ضدّ العدو الساكن في داخلنا.
ولكي نفهم طبيعة هذا الجهاد حقّ الفهم، ينبغي لنا أن نلاحظ
أولاً أنه في الإنسان غير المتجدّد أيضاً غالباً ما يوجد
صراع ما. غير أن هذا الصراع ليس جهاداً روحياً. إنه صراع
عقلاني: صراع بين عقل الإنسان وضميره من جهة، وإرادته
وميله من جهة أخرى. فمن حيث العقل والضمير ما يزال الإنسان
مقيَّداً بالناموس الأخلاقي، بعالم الأشياء غير المنظورة
والأبدية. وما يزال يسمع في قرارة نفسه الأمر: عليك أن
تفعل، ولحظة ما يريد أن يفعل الشر، يتدخل حسن الرأي
بالمقاومة، فيحذره ويحاول أن ينهاه. وليس من مخلوق بشري
واحد يبلغ به الضلال بعداً نائياً أو غوراً سحيقاً بحيث لا
يعود يختبر في كيانه شيئاً من هذا التنازع الثنائي. ومن
الممكن أن يكون الإنسان ظافراً في هذا الصراع إذا توفرت
الظروف المواتية. فهو يقدر أن يقهر نوازعه ورغباته بعقله،
يقدر أن يكبحها ويُسكتها. وإذا فعل ذلك، صار كائناً بشرياً
فاضلاً وباسلاً وعاش حياة كريمة. غير أن هذه ليست الفضيلة
الصحيحة، ولا هو التقديس المسيحي بعد. ذلك لأن الصراع في
الإنسان الطبيعي هو دائماً صراع بين العقل والعاطفة،
الواجب والرغبة، وبين الضمير والشهوة. وليست الحرب مُعلَنة
على جميع الخطايا، بل فقط على بعضها، وفي الغالب فقط على
بعض الخطايا الظاهرة والشائنة اجتماعياً. فالجهاد لا
يُشهَر على الخطية بما هي خطية لأنها تجلب غضب الله، بل
على خطايا معينة يستهولها أهل العالم ويصحبها الخزي أو
الخسران. ثم أن الكائن البشري قد يكبح جماح الشر في ظرفٍ
مؤاتٍ ولا يُسلس القياد للميل الشرير، غير أنه لا يستطيع
أن يستأصل الشر ولا أن يُحدث داخل قلبه تغييراً داخلياً.
فإن للجهاد الروحي الذي ينبغي للمؤمنين أن يواصلوه داخل
أنفسهم طبيعةً مختلفة جداً. فهو ليس صراع بين العقل
والعاطفة، بل بين الجسد والروح، بين الإنسان العتيق
والإنسان الجديد، بين الخطية التي تبقى ساكنة في المؤمنين
وبذرة الحياة الروحية التي غُرست في قلوبهم. وهاتان
القوتان ليستا منفصلتين مكانياً، وكأن جزءاً من الإنسان
(العقل مثلاً) قد تجدد، وجزءاً آخر (القلب مثلاً) لم
يتجدد. بل إن هاتين القوتين، بالأحرى تنتشران في الإنسان
بكامله، ويمتدان إلى جميع قدراته وقواه، بحيث إن كلاً
منهما يمكن أن تدعى إنساناً – فواحدة هي الإنسان العتيق،
والأخرى هي الجديد.
على هذا النحو يعبّر بولس عادةً عن التباين، ولكنه في
(رومية 7) يستخدم تسميات أخرى. ففي ذلك الفصل يصوّر
الإنسان الروحي الجديد باعتباره الإرادة التي تحب الصلاح
وتريد أن تفعله، والإنسان الباطن الذي يُسرّ بناموس الله.
أما الإنسان العتيق فيدعوه الجسد، والخطية الساكنة في
الإنسان، والناموس الذي في أعضائه والذي يحارب ناموس ذهنه
ويسبيه إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائه. هذا الأمر
يشكّل اختلافاً في التعبير، ولكن المسألة هي نفسها. ففي ما
كتبه بولس غالباً ما يكون الجسد هو الاسم المستعمل للدلالة
على الطبيعة الشرير التي تظل في المؤمن والتي تبقى بكل
تأكيد مقيمة في كيان الإنسان الداخلي – في نفسه وقلبه
وروحه. فإن أعمال الجسد، رغم كل شيء، ليست فقط زنىً وعهارة
وما شابه، بل أيضاً عبادة أوثان وعداوة وخصام وغضب وما
شاكل ذلك (غل 5: 19، 20). وعندما يفكر الرسول في الإنسان
الباطن، لا يفكر فقط في شيء ما قابع داخل الكائن البشري في
الأعماق يبقى مخبأ هنالك ولا يبلغ بطريقة من الطرق حدّ
التعبير الظاهر، إذ إنه يفيد صراحةً أن المؤمنين يسلكون
حسب الروح ويقدمون أعضاءهم آلات برٍّ. ولكنه يدعو الإنسان
الجديد باسم الإنسان الباطن في هذا السياق، لأن هذا
الإنسان غالباً ما يبقى، في الصراع الرهيب ضد الجسد،
منطمراً في الأعماق وقلما يُظهر ذاته.
وقوام الصراع بين القوتين هو أن روح المسيح الساكن في كل
مؤمن يحاول أن يوقظ في ذهنه وقلبه وإرادته كل نوع من
الأفكار الصالحة والنيات الحسنة والميول والنزعات الخيرة
(كالمحبة والفرح والسلام وما إليها – غل 5: 22) وأن الجسد
على النقيض يرفع صوته في وجه ذلك ويحاول أن يدنّس الإنسان
كله بشهواته الرديئة ورغباته الشريرة (غل 5: 19، 20). وفي
هذا الجهاد يظهر الجسد مرة بعد مرة قوياً جداً بحيث أن
المؤمنين لا يفعلون – بالطريقة والمقدار الذين عزموا
عليهما – ما أرادوا أن يفعلوه (غل 5: 17). فعندما يريدون
أن يفعلوا الحسنة يجدون الشر حاضراً عندهم (رو 7: 21).
بالحقيقة أن الروح نشيط، وأما الجسد فضعيف (مت 26: 41).
وبعبارة أخرى، ليس الصراع قائماً بين العقل والإرادة، ولا
بين الواجب والرغبة، بل هو على خلاف ذلك تماماً بين
الإرادة والعمل، بين النزعة الداخلية والفعل الخاطئ الذي
يتدخل ويعترض سبيلها، بين إنسان القلب الباطن المخلوق من
جديد لله في البرّ الحق والقداسة الحقيقية. والإنسان
العتيق الذي وإن فقد مقام السيادة والقيادة ما يزال يريد
أن يحقق ذاته، والذي يزداد ضراوة في المحاربة بالنسبة إلى
مقدار إفلات الزمام من يده. وهذه ليست معركةً بين قدرتين
أو جزأين في الإنسان كما تكون الحال لو أن الرأس كان يشنها
على القلب، أو العقل على العاطفة، أو النفس على الجسد. غير
أن هاتين القوتين بالأحرى تقومان متحاربتين وهما مسلحتان،
الواحدة في مواجهة الأخرى، لكسب معركة السيطرة على شخص
الإنسان بجملته. ففي الإنسان الواحد بعينه تدور داخل عقله
الواحد بالذات معركة بين الإيمان وعدم الإيمان، بين الحق
والباطل؛ ويقوم في قلبه الواحد بالذات تنازع بين الميول
والرغبات الطاهرة وغير الطاهرة؛ وتجري في الإرادة الواحدة
في الذات مقاومة بين شهوة شريرة وأخرى صالحة ومصارعة بين
نزعة نجسة وأخرى مقدسة. فالجهاد هو بالحقيقة صراع بين
كائنين داخل المخلوق الواحد بعينه.
وبتعبيرات علم النفس، يمكننا شرح الأمر بالقول إنه في مجال
الإدراك قد تمركزت مجموعتان من الأفكار إحداهما في مواجهة
الأخرى، وفي مجال القلب والرغبات تتعارض مجموعتان من
الأهواء. صحيح أننا نتحدث عن إنسان عتيق وإنسان جديد في
المؤمن، وبذلك نعبّر عن حقيق واقعة مفادها أنه في الحياة
الجديدة قد حصل تغيير في الإنسان بكامله من حيث المبدأ وأن
قوة الخطية تظل رغم ذلك كامنة في جميع ملكاته وأعضائه.
ولكن حقيقة الأمر هي وجود مجموعتين من الاهتمامات والأفكار
والميول، وما شابه ذلك، تتحاربان فعلاً إحداهما مع الأخرى
دون أن تتمكن واحدة منهما من إحراز السيطرة الكاملة على
أية ملكة من ملكات الإنسان الفرد. ولو كان حق الله قد تولى
زمام السيطرة كلياً واستولى على إدراك المؤمن، لما بقي
بالطبع مكان للضلال والباطل؛ ولو كانت محبة الله قد ملأت
القلب كلياً، لما كان مكان للعداوة والحسد والغضب وما
شابه. على أن واقع الحال، كما يعلم كل امرئ بالاختبار، ليس
على هذا المنوال؛ ويشهد الكتاب المقدس أننا لا نستطيع أن
نأمل بلوغ مثل هذه الحالة من الكمال في هذه الحياة. فسوف
يستمر الجهاد إلى النهاية لأن الإيمان والرجاء والمحبة،
وسائر الفضائل المسيحية، لن تكتمل في هذه الحياة، ولذلك
يبقى في نفوسنا مكان لعدم الإيمان والشك واليأس والخوف،
وما إليها.

|