|

التقديس-3
وعليه ففي كل فكر وعمل للمؤمن، يكمن الخير والشر – كأنهما
ممتزجين أحدهما بالآخر. وبالطبع يتفاوت المقدار والدرجة
اللذين بهما يحضر أيهما في أي فكرٍ أو عمل، ولكن في جميع
أفعالنا وأفكارنا مع ذلك شيئاً من الإنسان العتيق وشيئاً
من الإنسان الجديد. وبالتالي فإن أفكارنا وأقوالنا
وأعمالنا جميعاً تلوثها الخطية، وهي كلها بحاجة إلى
المصالحة والتطهير. ورغم ذلك، فمن الجائز أن تُدعى أعمالاً
صالحة بمقدار ما تكون ممتزجة بالإيمان. لهذه الأسباب
جميعاً ينبغي أن نحترس من المبدأ القائل بنبذ كل ناموس،
لأن هذا المبدأ الضلالي يفصل الإنسان العتيق عن الجديد
ويجعلهما الواحد في مواجهة الآخر بتمييز مكاني شبيه إلى
حدٍّ ما بذاك الفاصل بين الروح والمادة، وبين النفس
والجسد.
ونتيجة هذا النوع من التفكير الخاطئ تأتي العقيدة الضارة
القائلة بأن الأفكار والأفعال الأثيمة ينبغي أن تقيَّد في
حساب الإنسان العتيق وليس لها أية علاقة بالإنسان الجديد.
والحال أن الكلمة المقدسة والاختبار كليهما يعلّمان أن
المؤمن ليس مزيجاً خارجياً لكائنين، بل إنه يبقى كائناً
واحداً له نفسٌ واحدة وإدراك واحد وقلب واحد وإرادة واحدة
وإن ما يتصارع داخل الشخص الواحد نفسه ليس كائنين منفصلين
بل بالأحرى مجموعتا رغبات وميول.
ومن شأن خطورة هذا الصراع أن يوحي للتوّ أنه لابد أن يمضي
وقتٌ طويل قبل أن يحرز الإنسان الجديد الغلبة. ومع ذلك
يعتقد كثيرون من المسيحيين أن المؤمنين يبلغون الكمال الآن
على هذه الأرض، وأنه بمقدورهم حالياً وفي هذه الدنيا أن
يقهروا كل عملٍ خاطئ وميل شرير. وقد علّم البيلاجيون بهذا
منذ عهد بعيد. كما أن روما وقفت موقفاً مماثلاً في مجمع
ترانت، وتجاريها في ذلك أكثر من جماعة من البروتستانت. فما
أكثر الذين ينزعون إلى الاستناد على حقيقة كون الكتاب
المقدس كثيراً ما يستخدم كلمات مجيدة للغاية في وصف وضع
المسيحي، كما جاء مثلاً في (1بطرس 2: 9، 10 و 2بطرس 1: 4 و
1يوحنا 2: 20). ويشيرون إلى أن بولس، بعد اهتدائه، موقن
تماماً بخلاصه، وهو لا يذكر ماضيه الأثيم إلا على سبيل
الذكرى، وأن التحريضات الموجهة إلى القديسين كي يكونوا بلا
لوم في سلوكهم هي تحريضات مطلقة (مت 5: 8)، وأن هذه
التحريضات تجعل إحراز الكمال أمراً ممكناً كحقيقة بديهية،
وأن نعمة الله التي يمكن أن تُنال بالصلاة قادرة على
الإفادة في كل مجال. ووفقاً لذلك، يجادل هؤلاء بأن في
اعتبار الكمال الخلقي عند المؤمن مستحيل البلوغ في هذه
الحياة إساءةً إلى غنى محبة الله، ناهيك بأن من يقول بغير
ذلك يحرم المؤمنين في الوقت عينه حافزاً قوياً قائماً في
بذل كل طاقتهم للسعي في إثر كمال كهذا.
والآن، ليس في الحقيقة أي شكٍّ بأن الكتاب المقدس يتحدث عن
مقام أولاد الله ووضعهم الشرعي بطريقة لافتة للنظر. فهو
يشير إلى شعب العهد القديم باعتباره مملكة كهنة اختارها
الله من بين شعوب الأرض كلها خاصةً له، وغرضاً لمحبته،
ونصيباً له ومفخرة، وابناً له وعبداً، وعروساً له زينها
وكملها بالمجد الذي أضفاه عليها. كذلك أيضاً يدعى المؤمنون
في العهد الجديد ملح الأرض (مت 5: 13)، ونور العالم (مت 5:
14)، وأولاد الله المولودين منه والمقبولين عنده (يو 1:
13؛ غل4: 5)، والمختارين والمدعوين والقديسين (1كو 1: 2)،
وجنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكياً (1بط 2: 9، 10)، وشركاء
في الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، وممسوحين بالروح القدس
(1يو2: 20)، وقد جعلهم المسيح نفسه ملوكاً وكهنة (رؤ 1:
5)، وورثة لله ووارثين مع المسيح (رو 8: 17). فإن ما لم
ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان، قد أعدّه
الله للذين يحبونه، أي أعدّه لخاصته الآن في أيام العهد
الجديد (1كو 2: 9). وكل من يرفض تعليم الكتاب المقدس فيما
يتعلق بالخطية والنعمة لا يمكنه إلا أن يرى في هذا كله
مغالاة فادحة. وعندئذ لا يكون ضرورياً ولا ممكناً حصول
تغيير جذري كالذي يحدث في التبرير والولادة الجديدة. غير
أن الكتاب المقدس يعتبر التغيير الذي يجري للإنسان في
الإيمان والتجديد انتقالاً من الظلمة إلى النور، من الموت
إلى الحياة، من العبودية إلى الحرية، من الباطل إلى الحق،
من الخطية إلى البرّ، من انتظار غضب الله إلى رجاء المجد.
والمؤمنون الذين يلوحون أمام أنظارنا في العهد القديم
والعهد الجديد، والذين يدركون هذا التحوّل الهائل، لا
يسعهم إلا أن يفتخروا بإله خلاصهم ويبتهجوا بشركته. ما
أبعدنا عنهم في موقفنا من فرح الإيمان هذا!
ثم إن الكلمة المقدسة تضع نصب أعين المؤمنين أسمى المثل
الخلقية. وثمة نزعة إلى معاملة هذه الحقيقة بقسوة وخشونة.
إذ يُقال إن الحياة الأخلاقية التي ينشدها العالم المسيحي
متغرضة وبالغة الروحانية، لكونها موجهة حصراً إلى الحياة
في السماء، ومعاكسة كلياً لنطاق الاهتمامات الأرضية،
ومعادية للحضارة والتقدّم، ما دامت شيئاً يرمي للمساكين
والمُضطهدين لقمة الحياة الأبدية فيما بعد ولكنه لا يبالي
البتة بتحسين حالهم هنا على الأرض، شيئاً ربما كان غنياً
بالفضائل الخاملة ومليئاً بالتوصيات المطالبة بالخضوع وطول
الأناة والصبر ولكنه فقير في الفضائل العامة التي قد تُفضي
إلى فتح العالم وإصلاحه. ومن هنا قام كثيرون يتطلعون، إلى
تعليم أخلاقي يرسي قواعد تكريس لخدمة الإنسانية باعتبارها
الواجب الأعلى، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة على هذه
الأرض.
على أن الاهتمام بالمصالح الأرضية لا يتضارب كثيراً مع
الخلقية المسيحية، بحيث يمكن بالحقيقة أن يُقال إنه مؤسَّس
وقائم على خلق الإنسان بحسب صورة الله. فقد كان الإنسان،
وما يزال بمعنى من المعاني، حاملاً لصورة الله، ولذلك هو
مدعوّ للتسلّط على سمك البحر، وطير السماء، والبهائم،
وجميع الدبابات التي تدبّ على الأرض (تك 1: 26 – 28؛ مز
8). وليس من كتابٍ مثل الكتاب المقدس ينصف الطبيعة كلها
أكثر إنصاف. فالوثنية تترجح دائماً بين إساءة استخدام
العالم باعتداد ومكابرة وبين خوف استعبادي وخرافي من قواها
الغامضة. غير أن موسى والأنبياء، والمسيح والرسل، يقفون
على أرض الحرية الكاملة في مواجهة العالم، لأنهم مرفَّعون
فوقه في الشركة مع الله. ومع أنه صحيح أن الكلمة المقدسة
توصينا بأن نطلب أولاً ملكوت الله، ومع أنه صحيح أيضاً أن
مسيحيي تلك الفترة المبكرة، وهم الفئة القليلة، كان عليهم
أن ينسحبوا من كثير من دوائر الحياة وأن يمتنعوا عن أشياء
كثيرة لأنه في عالم ذلك الزمان كانت الروح الوثنية تتخلل
كل شيء، فإن المسيحية – من حيث المبدأ – تضمنت في ذاتها
جميع العناصر التي لم تقتصر على إعطاء الحرية لإخضاع
العالم والتسلط على الأرض بل تعدّت ذلك أيضاً إلى جعل
هاتين المهمتين واجب الإنسان ودعوته.
وبعد، فليس علم الأخلاق المسيحي شيئاً آخر سوى ما تلخصه
الوصايا العشر بدقة وإيجاز، وما هو – فيما تبقّى – مكشوف
ومشروح في سائر أجزاء الكلمة المقدسة. ففي تلك الوصايا
تبرز محبة الله في المقدمة، ولكن محبة القريب هي الوصية
الثانية العظمى، شأنها شأن الأولى. هذه المحبة للقريب، إذا
فُهمت على نحو صحيح، لا بمعنىً خامل كما في البوذية، بل
بمعناها المسيحي العامل، تشتمل على واجب الكرازة والإصلاح
والتهذيب. فبالكرازة تُتاح لجميع الشعوب والأمم الإفادة من
مضمون المسيحية الديني والخلقي. وبالإصلاح يحدث التجدد
التدريجي للقلب والحياة، وللأسرة والمجتمع بحسب مطاليب
مشيئة الرب – ولاسيما لأن الإصلاح لا يقتصر على فترة واحدة
في كنيسة المسيح، ولا على لحظة واحدة في حياة المسيح، بل
ينبغي أن يكون الإصلاح عاملاً مستمراً وفعالاً. وبالتهذيب
يتم إخضاع الأرض لسيطرة الإنسان، وتسلط الروح على المادة،
والعقل على الطبيعة.
فإن ملكوت الله الذي يجب أن يُطلَب أولاً يأتي بجميع
الخيرات الأخرى في طريقه (مت 6: 33). والتقوى نافعة لكل
شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والآتية (1تي 4: 8). وليس
شيءٌ نجساً بذاته، لأن كل خليقة الله جيدة؛ ولا شيء يُرفض
إذا أُخذ مع الشكر، لأنه يُقدَّس بكلمة الله والصلاة (رو
14: 14؛ 1تي 4: 4). فالمسيحية، ولها أساس كل حضارة في خلق
الإنسان على صورة الله وإصلاحها بقيامة المسيح، تدعو
المؤمنين المعترفين بها إلى التفكير في كل ما هو حق وجليل
وعادل وطاهر ومُسرّ وحسن الصيت، وإن كان من فضيلة أخرى
ومدح ففي هذه أيضاً (في 4: 8).
فليس من تصرف خلقي أسمى ولا ديانة أرفع مما نبشر به في
ألإنجيل. قد يسعى المرء في إثر فلسفة أخرى، لكنه إن فعل
فسريعاً ما ينحرف في متاهات مهلكة. والزمان الذي نعيش فيه
يقدم لنا أسطع دليل على هذا الواقع. فقد لقيت أخلاقيات
الكتاب المقدس رفضاً، ولكن ما يحلّ محلها يتضارب وأبسط
مبادئ السلوك الأخلاقي القويم.
وأول شيء يحدث إذ ذاك هو استبعاد جميع الوصايا المتعلقة
بمحبة الله من ساحة التعليم الأخلاقي. وعندئذ لا يتبقّى
بعد أي اهتمام بمحبة الله، وباسمه وحقه وخدمته. فبالحقيقة،
كيف يتمكن الناس من محبة الله وهم في الواقع يشكّون أو
ينكرون أنه يمكن أن يُعرَف وأن يعلن ذاته، أو أن يكون
موجوداً أيضاً؟ ولكن الذين ينكرون لزوم وصايا اللوح الأول،
بعملهم هذا، يقوضون دعائم وصايا اللوح الثاني – فإن لم يكن
هناك إله يوجب على الإنسان أن يحب قريبه، فأي أساس يبقى
لمثل هذه المحبة؟ ومن ثم فإن أنصار التعليم الأخلاقي
المستقل عن الدين ينقسمون على نحوٍ مأساوي حول المسألة
التالية: أي مبدأ يكمن وراء محبة الإنسان لقريبه؟ وهكذا
يحاول بعضهم تأسيس هذه المحبة على المصلحة الشخصية، وبعضهم
على السعادة التي تجلبها، وآخرون على فضيلة العطف والشفقة،
وغيرهم على الضمير؛ ولكن الثابت في محاولاتهم أجمعين هو أن
الوازع الأخلاقي ينتفي عند استبعاد السلطان الإلهي الكامن
وراء الواجب الملزم للضمير.
ونتيجة لذلك يتورط أنصار مثل هذه الخلقية في صعوبات متعلقة
بكلٍّ من الوصايا المخصوصة التي تبرز فيها محبة القريب
وتُطلب بصورة محددة. ويُقال عموماً إن الناس، وإن اختلفوا
كثيراً في الدين، يظلون مع ذلك متقاربين بعضهم مع بعض في
مجال الأخلاق. ربما كان في ذلك بعض الحق، لأن الطبيعة أقوى
من النظرية – وهذا أمر معقول – ولأن عمل الناموس يقوم
مكتوباً في قلب كل إنسان. غير أن الواقع، فيما عدا ذلك
يعلّمنا أمراً مختلفاً جداً. فما من وصية واحدة في اللوح
الثاني من الناموس هي بمنجى من التحدي في أيامنا. إذ إن
سلطة الأب والأم وجميع القوامين علينا تلقى التحدي العلني
والرفض السافر. والقتل تُنظر إليه نظرة تفقد قوتها مع مرور
الزمن: ففي حال الانتحار غالباً ما يهوّن أمره، وفي حال
الإجهاض نادراً ما يلقى الشجب. ويُعتبر الزواج عقداً يتم
الارتباط به لفترة من الزمن تطول أو تقصر، كما أن للزنى من
يحامي عنه ويناصره. والملكية في تقدير كثيرين هي اسم آخر
للسرقة. والحق يُجعل في خدمة المصلحة، ويُعلَّق على التطور
النشوئي والارتقائي، ويميَّز من الباطل فقط في الزمان
والمكان أو في الدرجة والشكل. أما الاشتهاء فيحتفل
بانتصاره في روح عبادة المال الشائعة في عصرنا.
وفي مقابل هذه التزييفات الكثيرة للأخلاق السليمة، يرفع
الكتاب المقدس لواء المثال الخلقي على نحوٍ صريح وصافٍ لا
يشوبه شيء. فالكتاب لا يسيء البتة إلى قداسة الله وطهارة
شريعته، بل يضع هاتين بكل جلالهما أمام ضمائر البشر بوضوح
وجلاء. فإن ما قاله المسيح لتلاميذه "كونوا أنتم كاملين
كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" يكرره جميع الرسل
بكلمات أخرى في تحريضاتهم للمؤمنين. ذلك أن الخطية لا حق
لها بالوجود، على الأقل لدى الذين يسمون باسم المسيح. وما
من شيء يجوز أن يُنقِص من مطالب الناموس الأدبي، ولاسيما
عند الذين ماتوا مع المسيح وأُقيموا معه لحياة جديدة. فإن
كان الإنسان العتيق، في عناية الله، يموت يوماً فيوم في
المؤمن، بينما الإنسان الجديد ينمو ويتجدد باستمرار، ليبلغ
الكمال في الدهر الآتي، فإنما يشير ذلك كله إلى عظمة طول
أناة الله وإمهاله - هذين اللذين يبديهما تعالى لأن المسيح
يستر خطية الكنيسة ببرّه وقداسته ويضمن تكميل شعبه.
ومع أن الناموس الأدبي الذي يستمد منه المؤمنون قواعد
سلوكهم لا يمكن أن تفي به إلا المحبة الكاملة لله وللقريب،
فإنه من الواضح كذلك تماماً بحسب كلمة الله إن أي مؤمن لم
يبلغ الكمال قط، ولا يمكن أن يبلغه البتة، في هذه الحياة.
فإن قديسي الكتاب المقدس كانوا جميعهم أناساً غالباً ما
ضعفوا أو سقطوا، وبعضهم – كداود وبطرس مثلاً – ارتكبوا
خطايا شنيعة، إلا أنهم بعد ذلك اعترفوا بخطاياهم مُبدين
أسفهم الشديد وندمهم الكلي. وأياً اخترنا منهم لنصغي إلى
ما يقوله، لا نسمع أبداً التوكيد الذي يتفوه به أحياناً
بعض المسيحيين: لم أعد أفعل أية خطية، وليس لي خطية بعد!
بل على النقيض، فإن إبراهيم (تك 12: 12) وإسحق (تك 26: 5)
ويعقوب (تك 26: 35) وموسى (20: 7 – 12، مز 106: 33) وداود
(مز 51) وسليمان (1مل 8: 46) وإشعياء (إش 6: 5) ودانيال
(دا 9: 6)، هؤلاء كلهم – وغيرهم مثلهم – يعترفون بآثامهم
ويقرّون بخطاياهم وأخطائهم.
ويصدق القول نفسه على الرسول بولس. فقد صُلبَ مع المسيح
وسلك من ثم في جدّة الحياة. وهو يقوم أمام الله مبرراً
وموقناً بخلاصه إلى التمام. وبمنطق البشر، كسب مجداً لأجل
عمله الرسولي، وهو مدرك الأمانة التي بها أكمل رسالته.
لكنه فضلاً عن إرجاع ذلك كله إلى نعمة الله، يعترف بأنه لا
يسكن في جسده شيء صالح (رو 7: 18)، وأ، الجسد يشتهي ضد
الروح (غل 5: 17)، وأن الإرادة والعمل عنده في صراعٍ دائم
(رو 7: 7 - 25)، وأنه يسعى لإدراك الكمال ولكنه لم يدركه
بعد (في 3: 12).
ويشهد موسى والأنبياء شهادةً مماثلة عن الشعب القديم، كما
يشهد مثلها المسيح عن تلاميذه، والرسل عن الكنائس التي
اؤتمنوا على رعايتها. فالرب يسوع يدعو تلاميذه إلى الكمال
(مت 5: 48) ومع ذلك يعلّمهم أن يصلوا طالبين مغفرة ذنوبهم
(مت 6: 12). والمسيحيون في رومية قد أُقيموا مع المسيح
للسلوك في جدّة الحياة (رو 6: 3 وما يلي)، إلا أنهم رغم
ذلك يحرِّضون على تقديم أعضائهم لخدمة البر في سبيل
القداسة (رو 6: 19). ومع أن الكورنثيين اغتسلوا وتقدّسوا
وتبرّروا باسم الرب يسوع وبروح الله (1كو 6: 11) فقد كانوا
جسديين (1كو 3: 1 - 4). والغلاطيون قبلوا الروح القدس
بسماع بشارة الإيمان (غل 3: 2)، لكنهم مع ذلك سمحوا
لأنفسهم بأن يسقطوا في تجربة عدم الإذعان للحق (غل 3: 1).
والفيلبيون بدأ فيهم العمل الصالح لكنه لم يكن قد كُمِّل
(في 1: 6). فقد كان في كل ظروف وأخطاء ونقائص لا توافق
الحياة المسيحية. والرسل أنفسهم مقتنعون جميعاً بأن الخطية
ستظل ملتصقة بالمؤمنين ما داموا على قيد الحياة. ونحن
جميعاً نعثر في أشياء كثيرة (يع 3: 2). وإن قلنا إنه ليس
لنا خطية، نُضلُّ أنفسنا وليس الحق فينا (1يو 1: 8).
ولكن مع أن الكمال لا يمكن إحرازه في هذه الحياة، فإن
التحريضات والمناشدات تظل مع ذلك نافعة وجدّية. طبعاً، إن
القائلين بإمكانية بلوغ المؤمنين الكمال في هذه الحياة
يعترضون قائلين إن التحريضات التي لا يمكن تنفيذها – أو
على الأقل تنفيذها بالتمام – لابد أن تفقد قوتها وتوهن
طاقة المؤمنين عاجلاً أو آجلاً. غير أن هذه الحجة باطلة.
فلا ينشأ من حقيقة كون واجبٍ ما مطلوباً من الإنسان أنه
قادر على القيام به. فربما كان على أحدهم أن يدفع مبلغاً
من المال ومع ذلك لا يكون قادراً على دفعه: وفي هذه الحال
يظل رغم ذلك ملزماً أن يدفع. وبهذه الطريقة عينها لا ينفكّ
الناموس الأدبي يقدم مطاليبه، وإن كان البشر لا يقدرون على
الوفاء بها بسبب الخطية. وعلى نقيض هذا، يمكن الاحتجاج على
نحوٍ أكثر إنصافاً بأن الشخص الذي يعلِّم بإمكانية بلوغ
المؤمنين الكمال يتكشف دائماً عن تخفيض مستوى المثال
الخلقي وتهوين أمر الخطية.
ومن المؤكد أن كل من لا يقصر تفكيره في الخطية على الأفعال
الأثيمة الظاهرة بل يقرن بها الأفكار الأثيمة والميول
الفاسدة فبالكاد يعتقد جاداً أن المؤمنين يستطيعون التحرر
كلياً من الخطية في هذه الحياة. فلا يستطيع المرء أن يقول
بإمكانية بلوغ القديسين الكمال إلا إذا استهان بخطورة كون
طبيعة الإنسان شريرة، واعتبر أن أفكاره الأثيمة وميوله
الفاسدة ليست خطيّة، وأجحف بحق القداسة الكلية التي يتّسم
بها الناموس الإلهي. وفي صيغة ممارسة العشاء الربّاني لدى
الكنائس المُصلحة يُقال إننا واثقون من أن أي خطية أو ضعف
يبقى فينا ضد إرادتنا لا يمكن أن يؤخرنا عن قبول الله لنا
بنعمته. وقد ثار جدل كثير حول المسألة: هل يمكن أو لا يمكن
أن يسقط المولود ثانيةً بعدُ في تلك الخطايا التي لا تصدر
عن الضعف البشري بل هي تعمّدية بطبيعتها، وينبغي بالتالي
أن تُسمى خطايا من هذا النوع في الأشخاص المولودين ثانيةً
بالحق ليس هو الضمير فقط، بل الحياة الجديد أيضاً مع الفكر
والإرادة، بدرجات تزيد أو تنقص. أما الأمر الثاني فهو أنه
حتى خطايا الضعف التي نرتكبها رغم إرادتنا هي خطايا حقاً،
وهي مناقضة لقداسة الناموس الإلهي.
أضف أن التحريضات على السيرة المقدسة، وهي أبعد كثيراً من
أن تكون عديمة المنفعة والفائدة، إنما هي بالتحديد الوسيلة
التي يُطبِّق عليها المسيح البرّ والقداسة الموهوبين فيه
للمؤمنين والتي بها يجعلهما عاملين فينا. فالمسيح في
الصلاة التي رفعها بوصفه رئيس الكهنة يطلب إلى الآب أن
يقدِّس المؤمنين به في الحق، أي بواسطة كلمته التي هي الحق
(يو 17: 17؛ قارن 15: 3). والكلمة التي أعطانا إياها الله
هي بالحقيقة الأكيدة الوسيلة الرئيسية لتقديسنا: فما
أعظمها من بركة فائقة الحصر، بالنسبة إلى تغذية الحياة
المسيحية وتعزيزها، تلك البركة الحاصلة لا من جراء
الاستماع إلى الوعظ العلني وحده بل أيضاً من جراء قراءة
الكلمة ودراستها والتأمل فيها في عزلة دائرة الأسرة! إلى
هذه الكلمة باعتبارها واسطة التقديس تُضاف الصلاة باسم
يسوع (يو 14: 13 و 14؛ 16: 23 و 24)، وهي تخوّل لنا القدوم
إلى حضرة الجلالة الإلهية وتملأنا ثقةٍ، بما أنه ليس في
السماء ولا على الأرض من يحبنا أكثر من الرب يسوع. ويُضاف
أيضاً إلى هاتين الواسطتين ترنيم المزامير والتسابيح
والأغاني الروحية (أف 5: 19؛ كو 3: 16)، لأن لذلك تأثيراً
عميقاً في موقف القلب واستعداد الإرادة. ثم هنالك أخيراً
الأسهار والأصوام، وهي ممارسات طالما لقيت غير إنصاف
إهمالاً كلياً بالفعل. هذه الوسائط الفعالة في التقديس
تبرهن كلها أن الله لا يحتقر استخدام الوسائط في هذا
المجال أيضاً.
إن الله، بطبيعة الحال، هو القدير على كل شيء، وكان يستطيع
– لو أراد – أن يقدّس على نحوٍ كامل جميع أولاده عند لحظة
الولادة الثانية. ولكن يبدو واضحاً أن هذه ليست مشيئته –
وهو في الخليقة الجديدة لا يتنكّر لكونه الخالق. فحياة كل
مخلوق إنما تبدأ بالولادة ثم تنمو ولا تصل إلى البلوغ إلا
بالنمو التدريجي. ولما كانت الحياة الروحية حياةً فعلية،
فإنها توجد وتتطوّر على هذا النحو عينه. فإن الله لا
يحقننا ببرّ المسيح وقداسته بصورة آلية، ولا يسكبهما فينا
كما يسكب المرء الماء في إناء، بل يجري ذلك فينا بطريقة
عضوية. وهكذا، فإن جانباً واحداً للحقيقة، لا يتعارض مع
الجوانب الأخرى، عندما يتعرض الكتاب المقدس لهذا الموضوع،
مُظهراً أن من واجب المؤمنين أن يصيروا ما هم عليه. فإن
ملكوت الله هبة من عنده تعالى (لو 12: 32)، لكنه مع ذلك
شيء عظيم القيمة ينبغي أن نجد في طلبه (مت 6: 33).
والمؤمنون هم أغصان الكرمة، وعليه فلا يستطيعون أن يفعلوا
شيئاً بمعزل عن المسيح، ومع ذلك توصيهم كلمته بأن يثبتوا
فيه وفي كلامه وفي محبته (يو 15). وهم مختارون في المسيح
قبل تأسيس العالم، ومع ذلك عليهم أن يجعلوا دعوتهم
واختيارهم ثابتَين (أف 1: 4؛ 2بط 1: 10). إنهم مقدَّسون
بذبيحة المسيح الواحدة، ولكن عليهم رغم ذلك أن يتبعوا
القداسة التي بغيرها لن يرى أحدٌ الرب (عب 10: 10؛ 12:
14). وهم كاملون، لكنهم مع ذلك يحتاجون إلى تكميل وتثبيت
دائمين (كو 2: 10؛ 1بط 5: 10). ولقد لبسوا الإنسان الجديد،
وعليهم أيضاً أن يلبسوه دائماً (أف 4: 24؛ كو 3: 10). وهم
قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات، وعليهم رغم ذلك أن
يُميتوا أعضاءهم التي على الأرض (غل 5: 24؛ كو 3: 5).
والله هو العامل فيهم أن يريدوا وأن يعملوا ما يوافق
مسرّته الصالحة، وعليهم مع ذلك أن يتمّموا خلاصهم عملياً
بخوف ورعدة (في 2: 12، 13).
هذه المعطيات لا تتضارب فيما بينها. فالواحد هو في الواقع
أساس الآخر وضمانه. ولأن التقديس، شأنه شأن الخلاص كلّه،
هو عمل الله، فنحن نناشد ونُلزَم أن نسلك في طاعة جديدة،
ونحن مؤهَّلون لذلك أيضاً. وهو تعالى يُغدق علينا نعمته
الجزيلة لا لكي نصير قديسين حالاً أو فجأة ثمّ نستريح في
رحاب هذه القداسة بصورة دائمة، بل لكي نحاضر في الجهاد
ونحن ثابتون. إنه يسمع صلواتنا، لكنه يستجيبها وفقاً
للقانون والنظام اللذين جعلهما للحياة الروحية. ومن هنا
نجدنا دائماً مستبشرين، لأن الذي ابتدأ فينا عملاً صالحاً
هو يكمِّل إلى يوم يسوع المسيح. فالمؤمنون قادرون على أن
يصيروا قدّيسين، لأنّهم في المسيح هم قدّيسون.
أم نتجاسر كثيراً حين نقول هذا؟ وهل يحق للمؤمنين فعلاً أن
يعترفوا ليس فقط بأنهم أعضاء أحياء في كنيسة المسيح بل
أيضاً بأنهم سيظلون هكذا إلى الأبد؟ كثيرون يعترضون على
هذا. وكقاعدة عامة، فإن أنصار إمكانية بلوغ القديسين
الكمال في هذه الحياة هم في الوقت عينه أنصار لإمكانية
ارتداد المؤمنين وكلاهم. وفي الواقع أن هذين الموقفين
متقاربان في علاقتهما الواحد بالآخر. فكلتا الثمرتين حصيلة
أصلٍ واحد، وفي أساس كلتا الفكرتين يمكن الاعتقاد بأن
التقديس هو من عمل الإنسان وأنه ينبغي أن يتحقق بإرادته.
وخلاصة أفكارهم أن المؤمن، بعون النعمة، إذا ما استخدم
إرادته حسناً واستنفد كل طاقاته، يستطيع أن يبلغ الكمال
الكلّي ولو في هذه الحياة. وعلى نقيض هذا، يرون أيضاً أنه
إذا تراخى وتهاون ولم يبذل طاقته يتأخر ويتقهقر ويبدأ
يُخطئ، وإذ ذاك يُخرج نفسه من حالة النعمة ويعود إلى سابق
سيرته. بل إنه، في نظرهم، قد يصير من جديد فاجراً وهالكاً
إلى الأبد. ثم إنّ هاتين الفكرتين يغذّيهما أيضاً خوفٌ
واحد بعينه، تماماً كما أن كلتيهما تصدران عن الضلالة
الواحدة بعينها، وهي تلك القائلة بأنّ التقدّيس شأنٌ متعلق
بإرادة الإنسان وعمله. وذريعتهم أنّ التعليم بثبات
القديسين وحفظهم إلى الأبد يجعل الحياة الأخلاقية تعاني
الضرر، وجهد المؤمن واجتهاده يفتقران إلى الحافز، وأنّ من
شأن الافتراض القائل "من هلك إلى الأبد" أن يشجِّع على
حياة الفجور.
على أننا إذا كنّا – في توكيد العقيدة المختصّة بثبات
القديسين وحفظهم – نلتمس كامل قوتنا في إرادة الإنسان
وقدرته، فلابد أن ينهار من تحت أقدامنا كل أساس ويصير
لزاماً علينا أن نشكّ في ثبات كل مؤمن وحفظه. وذلك لأن
لجميع القديسين بداءاتٍ يسيرةً من الطاعة الكاملة لا غير:
فإنهم جميعاً، بحسب شهادة ضمير كلٍّ منهم، ما زالوا
نزّاعين إلى كلّ شر، وهم يسقطون يومياً في زلاّت كثيرة،
وفي كل حين يُخطئون فيُحرَمون النعمة الموهوبة لهم. فلو
كانت القضيّة كلها متعلقة بهم شخصياً، لما كان مؤمن واحد
يثبت إلى النهاية. وليس في وسع رافضي الاعتراف بثبات
القدّيسين وحفظهم أن يتخلّصوا من هذه الاستدلالات
والاستنتاجات الحتميّة إلا بإقامة فارق بين نوعٍ من
الخطايا وآخر. وما دام جميع المؤمنين يُذنبون بتعدّيات
شتّى للناموس الإلهي، كان ينبغي لهؤلاء المناقضين فعلاً أن
يعلِّموا بأن ضعف القديسين ليس أمراً ممكناً وحسب بل إنه
بالفعل حال جميع المؤمنين. وعلى نقيض هذا، عندما يعتقدون –
رُغم كل شيء – أن كثيرين من المؤمنين، أو حتى معظمهم،
يحتفظون بهذه النعمة ويثبتون فيها، لا يسعهم أن يعتقدوا
ذلك إلا بالتفريق بين خطايا مميتة وأخرى قابلة للصفح
وبالقول إن فقدان النعمة يكون من جرّاء النوع الأول لا
الثاني.
غير أن في القيام بذلك إتياناً بتفريق مريب للغاية إلى
التعليم المختصّ بالخطيّة، لأن مختلف الخطايا لا تقوم
جنباً إلى جنب في استقلال غير مترابط بل إنها تنبع جميعاً
من مصدر واحد نجس، وبالتالي فإنها كلها تؤدي إلى الموت،
وجميعها تُغفر بالنعمة التي في المسيح يسوع – ما عدا
التجديف على الروح القدس. وفضلاً عن هذا، من ذا الذي
يستطيع أن يحدّد لنفسه، أو أي كاهن يستطيع أن يحدد لأي
إنسان آخر، هل الخطية المُرتكَبة في حالٍ معينة هي خطية
مميتة أو عرضية كما يقولون، وهل حُرِم مرتكبها النعمة أم
ما زال مقيماً فيها؟ فإن التعدّيات التي غالباً ما يعدّها
البشر يسيرة وصغيرة قد تكون عظيمة في نظر الله فاحص القلوب
ومُختبر الكُلى. ثمّ إن الخطايا التي يعدّها العالم العديم
الرحمة حارمةً للنعمة قد يكون حكمها مختلفاً جداً لدى الله
العليم بجميع الظروف والأحوال. ولا يُعقل أن تكون النتيجة
إذ ذاك شيئاً غير بقاء المؤمن في خوفٍ دائم من أن يكون قد
ارتكب ما يسمّى خطيئة مميتة فحُرِم النعمة بالتالي، أو أن
يستريح على أمانٍ زائف بناءً على حكم كاهنه.
ونحن نضع حداً نهائياً لجميع هذه الشكوك والريب في الحال
عندما نفكّر في ثبات القديسين وحفظهم لا كإنجاز تحققه
الإرادة البشرية بل كعملٍ من أعمال الله يُجريه تعالى من
البداية إلى النهاية. وبكلمة أُخرى، إننا نضع حدّاً
نهائياً لجميع الشكوك والمخاوف إذا اعتبرنا أن ثبات
القديسين وحفظهم هما حفظٌ إلهي قبل أن يصيرا مثابرةً
بشرية. وكلمة الله لا تتركنا في شكٍّ من جهة هذا كله، بل
تقدِّم لنا جمهرة من البيّنات والتوكيدات في عمل الآب
والابن والروح القدس فيما يتعلق بعهد النعمة وجميع خيراته.
فإن الآب اختار المؤمنين في المسيح قبل تأسيس العالم (أف
1: 4) وعيّنهم للحياة الأبدية (أع 13: 48) وحتم أن يكونوا
مشابهين صورة ابنه (رو 8: 29). وهذا الاختيار غير قابل
للنقض (رو 9: 11؛ عب 6: 17) وهو يأتي معه في الزمان
بالدعوة والتبرير والتمجيد (رو 3: 39). والمسيح الذي تلقى
جميع وعود الله فيه النَّعم والآمين (2كو 1: 20) مات لأجل
الذين أعطاه الآب إياهم (يو 17: 6، 12) لكي يعطيهم الحياة
الأبدية ولا يهلك أحد منهم (يو 6: 39؛ 10: 28). والروح
القدس الذي يجدّد هؤلاء يمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16)
ويختمهم ليوم الفداء (أف 4: 30). فإن عهد النعمة وطيد
ومثبّت بقسم (عب 6: 16 – 18؛ 13: 20) وغير ممكن أن يُنقَض،
شأنه شأن الزواج الصحيح (أف 5: 31، 32) والوصية المُلزِمة
(عب 9: 17). وبفضل ذلك العهد، يدعو الله مختاريه ويكتب
شريعته في قلوبهم ويضع فيها خوفه أيضاً (عب 8: 10؛ 10: 14
وما يلي). وهو لا يدعهم يجرّبون فوق طاقتهم على الاحتمال
(1كو 10: 13) ويوطِّد ويكمِّل العمل الصالح الذي ابتدأه
فيهم (1كو 1: 9؛ في 1: 6)، ويحفظهم حتى المستقبل السعيد مع
المسيح ليجعلهم شركاء في الميراث السماوي (1تس 5: 23؛ 1بط
1: 4، 5). وبفضل شفاعة المسيح عند الآب يبقى له المجد
عاملاً لأجل مصلحتهم لكي لا يفنى إيمانهم (لو 22: 32)
ويُحفظوا من الشرير في العالم (يو 17: 11، 20) ويخلصوا إلى
التمام (عب 7: 25) وينالوا غفران الخطايا (1يو 2: 1)
ويكونوا جميعاً معه ذات يومٍ ويروا مجده (يو 17: 24).
وأخيراً، فإن بركات المسيح التي يشركهم فيها الروح القدس
هي جميعاً بلا ندامة (رو 11: 29) ومترابطة على نحوٍ لا
تنفصم عراه: فالمدعوُّ مُبرَّر وممجَّد (رو 8: 30)،
والمقبول ولداً من أولاد الله وارثٌ للحياة الأبدية (رو 8:
17؛ غل 4: 7)، والمؤمن له حياةٌ أبدية في الحال (يو 3:
16). وتلك الحياة، إذ هي أبدية، لا يمكن أن تُفقَد: إنها
حياةٌ لا يمكن أن تخطئ (1يو 3: 9) ولا يمكن أن تفنى (يو
11: 25، 26).
ولكن كما هي الحال في التقديس، يطبَّق ثبات القديسين ويتمّ
في المؤمنين بطريقة تجعلهم هم أيضاً يثبتون في النعمة
الموهوبة لهم من لدن الله. ذلك أن الله لا يلجأ إلى القوة
والإكراه، بل يتعامل مع الإنسان بطريقة معقولة. فبالولادة
الثانية يغرس في الإنسان إمكانيات جديدة ويُغيِّر الإرادة
العاصية بحيث لا تعود عاصية بعد. وبتلك الطريقة الروحية
عينها يظل عاملاً في المؤمنين بعد تجديدهم أول مرة. ويجب
ألا يفهم خطأ أنه يجعلهم خاملين، بل بالأحرى يحفزهم
ويجعلهم يسلكون في الأعمال الصالحة المعدّة لهم. وفي عمله
هذا، يستخدم الكلمة وسيلةً له.
فإن الله لا ينفكّ يحثُّ المؤمنين على الصمود إلى النهاية،
والثبات في المسيح وفي كلامه ومحبته، وعلى الصحو والسهر،
وعلى حفظ الإيمان والبقاء على الأمانة حتى الموت. وهو
يحذّرهم من تعالي القلب، وينبّه المرتدّين إلى عقابهم
الشديد، إلا أنه يُنيط أيضاً بالتقديس والثبات مواعيد
سخيّة بالمكافأة. وفي الحقيقة أن لنا في داود وبطرس مثلين
على الانحراف الشديد، كما أن لنا في أشخاص مثل هيمنايس
وألكسندر (1تي 1: 19، 20؛ 2تي 2: 17، 18) وسواهم (عب 6: 4
– 8؛ 2بط 2: 1) أمثلةً على الضلال والارتداد الكلّي جاءت
على سبيل التحذير.
ولكن جميع هذه التحذيرات والتحريضات لا تبرهن على أن
المقدّس حقاً يمكن أن يسقط لغير قيام. ففي الأمثلة
المذكورة أخيراً أعلاه يصدق قول يوحنا إنهم خرجوا من
الكنيسة ولكنهم لم يكونوا منها قطّ في قلوبهم (1يو 2: 19).
كما نرى في داود وبطرس بكل وضوح أن الله لم يتخلَّ عنهما
في سقوطهما، بل على العكس حفظهما وردّهما إلى الاعتراف
بالذنب والتوبة. هذان مثلان أُعطيا لنا للتحريض، بل
للتعزية أيضاً، حتى إذا كنا نحن أيضاً من جرّاء الضعف نسقط
في خطيّة ما لا يدعونا داعٍ إلى الشك في نعمة الله إلى
البقاء في الخطيّة، بل نتقوى إذ نذكر أن لنا مع الله عهد
نعمةٍ أبدياً. وفي طريق هذا العهد يجعلنا الله نسلك بواسطة
كلمته وروحه. وكلّ تعليم بإمكانية سقوط القديسين لهلاكهم
يُسيء إلى أمانة الله، ويجعل الخلاص والحفظ وقفاً على
الجهد البشري وبالتالي عرضةً للتغيير والشكّ، كما يُسيء
أيضاً إلى وحدة الحياة الروحية ونموّها نحو الكمال. فإنسان
كهذا ينبغي أن يعتقد أيضاً أن هذه الحياة يمكن أن تُنقض
فعلاً مرةً بعد مرة ثم تبدأ من جديد. ولكن من يؤمن بثبات
القديسين وحفظهم الأبدي ينطلق من نعمة الله ويستريح في
رحابها، ويفتخر بأمانة الله، ويؤكد في الوقت عينه تماسك
الحياة الروحية الأبدية. فإن هذه الحياة لا يمكن تدميرها،
بالرغم من سكنى الإنسان العتيق فيه يجري، تغييراً وتذبذباً
من كلّ نوع؛ إذ إن الزرع الذي غرسه الله يبقى ثابتاً في
المؤمن (1يو 3: 9).
على أن يقينية الثبات والحفظ بعيدةٌ جداً عن أن تولد في
المؤمنين روحَ التكبّر أو أن تشعرهم أنهم في مأمن ولو
انغمسوا في شهوات الجسد، بل إنها، على النقيض، المصدر
الحقيقي للتواضع والمهابة البنوية، والتقوى الحقيقية،
والصبر على كلّ تجربة، والصلوات الحارّة، والثبات وسط
الألم، والاعتراف الحقّ، والابتهاج الدائم بالله. حتى إن
التفكير بهذه البركة ينبغي أن يكون بمثابة حافز على
الممارسة الجدّية والدائمة للإقرار بالفضل والقيام
بالأعمال الصالحة، على حدّ ما يظهر من شهادات الكلمة
المقدسة وقدوة القديسين (قوانين دورت، ج5، ص 12).
وإذا كنا نبتغي إنتاج هذا الثمر الثمين، ينبغي لنا أن نؤمن
بثبات القديسين كما يريد لنا الله أن نؤمن به. وبعد، فهل
السبب الكامن وراء إعلان الله لهذا الحق في كلمته هو أن
نقبله كعقيدة ونرفع لواءه في وجه الآخرين قائلين: هذا هو
التعليم الصحيح والحقّ الصريح؟ طبعاً، شاء الله هذا وقصده
أيضاً في إعلانه، لأن للحقّ في حدّ ذاته قيمةً عظيمة جداً.
ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد، ولا السبب الرئيسي. فإننا
إذا اعتقدنا ثبات القديسين بإيمانٍ حقّ، نكون معترفين
أيضاً بأن الله ما يزال يعمل مع أولاده بهذه الطريقة. فليس
حِفظ القديسين أو ثباتهم حقيقة تاريخية، إذ إنه ليس أمراً
حصل في الماضي في زمانٍ ما ومكانٍ ما. وليس هو حقيقة علمية
كحاصل جمعٍ لبعض الأرقام أو نتيجة الأرقام أو نتيجة ضرب
بعضها ببعض. بل إن هذا الأمر هو بالأحرى حقٌّ أزلي، حقٌّ
يلتزمه الله من عصر إلى عصر ومن جيل إلى آخر، وهو حقيقة
نعيش فيها ونعيشها، حقيقةٌ يوجد الله ويبقيها ثابتة في
حياة أولاده جميعاً.

|