الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية   بين العقل والإيمان الجزء 4

الفصل الخامس
كنيسة المسيح

كل الخيرات الوفيرة التي يهبها المسيح لتابعيه على الأرض تبلغ اكتمال أوجها في التمجيد الذي يكون من نصيبهم جزئياً عند موتهم ويكتمل فقط بعد يوم الحساب. لكن بركة التمجيد هذه لا يمكننا أن نبحث فيها الآن، لأنه علينا أولاً أن نولي بعض الانتباه للطريقة التي بها – أو السبيل الذي بواسطته – أتى المسيح بخيرات: الدعوة والولادة الثانية، الإيمان، والتوبة التبرير والتبنّي كأطفال، التجديد والتقديس إلى حيز الوجود في المؤمنين به على الأرض ويعولهم ويعززهم وقد سبق أن أشرنا إلى أن المسيح يهب جميع هذه الخيرات بواسطة كلمته وروحه، إنما ينبغي لنا بعدُ أن نتبين أنه أيضاً يمنح هذه الخيرات فقط من خلال الشركة التي تربط جميع المؤمنين بعضهم ببعض. فهو لا يوزّعها على أفراد متفرقين ولا على جماعة صغيرة من الأشخاص، بل يوزعها على جمهورٍ عظيم، على مجمل الخليقة الجديدة التي اختيرت فيه من قِبَل الآب قبل تأسيس العالم (أف 1: 4).

فالمؤمن إذاً لا يقوم وحده بمعزل عن الآخرين أبداً ولا يكون منفصلاً عن سواه البتة. وفي العالم الطبيعي يولد كلّ مخلوق بشري في شركة مع أبويه، ولذلك، بدون أي جهد من جانبه، عضواً في عائلة ما وشعبٍ من الشعوب وفرداً من أفراد الجنس البشري كله. هكذا هي الحال في الدائرة الروحية. فالمؤمن يُولد من فوق، من الله، لكنه لا ينال الحياة الجديدة إلا في شركة عهد النعمة الذي فيه المسيح الرأس والمضمون في نفس الوقت. وإذا كان الله بفضل الولادة الجديدة هو أب للمؤمن، فلنا أن نعتبر الكنيسة أُمّاً لنا بمعنىً من المعاني الحميدة. حتى إن عالم الوثنية أيضاً لا يصير فيه مؤمنٌ أو تجمّع مؤمنين إلا بطريقة التبشير الذي تتولّى أمره كنيسة المسيح. وعليه، فإن المؤمن، بغير إرادته وبغير عمله الخاص، ومنذ اللحظة الأولى التي فيها يُولَد من جديد، يُضَمّ إلى كيانٍ عظيم ويُدخَل في شركة غنية، إذ يصير عضواً في أمة جديدة ومواطناً في مملكة روحية ملكها مُمجَّد بكثرة رعاياه (أم 14: 28).

هذه الشركة عضد قوي لكل مؤمن بمفرده. علينا أن نكون أقوياء بحيث لا نشك ولا نخاف ولو كنّا وحدنا تماماً، ولو كان هنالك شياطين بعدد الآجر على السقف – على حدّ تعبير لوثر. فإنه إن كان الله معنا، فمن علينا، إن كان الرب معنا فماذا يصنع بنا الإنسان؟ ولكننا على العموم لسنا أكفاء لمثل هذا الاستقلال والعزلة والوحدة. صحيح أن ثمّة حالات خاصة يُدعى فيها المرء لإطاعة صوت الرب حيث يقطع كل علاقة له ببيئته كلها ويخالف أهل جيله كلياً؛ وحيث يون ذلك ضرورياً يمنح الله الإنسان نعمةً خاصة وقوةً فائقة، كما وهب مثلاً إبراهيم وموسى وإيليا وأمثالهم. ولكن العزلة، حتى في تلك الحال، تكون شديدة الوطأة. فإيليا اشتكى أنه بقي وحده من المؤمنين (1مل 18: 22؛ 19: 10)، وبولس كان حزين القلب في أواخر حياته إذ رأى أن الجميع قد تركوه (2تي 4: 10). ذلك أن الكائن البشري مخلوق اجتماعي يألف العشرة ويأنف من الوحدة.

والاختيار الإلهي شاملٌ لجمهور عظيم جداً من جميع الأجيال واللغات والشعوب والأمم. حقاً إنه أيضاً شخصي وفرديّ، وغرضه خلائق من البشر معيّنون ومعروفون لدى الله بأسمائهم، وكلنه يختار هؤلاء على نحوٍ ما ويجمعهم على نحوٍ ما بحيث يشكلون معاً هيكل الله، جسد المسيح وعروسه. فهدف الاختيار هو تكوين كيانٍ عضوي، بالفداء والتجديد والتمجيد على بشرية مولودة ثانيةً تخبر فضائل الله وتحمل اسمه على جبينها. وعندما يتمّم الله هذا الاختيار في الزمان، يفعل ذلك فقط عن طريق عهد النعمة؛ وهو لا يشمل أحداً في ذلك العهد البتة بالاستقلال عن الآخرين جميعاً، بل يدعو في الوقت عينه من خلال ذلك الشخص أسرته وجيله. هكذا فعل مع آدم ونوح وإبراهيم، وهكذا ما زال يفعل مع كل من ينقله من خدمة هذا العالم إلى شركته تعالى. فهو يثبت عهد مع مثل هذا ومع نسله ويمكِّنه من جيل إلى جيل.

بالإضافة إلى هذا العمل العضوي من جانب الله، يوجد في قلب كلّ مؤمن نزوع اجتماعي، وتوقٌ إلى الشركة، يتجاوبان مع هذا العمل العضوي من جانب الله. من جهة ليس في العالم، قوةٌ أعظم من هذه تفصل بين الناس بعضهم عن بعض على نحوٍ عظيم بهذا المقدار، ومن جهة أخرى، ليس في العالم أيضاً قوة أعظم من هذه تجمعهم معاً وتوحّدهم على نحوٍ عظيم بهذا المقدار. فخارج نطاق المسيحية، على كل حال، تكاد الشركة الدينية تطابق في كل حين وحدة القبيلة أو الشعب. بعبارة أخرى، لا يكون الدين، على ما يظهر، قوياً إلى حدٍّ كافٍ بحيث يقف على قدميه بغير سندٍ قبليّ أو قومي. من هنا لا توجد في العالم الوثني كنيسةٌ بالمعنى الصحيح للكلمة. أما في العالم المسيحي فالحال مختلفة جداً.

صحيح أن المجمع والأمة عند بني إسرائيل كانا، بصورة عامة، متوافقين في الزمان والمكان. ولكن الوحدة القومية قامت منذ البداية على الوحدة الدينية، وليس العكس. وفي ولادة إسحق العجيبة بيّنة على هذا؛ إذ أن عهد النعمة يكوّن شعباً خاصاً له كان إبراهيم حاملاً ورائداً. ففي هذا الشخص من الآباء جعل الله، بوصفه القدير على كل شيء، الطبيعة في خدمة النعمة. من هنا يظهر في العهد القديم من أن إله العهد وشعب إسرائيل وأرض كنعان كانت تربط بينها جميعاً علاقة متبادلة قوية جداً. فالفضل في قومية الشعب ووحدته يعود لحقيقة كون الله قد اختاره؛ وكنعان هي أرض الرب (لا 25: 23؛ 1صم 26: 19) وقد أُعطيت ميراثاً لإبراهيم ونسله بمحض النعمة. وقد عبّرت راعوث عن هذه الحقيقة عندما قالت لمّا رجعت إلى أرض يهوذا مع حمالتها: "حيثما ذهبت أذهب، وحيثما بتِّ أبيت؛ شعبك شعبي وإلهك إلهي". ولهذا السبب أيضاً لمّا زاد ارتداد الشعب حتى سيقوا أخيراً إلى السبي والشتات، بقيت رغم ذلك بقية ظلت أمينة لله ولخدمته، فكانت في وسط جمهور الشعب كله هي إسرائيل الحقيقي، نسل إبراهيم الحقّ. وإذ انفصل هؤلاء القديسون عن غير الأتقياء، انجذبوا بالتبادل بعضهم إلى بعض وتقوّوا بشركتهم بعضهم مع بعض.

هذا الانفصال استمرّ واكتمل في العهد الجديد. فبعدما هيّأ يوحنا المعمدان الطريق بمناداته بالتوبة وغفرة الخطايا، باشر الرب يسوع خدمته موجّهاً إياها في بادئ الأمر إلى الشعب كله. فقد علَّم في الجليل واليهودية، في المدن والقرى، وجال في أنحاء البلد يصنع خيراً ويشفي جميع الذين تسلَّط عليهم إبليس (أع 10: 38). ولكنه سرعان ما تبيّن أن الشعب تحت قيادة الكتبة والفريسيين لم يريدوا أن يسمعوا شيئاً عن مسيانيّته وملكوته الروحي؛ وكلما تقدَّم في خدمته ازداد الشعب عداءً له، حتى أسلموه إلى الصلب أخيراً. وكلما اقتربت هذه النهاية كثر كلام الرب بالتالي عن مدن كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم (مت 11: 20 وما يلي) وعن الكتبة والفريسيين (مت 23: 13 وما يلي) وأورشليم وبنيها (مت 23: 37) وشعب إسرائيل (مت 24) ناطقاً له المجد بدينونته الرهيبة على هذه كلها. ولمّا رفضت الأمة مسيحها، كان ينبغي أن يحلّ محلّها آخرون.

وفي أول الأمر لم يعترف سوى جماعة التلاميذ الصغيرة بيسوع رباً لها، ولكن هذا الاعتراف ربطهم بعضهم ببعض في وحدةٍ جعلتهم، بعد ترك المسيح لهم أيضاً، يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والدعاء (أع 1: 14). وفي يوم الخمسين أُلبسوا قوة من الأعالي غذ نالوا الروح القدس فكان لهم في ذلك مبدأ حياة مستقلّ أعتقهم من كل رباط قومي وجعلهم ينتظمون في شركة خاصة في هذا العالم، مستقلة تماماً عن أي شعبٍ وأي بلد. فإن انسكاب الروح القدس أعطى كنيسة المسيح كيانها المستقلّ.

وقد أُطلق من ذ البداية على جماعة المؤمنين المعترفين بيسوع رباً لهم اسم الجماعة أو الكنيسة. وكان في العهد القديم قبل ذلك كلمتان تُطلقان على تجمّعات الشعب، ولكن لم يكن بينهما فارق في الاستعمال أول الأمر. إنما يبدون أن اليهود المتأخرين قد ميّزوا بين الكلمتين بحيث أُطلقت الأولى على "الكنيسة" في حالتها الفعلية، فيما أُطلقت الثانية على الكنيسة في مقامها المثالي، أي باعتبارها جماعةً مؤلفة من أُناس دعاهم الله إلى خلاصه. وقد تُرجمت الكلمة الأولى إلى اليونانية باللفظة "سيناجوج" (أي: مجمع أو محفل) والثانية باللفظة "إكليزيا" (أي: كنيسة أو جماعة). والتمييز الذي كان حاصلاً عند اليهود بين هاتين الكلمتين ساهم في الواقع في تفضيل المسيحيين للكلمة الثانية. وعلى أية حال، فإن الكنيسة المسيحية هي تلك الجماعة من المؤمنين التي حلّت محل إسرائيل القديم وحققت فكرة محبة الله القائمة بالاختيار.

ولمّ انفصل المسيحيون عن اليهود ومضى كلّ في طريقه إلى غير رجعة، درج شيئاً فشيئاً إطلاق كلمة "المجمع" على اجتماع اليهود، وكلمة "الكنيسة" (جماعة المؤمنين) على المسيحيين؛ وما زال هذا الاستعمال سارياً حتى اليوم. ولم يكن مثل هذا التمييز محدداً لمعنى اللفظتين في الاستعمال الأصلي. ففي يعقوب 2: 2 (وعب 10: 25) تستعمل الكلمة اليونانية المترجمة مجمعاً أو اجتماعاً للدلالة على اجتماع الكنيسة المسيحية، وفي (أعمال الرسل 7: 38) (وعب 2: 12)تستعمل الكلمة المترجمة كنيسة للدلالة على جماعة الشعب القديم. بل إن الكلمة الأخيرة تستعمل في (أعمال الرسل 19: 32، 39، 41) للدلالة على اجتماع شعبٍ حاشد ("محفل" هنا هي ترجمة "إيكليزيا"). ولكن انفصال المسيحيين عن اليهود عزّز التمييز في المعنى بين اللفظتين.

وقد ظلّ تلاميذ المسيح، بعد يوم الخمسين أيضاً، يجتمعون غالباً في الهيكل أو في المباني الملحقة، حفاظاً منهم على ساعات الصلاة المقدسة في السلوك الأخلاقي عند اليهود، ورغبةً في الكرازة بالإنجيل للشعب في نفس الوقت. وكرازة الرسل هذه، في يوم الخمسين وبعده حتى أمد غير قصير، كانت مباركة بركةً عظمى. فقد انضمّ إلى الكنيسة آلاف المخلَّصين. ولكن بعد ذلك ثارت موجة اضطهاد بلغت ذروتها في رجم استفانوس، الشهيد الأول (أع 6: 8 – 7: 60)، وتشتّت التلاميذ من أورشليم إلى جميع أنحاء اليهودية والسامرة بل وصلوا بعيداً إلى فينيقية وقبرص وإنطاكية (أع 8: 1؛ 11: 19). ومن جرّاء كرازة التلاميذ هناك في عدد من الأماكن قَبِل كثير من اليهود الإيمان، وتأسست كنائس عديدة؛ وهذه الكنائس نعمت بالسلام مدة من الزمن وتكاثر عددها جداً. وغنيّ عن البيان أن هؤلاء اليهود الذين صاروا مسيحيين ظلوا مدة طويلة يحتضنون الرجاء بأن يرجع الشعب كله إلى الرب (أع 3: 17 - 26). إلا أن هذا الرجاء أخذ يذوي ويتلاشى، وبالتدريج أخذ مركز الجاذبية ينتقل من الكنيسة اليهودية الأصل إلى الكنيسة الأممية الأصل.

وفي الفترة التي قضاها المسيح على الأرض وُجِد بعض الدخلاء من اليونانيين، ومنهم أولئك الذين صعدوا ليسجدوا في العيد وعبّروا عن رغبتهم في رؤية المسيح (يو 12: 20 وما يلي). وكان أيضاً بين أفراد الكنيسة في أورشليم بعض اليونانيين (أع 6: 1)، يُحتمل أنهم شابهوا إستفانوس في النظر إلى علاقة المسيحيين بالهيكل والشريعة بنظرة أكثر تحرراً (أع 6: 13، 14). وإذ تشتّت التلاميذ من أورشليم كرزوا بالإنجيل أيضاً للسامريين (أع 8: 5 وما يلي) وللوزير الحبشي (أع 8: 26 وما يلي)، ولقائد المئة الروماني كرنيليوس (أع 10) ولليونانيين في إنطاكية (أع 11: 20).

وقد كانت هذه الوقائع كلها إعداداً للعمل التبشيري العظيم الذي اضطلع به بولس ومعه برنابا امتثالاً لأمر الروح القدس وبعد وضع الأيدي عليهما من قبل الكنيسة (أع 13: 2 وما يلي). وفي هذا العمل التبشيري عمل بولس بقاعدة ثابتة في التوجه بالدعوة إلى اليهود أولاً. ولكن لمّا ازدرى هؤلاء كعادتهم، بكرازته، تحوَّل نحو الأمم. وقد سبّب له تعثر إخوته حسب الجسد بصليب المسيح وسعيهم إلى إثبات برّهم الذاتي حزناً عظيماً ووجعاً لا ينقطع (رو 9: 2). ولم يكفّ قطّ عن محاولة إثارة غيرتهم لعل بعضاً منهم يخلصون (رو 11: 14). وكان هنالك بقية بحسب اختيار النعمة، وبولس نفسه دليل حيّ على ذلك (رو 11: 1 - 5).

ولكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم (رو 11: 25). فإن أغصان الشجرة الطبيعية قد قُطِعَت بسبب عدم الإيمان، وفي مكانها طُعِّمَت أغصان الشجرة البرية (رو 11: 17 - 24). ويوجد اختلاف بين إسرائيل حسب الجسد وإسرائيل حسب الروح كنيسة المسيح هي الآن نسل إبراهيم الحقيقي، وهي شعب إسرائيل الله. ورافضو لمسيح من بين اليهود ليسوا هم اليهود الحقيقيين؛ إنهم ليسوا من الختان بل من القطع (في 3: 2)، وهم متمردون يتكلمون بالباطل ومخادعون يضطهدون المؤمنين (1تس 2: 14 – 16؛ تي 1: 10، 11). والذين يضايقون الكنيسة في سميرنا يقولون إنهم يهود، لكنهم ليسوا يهوداً، بل هم مجمع الشيطان (رؤ 2: 9؛ 3: 9). وهكذا سار اليهود والمسيحيون كلٌّ في طريقه منفصلاً عن الآخر. ومع أن المعترفين الأوائل بيسوع كانوا في أول الأمر يُعتَبَرون طائفة من طوائف اليهود (أع 24: 5، 14؛ 28: 22) فقد أُطلق عليهم اسمهم في إنطاكية، أولاً "مسيحيين" (أع 11: 26). وهكذا بدأ الفصل بين اجتماع اليهود واجتماع المسيحيين، الأمر الذي أدّى من الناحية اللغوية إلى إطلاق الاسم "مجمع" على جماعة اليهود، و"الكنيسة" على جماعة المسيحيين.

وقد استخدم المسيح كلمة "الكنيسة" أول مرة بالإشارة إلى جمهور المعترفين به (مت 16: 18؛ 18: 17). وليس في هذا الأمر ما يدعو إلى الغرابة لو تذكرنا أن الكلمة العبرية التي استخدمها المسيح وردت مراراً وتكراراً في العهد القديم وكانت معروفة ومألوفة. أما الجديد في الأمر فهو أن المسيح أطلقها على دائرة تلاميذه، وبذلك أعلن كنيسته ستحلّ محل "كنيسة" الشعب القديم. أضف أن المسيح لم يستعمل اللفظة للإشارة إلى اجتماع للمؤمنين في مكانٍ ما، بل يشمل بدائرتها جميع الذين يؤمنون به عبر الأزمنة بواسطة كلام الرسل. إنه يستعملها على أشمل نطاقٍ ممكن. وفيما بعد فقط أضفي على الكلمة معنىً أكثر تحديداً، وذلك بحسب نموّ الكنيسة.

وفي (أع 2: 47؛ 5: 11؛ 8: 1؛ 11: 22) يُطلق اسم "الكنيسة" على اجتماعات المؤمنين المحلّية في أورشليم. آنذاك لم يكن في أورشليم فعلاً إلا كنيسةً واحدة. ويُحتمل جداً أن بعض التلاميذ وُجدوا في أماكن متفرقة، في اليهودية والسامرة والجليل، وعندما نشب الاضطهاد في أورشليم وتشتّت التلاميذ لاحقاً شكّل هؤلاء نقطة تواصل لعمل التبشير الجاري بين اليهود. ولكن اجتماعاً للمؤمنين، أو كنيسة، لم يوجد في البداية إلا في أورشليم وحدها. على أنه لمّا حصلت مثل هذه الاجتماعات أيضاً في أماكن أخرى بواسطة كرازة الرسل بالكلمة، أُطلقت الكلمة "كنيسة" على هذه الجماعات المحلّية أيضاً. فلم تكن الكنيسة في أورشليم منظَّمة كوّنت لها فروعاً في أماكن أخرى، بل بالأحرى نشأت مع هذه الكنيسة تجمّعات أخرى للمؤمنين دُعيت "كنائس" أيضاً.

وهكذا، مثلاً، نجد ذكراً للكنيسة في إنطاكية (أع 11: 26؛ 13: 1)، ولكنائس في لسترة ودربة والبلدان المجاورة (أع 14: 23). ويستعمل بولس باستمرار اسم "الكنيسة" بالإشارة إلى جماعات المؤمنين في روما وكورنثوس وأفسس وفيلبي كولوسي، وأماكن أخرى، كما أنه أيضاً، ووفقاً لهذه القاعدة، يتحدّث بصيغة الجمع عن كنائس غلاطية (غل 1: 2) وكنائس اليهودية (غل 1: 22). وليس هذا كلّ ما في الأمر. بل إن المؤمنين الساكنين في منطقة معيّنة سرعان ما أخذوا يجتمعون بانتظام، يومياً في بعض الأحيان (أع 2: 46)، ولكن كلّ يوم أحد فيما بعد. إنما لم تكن لديهم مبانٍ خاصة بالكنائس – وربما كانت الكلمة "مجمع" في يعقوب 2: 2 هي أول إشارة في العهد الجديد إلى مكان مخصص للاجتماع معاً – ولذا دعت الضرورة لأن يجتمع المؤمنون في بيت أخٍ أو أخت مناسب لهذا الغرض.

ففي أورشليم اجتمع المسيحيين أولاً في الهيكل فترةً من الزمن، ولكن فضلاً عن هذا كانت لهم أيضاً اجتماعات خاصة (أع 1: 14؛ 2: 42) في بيوت بعض الإخوة (أع 2: 46؛ 5: 42). وهكذا جرى أن بيت مريم أم يوحنا مرقس أولاً (أع 12: 2) وبيت يعقوب فيما بعد (أع 21: 8) صارا مركزاً للحياة الكنسية في أورشليم. فلأن الكنيسة كانت كبيرة، توزّعت في جماعات، وكانت تجتمع في بيت واحد في أوقات مختلفة، أو في بيوت مختلفة في وقت واحد. هذه الممارسة حصلت في أمكنة أخرى أيضاً: في تسالونيكي (أع 17: 11) وترواس (أع 20: 8) وأفسس (أع 20: 20) وكورنثوس (1كو 16: 19) وكولوسي (فل 2) ولاودكية (4: 15) وروما (رو 16: 5؛ 14، 15). ومن اللافت للنظر أن كلاً من هذه الكنائس (البيوت أو البيوت الكنائس) أُطلق عليها الاسم "كنيسة". لم تكن واحدة من هذه الكنائس تابعة للأخرى، بل كانت كلّ منها مستقلة عن الأخرى ولها الحقوق الواحدة بعينها.

ومع ذلك كانت الكنائس كلها كياناً واحداً. فقد تكلّم المسيح عن جميع تلاميذه معاً باعتبارهم كنيسته (مت 16: 18؛ 18: 17)، ويتحدث الرسل – ولاسيما بولس – بالطريقة عينها عن مجموع المؤمنين. فالكنيسة، منظوراً إليها بمجملها، هي جسد المسيح، والمسيح هو رأسها. والكنيسة هي عروس الخروف مزيَّنة لعريسها، وهي أيضاً بيت الله وهيكله الذي بناه الرسل على أساس المسيح (1كو 3: 10 - 16)، أو باستعمال صورة أخرى للتشبيه عينه هي البيت المبنيّ على أساس الرسل والأنبياء حيث المسيح نفسه هو حجر الزاوية والمؤمنون هم الحجارة الحية. والكنيسة جنسٌ مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، وهي مدعوة للإخبار بفضائل الذي دعاها من الظلمة إلى نوره العجيب (1بط 2: 9).

وبالنظر إلى الفضائل المجيدة التي ينسبها الرسل إلى الكنيسة، شاء بعض المراقبين أن يقيموا فاصلاً بين الكنيسة الحاضرة والكنيسة المثالية. ولكن مثل هذا الفصل الغربي غريب على العهد الجديد. فعندما يتحدّث الرسل عن الكنيسة على هذا النحو المجيد، ولاسيما في (يوحنا 14 - 17)، وذلك نسجاً على المنوال الذي وضعه المسيح، لا يكون في فكرهم شيء مجرد موجود في المطلق أو نظرياً وحسب، ولا عن مثالٍ ينبغي أن نسعى إليه ويُحتمل ألا نبلغه البتة. بل إنهم بالأحرى يفكرون في الكنيسة القائمة كلها، في الجسد الواحد تعبيرات محددة عنه. صحيح أن هذه التعبيرات ما تزال كلها تشكو النقص إلى حدّ بعيد – ويشهد بذلك الرسل في جميع رسائلهم – ولكنها مع ذلك إعلانات لحقيقة كامنة وراءها، وصورٌ لتحقيق مشورة الله السارية من جيل إلى جيل.

في هذه المشورة، أو المرسوم، يرى الله أمامه كنيسة المسيح كلها في كمالها، يراها في المسيح الذي اشتراها بدمه كامنةً كالثمرة في البذرة. وفي الروح القدس الذي يأخذ كل شيء من المسيح تكمن جذور وجود الكنيسة وضمانة اكتمالها. فالكنيسة إذاً ليست فكرة، ولا مثالاً، بل هي حقيقة واقعية صارت شيئاً ما وستصير شيئاً ما لأنها الآن في الوجود. وفي واقع الحال فإن الكنيسة تشهد تغيّراً ثابتاً كلّ حين؛ فهي كيان منذ بداية العالم ولسوف تظل كذلك حتى نهاية العالم. فكل يومٍ يرحل عنها قومٌ جاهدوا الجهاد الحسن وأكملوا السعي وكسبوا إكليل البرّ، وهؤلاء تتألف منهم الكنيسة الظافرة – كنيسة الأبكار وأرواح الأبرار المكمَّلين (عب 12: 23). وكل يوم يضمّ أعضاء جدد إلى الكنيسة المجاهدة على الأرض، إذ هم يولدون في الكنيسة عينها من بين أبنائها أو يُدخَلون إليها عن طريق العمل التبشيري.

وقسما الكنيسة هذان ينتميان إلى كيانٍ واحد بعينه. فهما طليعة جيش المسيح وساقته. وأولئك الذين سبقونا يشكلون الآن حولنا سحابة عظيمة من الشهود، فخلال حياتهم اعترفوا بالإيمان الاعتراف الحسن وبذا يدفعونا على الأمانة والصبر. ولا يمكن أن يكملوا من دوننا، كما لا يمكن أن نكمل نحن من دونهم (عب 11: 40). فالقديسون أجمعون وحدهم يمكن أن يدكوا كلياً محبة المسيح الفائقة ويمتلئوا بكل ملء الله (أف 3: 18، 19). وعليه، فإن التاريخ باقٍ إلى أن نصل جميعاً إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).

وكون الرسل، يعزون خصائص عظيمة كهذه إلى الكنيسة ككلّ، لا يقصدون بذلك فكرةً ولا مثالاً، بل حقيقة واقعة، أصبحت واضحة المعالم كونهم يتكلمون بالطريقة نفسها عن كل كنيسة محلية، بل أيضاً عن كل مؤمن بمفرده. فالكنيسة المحلية في كورنثوس مثلاً، رغم نقائصها وأخطائها الكثيرة، تُدعى هيكل الله، ومسكن الروح القدس، وجسد المسيح (1كو 3: 16؛ 12: 27). وهكذا أيضاً نقرأ عن كل مؤمن أن جسده هيكل للروح القدس وأنه مِلكٌ لله جسداً وروحاً (1كو 6: 19، 20). فالمؤمنون جميعاً، أي الكنيسة بمجملها، وكل كنيسة محلية، وكل مؤمن بمفرده، يتشاركون جميعاً في البركات عينها، ولهم نصيب في المسيح عينه، ويمتلكون الروح عينه، وبذلك الروح ينقادون للآب الواحد بعينه. ثمة فرق في مقدار النعمة التي يمنحها المسيح لكل واحد من مؤمنيه (رو 12: 6؛ أف 4: 7) – فرقٌ في الموهبة والخدمة والعمل والممارسة (1كو 12: 4 - 6). غير أن هذا الفرق ليس عائقاً لوحدة المؤمنين، بل بالأحرى يعززها ويقويها.

وإذا كانت الكنيسة بالفعل كياناً عضوياً واحداً، أي جسداً حياً، فذلك يعني ضمناً أنها تشتمل على أعضاء كثيرين ومتنوعين، يتلقى كل واحد منهم اسمه مكانه ووظيفته ودعوته داخل الجسد. وإن كانوا كلهم عضواً واحداً فأين الجسد؟ (1كو 12: 19). فكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة، وجميع الأعضاء هي أعضاء في الجسد الواحد، كذلك أيضاً حال الكنيسة (1كو 12: 12). وعليه، فكلّ عضوٍ في الجسد، أي الكنيسة، يتلقى من المسيح نفسه، بتلك الموهبة التي أخذها كلّ واحد، عليه أن يخدم الكنيسة، لا نفسه، بتلك الموهبة. وبحسب طبيعة الموهبة التي أخذها كلّ واحد، عليه أن يخدم إخوته، كوكيلٍ صالح على نِعَم الله المتنوعة (1بط 4: 10). وهو لم يعطَ موهبته لأجل نفسه بل لنفع الآخرين بها (1كو 12: 7)، لبنيان الكنيسة (1كو 14: 12)، للاعتناء بالآخرين كاعتنائهم به.

وهكذا تبقى كنيسة المسيح، في تنوّعها، وحدة واحدة. ولا يعني هذا فقط أنه لم تكن إلا كنيسة واحدة، بل يعني أيضاً أن هذه الكنيسة في كل زمان ومكان هي هي، ولها الفوائد والامتيازات والخيرات نفسها. فهذه الوحدة لا تُضفى على الكنيسة من الخارج، ولا تُفرَض عليا بالقوة، ولا توجد بالترتيبات التعاقدية، ولا تُنَظّم مؤقتاً لمواجهة عدو مشترك. حتى إنها أيضاً لا تنشأ من الغرائز الاجتماعية في الحياة الدينية. بل هي بالأحرى وحدةٌ ذات طبيعة روحية. فمستندها وأساسها ومثالها الوحدة الكامنة بين الآب والمسيح من حيث هو الوسيط (يو 17: 21 - 23). إنها وحدة تنبع من المسيح بصفته الكرمة التي تنبت جميع الأغصان وتغذّيها (يو 15: 5)، والرأس الذي يُحصِّل منه كامل الجسد نموّه وقوته (أف 4: 16)؛ وهي وحدةٌ يحققها الروح الواحد الذي به ننقاد للآب الواحد. ذلك أن محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس هي نصيب كل مؤمن، وكل كنيسة محلية، ونصيب الكنيسة ككل. هذا هو سر وحدة الكنيسة الراسخة وغير المتغيرة.

وهذه الوحدة تظل ناقصة وغير مكتملة في الكنيسة هنا على الأرض. فكما الكنيسة ذاتها، كذلك وحدتها أيضاً ما تزال في طور التكوين. إنها قائمة في كلّ حين، لكنها تنمو وتُطبَّق بالتدريج. وقد صلى المسيح لأجلها (يو 17: 21)، قدمها الرسول بولس باعتبارها أمراً لن يتحقق بالكامل إلا في المستقبل (أف 4: 13). غير أنها ليست صنيعة الخيال بغير أساس في الواقع. بل إن هذه الوحدة، على النقيض، موجودة حقاً ومُعبَّر عنها في حياة الكنيسة بصيغة ما. فهي حاضرة ليس في الكنيسة غير المنظورة فقط بل إنها تلقى تعبيرها أيضاً في مظهر الكنيسة المنظورة. وقد تجلّت هذه الوحدة عند الكنيسة في أورشليم بالطريقة المعروفة، إذ إن جميع الإخوة والأخوات، بعدما انضموا إلى الكنيسة إذ قبلوا المعمودية، واظبوا على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات (أع 2: 42)، وكان لهم جميعاً قلبٌ واحد ونفس واحدة، وكان عندهم كل شيء مشتركاً (أع 2: 44؛ 4: 32 - 35). ولمّا تأسست فيما بعد كنائس في أماكن أخرى أيضاً استمرت وحدة المؤمنين هذه.

ولقد واجهت الكنيسة عقبة كبيرة في سبيل الحفاظ على هذه الوحدة، من جراء اختلاف الخلفيات والعوائد بين المسيحيين ذوي الأصل اليهودي والمسيحيين ذوي الأصل الأممي، فغالباً ما وقف الطرفان في مواجهة أحدهما الآخر داخل الكنائس المختلطة، وأحياناً – بل غالباً كان يحصل نزاع سافر بين الطرفين. حتى بطرس بالذات أثبت أنه ضعيف ذات لحظة فيما يتعلق بذلك النزاع، لما كان نازلاً في إنطاكية، فاستحق أن يوبّخه بولس (غل 2: 11 - 14). ولكن رسول الأمم الذي كان يهودياً لليهود، وصار للكل كل شيء، جعل هدف الوحدة نصب عينيه دائماً وحثّ الكنيسة كلها على المحبة والسلام. وقد أكّد بولس أن الجميع جسدٌ واحد، ولهم جميعاً روحٌ واحد، ومعمودية واحدة، وإيمان واحد، وإله آبٌ واحد فوق الجميع وفي الجميع (أف 4: 4 - 6). ولم يكن ينبغي بالضرورة للجميع أن يون أحدهم مثل الآخر في كل شيء، لأن الجسد يحتم وجود أعضاء مختلفة، وكلّ عضوٍ يجب أن يخدم الجماعة بقدراته الخاصة (1كو 12: 4 وما يلي)، وعلى الجميع أن يحترم كل حرية الآخر (رو 14). وبموت الآخر وخُلقاً في المسيح إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً (أف 2: 14 وما يلي). وبالاعتراف بالمسيح رباً يظهرون أن الجميع واحد (1كو 12: 3) وهم جميعاً ملتزمون واجباً واحداً، ألا وهو فعل كل شيء لمجد الله. وقد بارك الله بولس في عمله هذا، فتلاشت المقاومة بين الطرفين تدريجياً، وذلك لصون وحدة الكنيسة.

ولكن كنيسة المسيح أصابها فيما بعد الانقسام بسبب مختلف أنواع البدع والشقاق عبر القرون المتعاقبة, حتى إن كثرة الطوائف والمذاهب في الكنيسة اليوم تشكّل مظهراً يرثى له من مظاهر انعدام الوحدة. ومع ذلك ما تزال آثار الوحدة في الماضي ظاهرة للعيان، حيث أن جميع الكنائس المسيحية منفصلة عن العالم بالمعمودية الواحدة بعينها، إن الكنائس ثابتة على تعليم الرسل كما يظهر في الاعتراف بمواد قانون الإيمان الرسولي، وما زالت تشترك في كسر الخبز والصلوات – ولو بصِيَغٍ وأشكال مختلفة. فالكنيسة في وحدتها غرضٌ من أغراض الإيمان؛ ومن أننا لا نستطيع الآن أن نرى هذه الوحدة، أو لا نستطيع أن نراها بالوضوح الذي نرجوه، فهي وحدة موجودة الآن وسوف تُكمَّل ذات يوم.

والأمر ذاته يصحّ فيما يتعلق بخاصية أخرى من خصائص الكنيسة، ألا وهي قداستها. فمنذ البداية كان سبيل القدوم الوحيد إلى الكنيسة هو سبيل الإيمان والتوبة: فكل من تاب واعتمد نال غفران الخطايا وعطية الروح القدس (أع 2: 38). ومع أن المسيح نفسه لم يكن يعمِّد (يو 4: 2)، ومع أن الرسل لم يفعلوا ذلك كقاعدة عامة (أع 10: 48؛ 1كو 1: 14 - 17)، فقد كانت المعمودية تُجرى لجميع الذين رغبوا في الانضمام إلى الكنيسة. ولكن هذه المعمودية فُهِمَت دائماً باعتبارها جامعةً في ذاتها للعلامة المنظورة والدلالة الروحية غير المنظورة، لا من حيث كونها إزالة لوسخ الجسد بل تعهّد ضمير صالح أمام الله (1بط 3: 21)، وتبعاً لذلك وضعت مقابل الختان. من وجهة النظر هذه كانت المعمودية بالحقيقة وسيلة حفظ، شأنها شأن الفلك الذي نجا فيه نوح (1بط 3: 20، 21)، كما كانت دفناً مع المسيح وقيامةً معه (رو 6: 3، 4)، وغسلاً للخطايا (أع 22: 16)، وقطعاً للعلاقة بالعالم ودخولاً في شركة جديدة.

وهكذا تضمنت المعمودية على موقف مختلف كلياً تجاه العالم، وكان المرء في حاجة إلى شجاعة عظيمة لقبولها وإعلان انتمائه إلى كنيسة المسيح. فلم تكن تلك الكنيسة تضم أغلبية من البسطاء والعاميين وحسب (1كو 1: 25 - 29)، بل كان على المنتمي إليها أيضاً أن يكابد الازدراء والاضطهاد غالباً. وفي بادئ الأمر صدر هذا العداء والاضطهاد من جانب اليهود، سواء في ذلك السلطات أو الشعب الذي حرّضوا الأمم غير مرة على المعارضة والشغب. كما أن الأمم أيضاً في بعض الأحيان بادروا من تلقاء أنفسهم إلى إبداء العداء نحو المسيحيين، ولكن هذا كان استثناء، إذ لم تكن الحكومة في أغلب الأحيان منحازة ضدّ المسيحيين.

وقد بدأ اضطهاد الكنيسة من قِبَل روما أولاً تحت حكم نيرون في السنة 64م. ولذلك سبق أن توقَّع المسيحيون من السلطات الرومانية الحماية لا الاضطهاد، ورأوا في الحكومة الرومانية سلطةً رتبها الله، وشجعوا الناس على الخضوع لقوانينها والصلاة لأجل خيرها.

وفيما خصّ الحياة الاجتماعية، نصح الرسل المؤمن والمؤمنة بألا يترك كلٌّ زوجه (1كو 7: 12؛ 1بط 3: 1)، بل أن يعيش المتزوج في حال الزواج كما يريد الرب (1كو 7: 39؛ 2كو 6: 13). وأوصوا بأن يبقى كلّ واحد، عبداً كان أو أمة، على الحالة التي كان عليها لما دُعي (1كو 7: 20)، وألا ينسحب المؤمنون كلياً من التعامل مع غير المؤمنين (1كو 5: 10)؛ كما سمحوا للمؤمنين قبول الدعوة إلى وليمة ما، على أن يمتنعوا عن الأكل من ذبيحة مقرَّبة لوثن، وذلك لأجل الضمير والقدوة الحسنة (1كو 10: 27، 28؛ 8: 12؛ 10: 20). وقد علّم الرسل فيما بعد أنه ينبغي للمؤمنين أن يعيشوا في سلامٍ ومحبة مع جميع الناس، ومع الأعداء أيضاً، وألا يعتبروا شيئاً ما نجساً في ذاته، ما دامت كل خليقة الله طاهرة (رو 14: 14؛ 1تي 4: 4).