الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية   بين العقل والإيمان الجزء 4

كنيسة المسيح -2

وتبعاً لذلك، فإن علاقة الكنيسة هذه بالعالم هي علاقة حرية، وهي بعيدة كلّ البعد عن أي تقشّف أو اعتزال زائف. ولكن لا يمكن أن تكون العلاقة على هذه الصورة إلا إذا ظلّت الكنيسة مُدركة لدعوتها وسالكة في القداسة قدّام الله. فالكنيسة مقدسة، وهي شعب ومقدس، والمؤمنون أشخاص مقدسون أو قديسون (رو 1: 7؛ 1كو 1: 2)، لأنهم – جماعة وأفراداً – هياكل للروح القدس (1كو 3: 16، 17؛ 6: 19)، وبفضل ذلك الروح هم مغتسلون ومقدسون في المسيح يسوع. ولذلك عليهم أن يتجنبوا ويجاهدوا حتى الموت ضد كل خطية، ويميتوا أعمال الجسد كلها، والشهوات العالمية جميعها، ويمارسوا – على نقيض ذلك – جميع الفضائل يدعموا كلّ ما هو صالح. وأن يسلكوا في المحبة (أف 5: 2) لأن المحبة هي أعظم الفضائل (1كو 13: 13) ورباط الكمال (كو 3: 14) وتكميل الناموس (رو 13: 10).

إن التأديب وسيلة أعطاها المسيح للكنيسة كي تحافظ بها على طبيعتها المقدسة. ولذا يجب أن يُمارَس التأديب لا في السر فقط، كأن يمارسه أخٌ من الإخوة تجاه الآخر مثلاً، بل يجب أن تطبّقه الكنيسة على أي من أفرادها في حال وجود خطية علنية. وفي كل الرسائل يتضح إلى أي مدى كانت هذه القداسة ما تزال مفتقدة في زمن الرسل، كما أن العصور اللاحقة غالباً ما شهدت انحلالاً يصعب فهمه في الدين والأخلاق. ولكن روح المسيح كان يحرك نهضةً وانتعاشاً مرةً تلو الأخرى بعد استشراء التراخي والفساد. وقداسة الكنيسة هذه أيضاَ هي خاصية من الخصائص التي اكتسبها المسيح للكنيسة والتي يُجريها إلى التمام في الكنيسة وبها.

وأخيراً هنالك صفة الجامعة الرسولية التي تتصف بها الكنيسة. وقد أُشير إليها أولاً إلى كون الكنيسة "كاثوليكية" أي جامعة في نص كتب في الفترة التالية لزمن الرسل، وكان القصد من ذلك هو التصريح بأن الكنيسة الصحيحة، في مواجهة جميع أنواع البدع والانشقاقات، هي تلك التي تطيع الأسقف وتبقى مع الجماعة الرئيسية، ما دامت الكنيسة الكاثوليكية أي الجامعة الرسولية هي تلك الكنيسة التي فيها المسيح. وفيما بعد أُضيفت إلى هذه التسمية تأويلات أخرى مختلفة، فصار الناس يفهمون منها أن الكنيسة منتشرة في جميع أنحاء العالم، وأنها منذ البداية حتى الزمن الحاضر تشتمل على جميع المؤمنين على مرّ العصور، وأنها وسيلة لإعلان الخلاص الكافي والوافي للجميع حيث أنها تشترك فعلاً في كامل الحق والنعمة. هذه التعاليم ليست على خطأ إذا كنا عند التفكير في الكنيسة لا نفكر فقط في منظومة كنسية واحدة، كالكنيسة الكاثوليكية مثلاً، بل نعتبر ذلك منطبقاً على الكنيسة المسيحية المتمثلة في جميع الكنائس الكاثوليكية معاً وعلى درجات متفاوتة من النقاوة وسلامة العقيدة. فإن تلك الكنيسة هي في الواقع كنيسة كاثوليكية، أي جامعة، فعلاً. حتى إن الوعد الرئيسي قُطِع في العهد القديم لآدم وحواء، وللجنس البشري كله بالتالي. ومع أن أحوال الزمان أدت فيما بعد إلى انتخاب شعب خاص من خلال إبراهيم ليقوم بدور حامل الإعلان الإلهي، فإن ذلك الإعلان كان وسيظل موجهاً على البشرية كلها. ففي نسل إبراهيم أُعدَّت البركة لجميع قبائل الأرض (تك 12: 2). وظلت عين النبوة شاخصة دائماً على غاية الفداء العامة.

ولما باشر المسيح خدمته، بدا واضحاً أنه توجّه فقط إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (مت 15: 24)، ومع ذلك كان الملكوت الذي كرز به جامعاً شاملاً، وخالصاً إلى التمام من أية حدود قومية، ومفتوحاً أمام جميع الذين يؤمنون ويتوبون (مر 1: 15). وقد قال المسيح إنه إذا رفض اليهود إنجيله يُطرح بنو الملكوت خارجاً ويأتي كثيرون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب (مت 8: 11، 12). ولابد له هو بالذات من أن يقع في الأرض ويموت، كحبة الحنطة، لكنه فيما بعد يأتي بثمر كثير (يو 12: 24). وله خرافٌ أخر من خارج حظيرة بني إسرائيل، فينبغي أن يأتي بتلك أيضاً كي تكون رعية واحدة ولها راعِ واحد (يو 10: 16؛ 11: 52). وبعد قيامته أمر تلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ويتلمذوا جميع الأمم (مت 28: 19؛ مر 16: 15). وقد أتمّ الرسل هذه المأمورية، فانطلقوا شهوداً للمسيح، في أورشليم وفي جميع أنحاء اليهودية والسامرة، وإلى أقاصي الأرض أيضاً (أع 1: 8).

ومن اللافت للأنظار أنه بينما تحدّث المسيح كثيراً عن ملكوت السماء ومرّات قليلة عن الكنيسة، يذكر الرسل – على النقيض – ملكوت الله في النادر نسبياً فيما يفصِّلون الكلام عن كنيسة المسيح، بيد أن لهذه الظاهرة ما يفسرها.

فإن ملكوت السماء الذي يتحدث عنه المسيح ليس، في المقام الأول ورغم كلّ شيء مجموعة من الناس أو رعية من المواطنين، بل هو جملة خيرات وبركات روحية – إنه كنز (مت 13: 44) ولؤلؤة ثمينة (مت 13: 45) وبرّ وسلام وفرح في الروح القدس (مت 6: 33؛ رو 14: 17). ذلك الملكوت هو من السماء، وها قد نزل الآن إلى الأرض مع المسيح، لأنه فيه – له المجد – يوزّع الآب جميع هذه البركات والخيرات (1كو 1: 30؛ أف 1: 3). وقد جعل الآب الملكوت للمسيح الذي بدوره يجعله لتلاميذه (لو 22: 29). وهو فعل ذلك على الأرض فيما مضى، فعندما أخرج الشياطين بروح الله قدّم بذلك بيّنة على أن ملكوت الله قد أقبل (مت 12: 28). كما أن هذا الملكوت يوالي الإقبال إذ يُتاح للإنسان أن يكون له نصيب فيه وفي جميع خيراته من طريق الإيمان (لو 17: 21). هذا الملكوت ينمو ويتعاظم كشجرة تنمو وكخميرة تخمّر العجنة كلها (مت 13ك 31 - 33)، ولسوف ينتشر بملئه الكامل في المستقبل عند مجيء المسيح.

على أن هذا الملكوت، بهذا المفهوم، ومنذ مجيء المسيح الأول حتى مجيئه الثاني، مُعطى لأناسٍ هم المولودون من الماء والروح والمؤمنون باسم المسيح (يو 1: 12، 13؛ 3: 3 - 5). ولهذا السبب هو مشبَّه ببذرة تُغرَس في الأرض لكي تأتي بثمر، أو بشبكة تُطرَح في البحر فتجمع سمكاً من كل نوع (مت 13: 24، 26). أما الرسل فهم الصيادون الذين ينطلقون حاملين تلك الشبكة ويجمعون الناس ليتيحوا لهم الاشتراك في بركات الملكوت الحاضرة والآتية (مت 4: 19).

وبينما كرز المسيح بالملكوت هكذا، مفسِّراً طبيعته وصفاته وتطوره على ذلك النحو، دعا تلاميذه وأهّلهم ليجمعوا الكنيسة بواسطة إنجيل الملكوت – الكنيسة التي لها نصيب في كنوز الملكوت وخيراته الثمينة والتي سوف تمتلكها جميعاً ذات يوم وتتمتع بها جميعاً. وكلمة "الملكوت" تركّ. انتباهنا خصوصاً على الكنوز والبركات والخيرات التي يوزعها المسيح من قبل الآب؛ أما كلمة "الكنيسة" فتجعلنا، بالمقارنة، نفكر في جَمْع الناس الذين تلقوا هذه الخيرات والذين يتقدمون نحو التمتع بها إلى التمام. بعبارة أخرى، إن الكنيسة هي في المسيح صاحبة ملكوت الله، ومالكته والحافظة له، وناشرته ووراثته. ذلك هو كنزها ومجدها، وليس لديها شيء سواه ذو قيمة ثمينة. وما قاله بطرس مرةً، تستطيع الكنيسة أن تردّده من بعده بطريقتها الخاصة – ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك: باسم يسوع الناصري قم وامشِ (أع 3: 6).

ولما كانت جميع كنوز الملكوت التي تمتلكها الكنيسة روحية بطبيعتها، وليست من الذهب والفضة، ولا من السلطة والقوة، بل من البرّ والسلام والفرح في الروح القدس، فإن صفة الجامعة الرسولية تُنسَب إلى الكنيسة. فليست الكنيسة وقفاً على أرض أو شعب، ولا على زمان أو مكان، ولا على جيلِ من الأجيال، ولا على أموال وأملاك؛ بل هي مستقلة عن جميع الفروق الأرضية والتمايزات الدنيوية. إنها تحمل الإنجيل إلى البشرية جمعاء، وذلك الإنجيل هو – فقط ودائماً – البشارة بكل معنى الكلمة: خبر مفرح مناسب وضروري لجميع الشعوب، في جميع الأزمنة، وتحت جميع الظروف، وعلى جميع الأحوال. وليس ملكوت الله متعارضاً مع شيء ما خلا الخطية.

وقد كان لهذه الكنيسة منذ البداية تنظيم خاص باعتبارها جمع للمؤمنين، ولابد لكل جماعة تضمّ بشراً تجنّباً للفوضى والانحلال، من نُظُمٍ تتحكم في اجتماعاتها ونشاطاتها، ولكي تفي بالغرض الذي أُنشئت لأجله. فكنيسة المسيح أيضاً خاضعة لهذا القانون العام للمجتمع البشري. إذ ليس الله إله تشويش، بل إله سلام، وهو قد وضع فرائض لجميع خلائقه، وقصده أن يكون كلّ شيء في الكنائس أيضاً بلياقة وترتيب (1كو 14: 33، 40). ووضع النظم على هذا النحو أكثر لزوماً لحياة الكنيسة لأن الله يريد استخدامها لغرضً محدد. وعلى كل حال، فإن الكنيسة ما تزال غير كاملة ما دامت على الأرض: فأفرادها جميعاً، وكلّ واحد منهم بمفرده، يجب أن يجاهدوا دائماً ضدّ الخطية ويسعوا في إثر القداسة؛ وفي كل حين يحتاج هؤلاء إلى التعليم والتوجيه والإرشاد، والتقوية والتعزية، والحثّ والتأديب. ليس ذاك فقط، بل على الكنيسة أيضاً أن تتكاثر من جيلٍ على جيل؛ ولا تقتصر على الأفراد أنفسهم، إذ إنها تفقد يومياً أولئك الذين يُنقلون إلى الكنيسة الظافرة، وينضم إليها دائماً أعضاء جدد يتربون فيها وينبغي أن يُدخلوا إلى حياة الكنيسة. إضافة إلى هذا، تلقّت الكنيسة من المسيح المأمورية بأن تكرز بالإنجيل للخليقة كلها. وبالتالي، فإن الكنيسة، داخل ذاتها وخارجها على السواء، دعوة مقدسة وخطيرة من واجبها أن تضطلع بأعبائها.

وإذ يلقي الله على الكنيسة واجب هذه الدعوة، ويؤهّلها ويجهّزها في الوقت عينه لكي تقوم به. فهو يرتّب الأمور على نحوٍ معين، ويعطي الكنيسة ما يلزم من المواهب والقوات والتدابير، لكي يُعدّها للقيام بالمهمة الملقاة على عاتقها. فقد أعطى الله الكنيسة، على حدّ قول بولس، رسلاً ومبشرين ورعاةً ومعلمين، لكي يقوم هؤلاء بعمل الخدمة في الكنيسة، وبذلك يبنون جسد المسيح ويعملون على تكميل القديسين. وعليه، فإن هذه السلسلة من الترتيبات ينبغي أن تظل سارية المفعول إلى أن يتحقق الغرض منها فينتهي الجميع إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 11 - 13). وبكلامٍ آخر، فإن الكنيسة، باعتبارها جماعة المؤمنين ونظراً إلى الدعوة التي ينبغي لها أن تضطلع بأعبائها، وتسلّمت من المسيح مؤسسة قائمة بذاتها، أي ترتيباً خاصاً من المواهب والقدرات، والوظائف والخدمات، التي من خلالها تستطيع أن تستجيب لدعوتها. شريعة القوانين والنظم هذه لم تُضَف إلى الكنيسة لاحقاً، بل رافقتها منذ البداية. ولما كان من المتعذر النظر في مختلف الموضوعات معاً، فمن الضروري أولاً أن ننظر في كون الكنيسة جماعةً المؤمنين، ومن ثم نتحدّث عن النظم السائدة في حياتها وخدماتها. ولكن لا يُستنتج من هذا أن الأمر الأول وُجِد عملياً قبل حصول الأمر الثاني ببعض الزمن، أو أن ذاك كان قائماً دون هذا. فإن الله أنشأ الكنيسة على الأرض حال وجودها على النحو الذي تقتضيه مكانتها ورسالتها في العالم.

ولكن بين الأمرين فرقاً، وإن لم يكن بينهما فارقٌ زمني. ويظهر ذلك جلياً من حقيقة كون النظام الذي جُعل للكنيسة قد اختلف بصورة لافتة على مرّ العصور. فمنذ زمن جنة عدن كان على الأرض مؤمنون، وليس من شكّ في أنهم اجتمعوا أيضاً بعضهم مع بعض. إذ نقرأ في (تكوين 4: 26) أنه في أيام أنوش ابتدأ الناس يدعون باسم الرب، ولاشك أن في هذه العبارة وصفاً لواقع الحال الحاصل في أيام بني قايين إذ انفصل عنهم بنو شيث واجتمعوا معاً حول الاعتراف باسم الرب. إذاً منذ ذلك الحين وُجدت العيادة الجمهورية. وكان قوامها على العموم الوعظ وتقديم الذبائح والصلاة. ولكن، فيما يتعلق بغير هذا، لا نجد ذكراً للتنظيم. فقد تركّزت "الكنيسة" آنذاك في الأسرة. وفي زمن الآباء كان الأب هو أيضاً الملك والكاهن في أسرته، فهو يجري الختان (تك 17: 23) وهو يقدّم الذبائح (تك 22: 2؛ 26: 1).

ولما أُعطي الناموس في سيناء، وأقام الله عهده مع الشعب، حصل تغيّر كبير. فقد أُنشئت حينئذ مؤسةة خاصة تضم الكهنة واللاويين، وحدّد لتقريب الذبائح مكان محدد وزمان معيّن. والتقدمات بعينها تميّزت إحداها عن الأخرى وترتبت وفقاً لنظام مخصوص. وقد نظّم بدقة وحُدّد بالتفصيل كل ما يتعلق بالأمور المقدسة – الأشخاص والأوقات والأماكن والممارسات. وكان الناموس نيراً أثقل من أن يُحمَل (أع 15: 10)، لكنه كان ضرورياً يومذاك للإحساس بثقل الخطية، وإثارة الحاجة إلى الغفران، وإلقاء الضوء على أهمية الذبائح وحتميتها، ولتمهيد السبيل بالتالي أمام المسيح.

ولكن إلى جانب هذا النظام الرسمي والشرعي، وفي ظله، نشأت أيضاً ممارسة منظمة للحياة الدينية عند شعب العهد القديم. وينبغي أن نذكر أن الشعب أقاموا في جميع أنحاء كنعان، وفي عبر الأردن أيضاً إلى حدّ ما. فغنيٌّ عن البيان أن قسماً ضئيلاً فقط، وعلى نحو نسبيّ، كان يمكنه أن يذهب إلى أورشليم في الأعياد الكبرى. وإلى ذلك كانوا جميعاً ملزمين بكل تدقيق أن يراعوا تقديس يوم السبت، الأمر الذي مارسوه في أماكن إقامتهم. فقد كان ميسوراً وعملياً، كما يُحتمل جداً، أن يقوم المؤمنون في مثل هذه الأيام بعقد اجتماعات دينية حيث تتاح لهم المشاركة في التأمل بالشريعة، والترتيل، والصلوات. وعليه، ففي (أعمال الرسل 15: 21) نقرأ أن موسى منذ أقدم الأجيال له في كل مدينة من يكرز به، وأنه كان يقرأ في المجامع كلّ سبت.

وبينما نجهل أصل هذه المجامع، من المؤكد أنها قديمة العهد وأنها اكتسبت أهمية جديدة وشأناً جليلاً خلال السبي وبعده، إذ تشتت العبرانيون في جميع البلدان وسكنوا في أغلب الأحيان بعيداً عن موطنهم وهيكلهم. فحيثما أقام اليهود، بنوا مجمعاً، ودرجوا على الاجتماع هناك في أوقاتٍ معلومة – كأيام السبت والأعياد وبعض أيام الأسبوع أيضاً – للتعبير عن اعترافهم بالإيمان المشترك، وللاشتراك في الصلاة، والإصغاء إلى قراءة شيء من الناموس والأنبياء، والاستماع إلى حديث حرّ (لو 4: 21)، وقبول بركة الشيخ الذي يرأس المجمع. وقد عهد بإدارة المجمع إلى جماعة من الشيوخ كان لهم حقّ إجراء التأديب والفرز من الشركة، وكانوا يشرفون على سائر أجزاء الخدمة، وينظمون الخدمات الدينية. وكان بين المسؤولين أمين الصندوق، ومهمته تلقّي الهبات التي يتم التبرع بها لأجل الصدقات، والخادم (لو 4: 20) وهو مكلَّف أن يوزع الأسفار المقدسة ويعيدها إلى مكانها. وقد كان هذا التنظيم في إدارة المجامع بالغ الأهمية بالنسبة إلى حياة اليهود الدينية، كما شكّل أيضاً، وبطرقٍ شتى مثالاً لتنظيم اجتماعات الكنيسة المسيحية.

فإن الرب يسوع درج على عادة القيام بزيارة هذه الاجتماعات في المجامع (لو 4: 16) والتزم راحة السبت أيضاً عملاً بجميع الأحكام الواردة في ناموس موسى، وهكذا أكمل كلّ برّ (مت 3: 15). على أنه جاء لكي يكمل الناموس بحفظه ومن ثم يضع على أكتاف التلاميذ حملاً يختلف عن نير الناموس الثقيل. هذا الحِمل المختلف هيّن وخفيف ومريح للنفوس (مت 11: 29، 30). وقد كرز المسيح بإنجيل ملكوت الله، وجمع حوله تلاميذاً اعترفوا به سيداً لهم، واقتادهم إلى التعمّق أكثر فأكثر في معرفة شخصه وعمله.

ومن بين مجموعة التلاميذ، اختار المسيح، بالنظر إلى أسباط إسرائيل الاثني عشر (مت 19: 28)، اثني عشر تلميذاً سمّاهم أيضاً رسلاً (لو 6: 13). وتتضح خطورة هذا الاختيار وأهميته من حقيقة كون المسيح قد قام به بعدما قضى ليلة كاملة على الجبل وهو يصلي وحده لله (لو 6: 12). فبحسب المنطق البشري، مستقبل ملكوت الله، يتعلق جزء كبير منه، بهذا الاختيار. والاسم "رسول" الذي أطلقه على كل واحد من هؤلاء التلاميذ، يعني مبعوثاً أو مُرسَلاً، ولم يكن نادر الاستعمال يومذاك. ويرجَّح جداً أن اليهود أطلقوا اسم "الرسل" على الرجال الذين أرسلوهم من أورشليم ليجمعوا الأموال للهيكل. كذلك في العهد الجديد يُدعى المسيح نفسه رسولاً (عب 3: 1)، وهكذا يُدعى برنابا أيضاً (أع 14: 4، 14)، وربما دعي بهذا الاسم أيضاً خادمٌ أو آخر من خدّام الإنجيل هنا أو هناك. ولكن سرعان ما أصبح الاسم "رسول" مقتصراً على الاثني عشر الذين اختارهم المسيح، وعلى بولس الذي دعي فيما بعد وبطريقة خاصة جداً ليكون رسولاً إلى الأمم.

أما الغرض المباشر لاختيار الرسل هذا فكان أن يرافقوا المسيح وأن يرسلهم ليكرزوا ويشفوا المرضى (مر 3: 14، 15). وبحسب (متى 10: 1 وما يلي) (مر 6: 7 وما يلي؛ لو 9: 1 وما يلي)، أرسل الرب هؤلاء فعلاً إلى مختلف المدن والقرى في الجليل. ولا شك أن المسيح قصد من وراء هذه الإرسالية أن يصل الإنجيل إلى اليهود الذين لم يتسنّ له هو أن يصل إليهم، لكنه كان في الوقت عينه يُعِدّ رسله لمهمتهم المقبلة. ولم تكن دعوتهم في المستقبل شيئاً سوى هذا الأمر: أن ينطلقوا في وسط العالم شهوداً للمسيح يعد قيامته ويثبتوا بنيان كنيسته على أساس هذه الشهادة. وقد أعدَّهم لهذا الغرض بطريقة خاصة، بدخوله وخروجه معهم وبتعليمه لهم، وبالإفساح لهم كي يكونوا شهوداً لكلامه وأعماله، وسيرته وآلامه، وموته وقيامته أيضاً على الخصوص، وبوعده أن يرسل إليهم روح الحق الذي يرشدهم إلى جميع الحقّ ويعزيهم ويمكث معهم إلى الأبد. ومع هذا الإعداد زوّدهم أيضاً بسلطة خصوصية، ألا وهي سلطة الكرازة والتعليم، وشفاء المرضى بطريقة خاصة، وإجراء المعمودية، وممارسة عشاء الرب والتأديب الكنسي، وفتح ملكوت السماء وإقفاله بغفران الخطايا أو إمساكها. وقد كان الرسل خداماً للمسيح ووكلاء سرائر الله (1كو 4: 1).

وكان لبطرس المقام الأول بين الرسل. فقد كان ابن يونا، صياد سمك من بيت صيدا (يو 1: 43، 44)، وكان قد تزوج في كفر ناحوم قبل تعرّف المسيح إليه (مر 1: 21، 29). أما اسمه في الأصل فهو سمعان، ولكن المسيح زاد عليه الاسم "صفا"، أو بطرس، ويعني صخراً، وذلك حالما التقاه أول مرة (يو 1: 42). وهذا الاسم يعبِّر عن طبع بطرس، عن حبه للمغامرة واستقلاليته ورحابة صدره وصلابة عوده. وعلى هذه الصورة نتعرّف به أثناء حياة المسيح على الأرض. فهو أول من اختير من الرسل (مر 3: 13) نوقد تولى دور ممثلهم والناطق باسمهم. وقُدِّر لصلابته أن تجتاز امتحاناً صعباً خلال آلام المسيح حتى هانت وولّت بإنكاره الرهيب للسيد. ولكن بعدما أُنهِض ورُدَّت نفسه على يد المسيح (لو 22: 32؛ يو 21: 15 وما يلي)، صار في وسعه أن يثبِت إخوته خير تثبيت (لو 22: 32). ومن هنا تولى بطرس زمام القيادة من جديد حالما صعد المسيح. ويظهر منه ذلك في اختيار متياس (أع 1: 15 وما يلي)، وكرازة يوم الخمسين (أع 2: 14 وما يلي)، وإجراء المعجزات (أع 3: 6)، والدفاع عن الكنيسة أمام المجلس (أع 4: 8 وما يلي)، والحكم المنطوق به على حنانيا وسفيرة (أع 5: 4 وما يلي)، والسفرة التفقّدية إلى السامرة (أع 8: 14)، والكرازة بالإنجيل للأمم (أع 10: 1 وما يلي)، والمجمع الذي عُقِد في أورشليم (أع 15: 7 وما يلي).

بهذه الوقائع يتذرّع الكاثوليك ليثبتوا أن بطرس كانت له مكانة أسمى من سائر الرسل وأنه فيما بعد صار البابا الأول في روما. ولكن ذلك ليس له أي أساس. صحيح أنه كان الأول والمتقدِّم بين أقرانه، غير أنه لم يكن ذا رتبة أو سلطة تفوقهم. فالأحد عشر الآخرون كانوا رسلاً، مثلهم مثله. وسلطة الكرازة والتعليم، وإجراء المعمودية والعشاء الرباني، وفتح ملكوت السماء وإقفاله، لم تُعطَ له وحده (مت 16: 19)، بل أُعطيت أيضاً لسائر الرسل. وفي الواقع أن بطرس، بعد أعمال 15، ينسحب إلى المؤخرة بحيث لا نعرف عنه بعدُ إلا الأمور التالية: أنه كان في إنطاكية (غل 2: 11)، وفي بابل (1بط 5: 13)، وأنه فيما بعد مات في روما شهيداً (يو 21: 18، 19). وعلى ذلك يُفسح بطرس المجال لبولس الذي – من جهة – يدعو نفسه أصغر الرسل (1كو 15: 9) ولكنه – من جهة أخرى – لا يريد أن يُحسب أقل شأناً منهم في الرتبة أو الوظيفة أو السلطة أو العمل، حتى إنه يوبِّخ بطرس في إنطاكية (غل 2: 11).

ونقرأ في (متى 16: 18) أن الرب يسوع، بعد اعتراف بطرس بمسيانيته على نحوٍ واضح وصريح وجريء، خاطبه قائلاً: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي. وإذ يقول الرب هذا لا يقصد شخص بطرس، ولا حتى الاعتراف الذي نطق به لتوّه بمعزل عن شخصه، بل يقصد بالأحرى بطرس المعترف (بطرس معترفاً بالمسيح، وعلى نحوٍ أكثر تحديداً: بطرس معترفاً بالمسيح باسم الرسل جميعاً). ولم يكن بطرس وحده من اعترف هذا الاعتراف، بل شاركه فيه أيضاً جميع الرسل، بحيث إن الكنيسة لم تُبنَ على بطرس وحده بل على الرسل جميعاً (أف 2: 20؛ رؤ 21: 14). فجماعة الرسل هي الأساس الذي بُنيت الكنيسة عليه، ولا شركة مع المسيح إلا من خلال الشركة معهم ومع كلامهم (يو 17: 20؛ 1يو 1: 3).

هؤلاء الرسل صاروا على رأس الكنيسة في أورشليم بعد صعود المسيح حالاً، وقد شكّلوا ما يمكن أن يُسمّى مجلساً كنسياً، إذا جاز التعبير. فقد كانت السلطة بأيديهم، وهم تسلّموها لا من الكنيسة بل من المسيح نفسه. ولكنا كانت سلطة قُصِد بها – على حدّ تعبير بطرس بالذات عنها فيما بعد – رعاية رعيّة الله والمناظرة عليها، لا كرهاً بل طوعاً، ولا طمعاً بالربح القبيح بل بنشاط، ولا كسادة على ما يخص الله، بل كأمثلة للرعية (1بط 5: 2 - 3). فمع أن جماعة الرسل تولّت قيادة الكنيسة، فهي لم تكن في الوقت عينه مرتّبة إلا لخدمة الكنيسة وخيرها. ذلك أن الرسل جعلوا لأجل منفعة الكنيسة (أف 4: 11، 12). ونرى هذا بوضوح في الكنيسة بأورشليم. فقد مارس الرسل القيادة في جماعات المؤمنين (أع 1: 15)، وبشّروا وعمّدوا (أع 2: 38)، وحافظوا على نقاوة الحقّ والمواظبة على كسر الخبز والشركة والصلوات (أع 2: 42). وأجروا آيات وعجائب (أع 2: 43)، وتولّوا توزيع التقدمات على الفقراء من الإخوة والأخوات (أع 4: 37؛ 5: 2). وفي بادئ الأمر لم يكن في الكنيسة وظيفةٌ أخرى غير وظيفة الرسل. فقد قاموا بكل ما يقوم به الآن المعلمون والرعاة، والشيوخ والشمامسة.

ولكن لم يكن ممكناً لهذا الوضع أن يستمر طويلاً. فلما انتشرت الكنيسة، ولاسيما لما نشأ مزيد من الكنائس خارج نطاق أورشليم، في اليهودية والسامرة والجليل، ثم أيضاً في العالم الأممي فيما بعد، أصبح من اللازم توفير المشورة والمعونة. وقد حدث ذلك بطريقتين: لجميع الكنائس باعتبارها وحدةً واحدة، ولكل كنيسة بمفردها.

إن الكنائس المتعددة التي نشأت وانتشرت خارج أورشليم في مدن وقرى أخرى، لم تكن تابعة للكنيسة في أورشليم، بل باتت صارت إلى جانبها على نحوٍ مستقلّ. ومن الجائز أن نسمّي الكنيسة في أورشليم "الكنيسة الأم" ما دمنا نعني بهذا أنها أول كنيسة، وأن الكنائس الأخرى وُجِدَت يتجه عملها التبشيري. ولكن هذه التسمية تعتبر خاطئة إذا قصدنا بها أن الكنائس الأخرى كانت لها علاقة التبعية بالنسبة إلى الكنيسة في أورشليم. وبهذا المعنى ليس هنالك، ولا يمكن أن يكون، ما يُسمّى كنيسةً أماً، لأن كل كنيسة، حتى الصغرى والأقل شأناً، تدين بفضل مصدرها ووجودها فقط للمسيح وروحه مباشرة، وإن كانت واسطة ذلك هي خدمة التبشير التي تقوم بها كنيسة أكبر. وعليه، فكل كنيسة هي كنيسة للمسيح، وليست فرعاً أو جزءاً من كنيسة أخرى، سواء كانت هذه في أورشليم أو روما أو أي مكانٍ آخر. على أنه، وإن كانت الكنائس التي نشأت بالتدريج في فلسطين وخارج البلد تعتبر "كنائس أخوات" لا "كنائس بنات" للكنيسة التي في أورشليم، فقد بقيت جميعاً – بغير استثناء وبالمعنى نفسه – معتمدة على سلطان الرسل وخاضعةً له.

فقد كان الرسل أكثر من مجرّد مجلس كنسي محلي، إذ قاموا بدور مجلس عام للكنيسة المسيحية كلها حيثما وُجِدَت. ولذلك فحالما قبلت السامرة كلمة الله، بعث الرسل إليها بطرس ويوحنا ليصليا لأجل المؤمنين هناك ويضعا الأيدي عليهم لقبول عطيّة الروح القدس، ويكرزا من ثم بالكلمة بينهم (أع 8: 13 - 25). وفيما بعد جال بطرس على جميع الكنائس في اليهودية والسامرة والجليل، لكي يقويهم ويعزز الشركة المتبادلة بين الجميع (أع 9: 31، 32). وهكذا كان أن الكنائس لم تُقِم الواحدة إلى جانب الأخرى على تباعد، وأنها لم تكن متروكة على هواها لتمضي كلّ في حال سبيلها، بل بالأحرى ظلّت قائمة على أساس الرسل ومركزهم.

ولكن هذا الواقع أدى إلى وضع جعل العمل يتراكم على الرسل. فبات ضرورياً توزيع العمل وزيادة الفعلة. أما توزيع العمل فقد حصل في مجمع أورشليم لما أجمع الرأي بعد التشاور على توجُّه الرسل إلى اليهود في أورشليم وانطلاق بولس إلى الأمم (غل 2: 6 - 9). ومن الطبيعي أن توزيع العمل على هذا النحو لم يكن المقصود منه التقسيم الصارم بحيث أن بولس لا يستطيع بعد ذلك البتة أن يتوجه بالخطاب إلى اليهود، والرسل في أورشليم لا يمكنهم البتة أن يعملوا بين الأمم فيما بعد. فقد ظلّ بولس معنياً في الدرجة الأولى ببني قومه وجنسه الذين أحبهم محبة شديدة، كما أن بطرس ويوحنا ويعقوب نشطوا أيضاً بين المسيحيين الراجعين من الأمم، على حدّ ما تبيّن الرسائل التي كتبها هؤلاء الرسل. غير أن توزيع العمل هذا أرسى حدوداً عامة، ترك لكلا الطرفين بعض الراحة والحرية في العمل.

وعلينا أن نضيف أيضاً إلى هذه النقطة نقطة ثانية، مؤداها أن الرسل اتخذوا لهم معاونين، أي أشخاصاً ساعدوهم في مختلف نشاطاتهم. هؤلاء المعاونون كانوا أناساً مثل برنابا (أع 13: 2) ومرقس ولوقا (أع 12: 25؛ 13: 5؛ فل 24) وتيموثاوس (رو 16: 21؛ 1تس 13: 2) وتيطس (2كو 8: 23) وسيلا (أع 15: 40). وأحياناً دُعي هؤلاء مبشرين كفيلبس (أع 5: 8، 40؛ 21: 8؛ أف 4: 11؛ 2تي 4: 5). وإلى هذا تلقّى الرسل مساعدة من الأنبياء – وهم أشخاص وهبهم الله موهبة خاصة ولم تُسنَد إليهم وظيفةٌ محددة. هكذا كان أغابوس (أع 11: 28؛ 21: 10) وبنات فيلبس (أع 21: 9). وهؤلاء أيضاً ساهموا في تنوير الكنيسة وبنيانها في الحق.

هذه الوظائف كلها – أي وظائف الرسل والأنبياء والمبشرين – قد تلاشت ما دام أصحابها قد ماتوا ولم يخلفهم سواهم بطبيعة الحال. وقد كانت هذه الوظائف ضرورية في ذلك الزمن غير العادي الذي تخلله تأسيس الكنيسة على الأرض. غير أن عمل أصحاب هذه الوظائف لم يكن باطلاً في الرب. فإنهم، أولاً، بنوا الكنيسة فعلاً على أساس يسوع المسيح (1كو 3: 11). وثانياً، ما تزال شهادتهم حيّة في أسفار العهد الجديد، في الأناجيل والرسائل، في سفر الأعمال وسفر الرؤيا، ما تزال حيّة في الكنيسة كلها فعلاً حتى اليوم. وبفضل هذه الشهادة ما برحت الكنيسة قادرة في كل زمان على المواظبة على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات (أع 2: 42). فإن كلام الرسل، وقد قيل شفهياً أولاً ومن ثم جرى تدوينه كتابة، يؤيد ويضمن وحدة الكنيسة، ليس فقط إذ تنتشر في جميع أنحاء العالم، بل أيضاً إذ تمتدّ عبر العصور.

وكما أن الرسل في قيامهم بعمل تدبير الكنيسة ككل وجدوا العون في وظيفتي الأنبياء والمبشرين الفائقتين للعادة، فكذلك تماماً كان لهم في خدمة الشيوخ والشمامسة عونٌ على الاعتناء بكل كنيسة محلية. وينبغي لنا أن نذكر أن الرسل أنفسهم كانوا في بادئ الأمر هم موزّعي تقدمات الرحمة (أع 4: 37؛ 5: 2). ولكن لما صارت الكنيسة أكبر بصورة واضحة، لم يعد في وسعهم أن يقوموا بهذا العمل وحدهم. فبمناسبة خلاف نشب في الكنيسة حول الخدمة اليومية، أشار الرسل باختيار سبعة رجال مملوئين من الإيمان والروح القدس، للقيام بخدمة الموائد (أع 6: 1 - 6). وطالما دار كثير من الجدل حول هذا العمل: هل تأسيس لوظيفة الشماس أولاً؟ إنما ليس بمستبعد أن تكون وظيفة هؤلاء السبعة، كما عيّنها لهم الرسل في أعمال 6، قد اشتملت في الأصل على عمل وخدمة أكثر مما اشتملت عليه وظيفة الشمامسة اللاحقة. على أننا نقرأ صراحة أن الرسل احتفظوا لأنفسهم بخدمة الكلمة والصلاة (أع 6: 4) وأن السبعة كُلِّفوا إذ ذاك لخدمة الموائد، أي تنظيم كل ما يتعلق بالولائم أو الواجبات المشتركة – وكانت ممارسة عشاء الرب تحصل في ختامها عادةً – وكل ما يتعلق بالتوزيع على الفقراء مما تم التبرع به من قبل المؤمنين للخدمة المشتركة في الولائم، ومما بقي بعدها من طعام وشراب مال.

وقد أُسِّست وظيفة الشماس في كنائس أخرى أيضاً. فنقرأ عن شمامسة في فيلبي (في 1: 1) وفي أفسس. وفي (1تي 3: 8 وما يلي)، يلخّص بولس المؤهلات الواجب توفرها في الشماس. وهذا الأمر قام بمثله الرسل في أورشليم أيضاً. فقد أشاروا على الكنيسة باختيار سبعة رجال، وبيَّنوا القدرات المطلوبة وطبيعة الوظيفة ومهامها. وعلى هذا الأساس اختارتهم الكنيسة. ولكن الرسل هم الذين عهدوا إليهم بالعمل واضعين الأيدي عليهم.

وإلى جانب الشمامسة، يشغل الشيوخ مكانتهم. ولا يُقال لنا شيء عن أصل هذه الوظيفة. ولكن عندما نتذكر أنه كان بين اليهود حكمٌ للشيوخ بصورة عامة، سواءٌ في الحياة المدنية أو في المجامع، فليس مما يدعو إلى الدهشة في واقع الحال أن يتم اختيار بعض المتقدمين من أفراد الكنيسة لتولّي مسؤولية المناظرة والتأديب. وهكذا نقرأ عن هؤلاء في (أعمال الرسل 11: 30)، وكإشارة عابرة، أنهم تسلَّموا من برنابا وشاول للإخوة المقيمين في اليهودية؛ ونجدهم في (أع 15: 2 وما يلي) مشاركين في المجمع الذي عُقِد لتنظيم شؤون العمل التبشيري بين اليهود والأمم.

وسرعان ما أُدخلت وظيفة الشيوخ هذه على كنائس أخرى. فقد دبّر بولس وبرنابا اختيار شيوخٍ في كلّ كنيسة أسساها في أثناء جولاتهما التبشيرية (أع 14: 23؛ قارن 21: 18). ونجد شيوخاً في أفسس (أع 20: 28) وفيلبي (في 1: 1)، حيث يُدعون قسوساً أو أساقفة. وربما كان مشاراً إليهم في 1كورنثوس 12: 28 بالتعبير "تدابير"، كما نلتقيهم في أفسس 4: 11 كرعاةٍ ومعلمين. وفي (1تيموثاوس 3: 1 وما يلي)، و(تيطس 1: 6 - 9)، يبيّن بولس مؤهلاتهم، كما يوصي تيطس في الرسالة إليه (1: 5) أن يقيم في كل كنيسة شيوخاً. وكانت المهمة الموكولة إلى هؤلاء الشيوخ هي مناظرة الكنيسة، وقد عُرِفوا – حتى في العصر الرسولي – بأنهم المدبّرون والعاملون أيضاً في خدمة الكلمة وتعليم الحقّ. وربما كان ديوتريفس، المذكور عنه في 3 يوحنا 9 أنه يحبّ أن يكون الأول في الكنيسة وقد أساء استخدام وظيفته، وكذلك أيضاً ملائكة الكنائس السبع (رؤ 2: 1 - 8)، هم جميعاً معلِّمين أيضاً من الذين يتبعون في خدمة الكلمة، على خلاف رفقائهم الشيوخ اآخرين، وهكذا شغلوا مكانة مهمة وفريدة.