|

الفصل
السادس
الحياة
الأبدية
إن غاية جميع الأشياء ومقصدها، شأنهما شأن بداءتها
ووجودها، يكتنفهما ضباب لا يستطيع عقل الإنسان أن يخترقه.
وكلّ من يحاول النفاذ إلى هذين السرّين بالتماس النور من
العلم، لابد له – عاجلاً أو آجلاً – من الوصول إلى اعتراف
أحد علماء العصر الحديث إذ قال: "ما هي غاية التاريخ وما
هو مقصده؟ هذا أمر لا أعلمه أنا ولا أحد يعلمه".
ومع ذلك ما تزال تجري مغامرات جديدة للوصول إلى جواب لهذا
السؤال المحيِّر، أو محاولة لإزالته واستئصاله من قلب
الإنسان. فليس منذ عهدٍ بعيد وقف كثير من العلماء هذا
الموقف. إذ كانت المادية هي الزّي الشائع وأعلنت جهاراً أن
الموت هو نهاية كل شيء وأن الإيمان بالخلود ضرب من السخف.
وقد صرّح أحد دعاة المادية علناً بأن الوجود ما وراء القبر
هو آخر عدو ينبغي أن يحاربه العلم ويدحره إن أمكن. ومن ثم
اعتبر هذا العالم المرئي والمحسوس أنه عالم العالم الوحيد
الموجود فعلاً، وما من أحد يستطيع أن يتحدث عن أصل لهذا
العالم ولا عن نهاية له، لأنه يهيم في متاهات أزلية. وقد
كانت النتيجة العملية لهذا الاعتقاد السطحي والمزعج أنه لا
جدوى من كل جهدٍ لاعتبار الأبدية ودعا الإنسان إلى التمتع
بهذه الحياة الحسية بكل معانيها: لنأكل ونشرب لأننا غداً
نموت!
وما زال كثيرون اليوم يفكرون ويتصرفون على هذا النحو، ولكن
حدث رغم ذلك تغيير في الاتجاه. فعند النظر عن كثب في
الأسئلة المتعلقة بالأبدية، لم تَبدُ هذه الأسئلة سخيفة
وعميقة، ولا ظهر أن الإجابة عليها سهلة جداً كما كان
يُظَنّ أولاً. فإن دراسة الأديان عند جميع الشعوب أبرزت
إلى النور حقيقة كون الإيمان بالخلود مشتركاً لدى جميع
البشر وموجوداً حتى عند أكثر القبائل البدائية وغير
المتحضرة. وقد شهد منذ سنين عالِم هولندي، حاز شهرةً واسعة
في حقل المعرفة هذا، أننا نجد الإحساس بالخلود في كلّ
مكان، وبين جميع الشعوب، وعلى مستوى من مستويات التطور
الحضاري، إلا أن بعض الأفكار الفلسفية قد بلّدت ذلك
الإحساس، أو بعض العوامل الأخرى قد طمسته. وقال ذلك العالم
أيضاً إن هذا الإحساس بالخلود مرتبط بالدين في كل مكان.
وبالحقيقة أن جميع الشعوب والقبائل تتصرف على أساس
اعتقادها أن الإنسان خالدٌ بطبيعته، وأنه لا يعوزنا إثبات
الخلود بل علة تفسير الموت. ففي كلّ مكان يسود الشعور بأن
الموت هو أمر غير طبيعي. وحسب معتقدات كثير من الشعوب،
يُعتبر الموت عملاً من أعمال أرواح معادية للبشر. بكلمة
أخرى، يعتقد هؤلاء أنه كان زمن لم يكن فيه للموت وجود وأن
البشر تمتعوا حيناً بحياةٍ لم يعكرها شيء ولم يقطع
استمرارها شيء.
أما فيما يتعلق بحالة النفوس بعد الموت فإن العالم الوثني
يطالعنا بأفكار شتى. فبعض الشعوب تعتقد أن النفوس تبقى مع
الأجساد في القبور، وأنها تستمر في شركتها مع الأحياء،
وتمارس بعض التأثير عليهم، حتى إنها قد تظهر لهم. ويرى
آخرون أن جميع النفوس بعد الموت تتجمع في عالم الموتى
الكبير حيث تحيا في وجود سبحي باهت، أو تستغرق كلياً في
حالة اللاوعي والسبات. كذلك تنتشر أيضاً على نطاق واسع
الفكرة القائلة بأن النفوس، بعد خلعها الجسد البشري، تدخل
للحال في جسدٍ آخر، وتبعاً لما كانت قد فعلته ولكيفية
حياتها على الأرض تتخذ جسد شجرة، أو حيوانٍ ما، أو إنسان،
أو مخلوق أسمى. أخيراً، تُعبِّر فكرة الخلود أيضاً عن
ذاتها في الغالب بالمفهوم القائل بأن الأبرار والأشرار
يواجهون بعد الموت مصيرين مختلفين ويستمر وجودهم في مكانين
متغايرين. وبمقدار ما تختلف الأفكار في حالة النفوس
ومقامها بعد الموت، تختلف أيضاً الطقوس التي تُمارَس عند
دفن الموتى، أو إحراق جثثهم، وكذلك الخدمات التي تؤدّى
للراحلين. وفي بعض الأحيان تتخذ ديانة الشعوب الوثنية
عملياً صورة عبادة الأجداد. وغالباً ما تكون وجهة النظر
الوثنية مقصورة على حالة النفوس بعد الموت؛ ولكن يحدث
أيضاً في بعض الأحيان أن تكون الرؤية أوسع بحيث تقع الآخرة
ضمن نطاقها. ومن ثم يظهر مراراً وتكراراً التوقّع بأن
الأبرار سينتصرون يوماً على الأشرار وأن النور سيقهر
الظلمة، والقوات السماوية ستدحر القوات التي على الأرض
والتي تحت الأرض.
جميع هذه التصورات الوثنية التي قللت المسيحية من شأنها أو
أزالتها، عادت للظهور في الأزمنة الحديثة ولقيت لها عدداً
من المناصرين. ولم يكن في وسع المادية بعد فترة قصيرة أن
تُقنع غير قلة ضئيلة، حتى إن بعضهم جنحوا إلى النقيض
المواجه. فالإنسان يبقى على حاله، وقلبه لا يتغير، فلا
يستطيع أن يحيا بلا رجاء. والاعتقاد أن النفوس تبقى حية
بعد الموت، وأنها تظهر وتتراءى للأحياء، وأنها عند الموت
تتخذ جسداً آخر وتُرقِّي ذاتها من خلاله، وذلك تبعاً
لسلوكها على الأرض: هذا كله يُرحَّب به الآن في أوساط
عديدة باعتباره حكمةً جديدة، بل الحكمة العليا. وفي الواقع
أن أرواح الموتى، في بعض الحالات، عادت تُستحضر وتُعبد
وتُتّقى، وها هي عبادة الأرواح – أو الطريقة الأرواحية –
تعود لتحلّ محل عبادة الإله الواحد الحقيقي.
ومن علامات هذا الزمان الحاضر على نحو خاص أن عبادة
الأرواح هذه ترتبط بعقيدة التطور ارتباطاً وثيقاً. وقد
يتصور المرء، بادئ بدء، أن ارتباط كهذا غريب. فكيف يُعقل
أن يؤمن شخص يقبل تطور الإنسان من الحيوان بوجود للنفس بعد
الموت؟ ولكن عند إعادة النظر يتبين أن الارتباط بسيط
وطبيعي جداً. فإذا كان للحي أن ينشأ في الماضي مما هو ميت،
وللنفس أن تنشأ من المادة، وللإنسان نفسه في المستقبل على
نحوٍ أكثر تعقيداً وسمواً، لا على الأرض فقط، بل أيضاً في
ما وراء القبر؟ وإذا كانت الحياة قد نشأت من الموت، فمن
الممكن أن يؤدي الموت أيضاً إلى مستوى من الحياة أسمى.
وإذا كان الحيوان قد صار إنساناً، فقد يكون في وسع الإنسان
أيضاً أن يصير ملاكاً. هذه الفكرة بالذات من أفكار التطور
بدا أنها جعلت كل شيء ممكناً وفسّرت كل شيء. ولكن ما إن
أُنشئ هذا البيت الكرتوني بدقة، وعُلِّلت النفوس بهذا
الأمل، حتى أخذ يتزعزع الأساس الذي بُني عليه.
وبالحقيقة أن أنصار نظريتي الفناء والتطور لا يريدون أن
يسمعوا شيئاً عن تعليم الكتاب المقدس في موضوع الموت
والقبر والدينونة والعقاب. فالموت برأيهم ليس هو عقوبة
الخطيئة بل مجرد وسيلة انتقالية إلى حياة أسمى وأفضل. وليس
في الموت من حكم إلا بهذا المعنى: أن على كل إنسان أن
يتحمل عواقب إرادته وعمله. وهكذا لا يبقى مكانٌ للجحيم ما
دام كل إنسان يُدخَل في عملية التطور وعليه بالتالي أن
يُخرج منها عند النقطة المناسبة، عاجلاً أو آجلاً، وبعد
فترة من الخطأ والضلال تطول أو تقصر. وعليه، فإذا سُئِل
هؤلاء الأنصار عن إمكانية وجود ما يُدعى حياة أبدية ،حيث
تعمّ الحياة سعادة ومجد لا ينتيهان، يلجأون حالاً إلى
الصمت كأمر حتمي. فطالما شنّ هؤلاء حربهم على العقائد
المسيحية المختصة بالموت والقبر والدينونة والعقاب، وطالما
ابتهجوا بإبطال هذه العقائد على زعمهم، حتى فاتهم أن
يطرحوا هذا السؤال: ألا يسقط أيضاً، بسقوط هذه العقائد،
الرجاء بحياة أبدية وبسعادة لا تنتهي البتة؟ وحالما يؤتى
بهذا السؤال، يتوضح أن الرجاء بحياة أبدية قد فقد بطريقة
ما في حمّى المعركة. فبالسكين التي استُخدمت لاستئصال كل
خوف من قلب الإنسان، استؤصل أيضاً كل رجاء.
والثابت أنه لو كان التطور هو الناموس الكلي الشمول للعالم
والبشرية، حاضراً ومستقبلاً، لجُرِّد الرجاء بحياة أبدية
من كل أساس متين. والفكرة القائلة بأن كل شيء في النهاية
سوف يصل إلى غاية مرضية، هذه الفكرة بحد ذاتها، تبقى
تخميناً بتخمين؛ وهي فكرة لا تلقى أي سند – لا في الكتاب
المقدس ولا في الضمير، لا في الطبيعة ولا في التاريخ. ولكن
لنفترض لحظة أن هذا التخمين كان صحيحاً، فعندئذ يكون لدينا
وضعٌ لا يمكن أن يستمر على حاله البتة. ذلك أن ناموس
الارتقاء الذي كان سارياً من قبل والذي أدى إلى هذا الوضع
الجديد، لابد أن يظل سارياً حتى يجعل الكائن البشري يدخل
حالةً مختلفة. فليس في أي مكان من نظرية التطور نقطة
استراحة، ولا نهاية ولا غاية. أما السعادة التي ستأتي بها،
حسب توقّع كثيرين من أنصارها، فهي دائماً في طور الصيرورة.
وإذاً، فلا يمكن أن يكون ثمة شيء مما يدعى حياة أبدية
سعيدة. ومن هنا أن بعضهم، وقد اقتنعوا بعدم وجود استقرار
أو استراحة، عادوا فاستدعوا من جديد تلك العقيدة الوثنية
القديمة القائلة بأنه سيكون لكل شيء تكراره الدائم أبداً،
وهم الآن يقدمون هذه الفكرة باعتبارها الحلّ لمعضلة
العالم. وإذا كان الوجود الآن قد بلغ ذروة تطوره، فلابد أن
ينهار أيضاً ليبدأ كل شيء من جديد. فبعد المدّ جزر، والجزر
لابد أن يسبب المدّ من جديد. وبعد التطور يأتي التقهقر،
الأمر الذي يؤدي إلى التطور من جديد. وهكذا دواليك دون
توقف البتة. فليس ثمة ما يسمى أبدية، بل هنالك فقط الزمان.
هناك فقط حركة، وليس من راحة. هناك فقط صيرورة، وليس من
كينونة. هناك فقط المخلوق، وليس من خالقٍ كائن وكان ويكون.
هذا كله يؤيد ما تقوله الكلمة المقدسة من أن الذين هم بلا
مسيح، وأجنبيون عن رعوية الشعب القديم، وغرباء عن عهود
الوعد الإلهي، ليس لهم رجاء وهم في العالم بلا إله (أف 2:
12). لهم أن يخمنوا وأن يأملوا، هذا صحيح. وبالحقيقة أنهم
لا يكفون عن التخمين والأمل، ولكن ليس لديهم أساس راسخ
لآمالهم. فإنهم يفتقرون إلى يقينية الرجاء المسيحي.
ولكن ما إن نلتفت نحو الشعب القديم حتى يُفضي بنا السبيل
إلى مفهوم مختلف جداً. فالعهد القديم لا يتكلم البتة عما
يسمى خلود النفس، ولا يقدم ولو بيّ،ة واحدة على هذا الأمر،
إلا أنه يعزز فكراً في الحياة والموت لا يمكن العثور عليها
في مكان آخر وتلقي على المستقبل ضوءاً مختلفاً جداً.
ولا تشير البتة إلى الموت باعتباره معادلاً للفناء أو عدم
الوجود. فأن يموت الإنسان ويكون ميتاً هو أمر يشير إليه
الكتاب المقدس باعتباره نقيضاً للحياة الكاملة والغنية
والتامة التي كانت في الأصل من نصيب الإنسان في حال الشركة
مع الله هنا على الأرض. وعليه، فعندما يموت الإنسان لا
يتأثر جسده فقط بل نفسه أيضاً. فالإنسان بجملته يموت، ومن
ثم يُوجَد في حال الموت جسداً ونفساً معاً؛ ور يعود ينتمي
إلى الأرض بل يصير من المقيمين في عالم الموتى (شيئول أو
الهاوية)، وهو مكان اعتقد الأقدمون أنه في أعماق الأرض،
وتحت المياه وأسس الجبال. صحيح أن المتوفين ما يزال لهم
وجود ما هنالك، ولكن هذا الوجود لا يعود يستحق أن يسمى
حياة، وهو أشبه بعدم الوجود. إنهم ضعفاء وعاجزون (مز 88:
5؛ إش 14: 10)، ويسكنون في أرض السكوت، وفي أرض الظلام (أي
10: 20، 21) والفساد (أي 26: 6؛ 28: 22). وكل ما يحمل اسم
الحياة ينقطع هناك؛ كما أن الله والناس لا يُرَون هناك بعد
(إش 38: 11)؛ والرب لا يُسَبَّح ويُحمَد هناك بعد (مز 6:
5؛ 115: 17)، وليس هنالك من يُحدِّث بفضائله ويُعرِّف
عجائبه (مز 88: 11 - 13). وليس للأموات معرفة، ولا حكمة
ولا علم، وهم لا يعملون عملاً ما، وليس لهم نصيب في جميع
ما يجري تحت الشمس. والهاوية هي أرض النسيان (مز 88: 13).
هكذا كان قديسو العهد القديم ينظرون إلى الموت: باعتباره
طرحاً كلياً خارج دائرة الحياة والنور. وفي مقابل هذا كله،
اعتُبرت الحياة ملء السعادة والخلاص. فلم تكن الحياة
تُفهَم بمعنىً فلسفي مطلق كنوع من أنواع الوجود المجرد. إذ
اشتملت الحياة، من حيث طبيعتها بالذات، على ملء البركة،
وذلك في الشركة مع الله قبل كل شيء، ولكن بالتالي أيضاً في
الشركة مع شعبه والتمتع بنصيب في الأرض التي أعطاها الرب
لشعبه. فالحياة إذ ذاك تتضمن وجود الإنسان الكامل والغني
في وحدة نفسه وجسده، وفي اتحاد مع الله وانسجام مع المحيط،
كما تتضمن أيضاً البركة والمجد، الفضيلة والسعادة، السلام
والفرح. ولو ظلّ الإنسان مطيعاً لوصية الله، لكان قد ذاق
هذه الحياة الغنية ولم يرَ الموت (تك 2: 17)، ولا حصل
انقسام بين جسده ونفسه، ولا انقطعت الصلة التي كانت تربطه
بالله، وبالجنس البشري، وبالأرض. ولو كان ذلك كذلك، لظلّ
الإنسان حياً إلى الأبد، في الشركة الغنية التي وُضِع فيها
منذ البدء؛ ولبقي خالداً كإنسان في وحدة كينونته وملئها.
وإذا كان الموت قد دخل العالم من جراء الخطية، فإن الله مع
ذلك جدّد بالنعمة الشركة مع الإنسان وأقام عهده مع الشعب
القديم. في ذلك العهد أُعيد تأسيس تلك الشركة التامة من
حيث المبدأ. وقد اشتمل ذلك العهد، كما وُجد في العهد
القديم، على الشركة مع الله، ولكن بالتالي أيضاً على
الشركة مع شعبه وأرضه. أما الشركة مع الله فهي البركة
الأولى والأهم من بركات العهد، ومن دونها لا يمكن التحدث
عن الحياة فعلاً. وقد التزم الله عهده مع إبراهيم قائلاً:
أكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك (تك 17: 7). ثم أُخرج بني
إسرائيل من مصر، وفي سيناء دخل معهم في عهدٍ مُبرَم.
ومن ثم لم يكن للشعب عموماً ولكل واحدٍ منه بمفرده أي فرح
إلا في الشركة مع الرب. أما الأشرار فلم يفهموا هذا،
ونقضوا العهد، وطلبوا الحياة والسلام بطرقهم الخاصة. فقد
تركوا ينبوع الحياة وحفروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشققة
لا تضبط ماءً (إر 2: 13). وأما القديسون فقد عرفوا الحياة
الفاضلة وعبّروا عنها في صلواتهم وتسابيحهم. فالرب نصيب
قسمتهم، وصخرتهم وحصنهم، وترسهم وملجأهم (مز 16: 5؛ 18:
2). ورحمته أفضل من الحياة (مز 63: 3). وهو خيرهم الأسمى
الذي ليس سواه في السماء ولا على الأرض فيُرتجى (مز 73:
25). حتى لو تخلى عنهم الجميع، وطاردهم الأعداء وقهروهم،
فإنهم يبتهجون بالرب ويفرحون بإله خلاصهم، ويطفرون فرحاً
(حب 3: 18). وبهذه الشركة مع الله يمكّنوا من التغلب على
كل ما في الحياة الأرضية من شقاء، وأيضاً على رهبة الموت
وخوف القبر وظلمة الهاوية. وربما أصاب الأشرار نجاحاً
وقتياً، لكنهم في آخرتهم يهلكون (مز 73: 18 - 20). فطريق
هؤلاء تؤدي بهم إلى الموت رأساً (أم 8: 36؛ 11: 19)، أما
القديسون فمخافة الرب عندهم ينبوع حياة (أم 8: 35؛ 14:
27). وغالباً ما ينجّيهم الرب في هذه الحياة، إلا أن له
أيضاً سلطاناً على عالم الموتى، فهو بروحه حاضر هناك أيضاً
(مز 139: 7، 8). ولا يخفى عليه تعالى أيّ شيء، ولو كان في
قلوب بني البشر. وهو يميت ويحيي؛ وله القدرة على الهبوط
إلى الهاوية والصعود منها أيضاً. وقد أصعد أخنوخ وإيليا
إليه دون أن يموتا (تك 5: 24؛ 2مل 2: 11)، وهو القادر أن
يُحيي الموتى. بل إنه قادر أن يبيد الموت ويدحره كلياً
بإقامة الذين ماتوا.
ولكن مؤمني العهد القديم عاشوا غالباً في جوّ فكري مختلف،
وإن كان حقاً أنهم أدركوا – إلى مدى يطول أو يقصر – أن
الشركة مع الرب لا يمكن أن ينقضها، ولا أن يقطعها لو
وقتياً، الموت والنزول إلى القبر والبقاء في حال الموت. قد
اختلفوا عنّا كثيراً في التفكير بالنسبة إلى هذه الأمور.
فعندما نفكر نحن في المستقبل، نفكر على أكثر تقدير في
موتنا ورفع نفوسنا إلى المساء. ولكن شعب العهد القديم كانت
لديهم عن الحياة فكرة أغنى كثيراً مما لدينا. كان عندهم
الوعي بالشركة مع الله مرتبطاً بالشركة مع شعبه وأرضه.
والحياة الحقيقية الكاملة كانت الانتصار على كل انفصال، إذ
تركزت في استعادة وتثبيت تلك الشركة الغنية التي كان فيها
الإنسان عند خلقه أصلاً، وقد أبرم الله العهد لا مع شخص
واحد، بل مع شعبه وأيضاً مع الأرض التي أعطاهم إياها
ميراثاً. من ثم فأن الموت يُدحر كلياً، والحياة بكل ملئها
تبرز إلى النور، عندما يأتي الرب نفسه ليسكن بين شعبه،
ويطهرهم من كل إثم، وينصرهم على جميع الأعداء، ويُسكنهم
آمنين في أرض ازدهار وسلام. ومن ثم كان نادراً، إلى حدّ
ما، أن تشخص عين الإيمان عند قديسي العهد القديم إلى نهاية
حياته الخاصة. فإن نظرة المؤمن كقاعدة عامة، اشتملت على ما
هو أكثر: إذ شملت أيضاً مستقبل بلده وشعبه. فقد كان يشعر
دائماً بأنه جزء من الكل، فردٌ من أفراد الأسرة والسلالة،
والسبط والأمة، والأمة التي أبرم الله عهده معها، والتي
لذلك لا يمكن أن يتخلى عنها أو يبيدها. وقد وجد مؤمن العهد
القديم في مستقبل شعبه ضماناً لمستقبله هو: فإن خلوده
وحياته الأبدية مضمونتان بنصيبه في مُلك الله. إلى لحيظة
غضبه حياة في رضاه وإذا دام غضب الله يوماً، فإن حياة
كاملة في رضاه ستعقب. وربما يوحي الحاضر أن الله قد نسي
شعبه، وأن حقهم قد فات إلههم، ولكن الله سوف يعود بعد
التأديب ويقيم عهداً جديداً لا يُنقَض البتة. فإن حنين
قديسي الشعب القديم انصبّ على ذلك المستقبل المجيد بكل
أشواق النفس، إذ كان لدى ذلك الشعب رجاء عظيم وقد كان
الوعد بالمسيح الآتي هو جوهر توقعاتهم وآمالهم.
تلك التوقعات كان لها أرضية وأساس في العهد الذي أقامه
الله مع شعبه. وقد نصّت شريعة ذلك العهد أن الشعب، إذا
عصوا صوت الرب ومضوا يسلكون في طرقهم الخاصة، سيعاقبهم
الرب عقاباً قاسياً ويرسل عليهم جميع أنواع الأوبئة.
فبالذات، لأن الله اختار قديسي ذلك الشعب من بين جميع شعوب
الأرض، لذلك يعاقبهم على جميع ذنوبهم (عا 3: 2). ولكن هذا
التأديب سيكون وقتياً؛ فبعد اكتماله يعود الله فيتراءف على
شعبه ويجعله يشترك في خلاصه.
فإن الرب لا يمكن أن ينسى عهده (لا 26: 42). إنه يؤدب شعبه
إلى حين، ويتركه لحيظة فقط. وهو يحب شعبه محبة أبدية (مي
7: 19؛ إر 31: 3، 20)، وعهد سلامه لن يتزعزع (إش 54: 10).
فهو في التزام تجاه اسمه، ومجده بين الأمم، أن يفدي شعبه
عند انتهاء فترة العقاب وأن ينصره على جميع أعدائه.
وعلى هذا، فإن "يوم الرب" آتٍ، وهو عظيم ورهيب، وفيه سيرحم
الله شعبه ويصب غصبه على أعدائه. والمملكة التي سيقيمها في
ذلك الوقت لن تبرز إلى الوجود من طريق التطور التدريجي عبر
سلطة الشعب الأدبية، بل بالأحرى ستأتي من فوق، من السماء،
وتنزل إلى الأرض على يد مسيح الرب. والوعد بهذا المسيح
يعود إلى أقدم الأزمنة في تاريخ العبرانيين والجنس البشري
كله. ففي الفردوس أُعلن النزاع بين نسل المرأة ونسل الحية،
وأُعطي الوعد بانتصار الأول على الثاني (تك 3: 15) وقد
وُعِد إبراهيم بأنه فيه تتبارك جميع شعوب الأرض (تك 13: 3؛
26: 4). ويهوذا ممدوح أكثر من إخوته لأن منه سيأتي شيلون
(صاحب الأمر) الذي له ستخضع جميع الشعوب (تك 49: 10).
ولكن هذا الوعد يتخذ صورة مجسمة على نحوٍ خاص عندما تعين
داود ملكاً على كل إسرائيل وقيل له إن بيته سيكون ثابتاً
إلى الأبد (2صم 7: 16؛ 23: 5). ومن ثم تقدم النبوة هذا
الوعد بتفصيل أكثر. فالرئيس الذي بواسطته سوف يوطِّد الله
مملكته سيولد من بيت داود الملكي في بيت لحم (مي 5: 1، 2).
ولسوف ينبت كقضيب من الجذع (إش 11: 1، 2)، وكغصنٍ من داود.
وسوف ينشأ في ظروف الفقر (إش 7: 14 - 17)، ويكون وديعاً
ومتواضعاً، راكباً على جحش ابن آتان (زك 9: 9)، بصفته عبد
الرب المتألم سوف يحمل آثام شعبه (إش 53). ولكن ابن داود،
هذا المتواضع، هو في الوقت عينه ربّ داود (مز 110: 1؛ مت
22: 43)، والمسيح أو الممسوح، ملك إسرائيل الحقيقي، من
يجمع إلى جانب جلاله الملوكي وظيفتي النبي والكاهن. إنه
الحاكم الذي ستُخضَع له جميع الشعوب (تك 49: 10؛ مز 2:
12)، ويدعى عمانوئيل، والرب برّنا، عجيباً، مشيراً، إلهاً
قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام.
والمملكة التي سيأتي المسيح ليؤسسها هي مملكة برّ وسلام،
وسوف تجلب معها كنزاً من البركات الروحية والمادية.
والمزامير والأنبياء زاخرة بمجد تلك المملكة المسيانية.
فإن الرب، على يد مسيحه، يجعل شعبه يرجعون من السبي، ومه
هذه العودة سيهبهم في الوقت عينه توبة القلب الحقيقية.
صحيح أنهم لن يرجعوا جميعاً فيتحولوا إلى الرب، وسيهلك
كثيرون منهم في الدينونة التي ستأتي على شعبه أيضاً. إلا
أن بقيّة منهم ستُحفظ حسب اختيار النعمة. هذه البقية تكون
شعباً مقدَّساً للرب، وهو يكون أميناً نحوها إلى الأبد.
وسيقيم مع هذه البقية عهداً جديداً، يغفر لهم خطاياهم،
ويطهرهم من كل نجاستهم، ويعطيهم قلباً جديداً، ويكتب
شريعته في قلوبهم، ويسكب روحه عليهم ويسكن فيما بينهم.
ولسوف تصحب هذه المملكة جميع أنواع البركات، لا الروحية
فقط بل المادية أيضاً. ولن تكون حرب فيما بعد، فالسيوف
تُحوَّل سكك فلاحة، والرماح مناجل، ويجلس الجميع آمنين
كلٍّ تحت كرمته وتينته. وتصير الأرض مخصبة ومنتجة على نحوٍ
مذهل؛ وتُعطى الحيوانات طبعاً جديداً غير الذي كان لها من
قبل؛ وتجدَّد السماوات والأرض؛ ولن يكون مرضٌ بعد، ولا
حزنٌ ولا بكاء، ويُبتلع الموت في غمرة الغلبة. أما قديسو
العهد القديم الذين ماتوا، فسيقامون من الموت ليشتركوا
أيضاً في البركات (إش 26: 19؛ دا 12: 2)؛ والشعوب الوثنية
أيضاً ستعترف في النهاية أن الرب هو الله، وستفتخر به.
وشعب القديسين سيولَّى السلطان على جميع ممالك الأرض (دا
7: 14، 27)، ويملك الملك الممسوح، الآتي من بيت داود، من
البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض.
جميع هذه النبوءات الواردة في العهد القديم لقيت بداءات
إتمامها لما ظهر المسيح في الجسد؛ إذ في شخصه ومن خلال
عمله تأسس على الأرض ملكوت السماء ذاك الذي طال انتظاره
عبر العصور. وبدمه ثبت العهد الجديد والأفضل الذي سوف
يقيمه الله مع شعبه في الأيام الأخيرة. وفي يوم الخمسين
أرسل روح النعمة والتضرعات ليسكن في الكنيسة ويرشدها إلى
جميع الحقّ ويكملها إلى النهاية. إلا أن ما أجملته نبوة
العهد القديم في صورة واحدة كبيرة، تفرّق فيما بعد إلى
أجزاء شتى. فقد برز إلى الوجود شيء بعد الآخر من قبيل هذه
النبوة. وهي لن تتحقق في لحظة واحدة أو يومٍ واحد، بل على
مرّ الزمن وفي فترات متعاقبة تمت على أجزاء. وبمزيد من
التحديد: يعلّمنا العهد الجديد أن مجيء المسيح الذي
توقَّعه الأنبياء ينبغي أن نضع فاصلاً بين مجيء أول ومجيء
ثانٍ. فبحسب النبوة، ينبغي أن يأتي المسيح لغرض الفداء
والدينونة – فداء شعبه ودينونة أعدائه. ولكن عند إتمام هذه
النبوة يتبيّن واضحاً أن كلاًّ من هذين الغرضين يقتضي
مجيئاً خاصاً من المسيح.
ومهما يكن، فإن المسيح، في أثناء إقامته بالجسد على الأرض،
عبَّر مراراً وتكراراً عن حقيقة كونه قد جاء ليطلب ويخلِّص
ما قد هلك (لو 19: 10)، وليخدم ويبذل نفسه فديةً عن كثيرين
(مت 20: 28)، وليس ليدين العالم بل ليوفِّر له الخلاص.
ولكن المسيح، في الوقت عينه، يقول بوضوح وصراحة إنه من
طريق النور الذي بنشره يأتي بدينونة وانقسام إلى العالم
(يو 3: 19؛ 9: 39) وأنه سوف يعود يوماً ليدين الأحياء
والأموات (يو 5: 22، 27 - 29). صحيح أنه ينبغي أن يصلب
ويموت، ولكنه بعد ذلك سيقوم من الموت ثم يصعد راجعاً إلى
السماء (مت 16: 21؛ يو 6: 62) لكي يأتي في ما بعد ثانيةً
ليجمع أمامه كل الشعوب ويجازي كل واحدٍ حسب عمله.
وهكذا يوجد اختلاف كبير بين هذين المجيئين للسيد. ففي
المجيء الأول ظهر المسيح في ضعف الجسد، في صورة عبد،
ليتألم ويموت عن خطايا شعبه (في 2: 6 - 8)؛ وفي المجيء
الثاني سيُظهر ذاته للجميع في قوةٍ ومجد بصفته ملكاً خرج
غالباً ولكي يغلب. إلا أن مجيئيّ الرب هذين، مع ذلك،
مترابطان على نحوٍ وثيق. فالأول ممهِّد للثاني، لأنه –
بحسب مفهوم الكتاب المقدس وقانون ملكوت السماء الأساسي –
لا يمكن لغير الآلام أن تؤدي إلى المجد، ولا لغير الصليب
أن يُفضي إلى التاج، ولا لغير الاتضاع أن يؤدي إلى
الارتفاع (لو 24: 26).
في المجيء الأول وضع المسيح الأساس، وفي الثاني سيتم بناء
الله؛ فالأول هو بداية عمله وسيطاً، والثاني نهاية هذا
العمل. فلأن المسيح مخلّص كامل لم يأتِ فقط بإمكانية
الخلاص بل أيضاً بحقيقته الواقعية، فلا يمكن ولا يجوز أن
يستريح قبل أن ينجز فداء خاصته بدمه، وتجديدهم بروحه،
والإتيان بهم إلى حيث هو، ليكونوا هناك معانين لمجده
وشركاء فيه (يو 14: 3؛ 17: 24). ولابد أن يعطي الحياة
الأبدية للذين أعطاه الآب إياهم (يو 6: 39؛ 10: 28)، وأن
يحضر كنيسته – وهي بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك –
إلى الآب (أف 5: 27)، وأن يسلّم المُلك له بعد إتمامه
وإكماله كلياً (1كو 15: 23 - 28).
ولما كان كل من المجيء الأول والثاني مترابطين هذا الترابط
الوثيق، ولأنه لا يمكن التفكير باحتمال وقوع الأول دون
الثاني، فإن الكلمة المقدسة لا تشدّد كثيراً على طول
الزمان الواجب أن ينقضي بين الاثنين، ولا على قصره.
فالارتباط الوقتي هو في الكتاب المقدس أقل من الارتباط
الماديّ كثيراً من حيث الأهمية. والزمن المعترض بين
المجيئين غالباً ما يقدَّم بوصفه قصيراً جداً. فمؤمنو
العهد الجديد يعيشون في أواخر الدهور (1كو 10: 11)،
والأزمنة الأخيرة (1بط 1: 20)، والساعة الأخيرة (1يو 2:
18). وليس لهم إلا زمان يسير يتألمون فيه (1بط 1: 6؛ 5:
10)، لأن اليوم يقترب (عب 10: 25، 37). والمستقبل بات
قريباً (يع 5: 8)، والوقت قريب (رؤ 1: 3؛ 22: 10)ن
والديّان واقفٌ عند الباب (يع 5: 9)، والمسيح آتٍ سريعاً
(رؤ 3: 11؛ 22: 7، 20). ولم يعدَّه بولس أمراً بعيد
الاحتمال أن يحيا هو ومعاصروه ليشهدوا رجوع المسيح (1تس 4:
15؛ 1كو 15: 51).
كلمة الله المقدسة في ذكر هذه الأشياء، لا تقدِّم لنا أية
تعليمات محددة بخصوص هذه الفترة الفاصلة، إذ تقول لنا
صراحةً في موضع آخر إن اليوم والساعة مخفيان عن البشر
والملائكة، وإن الآب جعلهما في سلطانه (مت 24: 36؛ أع 1:
7). فكل محاولة حسابية لتحديد ساعة بدء الأمور الأخيرة
إنما هي عقيمة وغير مجدية (أع 1: 7)، لأن يوم الرب سيأتي
كلصّ في الليل، في ساعةٍ لا يعلمها البشر. وفي الواقع أن
ظهور المسيح لن يتم قبل إكمال البشارة بالملكوت في جميع
المسكونة (مت 24: 14) حتى يكون ملكوت السماوات قد خمَّر
الكل (مت 13: 33)، وظهور إنسان الخطية علناً (2تس 2: 2 وما
يلي). فإن عند الرب معياراً آخر لقياس الوقت يختلف عما
لدينا: لأن يوماً واحداً عنده كألف سنة، وألف سنة كيومٍ
واحد. وتأنيه الذي يبدو كأنه إرجاء إنما هو تأن من رحمته،
لأنه لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة
(2بط 3: 8، 9).
لكن ما تريد الكلمة المقدسة أن تعلِّمنا إياه بهذه الأقوال
المتنوعة بخصوص الفترة الفاصلة بين مجيء المسيح الأول
والثاني، فهو أن كلا المجيئين مرتبط بالآخر ارتباطاً
وثيقاً. فالعمل الذي أعطاه الآب للمسيح هو عمل واحد؛ وهذا
العمل يمتدّ عبر جميع العصور ويشتمل على تاريخ البشرية
بكامله. فقد بُدئ به في الأزل، واستمر عبر الزمن؛ وسوف
يكتمل أيضاً في الأبد. وما الفترة الوجيزة التي عاشها
المسيح في الجسد على الأرض إلا جزء يسير جداً من الأجيال
التي تعيِّن سيداً وملكاً عليها. وما أنجزه خلال تلك
الفترة بآلامه وموته، طبقه عملياً في الكنيسة، بواسطة
كلمته وروحه، منذ وقت صعوده، وسوف يتمّه في مجيئه الثاني.
وبالحقيقة أنه صعد إلى السماء ليكون أقرب ما يكون إلى
خاصته، ليكون على الدوام مرتبطاً بم أوثق ارتباط، ولكي
يقترب منهم أكثر فأكثر كل حين. حتى إن الزمن الذي ينصرم
بين مجيئي المسيح الأول والثاني إنما هو في الواقع مجيء
مستمر من قبل المسيح إلى العالم.
وكما أعلن عن مجيئه في الجسد بكل أنواع الإعلانات
والأفعال، في أيام العهد القديم كذلك هو الآن عاكف على
الإعداد لرجوعه كي يدين ويميز، دينونة وفصلاً يحدثهما
بكلمته وروحه في عالم البشر. فإن مجيء المسيح الذي جُعِل
مؤمنو العهد الجديد شهوداً له هو مجيء مستمر. ذلك أنهم
يرون ابن الإنسان جالساً عن يمين الله القوي وآتياً على
سحاب السماء (مت 26: 64). وهم يرون مجيئه في الكرازة
بكلمته وفي عمل روحه (يو 14: 18 – 20؛ 16: 16، 19 وما
يلي). فليس صحيحاً أن نقول إن المسيح جاء مرة واحدة إلى
الأرض بل بالأحرى إنه يجيء باستمرار، بحيث إنه الآتي والذي
سيأتي (عب 10: 37؛ رؤ 1: 4، 8).
لأجل هذه الأسباب يتطلّع مؤمنو العهد الجديد بشوقٍ عظيم
إلى رجوع المسيح. مثل ما كان قديسو العهد القديم كذلك
أولئك في العهد الجديد كلما فكروا وتكلموا عن نهايتهم
الشخصية بالموت. إذ كانت جميع آمالهم موجهة نحو رجوع
المسيح وتحقيق ملكوت الله. وقد كانوا مدركين جداً لحقيقة
كونهم يحيون في يوم الإتمام، أي في ذلك اليوم الذي صوّرته
نبوة العهد القديم بأنه يوم الرب العظيم الشهير، والذي
يمتدّ من صعود المسيح إلى رجوعه. وما اقتراب ذلك اليوم،
كما فكروا فيه، إلا تعبيراً آخر عن اليقينية المطلقة التي
بها انتظروه. فإن إيمانهم القوي هو أساس رجائهم غير
المتزعزع.
تحدّث المسيح، في أثناء إقامته مع تلاميذه، كثيراً عن
الإيمان والمحبة وقليلاً عن الرجاء، لأن ما كان يهم آنذاك
هو أن يتركز انتباههم على شخصه وعمله. لكنه تفوّه بوعود
كثيرة تختص بقيامته وصعوده، وإرساله الروح القدس، ورجوعه
في المجد. وبآلام المسيح وموته تعرّضت آمال التلاميذ
للخيبة واليأس حيناً، لكنهم بقيامته ولدوا ثانيةً لرجاء
حيّ (1بط 1: 3، 21). إذ ذاك صار المسيح نفسه هو رجاءهم، أي
غرض كلّ آمالهم ومحتواها (1تي 1: 1). فإنه عندما يعود يتمم
جميع وعوده ويمنح المعترفين به حقاً الخلاص الكامل والحياة
الأبدية. ولذلك يحيا المؤمنون به على الرجاء، وينتظرون
دائماً الرجاء المبارك الممهِّد لظهور مجد الرب يسوع
المسيح – إلههم ومخلّصهم العظيم (تي 2: 13). وهذا الرجاء
تشترك فيه الخليقة التي تئن كلها؛ فإذ هي مُخضَعة للبُطل،
تتوق أيضاً لأن تُحرَّر من عبودية الفساد إلى حرية مجد
أولاد الله (رو 8: 20، 21).

|