|
الحياة
الأبدية-2
ولكن مع أن اهتمام مؤمني العهد الجديد منصبّ فعلاً على
رجوع المسيح، يقدّم العهد الجديد بعض التفاصيل التي تُلقي
ضوءاً ما على مكانة الموت في تقديرهم. وبحسب تعليم الكنيسة
الكاثوليكية، أن قلّة من القديسين والشهداء – صورة نسبية –
يستطيعون بأعمالهم الصالحة أن يحققوا على الأرض ما يوفر
لهم عند الموت أن ينتقلوا مباشرةً إلى السماء. وتبعاً لهذا
الرأي، فإن أغلبية المؤمنين الساحقة ينبغي أن يقضوا بعد
الموت فترةً في المطهر، تقصر أو تطول، لكي يؤدوا هنالك
العقوبات الزمنية التي استحقوها بخطاياهم والتي لم
يستطيعوا إكمال تأديتها في أثناء حياتهم على الأرض.
وهكذا يصوِّر المطهر لا مكاناً للتوبة تعطى فيه فرصة
الخلاص لغير المؤمنين والأثمة، لأن غير المؤمنين والأثمة
يذهبون رأساً إلى الجحيم. وليس هو أيضاً مكاناً للتطهير أو
التقديس، لأن المؤمنين الذين يذهبون إليه لا يستطيعون أن
يحزروا فضائل أو استحقاقات جديدة هنالك. بل إنه بالأحرى
مكان عقابٍ فقط وليس إلا، فيه يخضع المؤمنون، المباركون من
جهة والذين هم نفوس مسكينة من جهة أخرى، لعقاب النار
المادية الذي يدوم إلى أن تستوفى عقوباتهم الزمنية. وإذاً،
ففضلاً عن الكنيسة المجاهدة على الأرض، والكنيسة الظافرة
في السماء توجد – بحسب رأي الكنيسة الكاثوليكية – كنيسة
خاملة أو متألمة في المطهر. ويقولون بأن المرء يمكن أن
يساعد الذين في المطهر بواسطة الصلوات والأعمال الصالحة
والتقشف، وخصوصاً بإقامة الجنازات وتوزيع القربان. وما دام
المقيمون في المطهر قد سبقوا المؤمنين وصاروا أقرب إلى
الخلاص، فإنهم – مثلهم مثل الملائكة والقديسين الذين في
السماء – ممّن يمكن توجيه الدعاء إليهم طلباً للمساعدة
والمعونة.
ولأن كثيرين لم يفهموا هذه العقيدة الكاثوليكية حقّ الفهم،
فغالباً ما عظّموا أمرها بإسراف واستغلوها لمناصرة استمرار
التطهير للمؤمنين بعد الموت. فلم يقدر هؤلاء أن يقبلوا أن
المؤمنين الذين ظلوا حتى ساعة موتهم غير كاملين ومعرَّضين
لكل شرّ يحرَّرون عند موتهم حالاً من كلّ خطية ويصيرون
أهلاً للسماء. وقد سلك آخرون سبيلاً أبعد من هذا أيضاً، إذ
طبقوا فكرة التطور على الحياة الآخرة أيضاً، وهم يصوّرون
المسألة على هذا النحو: أن جميع الناس دون استثناء،
يستمرون في ما وراء القبر بالسير على الخط الذي بدأوه على
الأرض، وربما كانوا قد بدأوا في حياة سابقة لحياتهم على
الأرض. وعليه لا يكون الموت انقطاعاً لهذه الحياة وعقوبة
على الخطية، بل مجرد الانتقال من أحد أنواع الوجود إلى
نوعٍ آخر،كالذي يحصل مثلاً عند تحوّل اليرقة إلى فراشة.
ويذهبون إلى أن هذا التطور سوف يستمر إلى أن يُوضَع كلّ
شيء في نصابه الصحيح أو يعود إلى اللا شيء.
غير أن كلمة الله المقدسة لا تعرف شيئاً من جميع هذه
التعاليم العديمة الرجاء والعزاء. فهي تبيّن في كل موضع
منها أن الأرض هي المكان الوحيد للتوبة والتطهير، ولا تذكر
في أي موضع أي شيء عن أي تبشير بالإنجيل في ما وراء القبر،
لا في (متى 12: 32)، ولا في (1بط 3: 18 - 22)، ولا في
(1بطرس 4: 6). فالموت، بوصفه عقوبة الخطية، يمثل انقطاعاً
كلياً للحياة على الأرض هنا؛ وعند الدينونة الأخيرة لا
تولى الفترة الفاصلة أي اعتبار. فالدينونة معنيّة فقط بما
حدث في الجسد، خيراً كان أو شرّاً (2كو 5: 10). ولكن الذين
يؤمنون بالمسيح لا يعود الموت والدينونة كلاهما يشكّلان
لهم أي خوف. لأنه بالشركة مع الله، بربنا يسوع المسيح، لا
يعود الموت موتاً بعد. والعهد الذي يقيمه الله مع خاصته
بالنعمة، يضمن الخلاص الكامل والحياة الأبدية. فالله ليس
إله أموات، بل إله أحياء (مت 22: 32). وكل من آمن بالمسيح
ولو مات فسيحيا؛ ومن كان حياً وآمن به فلن يموت إلى الأبد
(يو 11: 25، 26)، ولن يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من
الموت إلى الحياة (يو 5: 24).
ومن هنا أن المؤمنين يُؤخذون عند موتهم فوراً ليكونوا
بأرواحهم مع المسيح في السماء. فلو كان التبرير والتقديس
من عمل الإنسان، وقد أنجزهما بقوته هو أو بقوة نعمةٍ فائقة
سُكِبَت فيه، لما كان ممكناً فهم هذا – أعني إمكانية
إنجازه لهذا العمل خلال عمره القصير في هذه الحياة. ومن ثم
ينبغي أن الذين يفكرون هكذا يشددون على فكرة وجود مطهرٍ
واستمرارٍ للتطهير بعد هذه الحياة. غير أن المسيح قد أنجز
كلّ شيء بخاصته. فهو لم يحمل عنهم عقوبة خطاياهم فقط، ولم
يكسب لهم الغفران الكامل لها جميعاً وحسب، بل أتمّ أيضاً
الناموس نيابةً عنهم وأنار لهم الحياة والخلود. فمن يؤمن
يُنقَذ حالاً من غضب الله ويصبح وارثاً للحياة الأبدية. في
تلك اللحظة بالذات يصير أهلاً للسماء. وإذا تُرِك على
الأرض، فليس ذلك لأنه ينبغي له بعد أن يكمل نفسه ويكسب
الحياة الأبدية بأعماله؛ بل بالأحرى لأجل الإخوة – لكي
يسلكوا في أعمال صالحة أعدها الله (في 1: 24؛ أف 2: 10).
حتى أن الآلام التي يجب أن يحتملها مثل هذا الشخص على
الأرض غالباً، ليست عقاباً ولا قصاصاً، بل هي تأديب أبوي
يؤول إلى البنيان (عب 12: 5 - 11). إنه إكمال لما نقص من
شدائد المسيح في جسد المؤمن لأجل جسد المسيح الذي هو
الكنيسة، لبنائها وترسيخها في الحقّ (كو 1: 24).
وإذاً، فعلى أساس عمل المسيح الكامل، تنفتح السماء
للمؤمنين حالاً عند موتهم وليس عليهم أن يكابدوا بعد أية
عقوبات في أي مطهر، لأن المسيح قد أكمل كل شيء وأنجز العمل
تماماً. وبحسب ما جاء بالخبر المذكور في (لوقا 16)، فإن
لعازر المسكين حُمِل عند موته للحال إلى حضن إبراهيم على
أيدي الملائكة، ليتمتع هناك بالغبطة الأبدية في الشركة مع
إبراهيم. ولما مات المسيح على الصليب، استودع روح في يديّ
الآب، ووعد قبيل ذلك اللص بأنه في ذلك اليوم بالذات سيكون
معه في الفردوس (لو 23: 43، 46). والشهيد المسيحي الأول،
اسطفانوس، بينما كان يُرجَم صرخ إلى الرب يسوع وطلب إليه
أن يقبل روحه (أع 7: 59). وبولس على يقين من أنه عندما
يُحلُّ من الجسد سيكون مع المسيح ويقيم عند الربّ (2كو 5:
8؛ في 1: 23). وبحسب (رؤيا 6: 8؛ 7: 9؛ ومواضع أخرى) فإن
أرواح الشهداء وجميع المخلَّصين في السماء حاضرة أمام عرش
الله وأمام الحمل، مكتسية ثياباً طويلة وبأيديها سعف
النخل. فحقاً، طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ
الآن؛ إنهم يستريحون من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم (رؤ 14:
13؛ عب 4: 9)، وهم سيعيشون ويملكون مع المسيح عند رجوعه
(رؤ 20: 4، 6).
ومع أن المؤمنين يصبحون عند موتهم في الحال شركاء في
السعادة السماوية من حيث نفوسهم، فإن حالتهم ما تزال –
بمعنى من المعاني – حالة تمهيدية وغير مكتملة تماماً. فمع
كل هذا، ما تزال أجسادهم راقدة في القبور وعرضةً للفساد
هناك؛ إذ ما يزال الجسد والروح منفصلين بعضهما عن بعض ولا
يتمتعان متّحدين بالسعادة الأبدية. وعليه، فبنظرة شاملة
يجد المؤمنون أنفسهم في هذه الفترة المؤقتة ما يزالون في
حالة الموت، كحالة يسوع – بعد موته وقبل قيامته، مع أن
روحه أُخذَت إلى الفردوس. وتبعاً لهذا، فالمؤمنون الذين في
هذه الحالة يُدعون الراقدين في المسيح أو الذين ماتوا فيه،
وموتهم يدعى رقاداً، أي نوماً (يو 11: 11؛ 1كو 11: 30)
ومعاينة للفساد (أع 13: 36). وهذا كله يقدم البرهان على أن
هذه الحالة ليست هي الحالة النهائية بعد. ولما كان المسيح
هو المخلص إلى التمام، فهو لا يكتفي بفداء النفس، بل سيجري
أيضاً فداء الجسد. وعليه، فإن ملكوت الله يكتمل فقط عندما
يكون المسيح قد أبطل كل رئاسة وسيادة وسلطان، وجعل جميع
الأعداء تحت قدميه، غلب آخر عدوّ – أي الموت (1كو 1: 24 -
26).
فإن في السماء وهكذا على الأرض شوقاً وتوقاً إلى ذلك
المستقبل المجيد الذي يتم فيه القضاء المبرم وإحراز النصرة
النهائية. فإن نفوس الشهداء في السماء تصرخ بصوتٍ عالٍ:
حتى متى – أيها السيد القدوس والحق – لا تقضي وتنتقم
لدمائنا من الساكنين على الأرض (رؤ 6: 10)؟ والروح والعروس
على الأرض يقولان: تعال أيها الرب يسوع، نعم، تعال سريعاً
(رؤ 22: 17)! وليس ذلك فقط، بل إن المسيح نفسه يُعدَّ
لمجيئه الثاني، على الأرض وفي السماء معاً. ففي بيت أبيه
يُعدُّ مكاناً لخاصته، ومتى أعدّه يأتي ثانيةً ويأخذ خاصته
إليه، حتى حيث يكون هو يكونون هم أيضاً (يو 14: 2، 3).
وعلى الأرض يسود ملكاً، بنعمته في الكنيسة وبقوته في
العالم، إلى أن يجمع مختاريه ويُخضِع جميع أعدائه (1كو 15:
25). إنه لا يستريح، بل يعمل في كلّ حين؛ وهو إذ يعمل
يعبِّر أيضاً عن حقيقة رجوعه قائلاً: ها أنا آتي سريعاً،
وأجرتي معي، لأُجازي كل واحدٍ كما يكون عمله (رؤ 22: 12،
20).
وتاريخ العالم في الحقبة بين صعود المسيح ورجوعه هو مجيء
متواصل للمسيح، جمعٌ تدريجي لكنيسته على الأرض، وإخضاع
مستمر لأعدائه. ومع أننا في الغالب لا نرى هذا الأمر ولا
نفهمه، فإن المسيح هو بالحقيقة ملك الدهور وسيّد الأزمنة:
إنه الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر (رؤ 22:
13). ولأن الآب قد أحبّ الابن، فقد خلق العالم فيه، واختار
الكنيسة، ووهب لجميع الذين أعطاه إياهم أن ينظروا مجده
ويكونوا معه (يو 17: 24).
إذاً فليس إتمام ملكوت الله نتيجة لتطور الطبيعة على نحوٍ
تدريجي ولا هو حصيلة للجهد البشري. فمع أن ملكوت السماوات
يشبه بزرة خردل وخميرة وحبة حنطة، إلا أنه ينمو دون علم
البشر ومساهمتهم (مر4: 27). وربما كان لبولس أن يغرس
ولأبلوس أن يسقي، ولكن الله وحده هو الذي ينمّي (1كو 3:
6). فلا يعترف الكتاب المقدس بطبيعة لها الاكتفاء الذاتي
وإنسانٍ مستقلّ بذاته – إذ إن الله هو دائماً من يضبط نظام
الكون ويصنع التاريخ. وعندما تقترب الآخرة، على الخصوص،
سوف يتدخّل في التاريخ بطريقةٍ فائقة للعادة، وبظهور
المسيح يوقف عجلة التاريخ وينقله من الزمن إلى الأبد.
ولسوف تكون تلك حادثةً رهيبة عندما يظهر على سحاب السماء
المسيح المُرسَل من قبل الآب (أع 3: 20؛ 1تي 6: 15). فكما
صعد إلى السماء المنتشرة تحته كمركبة نصر عظيمة سيعود إلى
الأرض (مت 24: 30؛ رؤ 1: 7). وفي صورة عبدٍ ظهر على الأرض
في مجيئه الأول، أما في المجيء الثاني فسيأتي بقوة عظيمة
ومجدٍ فائق (مت 24: 30) بوصفه ملك الملوك وربّ الأرباب،
راكباً على فرسٍ أبيض، وسيفٌ حادّ يخرج من فمه، تحفّ به
ملائكته وقديسوه. ولسوف يُعلَن قدومه بصوت رئيس ملائكة
وبوق ملائكة.
ولكي يعطينا الكتاب المقدس انطباعاً عن الجلال والمجد
اللذين بهما سيظهر المسيح، لابد أن يستخدم كلمات وصوراً
نستطيع فهمها، الأمر الذي يفعله حقاً. وغالباً ما يون
صعباً علينا أن نجري تمييزاً بين الحقيقة بعينها والصورة
التي تُعبِّر عنها. ولكن مما لاشك فيه أن المسيح آتٍ
ثانيةً حتماً، المسيح نفسه الذي وُلد من مريم العذراء،
والذي تألم في عهد بيلاطس البنطي، ومات ودُفن وقام وصعد
إلى السماء؛ سيعود في مجدٍ ليدين الأحياء والأموات. فإن
الذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق جميع السماوات، لكي يملأ
الكلّ (أف 4: 10). والذي أخلى نفسه واتضع هو نفسه الذي
رفعه الله عالياً، وأعطاه اسماً يفوق كلّ اسم، لكي تجثو
باسم يسوع كل ركبة ويعترف كلّ لسان أن المسيح هو ربّ، لمجد
الله الآب (في 2: 6 - 11). والذي قدّم مرةً نفسه ذبيحةً
ليحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين
ينتظرونه (عب 9: 28). أجل، إن هذه الـ"ماران آثا" هي عزاء
الكنيسة: فإن الذي أحب الكنيسة منذ الأزل، وأسلم نفسه
للموت لأجلها، سيأتي حتماً ليأخذها إليه ويجعلها تشترك في
مجده إلى الأبد. والشخص الواحد بعينه هو مخلِّص الكنيسة
وقاضيها.
غير أن عزاء المؤمنين هذا يعدّله على نحوٍ لافت الألفيون
أنصار العقيدة الألفية المتشددة. فهؤلاء يقسمون مجيء
المسيح ثانيةً إلى رجوع أول ورجوع ثانٍ. في الرجوع الأول
يُخضِع المسيح القوات المضادة للمسيحية، ويقيّد الشيطان،
ويقيم المؤمنين الأموات، ويجمع الكنيسة – خصوصاً كنيسة
إسرائيل التائب – ومن ثم يملك على الأمم في هذه الكنيسة
وبها. وبعد أن تكون هذه المملكة قد دامت زماناً يطول أو
يقصر، والشيطان قد حُلّ، يرجع المسيح أيضاً فيقيم جميع
البشر من الموت، وينطق بحكم الدينونة عليهم، ويؤسس على
الأرض الجديدة ملكوت الله المكمّل.
بهذا الفصل بين رجوعين في مجيء المسيح ثانيةً، تُرجأ آخرة
التاريخ زمناً طويلاً. وعليه، فعندما يعود المسيح على
سُحُب السماء، لا تكون آخرة الدهر قد حلّت بعد، بل تعمّ
فقط فترة تمهيدية من السيادة والسلطان، والبركات الروحية
والمادية: فترةٌ لا يكاد الألفيون المتشددون أنفسهم
يستطيعون أن يكوّنوا عنها فكرة محددة، كما يختلفون كثيراً
في ما بينهم أيضاً حول طول مدّتها.
والخطأ الأساسي في ابتعاد الألفيين المتشددين للحقّ على
هذا النحو إنما يكمن في مفهوم خاطئ للعلاقة بين العهد
القديم والعهد الجديد. فإن اختيار إبراهيم ونسله لم يكن
هدفه جعل بني إسرائيل، في زمن ما من المستقبل، ولا في
ملكوت السماء المكمَّل أيضاً، على رأس جميع الأمم، بل
بالأحرى مباركة جميع شعوب الأرض في ذاك الذي هو نسل
إبراهيم الحقيقي. إذ إن الشعب القديم اختبر لخير البشرية،
وليس على حسابها. وعليه، فلما ظهر المسيح على الأرض، بدأت
جميع مواعيد العهد القديم تتم في كنيسته. وليست هذه
المواعيد، طوال تدبير العهد الجديد، موضوعة جانباً في حالة
ركودٍ بانتظار إتمامها، بل إنها تلقى إتمامها على الدوام
منذ مجيء المسيح أول مرة حتى عودته. فالمسيح هو في شخصه
النبي والكاهن والملك الحقيقي، وعبد الرب الحقيقي؛ ومن حيث
ذبيحته الكفارية هو ذبيحة الخطية الحقيقية، والختان
الحقيقي، والفصح الحقيقي. ولكن ليس هذا كل ما في الأمر، بل
إن كنيسة المسيح هي أيضاً نسل إبراهيم الحقيقي. فإن جميع
بركات إبراهيم ومواعيد العهد القديم تُضفى على الكنيسة في
المسيح وتُحقق فيها عبر توالي الأجيال.
ولكن كما أن حياة المسيح يمكن أن تُقسم إلى حالة اتضاع
وحالة ارتفاع، فكذلك أيضاً كنيسته، وكل مؤمن على الخصوص،
لا يمكن أن يُدخل ملكوت المجد إلا بعد الاجتياز في مدرسة
الآلام. فليس في المطهر كنيسة متألمة مستقلة – على ما يذهب
إليه الكاثوليك – بل إن الكنيسة المتألمة هي عينها الكنيسة
المجاهدة هنا على الأرض. والعهد الجديد لا يقدّم لكنيسة
المسيح أي أمل بأنها ستتمتع بالسلطة والسيادة خلال التدبير
الحالي. بل على العكس، فإن التلميذ ليس أفضل من معلمه، ولا
العبد أفضل من سيده؛ فإذا كانوا قد اضطهدوا المسيح، أفلا
يضطهدون أتباعه (يو 15: 19، 20)؟ وفي العالم سيكون لهم ضيق
(يو 16: 33). ولن تكون لهم الحياة الأبدية إلا في الدهر
الآتي (مر 10: 30)، لأنهم إن تألموا مع المسيح فسوف
يُمجَّدون معه أيضاً (رو 8: 17). وفي الواقع أن العهد
الجديد يعبّر أكثر من مرة عن فكرة أنه في أواخر الزمان
يزداد الشرّ ويستفحل الضلال والارتداد. فالذي يسبق يوم
ظهور المسيح هو الارتداد العظيم، واستعلان إنسان الخطية –
أي ضدّ المسيح (2تس 2: 3 وما يلي). صحيحٌ أن أنبياء كذبةً
وأضداداً للمسيح كثيرين سيمهّدون السبيل أمام ضدِّ المسيح
هذا، إلا أنه أخيراً سيظهر هو نفسه، وسيركّز كل قوته
وسلطانه في مملكة شاملة للعالم (الوحش الصاعد من البحر أو
الهاوية) في (رؤ 11: 7؛ 13: 1 - 10)، وستؤيده الديانة
الباطلة (الوحش الطالع من الأرض) في (رؤ 13: 11 - 18)،
ويجعل مركزه في بابل (رؤ 17: 18)، ومن ثم يشنّ هجمته
الأخيرة واليائسة على المسيح ومملكته.
إلا أن المسيح، بظهوره في المجد (رؤ 19: 11 - 16)، ينهي
مرةً وإلى الأبد سلطة الوحش الطالع من البحر وذاك الطالع
من الأرض (رؤ 19: 20)، ويُخضِع الشيطان أيضاً. ولكن لهذه
الحادثة الأخيرة مظهرين: فأولاً، يتم القبض على الشيطان
وتقييده باعتباره مُغوي الأمم الساكنين في أربع زوايا
الأرض (رؤ 20: 7 - 10). أما في تلك الأثناء، فإن المؤمنين
الذين ظلوا أُمناء لشهادة يسوع وكلمة الله، حتى الموت، سوف
يعيشون ويملكون مع المسيح في السماء بوصفهم ملوكاً طوال
تلك الفترة (وهي فترة معبَّر عنها رمزياُ بألف سنة – رؤ
20: 3، 4، 6، 7) والتي يكون الشيطان في أثنائها مطروداً من
الأمم التي تنتشر فيها الكنيسة ومنهمكاً في تنظيم قوة
جديدة ضدّ مملكة المسيح في وسط الشعوب الوثنية. ثم إن
القيامة الأولى هي هذا الإحياء والمُلك مع المسيح؛ أما
الأموات الآخرون، الذين اتبعوا الوحش وصورته فلا يحيون ولا
يملكون، على خلاف أهل القيامة الأولى الذين ليس لهم أن
يخافوا الموت الثاني، أي عقاب الجحيم – فهم منذ الآن كهنة
لله والمسيح (رؤ 20: 6)، وبعد القيامة الأخيرة ودينونة
العالم يُصعَدون ليكونوا مواطنين في أورشليم الجديدة.
أما قيامة الأموات فتأتي في إثر ظهور المسيح. ومع أن قيامة
الأموات هذه تُنسب عموماً إلى الله (1كو 6: 14؛ 2كو 1: 9)،
فهي بصورة محددة من عمل الابن الذي أعطاه الآب حياة في
ذاته (يو 5: 26) والذي هو نفسه القيامة والحياة (و 11: 25)
والذي أُعطي السلطان على إقامة الموتى من القبور بصوت فمه
(يو 5: 28، 29). وهذا كله يعلّم بوضوح – هنا وفي مواضع
أخرى أيضاً -
أنه ستحدث قيامة لجميع البشر، الأشرار والأبرار على
السواء.
إلا أن بين القيامتين فرقاً شاسعاً. فإن قيامة الأشرار هي
بيّنة على سلطان الرب يسوع المسيح وبرّه؛ أما قيامة
الأبرار فهي تجلٍّ لرحمته ونعمته. تلك لا تتعدى إعادة
الالتئام بين الروح والجسد وتحصل لأجل الدينونة (يو 5:
29)، وهذه قيامة تؤدي إلى الحياة، وهي إحياءٌ للإنسان
بجملته وتجديد للروح والجسد في الشركة مع المسيح وبروحه.
ولا يُستنتج من هذا أن القيامتين تتفاوتان من حيث الزمان،
أي أن قيامة الأبرار ستسبق قيامة الأشرار بزمن طويل أو
قصير؛ بل يُستنتج فعلاً أن طبيعة إحداهما وخصائصها تختلف
كثيراً عمّا للأخرى. إنما القيامة الأولى وحدها قيامةٌ
مباركة، ولها في قيامة المسيح علتها ويقينيتها. فالمسيح هو
الباكورة، البكر من بين الأموات؛ ويأتي بعده الذين هم له،
وذلك عند مجيئه (1كو 15: 20 - 23).
وفي تلك القيامة تُحفظ وحدة الشخص، روحاً وجسداً على
السواء. أما كيف يمكن ذلك رغم كارثة الموت الرهيبة، فأمرٌ
لا نعرفه. من هنا يرفض كثيرون قيامة الجسد ويرون أن النفس
تتخذ بعد الموت جسداً آخر، سواء كان بشرياً أو حيوانياً،
مادياً ألطف أو أكثف. ولكن هؤلاء القوم، بفعلتهم هذه،
ينسون أن المحافظة على وحدة النفس، وإن كان في نوع آخر،
تعترضها في الأساس الصعوبات المهولة عينها. ولذا، يعلِّم
كثيرون بخلود النفس فقط بمعنى أن روح الإنسان تظل حيّة،
ولكن دون أية محافظة على وحدة إدراكه. غير أن هذا التعليم
الخلود بجملته، لأنه إذا كان وعي الذات والذاكرة ينقطعان
كلياً عند الموت، فإن الشخص الذي يظل حياً لا يعود هو نفسه
ذلك الإنسان الذي سبق أن عاش على الأرض.
على أن وعي الكائن البشري الذاتي هذا يشتمل على امتلاك جسد
فضلاً على نفس. فليس الجسد سجناً للروح، بل ينتمي إلى جوهر
الإنسان. ولهذا فهو مفديّ أيضاً، شأنه شأن النفس، بالمسيح
– المخلِّص الكامل. فإن الإنسان بكامله خُلق على صورة
الله، والإنسان بكامله أصابه الفساد؛ ولذا فإن الإنسان
بكامله افتدي من الخطية والموت بالمسيح، وأُعيد خلقه حسب
صورة الله، وأُدخل إلى ملكوته. غير أن الجسد الذي يناله
المؤمنون عند القيامة يماثل الجسد الأرضي في الجوهر فقط،
لا في الهيئة الخارجية ولا في الخصائص العارضة ولا في
الكمية المادية. فهو ليس جسداً طبيعياً، لكنه جيدٌ حيّ
وحقيقي. وهو أرفع من مستوى العلاقة الجسدية (مت 22: 30)،
والحاجة إلى الطعام والشراب (1كو 6: 13). غير أنه فانٍ
وغير فاسد وروحاني وممجَّد (1كو 15: 42 - 44)، وهو مشابه
في شكله لجسد المسيح كما كان بعد قيامته (في 3: 21).
وفي أعقاب القيامة تأتي الدينونة طبقاً لما أجراه الله منذ
البدء في إقامة فصل كبير بين نسل المرأة ونسل الحية (تك 3:
15). سرى هذا الفاصل وفي العهد القديم بين كل من شيث
وقايين، وسام ويافث، وبني إسرائيل والأمم؛ وضمن الشعب
القديم نفسه سرى الفاصل بين أولاد الموعد وأولاد
الجسد.ولما جاء المسيح إلى الأرض ثبّت هذا الفاصل وتحدد،
مع أن الغرض من مجيئه الأول لم يكن أن يدين العالم بل أن
يوفّر له الخلاص (يو 3: 17). فبكلمته وشخصه أقام حداً
وفاصلاً بين الناس (يو 3: 19 - 21). هذه الدينونة مستمرة
حتى أيامنا، وتبلغ ذروتها في الدينونة الأخيرة. ففي
الحقيقة أن هنالك دينونة تجري عبر تاريخ الشعوب والأجيال
والأُسر والأشخاص. ولو كُشفت لنا سرائر قلب الإنسان، لكنّا
نعلم المزيد عن هذا ونزداد اقتناعاً راسخاً به، غير أن
تاريخ البشر ليس هو الدينونة الأخيرة. ولذا يمضي كثير من
الإثم بغير عقاب، وكثير من الصلاح بغير ثواب، ولا يمكن
لضمائرنا أن تستريح على التدبير الحاضر من هذه الجهة. فإن
رأس البشرية وقلبها، العقل والضمير، الفلسفة والدين،
وتاريخ العالم بكامله، تستدعي جميعاً دينونة أخيرة، عادلة
وحاسمة.
في اتجاه هذه الدينونة، بحسب شهادة الوحي، نحن سائرون. فقد
وُضِع للناس أن يموتوا مرة، وبعد ذلك الدينونة (عب 9: 27).
ومع أن الله وحده هو المشترع والديّان لجميع البشر، فإن
الدينونة الأخيرة – رغم ذلك – يجريها المسيح بصفة خاصة،
لأن الآب أوكل إليه ذلك لأنه ابن الإنسان. ذلك ان دينونة
الأحياء والأموات هي إتمام لعمله كوسيط، لكونه آخر خطوة في
ارتفاعه. ولسوف يظهر من تلك الدينونة أنه قد أكمل كل ما
أعطاه إياه الآب ليعمل، وأنه قد وضع جميع أعداءه تحت
قدميه، وقد افتدى كل كنيسته إلى التمام وإلى الأبد.
ولكن عندما يجري المسيح الدينونة، نعلم أيضاً أية دينونة
ستكون: إذ إنها تتصف بالرحمة والعطف، لكنها دينونة عادلة
عدالة مطلقة في الوقت نفسه. فإنه يعلم طبيعة الإنسان وكل
ما في داخله؛ يعلم سرائر القلب ويلاحظ كل شرّ وارتداد فيه؛
ولكنه يرى أيضاً أصغر بداءة للإيمان والمحبة تكون فيه. وهو
لا يدين بحسب المظاهر، ولا يحابي الوجوه، بل يدين حسب الحق
والبرّ. وباستعمال الناموس والإنجيل معياراً، سوف يدين
أعمال الإنسان (مت 25: 35 وما يلي) وكلمات الإنسان (مت 16:
36) وأفكار الإنسان (رو 2: 16؛ 1كو 4: 5) لأنه لا يبقى أي
شيء مخفياً ، وكل شيء سيظهر (مت 6: 4؛ 10: 26). فلجميع
الذين يستطيعون أن يقولوا مع بطرس: "أنت تعلم كل شيء، أنت
تعرف أني أحبك" ستكون هذه الدينونة مصدر عزاء. أما جميع
الذين لم يريدوا أن يملك المسيح عليهم، فستكون لهمك باعث
خوفٍ ورعبٍ رهيب.
فإن هذه الدينونة تأتي معها بفصل كامل أبدي بين إنسان
وإنسان. وكما وُجد في الشعب القديم من قالوا: "الرب لن يرى
وإله يعقوب لن يلاحظ ذلك"، ومن زادوا قائلين: "كل من يفعل
الشرّ فهو صالح في عينيّ الربّ، وهو يُسرّ بهم"؛ أو: "أين
إله العدل؟" (مل 2: 17)، فهكذا يوجد اليوم أيضاً من
يخدّرون أنفسهم بالقول بأنه لا دينونة أخيرة، وبأن إمكانية
التوبة تبقى مفتوحة بعد هذه الحياة، وبعد إنهاء تاريخ
العالم أيضاً، وهكذا يصير جميع البشر وحتى الشياطين أيضاً،
شركاء في الخلاص في نهاية المطاف، أو بأن الأشرار الذين
يستمرون في تقسية أنفسهم بالخطية سيُلاشَون إلى الأبد.
على أن الضمير والكتاب المقدس كليهما على السواء لابد أن
يتوليا دحض هذه الأوهام الباطلة. ففي ليلة الدينونة يكون
رجلان نائمين في سرير واحد، فيؤخذ الواحد ويُترك الآخر؛
وامرأتان تطحنان على الرحى، فتؤخذ الواحدة "وتُترك"
الأخرى؛ واثنان يعملان في الحقل، فيؤخذ الواحد ويُترك
الآخر (لو 17: 34 - 36). أما الأبرار فيمضون إلى حياة
أبدية، وأما الأشرار فإلى عذاب أبدي (مت 25: 46). فهنالك
سماء مجد، لكن هنالك جهنم أو جحيماً، حيث الدود لا يموت
والنار لا تطفأ (مر 9: 44)، وحيث البكاء وصرير الأسنان (مت
8: 12)، وحيث الظلام والفساد والموت إلى الأبد (مت 7: 13؛
8: 12؛ رؤ 21: 8). إنه ذلك المكان الذي فيه يُعلَن غضب
الله بكل هوله.
ومع ذلك فإن العقاب الأبدي الذي سيكابده جميع الأشرار
سيشهد فرقاً في الدرجة أو الحدّة والشدة. فالوثنيون الذين
لم يعرفوا ناموس موسى لكنهم أخطأوا إلى الناموس الذي كان
معروفاً عندهم بالطبيعة، سيهلكون أيضاً بغير ذلك الناموس
(رو 2: 12). وستكون حالة سدوم وعمورة، وصور وصيداء، في يوم
الدين أكثر احتمالاً من حالة كفر ناحوم وأورشليم (مت 10:
15؛ 11: 22، 24). والذين عرفوا إرادة الرب ولم يعملوا بها
سيُضربون ضرباً مضاعفاً (لو 12: 47). حتى في الأرواح
الشريرة هنالك تمييز في الدرجة من حيث الشرّ (مت 12: 45).
وعليه فإن كل واحد سينال جزاءه حسب عمله. ولسوف تكون
الدينونة عادلةً إلى التمام بحيث لن يقدر أحد أن ينتقدها
من أية ناحية؛ بل سيضطر ضميره الخاص أن يقرّ بها كلها.
وكما أن المسيح هنا على الأرض لا يحارب إلا بالأسلحة
الروحية، فكذلك في يوم الدينونة سيبرر نفسه، بحكمه وكلمته،
في ضمائر جميع البشر.
ونحن نعلم أن المسيح هو الأمين والصادق، وبالعدل يحكم
ويحارب، والسيف الحاد الخارج من فمه هو سيف الكلمة (رؤ 19:
11، 15، 21). ولذلك ففي الزمان الأخير، سواء طوعاً أو
كرهاً، سوف تجثو كل ركبة باسم يسوع ويعترف كل لسان أن يسوع
المسيح هو ربّ لمجد الله الآب (في 2: 11). وليس عقاب
الأسرار في حدّ ذاته هو الغرض النهائي، بل إن هذا الغرض هو
بالأحرى مجد الله الذي يُعلَن على جميع أعدائه في انتصار
المسيح عليهم. فالخطاة سيُبادون من الأرض، والأشرار لا
يكونون بعد... باركي يا نفسي الرب، هللويا (مز 104: 35)!
وبعد الدينونة الأخيرة وإهلاك الأشرار، يأتي تجديد الكون.
وغالباً ما يتكلم الكتاب المقدس عن هذا الأمر بعبارات قوية
جداً، فيقول لنا إن السماء والأرض ستزولان كالدخان، وكثوبٍ
تبلى كلها، ومن ثم يخلق الله سماوات جديدة وأرض جديدة.
صحيح أن السماء والأرض الموجودتين حالياً سوف تزولان
بهيئتهما الحاضرة (1كو 7: 31)، وإنهما – مثلهما مثل الأرض
القديمة التي أُهلكت في الطوفان – ستُحرقان وتُطهّران
بالنار (2بط 3: 6، 7، 10). ولكن كما أن الإنسان نفسه يُخلق
من جديد في المسيح فعلاً، لكنه لا يُمحق بل يُخلق خلقاً
ثانياً إذ ذاك (2كو 5: 17)، وهكذا أيضاً سيُحفظ الكون في
جوهره، وإن كان في هيئته سيُغيَّر تغييراً عظيماً جداً
بحيث يصحّ أن يدعى سماءً جديدة وأرضاً جديدة. والعالم
بجملته يجري أيضاً نحو يوم تجديده العظيم (مت 19: 28).
ومن ثم، ففي هذه الخليقة الجديدة يوطد الله ملكوته. إذ
يكون المسيح قد أنجز العمل الذي عُيِّن له بوصفه الوسيط،
وقد ساد ملكاً على مدى زمن طويل حتى وضع جميع أعدائه تحت
قدميه، وأقام جميع الذين أعطاه الآب إياهم. صحيح أنه بعد
ذلك أيضاً سيظل في الأبدية هو رأس الكنيسة، من يعطيهم مجده
لينظروه ويملأهم بملئه (يو 17: 24؛ أف 1: 23). إلا أن عمله
الفدائي يكون قد أكمل شوطه، ويكون هو قد حقق الملك وسلّمه
لله الآب، لكي يخضع هو نفسه – باعتباره الوسيط – لذاك الذي
أخضع له كل شيء، كي يكون الله هو الكل في الكل (1كو 15:
24، 28).
هذا الملكوت يشتمل على السماء والأرض، ويصطحب مقداراً
وفيراً جداً من البركات الروحية والمادية. فليس العهد
القديم فقط، بل العهد الجديد أيضاً، يعلّم أن القديسين سوف
يرثون الأرض (مت 5: 5). فإن الخليقة كلها سوف تُعتق يوماً
من عبودية الفساد إلى حرية أولاد الله المجيدة (رو 8: 21).
وأورشليم السماوية التي هي فوق، والتي يُطلق اسمها على
مسكن الله مع شعبه، سوف تنزل إلى الأرض (رؤ 21: 2). وفي
أورشليم الجديدة هذه، في حضرة الله المباشرة، ليس بعد خطية
ولا مرضٌ ولا موت، بل يسود المجد وعدم الفساد أيضاً في
العالم المادي. وفي هذا أيضاً صورة جلية للحياة الأبدية،
المباركة والمقدسة، التي يشترك فيها جميع مواطني تلك
المدينة في شركة مع الله.
وفي هذا الملكوت أيضاً سيكون تفاوت واختلاف ضمن الشركة
الواحدة للجميع. فسيكون هنالك صغير وكبير (رؤ 22: 12) وأول
وأخير (مت 20: 16). وكل امرئ سينال هناك اسمه الخاص ومكانه
الخاص (رؤ 2: 17) وفقاً لأعمال الإيمان والمحبة التي قام
بها على الأرض. لأن من يزرع بالشحّ، فبالشحّ أيضاً يحصد؛
ومن يزرع بالبركات، فلسوف يحصد حصاداً وفيراً مباركاً (2كو
9: 6). وفي السماء مكافأة على جميع الاضطهادات التي
احتملها أتباع المسيح في سبيله، وعلى كل عمل فعلوه باسمه
(مت 5: 12؛ 6: 1، 6، 18). وبمقدار ما كان الشخص أميناً في
استخدام الوزنات التي أُعطيت له، ينال في ملكوت الله أجراً
أعظم ونصيباً من المُلك (مت 25: 14 وما يلي). حتى كأس
الماء البارد التي تُقدَّم باسم المسيح إلى أحد إخوته
الأصاغر، لن تنسى يوم الدين. فإنه سوف يتوّج ويجازي
الأعمال الصالحة التي جعلها هو بذاته وبقوته تجري على أيدي
خاصته. وهكذا يشترك الجميع في البركات عينها، والحياة
الأبدية نفسها، والشركة مع الله ذاتها. ولكن في ما بينهم،
رغم ذلك، فرقاً في البهاء والمجد. وبمقدار أمانة الكنائس
وغيرتها، تستلم من الرب الملك تيجاناً ومكافآت مختلفة (رؤ
2، 3). وفي بيت الآب منازل كثيرة جداً (يو 14: 2).
بهذا الفارق في المنزلة والمكانة والمهمة، تغتني شركة
القديسين. وكما أن جودة الترنيمة تعززها نوعية الأصوات،
وبهاء النور يتضاعف من جراء غنى ألوانه ودرجاته، هكذا
أيضاً سيتمجَّد المسيح مرة واحدة في جمهرة قديسيه، وتظهر
عظمته العجيبة في الألوف المؤلفة من المؤمنين باسمه. فإن
جميع ساكني أورشليم الجديدة سوف يعاينون وجه الله، ويحملون
اسمه على جباههم. وهم جميعاً سينشدون عالياً ترنيمة موسى
أمام العرش، وكذلك ترنيمة الحمل، وسيخبر كلّ منهم، بطريقته
الخاصة، بأعمال الله العظيمة: "عظيمة وعجيبة هي أعمالك،
أيها الربّ الإله القادر على كل شيء. عادلةٌ وحقٌّ هي
طرقك، يا ملك القديسين. من لا يخافك، ويمجّد اسمك؟" (رؤ
15: 3، 4).
لأن منه وبه وله كلّ الأشياء، له المجد إلى الأبد. آمين.
|