|

الفصل الخامس
أسلوب الإعلان الخاص
إن عدم كفاية الإعلان العام يثبت لزوم الإعلان
الخاص. إلا أننا يجب أن نتفهم ضرورة الإعلان الخاص تفهماً
صحيحاً. فهذا لا يعني أن الله كان مضطراً أو مجبراً أن
يعلن عن نفسه إعلاناً خاصاً لسب داخلي يتعلق بكيانه هو أو
لسبب خارجي يتعلق بالظروف. فالإعلان الإلهي كله، وبصفة
خاصة ما يأتي إلينا في المسيح عن طريق الكتاب المقدس، إنما
هو من عمل نعمة الله، بمحض حريته، ويرمز إلى فضله الذي لا
نستحقه وطالما زيفناه. ولذلك فإنه لا يمكننا أن نتحدث عن
ضرورة الإعلان الخاص وعدم إمكانية الاستغناء عنه إلا بمعنى
أن هذا الإعلان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقصد الذي حدده
الله لخليقته. فإن كان الله قد سر بأن يرد الخليقة التي
دفعت بها الخطية إلى الخراب، وأن يعيد خلق الإنسان على
صورته، وأن يجعله يحيا ثانية في سعادة السماء الأبدية، فإن
الإعلان الخاص ضروري، لأن الإعلان العام لا يكفي لتحقيق
هذا الغرض.
وفي الواقع أننا لا يمكن أن نعتبر حتى هذا الهدف
السبب الأول الذي يجعل الإعلان الخاص ضرورياً. لأننا عندما
نرى عدم كفاية الإعلان العام لتحقيق غاية العالم والإنسان
ونعترف بذلك، فإننا نرى أيضاً أننا مدينون بهذا الاقتناع
للإعلان الخاص. فإننا بالطبيعة نعتبر أنفسنا وإمكاناتنا،
العالم وكنوزه، كافية لخلاصنا. والديانات الوثنية لا تشذ
عن هذه القاعدة بل تؤكدها. صحيح أنهم يتحدثون عن الكهنة
والعرافين ووسطاء الإعلانات الإلهية وما أشبه. ويلجأون
إليهم كمن يحملون إعلانات خاصة، وهذه الحقيقة في نفسها
دليل قوي بالحاجة إلى إعلان إلهي يختلف عما تقدمه الطبيعة
والتاريخ، إعلان يختبر فيه الله عن قرب. إلا أن هذه
الإعلانات الخاصة التي تلجأ الوثنية إليها تبيّن أيضاً
بوضوح أن الإنسان الذي فقد الشركة مع الله لا يمكن أن يفهم
إعلان الله في الطبيعة أيضاً، وأنه وهو يلتمس به شيئاً
فشيئاً عن معرفة الحق، ويزيده استعباداً لخدمة الأوثان
والخطية (رو 1: 20 – 32).
ولذلك فإعلان الله الخاص ضروري للفهم الصحيح
للإعلان العام في الطبيعة والتاريخ، في القلب وفي الضمير.
ونحتاج إلى الإعلان الخاص لتنقية مضمون الإعلان العام من
الخطاء البشرية كافة، وبذلك نقوم هذا الإعلان تقويماً
صحيحاً. وإذ نسلك في نور الكتاب المقدس، عندئذ ندرك، أول
وهلة، أن الإعلان العام له قيمة عظيمة بالنسبة إلى الحياة
البشرية كلها، ولكنه مع كل غناه لا يكفي ولا يفي بحاجة
الإنسان كي يبلغ غايته المنشودة الصحيحة.
فإن كنا، في سبيل بلوغ إدراك واضح وترتيب منظم
لمعالجة الدراسة، قد تحدثنا أولاً عن الإعلان العام وعن
عدم كفايته، لنتقدم من ثم إلى دراسة الإعلان الخاص، فإننا
لا نتبع المنهج الدراسي وكأننا ونحن نتحدث عن الإعلان
العام نستطيع أن نضع الإعلان الخاص جانباً دون التفات إلى
مضمونه طوال الوقت. فإن الإعلان الخاص، على نقيض ذلك، هو
الذي قادنا في داستنا السابقة وألقى الأضواء على الكيفية
التي تناولنا المشكلة بها.
ولذلك ففي دراستنا التالية للإعلان الخاص الان،
لا ندعي أننا نقوم بدراسة ما يسمونه الدراسات الخالية من
الافتراضات. وسوف لا نسلك سبيل تسلسل الديانات المختلفة،
كما يفعل من تساورهم الشكوك في عصرنا الحاضر، لنكشف هل
تقدم لنا هذه إعلاناً الخاص المعطى لنا في المسيح لنعرف
زيف الديانات الباطلة، ولنعرف أن عبادة الأوثان والصور
والشعوذة وإدعاء معرفة الطالع والخرافات، سواء كانت في
صورة بدائية أو صورة مهذبة، كلها خطية. فلو وضعنا الإعلان
الخاص جانباً ولم ندخله ضمن حساباتنا ولو بصفة منهجية
مؤقتة لكان ذلك يبدو بمثابة تعمد إطفاء النور الذي نستنير
به. لو فعلنا هذا لأثبتنا أننا نحب الظلمة أكثر من النور
لكي لا تظهر أعمالنا (يو 3: 19 – 21).
ولا شك أن الإعلان العام يمكن أن يوضح – إلى
درجة ما – لزوم الإعلان الخاص والحاجة إليه. كما يمكن أن
يشير إلى أسباب قوية تجعل مثل هذا الإعلان ممكناً. فإن لم
يسلك المرء سبيل المادية وفكرة وحدة الوجود (أي أن الله
والعالم المادي وحدة واحدة) بحيث ينكر كل إعلان إلهي، وإن
كان يؤمن فعلاً بوجود إله شخصي خلق العالم وأعطى الإنسان
نفساً خالدة وجعل مصيره الخلاص الأبدي، وهو مازال يحفظ كل
الأشياء ويضبطها بعنايته، فلا يبقى سبب جوهري للجدل بشأن
إمكانية الإعلان الخاص. فالخليقة نفسها إعلان. إنها إعلان
خاص جداً، يفوق الطبيعة تماماً، وهو رائع حقاً. وكل من
يقبل فكرة الخلق يقر من حيث المبدأ بإمكانية الإعلانات
الأخرى كافة، وحتى فكرة التجسد. إلا أنه مهما عملت فكرة
الإعلان العام على تدعيم لزوم الإعلان الخاص وإمكانيته،
فإنها لا تستطيع أن تقول شيئاً عن حقيقته. فهذا يعتمد
تماماً على عطية الله المجانية. فلا يمكن إقامة الدليل على
حقيقة الإعلان الخاص إلا بوجوده فعلاً. ولا يمكن للمرء أن
يرى هذا الإعلان الخاص وأن يتعرف به إلا على أساس نوره هو.
************************************
هذا الإعلان الخاص الذي تحدث الله فيه أولاً عن
طريق الأنبياء ثم عن طريق الابن (عب 1: 1) والذي لا نقبله
نتيجة مجادلات وبراهين بل بإيمان يشبه إيمان الأطفال، هو
على علاقة مستمرة بالإعلان العام، ولكنه في الوقت نفسه
يتميز عنه بصورة جوهرية. وهذا التمييز أو الاختلاف يبرز،
كما قلنا في إشارة عابرة من قبل، وكما يجب أن نشرح الآن،
بصفة خاصة في الكيفية التي يحدث بها، وفي المضمون الذي
يشمله، وفي الغرض الذي يهدف إليه.
والكيفية التي يتم بها الإعلان الخاص ليست هي
بعينها دائماً، ولكنها تختلف باختلاف الوسائل التي
يستخدمها الله لأجلها. ولذلك فهي تتميز بأسماء مختلفة مثل:
الظهور، الإعلان، الإظهار، التعريف، التعليم وما شابه ذلك.
والحديث عن الإعلان على انه تكلم أمر مثير بصفة خاصة.
ويستخدم الكتاب المقدس هذه الكلمة عن عمل الله في الخليقة
وفي العناية. قال الله: "ليكن نور، فكان نور (تك 1: 3)
وبالكلمة صنعت السماوات وبنسمة فمه كل جنودها (مز 33: 6)
إذ يتكلم فيكون ويأمر فيصير (مز 33: 9) وصوت الرب على
المياه ويتكلم في الرعد يهربون ويفنيهم (مز 29: 3 – 9، مز
104: 7، إش 30: 31، 66: 6) وكل أعمال الله هذه في الخليقة
وفي العناية يمكن أن نسميها بحق تكلماً أو أقوالاً، لأن
الله شخص واع مفكر يوجد الأشياء بكلمة قدرته، ويضع أفكاراً
في عقل الإنسان، يمكن للإنسان باعتباره على صورة الله
وشبهه أن يقرأها وان يفهمها. ولا شك أن الله يريد أن يقول
شيئاً للإنسان من خلال أعماله.
وهنالك تضارب طفيف حول صوت الله في أعمال يديه.
وكثيرون ممن ينكرون الإعلان الخاص، مولعون رغم ذلك بالحديث
عن إعلان الله في الخليقة. ولكن بين من يفعلون ذلك
اختلافاً كبيراً. فهنالك من يجدون هذا الإعلان إلى حد كبير
في الطبيعة، وآخرون في التاريخ ومشاهير رجاله، فيما يجده
آخرون في تاريخ الديانات وقادة الديان. وبالإضافة إلى ذلك
فقد ينبه الواحد على الإعلان الذي يأتي للإنسان من الخراج
سواء عن طريق الطبيعة أو التاريخ، فيما ينبه الآخر على ما
يحدث داخل الإنسان نفسه، في قلبه وعقله وضميره. ويتزايد
الاعتقاد اليوم بوجود علاقة وثيقة بين الدين والإعلان، أو
أن لكليهما المضمون عينه وأنهما في الواقع جانبان لموضوع
واحد. فالإعلان هو الجانب الإلهي والدين هو الجانب البشري
في العلاقة بين الله والإنسان. والفكرة هنا هي أن الله
يعلن عن نفسه للإنسان بقدر ديانة الإنسان، وأن الإنسان
يمتلك من الدين بقدر ما يعلن له الله عن نفسه.
إلا أن لهذه الفكرة جذورها في ذلك الإيمان بوحدة
الوجود (pantheism)،
الإيمان الذي يطابق بين الله والإنسان ولذلك يطابق بين
الإعلان والدين. وكل من يتمسكون بهذا الرأي يكاد أن يستحيل
عليهم أن يتحدثوا عن إعلان حيقي لله ولا حتى في الطبيعة
والتاريخ أو في العالم والإنسان. فعندما نفهم الإعلان
فهماً صحيحاً نرى أنه يفترض، كما سبقت الإشارة، أن الله
يدرك نفسه، ويعرف نفسه، ولذلك فهو يستطيع، بمقتضى مسرته،
أن يقدم لخليقته شيئاً من معرفته. أما فكرة وحدة الكون،
فإنها تنكر أن لله شخصية أو إدراكاً أو معرفة لذاته
وبالتالي أن له إرادة عاقلة. وعلى هذا الأساس فإن الله لا
يعدو كونه جوهراً أو طاقة لكل الأشياء وموجوداً في كل شيء.
ويترتب على ذلك – على أحسن الفروض – أن مذهب وحدة الكون
يمكن أن يتحدث عن كشف أو عمل إلهي غير واع وغير مقصود.
ومثل هذا الكشف أو العمل الإلهي لا يقدم لعقل الإنسان
أفكاراً أو آراء أو معرفة لله، ولكنه يثير في قلب الإنسان
على أحسن الافتراضات، بعض أنواع الانفعالات والعواطف
والمشاعر. ويمكن للإنسان عندئذ أن يتناول هذه، وفي
استقلالية وحرية كاملة وبحسب مستوى ثقافته وتعليمه، وأن
يعبر عنها بالكلمات. ويترتب على هذا عملياً أن نجعل من
الدين في الإنسانية وفي الفرد عملية بها يدرك الله نفسه
ويتعرف تعالى بنفسه. وعلى ذلك، فالله لا يكلم الإنسان ولا
يعلن ذاته له. بل إن الإنسان هو الذي يعلن لله ذات الله.
وإن كان الاتجاه الفكري لمذهب وحدة الكون ما زال يستخدم
تعبيرات مثل الإعلان وصوت الله وما أشبه، فإنه لا يقتبس
هذا من فلسفته الخاصة، إذ لا مجال فيها لذلك. ولكنه
يقتبسها من نظرة الكتاب المقدس إلى العالم والحياة. ولذلك
فاستخدامه لها إنما يزيفها. ويشير الكتاب المقدس حتى إلى
الإعلان العام بأن الله يتكلم، وهذا من منطلق أن عند الله
ما يريد أن يقوله للإنسان في هذا الإعلان وانه يقوله
فعلاً. ولذلك، فالكتاب المقدس يتمسك بفكرة أن الله
والإنسان مختلفان من حيث النوع، وأن الإعلان والدين
مختلفان من حيث النوع أيضاً. فإن كان الله فكره الخاص، وإن
كان يعرف نفسه، وإن كان قد عبر عن هذا الفكر بدرجة كبيرة
أو صغيرة عن طريق أعماله، فإن إمكانية أن الإنسان يسيء،
بسبب ظلام فكره، فهم أفكار الله وتصبح تصوراته باطلة يمكن
أن تكون إمكانية حقيقية. وفي هذا الحال فإن الدين يمكن أن
يكون، بدرجة ضئيلة جداً الجانب الآخر للإعلان، لأنه في
الواقع إنما يكون تمثيلاً مشوهاً يحمل بين طياته الجرم
والخطأ.
وإذ نفسر الإعلان العام كما رأيناه، وإذ نطلق
عليه كلام الله أو صوته بالمعنى الذي فهمناه. فإن الكتاب
المقدس يفسح في المجال لمزيد من الكلام الأساسي من جانب
الله، مما يستحق أن يسمى كلاماً، وهو ما نجده في الإعلان
الخاص. والكتب المقدس كله يقدم لنا الله باعتباره كائناً
مدركاً لنفسه تماماً، كائناً يفكر ولذلك يتكلم. إننا نذكر
السؤال في (مز 94: 9) "الغارس الأذن ألا يسمع؟ الصانع
العين ألا يبصر؟"، ويمكن أن نضيف سؤالاً آخر يتمشى مع
المعني الذي قصده الروح القدس فنقول: ذاك الذي يعرف نفسه
معرفة كاملة، ألا يمكنه أن يعرف خلائقه بنفسه؟ وكل من ينكر
هذه الإمكانية فإنه لا ينكر الإله المجدد فقط بل إله الخلق
والعناية أيضاً كما يقدمه إلينا الكتاب المقدس. وعلى ذلك،
فكل من يتفهم كلام الله أو صوته في الإعلان العام تفهماً
صحيحاً، أي حسب مفهوم الكتاب المقدس، فلا يكون له حق
الاعتراض على صوت الله في الإعلان الخاص. فيمكن لله أن
يعلن نفسه بكيفية خاصة لأنه يعلن نفسه بكيفية عامة. وهو
يتكلم فعلاً لأنه يستطيع أن يتكلم مجازاً. وهو يقدر أن
يعيد الخلق لأنه هو خالق كل الأشياء.
والفارق الكبير بين كلام الله في الإعلان العام
وكلامه في الإعلان الخاص، هو أن الله في النوع الأول يدع
الإنسان يكتشف الفكر الإلهي في أعمال الله، أما في الثاني
فيعبر الله بنفسه عن تلك الأفكار ويقدمها للعقل البشري في
هذه الصورة. ونقرأ في (إش 28: 26) أن الله يرشد الحارث
ويعلمه كيف يقوم بعمله. إلا أن هذا التعليم لا يصل للحارث
مكتوباً، أو في شكل كلمات، أو دروس يتعلمها في المدرسة.
ولكنه تعليم موجود وتعبر عنه كل قوانين الطبيعة – في خواص
الهواء والتربة، والزمان والمكان، وأنواع الحبوب. ويجب على
الحارث أن يعرف قوانين الطبيعة كلها، معرفة جيدة، وأن
يتعلم الدروس التي يقدمها الله من خلالها. وفي هذا الجهد
يجد نفسه معرضاً للخطأ والصواب، إلا أنه عندما يستوعب هذا
التعليم في النهاية، يجب عليه أن يشكر الله لأجله لأن منه
كل الأشياء، وهو عظيم في مشورته وعظيم في أعماله.
وفي الإعلان العام يعتبر هذا التعليم الموضوعي
كافياً لغرضه. وهدف الله منه وأن يدفع الإنسان كي يبحث
عنه، ليلتمسه ويجده (أع 17: 27)، وإن لم يجده فإنه يكون
بلا عذر (رو 1: 20). إلا أن الله، في الإعلان الخاص، يشفق
على الإنسان الذي ضل ولم يستطع أن يجده. ففي الإعلان الخاص
يبحث الله عن الإنسان وهو نفسه يخبر الإنسان عمن هو الله
وماذا يكون. فإنه لا يترك الإنسان يستنتج ويستنبط من
مجموعة من الحقائق من هو الله. ويستخدم الله في مختلف
كمالاته. وهذه الحقائق، التي كثيراً ما تكون معجزات، ليست
مجرد إضافة أو ملحق، ولكنها عنصر لا يمكن الاستغناء عنه في
الإعلان. إلا أن هذه ليست حقائق مجردة يترك الله لنا أمر
تفسيرها، بل إن كلمة الله تحيطها من كل جانب. فكملة الله
تسبقها وترافقها وتتبعها. والمضمون الجوهري للإعلان الخاص
هو شخص المسيح وعمله. وقد تحدث عنه ووصفه العهد القديم قبل
مجيئه بقرون طويلة. وعندما ظهر وأكمل عمله، تناولته كتابات
العهد الجديد بالشرح والإيضاح. ولذلك، فإن الإعلان الخاص
يسير في خط يقود إلى المسيح. إلا أن الإعلان الخاص، في
موازاة لهذا الخط وعلى ارتباط به، يقود أيضاً إلى الكتاب
المقدس، كلمة الله.
ولهذا فمع أن الإعلان العام يمكن أن يعتبر
كلاماً، ينطبق هذا بصورة أدق على الإعلان الخاص. والآية
الأولى في الرسالة إلى العبرانيين تتضمن كامل الإعلان
الإلهي سواء كان في ما يتعلق بالعهد القديم أو العهد
الجديد، ما يتعلق بالأنبياء وما يتعلق بالابن، كل هذا
متضمن في هذا التعبير الواحد: الكلام، إلا أنه يضيف على
الفور أن هذا الإعلان جاء في أوقات مختلفة وبطرق وأنواع
كثيرة. والتعبير الأول "قديماً" يعني أن الإعلان لم يأت
كلاماً تاماً في لحظة واحدة، ولكنه جاء عن طريق أحداث
متوالية عبر التاريخ الطويل. والتعبير الثاني: "بطرق
وأنواع كثيرة" يعني أن الإعلانات الإلهية المختلفة لم تعط
بالأسلوب نفسه، لأنها إذ حدثت في أوقات وأماكن مختلفة،
حدثت أيضاً بطرق متباينة وجاءت في صور مختلفة.
*****************************
وفي أماكن كثيرة في الكتاب المقدس ، نقرأ ببساطة
أن الرب ظهر، قال، أمر، وما شابه ذلك. ولا نجد أي تعليق عن
الكيفية التي حدث بها هذا. إلا أن بعض النصوص الأخرى تلقي
بعض الضوء على كيفية الإعلان، وهذا يمكننا من أن نميز بين
نوعين من الطرق التي استخدمها الله ليعلن ذاته.
يشمل النوع الأول جميع الطرق التي لها طبيعة
خارجية موضوعية. وكأن الله يأتي إلى الإنسان عن طريقها من
الخارج، فهو يظهر للإنسان ويكلمه. وبهذه الكيفية ظهر عدة
مرات لإبراهيم، ولموسى، ولشعب إسرائيل على جبل سيناء، وفوق
خيمة الاجتماع، وفي قدس الأقداس، وفي عمودي السحاب والنار
كرمز لحضوره وفي أوقات أخرى يعلن ما يريد أن يقول عن طريق
ملائكة، وبصفة خاصة عن طريق ملاك العهد الذي يحمل اسم الله
في نفسه (خر 16: 33) أو الأوريم والتميم (خر 28: 30)
ويتحدث في مرات قليلة بصوت مسموع،
أو يكتب بنفسه شريعته على لوحي الشهادة (خر 31: 18، 25:
16).
ويجب أن تدخل المعجزات أيضاً ضممن هذه المجموعة
من وسائط الإعلان. تحتل المعجزات مكاناً كبيراً هاماً في
الكتاب المقدس. وتواجه المعجزات في عصرنا هجوماً عنيفاً من
جميع النواحي. وإنه لجهد ضائع لو حاولنا أن ندافع عن
معجزات الكتاب المقدس ضد من يرفضون النظرة الكتابية إلى
الحياة والعالم.
فإن لم يكن الله موجوداً، وهذه هي وجهة نظر
الملحدين والماديين، أو إن لم يكن له وجود حقيقي، شخصي،
مستقل، ولكن هو والعالم وحدة واحدة، كما تقول نظرية وحدة
الوجود
pantheism،
أو إن كان بعد الخليقة انسحب من العالم فتركه وشأنه، كما
يقول الروبوبيون أو مذهب التأليه الطبيعي، فسيضحي واضحاً
أن المعجزات مستحيلة. وإن كانت استحالة المعجزات واضحة من
البداية، فلا لزوم للجدل بشأن حقيقتها.
ولكن الكتاب المقدس يقدم فكرة مختلفة تماماً عن
الله وعن العالم وعن العلاقة بينهما. فيعلم الكتاب المقدس
أولاً أن الله كائن واع، له إرادة، وكلي القدرة، وهو الذي
خلق العالم كله بكل طاقاته ونواميسه، إلا أنه لم يستنفد
مطلقاً كل قوته بذلك. فهو يملك في نفسه ما لا نهاية له من
الحياة والقوة، ولا يعسر عليه أمر ما (تك 18: 14) وكل شيء
ممكن له (مت 19: 26).
بالإضافة إلى ذلك، فإن النظرة الكتابية لا تعتبر
العالم وحدة بكل أجزائها من الطبيعة نفسها والجوهر عينه.
لا اختلاف بينها سوى في المظاهر والأشكال. بل بالأحرى تنظر
إلى العالم ككيان عضوي، تنتسب أعضاؤه إلى الكيان الكلي،
ولجميعها صفات مختلفة ولها وظائف مختلفة. وفي العالم
الواحد هنالك مجال لأنواع مختلفة من الكائنات، ومع أن نفس
القوة الإلهية تحفظها وتضبطها جميعاً، فهي تختلف في
طبيعتها بعضها عن بعض. وهذا العالم الغني يشمل المادة
والروح، الجسد والنفس، الأرض والسماء، ويحوي العضوي وغير
العضوي وما هو حي وغير حي، والخلائق العقلة وغير العاقلة،
والمعادن والنباتات والحيوانات، والكائنات البشرية
والملائكة. وداخل الكيان البشري هناك أيضاً اختلاف بين
الرأس والقلب، العقل والضمير، الأفكار والعواطف. وجميع هذه
المجالات في ذات العالم الواحد تعتمد على طاقات وإمكانيات
مختلفة، وتعمل بمقتضى قوانين مختلفة. وكل الأشياء يعتمد
بعضها على بعض، كأعضاء في الجسد، إلا أن لكل جزء مكانه
ووظيفته داخل الإطار الكلي.
ويعلم الكتاب المقدس، في المقام الثالث، أنه مع
أن الله والعالم يختلفان إحداهما عن الآخر فهما لا ينفصلان
أبداً. ولله كيان فريد كامل مستقل في ذاته، إلا أنه ليس في
معزل عن العالم، بل على نقيض ذلك فإننا به نحيا ونتحرك
ونوجد (أع 17: 28). فهو طبعاً الخالق الذي أوجد كل الأشياء
في البداية، إلا أنه يظل أيضاً المالك، بل الملك السيد
الذي يحفظ ويضبط كل الأشياء بقدرته على كل شيء وبحضوره في
كل مكان. فهو العلة الأولى لجميع الأشياء، لا في بداية
وجودها فقط، ولكن بصفة مستمرة في ما بعد ذلك. والأسباب
الثانوية التي يعمل من خلالها يختلف بعضها عن بعض، إلا أن
العلة الأولى لكل الخلائق هي الله وحده. ويظل هو كذلك
أبداً.
فإن كنا نتفق مع الكتاب المقدس في هذه الأفكار
الأساسية ونتخذ موقفنا على أساس راسخ من الإيمان بوجود
الله الواحد، فلا يكون هنالك أي أساس لإلقاء ظلال من الشك
على إمكانية المعجزات ولا لمهاجمة هذه
الإمكانية. بل على هذا الأساس كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة
أو التاريخ هي عمل من أعمال الله، وبهذا المعنى فهي معجزة.
فما نسميه معجزات ليست سوى إظهار خاص لهذه القوة الإلهية
نفسها التي تعمل في كل الأشياء. وتعمل هذه القوة بطرق
مختلفة، وتستخدم وسائل مختلفة (أسباب ثانوية)، بمقتضى
نواميس مختلفة، ومن ثم تكون النتائج مختلفة. وقد قيل – وهو
قول في محله – إن الحجر يدهشه أن النبات يستطيع أن ينمو،
وإن النبات يدهشه أن الحيوان يتحرك، وإن الحيوان يدهشه أن
الإنسان يفكر، وإن الإنسان يدهشه أن الله يستطيع أن يقيم
الموتى. فإن كان الله بحضوره في كل مكان وبقوته على كل
شيء، يعمل من خلال الخلائق كلها باعتبارها وسائله، فلماذا
لا يقدر أن يعمل بتلك القوة نفسها بكيفية مختلفة، أي كيفية
تختلف عن تلك المألوفة عندنا في المسرى العادي للطبعة
والتاريخ. فالمعجزات ليست انتهاكاً للقوانين الطبيعية، حيث
إن الكتاب المقدس يعترف بها تماماً، وإن لم يصنفها ويصغها.
ولذلك يقول الكتاب المقدس، مثلاً، إن عهد الطبيعة الذي
صنعه الله مع نوح قد ثبت تماماً نواميس الطبيعة كلها. (تك
8: 22)، إذ أنه، كما أن الإنسان يخضع الأرض بأسرها بعقله
وإرادته، ويحكم الطبيعة ويضبطها عن طريق حضارته، كذلك
يستطيع الله أن يسخر العالم الذي خلقه لتنفيذ مشورته. وما
تثبته المعجزات هو أن الرب وليس العالم هو الله.
******************************
وما كان هذا كله يحتاج إلى برهان أو جدل لو لم
يسقط الإنسان. ففي مثل هذا الحال كان الإنسان يعرف الله
ويعترف به من خلال أعمال يديه. ودون دخول في التساؤل هل
كانت المعجزات ستحدث لو لم تكن هنالك خطية، يكفينا أن نقول
هنا إنه لو حدثت معجزات في ذلك الحال لكانت ذات طبيعة أخرى
وبهدف مختلف. لأن المعجزات التي حدثت فعلاً والتي دونها
الكتاب المقدس طابعها الخاص وهدفها المعين.
في العهد القديم نرى الدينونة والفداء يسيران
جنباً إلى جنب ويلازمان المعجزات. فالطوفان وسيلة لإبادة
الجيل الشرير في ذلك العصر، وفي الوقت نفسه هو وسيلة لحفظ
نوح وعائلته في الفلك. والمعجزات التي تتصل بموسى ويشوع:
ضربات مصر، عبور البحر الأحمر، إعطاء الشريعة في سيناء،
دخول كنعان وامتلاكها، إنما غايتها دينونة أعداء الله
وأعداء شعبه وإقامة مسكن أمين لشعبه في أرض الموعد .
والمعجزات التي تلت ذلك والتي يبرز فيها إيليا بوضوح حدثت
في أيام أخآب وإيزابل، في الوقت الذي فيه كادت الوثنية أن
تقضي على عبادة يهوه تماماً، وتبلغ الذروة فوق جبل الكرمل
حيث تحسم المعركة بين يهوه والبعل.
وجميع معجزات العهد القديم لها العلاقة المميزة
نفسها: فهي سلبياً تنطق بالدينونة على الأمم الشريرة،
وإيجابياً توجد وتبقي مكاناً بين شعب إسرائيل لإعلان الله
المستمر. وبهذا تحقق غرضها، ففي مواجهة الوثنية وعبادة
الصور يعرف إله العهد، إله شعب إسرائيل، إنه الله ويعترف
به. انظروا الآن إني أنا، أنا هو وليس إله معي، أنا أميت
وأحيي، سحقت وأنا أشفي، وليس من يدي مخلص (تث 32: 9، 4:
35، إش 45: 5، 18: 22) وعندما يتحقق هذا الغرض يتبعه بسرعة
الإعلان الكامل في شخص المسيح.
وشخص المسيح في ذاته معجزة، في أصله، في جوهره،
في كلماته وأعماله. إنه معجزة تاريخ العالم بأسره. ولذلك
فالمعجزات التي يجريها لها صفتها الخاصة. فنلاحظ أولاً أنه
أثناء حياته على الأرض صنع كثيراً من المعجزات، منها ما
أظهر به سلطانه على الطبيعة، كان حول الماء خمراً، وأشبع
الجموع، واخضع العاصفة ومشى على الماء وما أشبه، ومنها ما
أظهر به سلطانه على عواقب الخطية نفسها، أي على جرمها
ودنسها وسلطان إبليس، كغفران الخطايا، وطرد الشياطين
والأرواح النجسة. وتفرد شخصية المسيح يتمثل في هذه الأنواع
الثلاثة من المعجزات. وكل معجزات المسيح لها صفة الفداء.
ما عدا لعنة شجرة التين. فلم يأت العالم ليدينه بل ليخص
(يو 3: 17)، وفي معجزاته أيضاً يمارس عمل النبي والكاهن
والملك، وفيها أيضاً يعمل العمل الذي كلفه الله (يو 4: 34،
5: 36، 9: 4).
بل إن شخص المسيح يظهر بأكثر وضوح في المعجزات
التي أجريت لا به بل فيه ومعه. ففي هذه بصفة خاصة نرى من
هو وما يتعلق به. فمولده الخارق، وحياته وموته المعجزيان،
وقيامته، وصعوده وجلوسه عن يمين الله، كلها معجزات مدهشة
لها صفة الفداء. بل إنها تثبت، بصورة أفضل، الأعمال، التي
أنجزها، وسلطانه المطلق على الخطية وكل نتائجها، وعلى
الشيطان وكل سلطانه. وتوضح هذه المعجزات، أكثر من غيرها من
العمال، إن قوة المسيح لها طابع الفداء، والتجديد، وهي
التي لن تحرز النصر النهائي، إلا في السماء الجديدة والأرض
الجديدة.
والمعجزات التي تمت في العصر الرسولي عن طريق
الشهود الأوائل يمكن أن نصفها بأنها أعمال المسيح الممجد
(أع 3: 6، 4: 10). وقد كانت هذه المعجزات ضرورية لكي تظهر
أن يسوع الذي رفضه العالم، والذي سمر إلى الصليب، وقتل،
واعتبروا أنه قد مات، يسوع هذا ما زال حياً وله كل القوة
في السماء، وكذلك على الأرض. إن معجزات العهد القديم أظهرت
أن يهوه هو الله ولا إله غيره. ومعجزات العهد الجديد تظهر
أن يسوع المسيح، الناصري، الذي صلبه اليهود، قد أقامه الله
وأجلسه عن يمينه رباً ومخلصاً، الذي صلبه اليهود، قد أقامه
الله وأجلسه عن يمينه رباً ومخلصاً (أع 4: 10، 5: 30 –
31). وعندما تحقق هذا الهدف، وعندما تأسست الكنيسة في
الأرض، كنيسة تؤمن وتعترف بإعلان الآب هذا في الابن بواسطة
الروح القدس، عندئذ توقفت المعجزات المرئية الخارجية، إلا
أن المعجزات الروحية معجزات التجديد والتغيير، استمرت في
الكنيسة إلى أن يدخل ملؤ الأمم ويخلص كل إسرائيل. وفي
نهاية الأزمنة حسب الكتب المقدسة، ستتم المعجزات الأخرى
المتعلقة بظهور المسيح وقيامة الموات، والدينونة، والسماء
الجديدة والأرض الجديدة.
إن غاية الإعلان وغرضه، والهدف من المعجزات التي
ينطوي عليها هذا الإعلان، هي استعادة الإنسانية الساقطة
وإصلاحها، وخلق العالم من جديد، والإقرار بأن الله هو
الله. ولذلك فالمعجزات ليست عنصراً غريباً فريداً في
الإعلان، ولا هي إضافة عشوائية إليه، بل هي، على العكس
عنصر ضروري لا غنى عنه. فهي نفسها إعلان من الله. فالله
يعرف البشر بذاته، في كل فضائله وكمالاته، بالكلام
والأفعال.
***********************************
ولا بد من إضافة نوع ثان إلى هذه المجموعة
الأولى من الوسائل الخارجية الموضوعية. ويشتمل النوع
الثاني على كل تلك الوسائل الذاتية التي تحدث داخل
الإنسان، والتي بها يتحدث الله إلى الإنسان لا من الخارج
بل من الداخل.
والمكان الأول في هذا النوع يحتله ذلك الإعلان
الفريد الذي جاء إلى موسى باعتباره وسيط العهد القديم.
ويوصف هذا بأنه إعلان تحدث الله فيه إلى موسى وجهاً لوجه
كما يكلم الإنسان صديقه (خر 33: 11).
والدور الذي قام به موسى في العهد القديم دور
خاص فهو يسمو على سائر الأنبياء، إذ خاطبه الله، لا عن
طريق الرؤى بل بحديث مباشر. وقد رأى موسى الله، ليس كأنه
في حلم، بل بكيفية مباشرة، إذ رأى شبهه أو هيئته، لا
كيانه، ولا وجهه، بل آثار بهائه بعد ما عبر مجد الله نفسه
(عدد 12: 8، خر 33: 18 – 23).
وأيضاً تنتمي الأحلام إلى هذا النوع من الإعلان
(عد 12: 6، تث 13: 1 – 6) وكذلك الرؤى، وهي الحال الذي
تكون فيه العين الطبيعية مغمضة عن العالم الخارجي فيما
تنفتح عين النفس على الأمور الإلهية (عد 12: 6، تث 13: 1 –
6)، ثم بصفة خاصة الهام روح الله للعقل البشري (عد 11: 25
– 29، 2 صم 23: 2، مت 16: 17، أع 8: 29، 1 كو 2: 12، 2 بط
1: 21). وهذه الوسيلة الأخيرة من الإعلان كثيراً ما حدثت
في العهد القديم أيضاً، إلا أنه يعبر عنها في العهد القديم
كعمل الروح الذي يحل على النبي من العلاء ولفترة وجيزة.
أما في العهد الجديد، بعد انسكاب الروح القدس، فلا يصبح
الإلهام أكثر عمومية كوسيلة للإعلان فقط. بل يتخذ صفة أكثر
عضوية واتساماً بالاستمرار.
وهذان النوعان من طرق الإعلان يمكن أن نصنفهما
تحت الاسمين: الظهورات والوحي. إلا أننا إذ نفعل هذا يجب
أن نتذكر أن الظهورات لا تتكون من مجرد أعمال وحسب، بل
تتضمن الأفكار والكلمات أيضاً. كما يجب أن نتذكر أيضاً أن
الإلهام الذي نقصده هنا يختلف عن نشاط الروح الذي اختبره
الأنبياء والرسل في تدوين الإعلان كتابة (وحي الكتاب
المقدس) كما يختلف عن الاستنارة الداخلية التي هي نصيب
جميع المؤمنين.

|