مقدمات ومعاجم

الفصل الخامس: العلم يتكلم

القسم: وقال الله.

"وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ" (يعقوب 1: 5).

"هلّم نتحاجج يقول الرب" (أشعياء 1: 18).

لنقارن الآن بين نظرية الانفجار الهائل والخلق في ضوء بعض قوانين العلوم الأساسية، لنرى أياً منهما يناقض هذه القوانين وأياً منهما ينسجم معها.

ولنبدأ بقانوني الطاقة الحرارية. فالعلماء جميعهم يعتمدون في معرض أبحاثهم واختباراتهم على قانونين أساسيين يُعرفان بقانوني الطاقة الحرارية. وهذان القانونان لا يقبلان أية استثناءات. لذا، فالعمليات العلمية كلّها الحاصلة في الكون، من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً، يجب أن تخضع لهذين القانونين.

يعرف القانون الأول بقانون المحافظة على الطاقة، وينص على أن الطاقة لا تتكوّن ولا تزول. وقد اكتشف العلماء في الآونة الأخيرة أنه بإمكان المادة أن تتحول إلى طاقة، على أن يبقى المجموع العام للمادة والطاقة على حاله من دون أن يطرأ عليه أي تغيير. وفي هذا إشارة ضمنية إلى أنّ الكون ما كان باستطاعته أن يكوّن نفسه بنسفه. فإذا اعتبرنا أن للكون بداية، يجب في هذه الحال القبول بوجود "علة" خارجة عن كوّنته بواسطة عمليات لا مثيل لها في أيامنا. إذاً، نجد أن نظرية الانفجار الهائل تناقض القانون الأول للطاقة الحرارية.

يُظهر الخلق أن الطاقة لا تتكوّن ولا تزول، الأمر الذي ينسجم تماماً مع القانون الأول. كما أن الخلق يخطو خطوة إضافية، بتوضيحه لنا السبب وراء هذه الظاهرة: فالطاقة لا تتكوّن لأن الله في اليوم السابع من أسبوع الخلق، كفّ كل أعمال الخلق (تكوين 2: 2). وبالمقابل، لا تزول الطاقة لأن الله هو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عبرانيين 1: 3).

أمّا القانون الثاني فيقدم لنا مقارنة أروع. فهو ينص على أن لدى الأنظمة المادية كلّها ميلاً إلى أن تصبح خَرِبَة وغير مرتّبة، إذا ما تُركت وحدها. وظاهرة عدم الترتيب هذه، تُعرف بحسب الطاقة الحرارية بالانحلال. وهكذا يزداد الانحلال مع مرور الوقت (انظر المرجع الأول للحصول على المزيد من الشروحات حول الانحلال). وهذا الانحلال سُمّي "سهم الزمن"، علماً أن هذا السهم يشير دائماً وأبداً إلى أسفل. لذا، فإن كل شيء ينحل مع الوقت، ويُفسد، ويموت. تزعم نظرية الانفجار الهائل أن هذا الكون المرتّب المنظّم، تكون على أثر حصول انفجار عشوائي، مناقضة بذلك مضمون القانون الثاني. فالكون، بمفهوم النشوئيين، يشهد باستمرار عملية تطّور، وازدياد في الترتيب والتعقيد، حتى إن الأمور تتحسن مع الوقت. فنحن يُفترض أننا بدأنا من خلية واحدة، وها قد أصبحنا الآن كائنات بشرية مُعقدة. إن سهم الزمن يشير إلى عُل، بالنسبة إلى نظرية النشوء، الأمر الذي يناقض تماماً القانون الثاني. وقد اعترف عدد من النشوئيين بهذه المعضلة. فجيريمي رفكن (Jeremy Rifkin) مثلاً، يقول في كتابه: "الانحلال: نظرية عالمية جديدة" (Entropy: A New World View) ما يلي:

"في اعتقادنا أن النشوء يخلق، بشكل سحري، أموراً على الأرض لها قيمة كبرى ومنظمة أكثر. والآن، وبعد أن أصبح ظاهراً للعين المجرّدة أي اضطراب وخراب يتخبط فيه العالم، بدأنا، ولأول مرة، نعيد النظر في آرائنا حول النشوء والتطور وتكوين الأشياء ذات القيمة المادية... فالنشوء يعني خلق جزر أكبر وأكبر من النظام والترتيب، على حساب بحور الاضطراب والتشويش في هذا العالم. ليس باستطاعة أي عالم بيولوجي أو فيزيائي أن ينكر هذه الحقيقة الأساسية. لكن، من هو على استعداد للوقوف في أحد الصفوف المدرسية أو أمام الجموع للاعتراف بهذه الحقيقة" [2]؟

يخبرنا سفر التكوين بأنه بعد أن أخطأ الإنسان، لعن الله الأرض وأخضعها للانحلال والموت. ويدوّن الكتاب المقدس أيضاً أن "كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ" (رومية 8: 22). كما يذكر كتاب المزامير هذا الأمر في معرض حديثه عن السموات والأرض: "هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى" (المزمور 102: 26). فبحسب الخلق، إن سهم الزمن موجه إلى أسفل، بما ينسجم كلياً مع القانون الثاني. إذاً، لدينا قانونان كونيان أساسيان للعلم، تناقضهما نظرية النشوء، غير أن الخلق في انسجام تام معهما.

إن قانوني الطاقة الحرارية لا يعودان بنا فقط إلى الزمن الغابر حين كان من الضروري أن يحصل الخلق، إنما يشيران أيضاً إلى المستقبل حين سيرتطم سهم الزمن بالأرض ويتوقف. فعندما تقترب الطاقة الموجودة حالياً إلى حد الصفر في نهاية المطاف، ستحصل ظاهرة موت الحرارة التي حذّرنا منها الرسول بطرس، إذ قال: "تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا" (2 بطرس 3: 10).

يحاول بعض النشوئيين الخروج من هذا الفخ المميت باعتماد واحد من طريقين: فإنما أن يقولوا إن قوانين الطاقة الحرارية ليست كونية، آملين أن يتمكن العلماء من مناقضة هذه القوانين، وإما أن يلجأوا إلى حجة "النظام المفتوح"، على اعتبار أن هذه القوانين لا تصح على نظام مفتوح يسمح بإدخال طاقة خارجية إليه.

إن الحجة الأولى القائلة بعدم انطباق هذين القانونين لدى تطبيقهما على جميع أنظمة وعمليات تحويل المادة إلى طاقة والطاقة إلى مادة في المكان والزمان القابل للملاحظة. فقوانين الطاقة الحرارية تندرج ضمن إطار العلوم. أما النظرية التي ترتكز على عوامل خيالية غير قابلة للملاحظة، ومناقضة لملايين الملاحظات العلمية الثابتة، فلا يمكن اعتبارها من صنف العلوم.

ثم يأتي القانون الثالث للطاقة الحرارية لينقض الحجة حول النظام المفتوح. وينص هذا القانون على أن النظام يكون بحالته الفضلى على درجة حرارة الصفر المطلق (- 273 درجة مئوية)، عندما تكون درجة الانحلال صفر. وهذا يشير ضمناً إلى أن إضافة المزيد من القوة الحرارية الخام إلى نظام مفتوح، لن تعمل إلا على ازدياد الخراب وعدم الترتيب. وسيُسفر ذلك، لا محال، عن انخفاض في المعلومات العملية المتاحة ضمن ترتيب هذا النظام. ففي غياب البرنامج الموجِّه وعمليات التحويل (كالكلوروفيل في النبات)، لن تعمل الطاقة الخام النابعة من أي مصدر إلا على ازدياد الخراب والتشويش، كما يعمل ثور ثائر داخل مخزن للأدوات الخزفية والزجاجية. (انظر المرجع الثالث للحصول على المزيد من المعلومات حول الأنظمة المفتوحة).

إن الافتراض أن النظام قد يحصل من جراء انفجار هو زعم مناقض بوضوح للقوانين العلمية. كما أن الافتراض أن هذا الانفجار نتج منه تمدّد شعاعي منتظم للطاقة وللمادة، يناقض قانوناً علمياً أخر: مبدأ المحافظة على كمية التحرك الزاوية (The Principle of Conservation of Angular Momentum).    فهذا المبدأ ينص على أنه يستحيل على الحركة الشعاعية المنتظمة أن تؤدي إلى حركة منحنية. إذاً، فالافتراض أن الغاز الذي يتبع خطاً مستقيماً في تمدّده قد تحوّل إلى مجرّات دائرة وإلى أنظمة كواكب، هو افتراض غير ممكن علمياً.

ولنلاحظ أيضاً قانوناً شهيراً آخر هو قانون العلة والنتيجة. وهو ينص على أن وراء كل نتيجة يجب أن يكون هناك علة أسمى منها من كل الأوجه. وعليه، ما كان باستطاعة الكون أن يخلق نفسه بنفسه كما تدّعي نظرية الانفجار الهائل. فالكون (النتيجة)، كان في حاجة إلى علة خارجة عنه وأسمى منه. و"العلة" الواحدة الخارجة عن نطاق المكان والزمان، والتي هي أسمى من الكل، هي الخالق، ما من كان باستطاعته أن يصرّح بالقول: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يوحنا 8: 58)، ويتحدى كل واحد منا بالقول: "أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟" (أيوب 38: 4).

يتضح لنا ممّا سبق أن نظرية الانفجار الهائل، ليست سوى محاولة العلم الكاذب الاسم لتقديم بديل للخلق. لكن، إذ تغمرنا روعة هذا الكون الفسيح لا يسعنا إلا أن نرفع التسبيح لخالقنا العظيم، قائلين: " اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (المزمور 19: 1).

References in English

1. Morris, H. M. and Parker, G. E. What is Creation Science? (revised ed.), Master Books, El Cajon, California, 1987, pp. 190- 205.

2. Rifkin, J. Entropy: A New World View, Viking Press, New York, 1980, p. 55.

3. Morris (Ref. 1) pp. 205- 220.

أضف تعليق


قرأت لك

النعمة المغيّرة

"فتقّو أنت بالنعمة التي في المسيح يسوع" (2 تيموثاوس 2-1). هي نعمة خاصة وشاملة هي هدية تفوق العقل وهي نازلة من فوق من السماء إلى أرض الخطية لكي تحدث تغيّر جذري في قلب الإنسان الحجري لتجعله قلبا لحميا يدرك ويحس. هي نعمة تعطى دون مقابل ولا تقاس بأي ثمن في العالم. والذي يستقبلها عبر الإيمان بالمسيح بتوبة حقيقية يصبح:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة