الحياة المسيحية

الفصل الثالث: عودة إلى مصر

القسم: الباحث عن الله.

خرجت من بيت سمعان، وسرتُ في طرقات المدينة الكبيرة أبحث عن الطفل الملك.

ذهبت إلى الهيكل وسألت عن ملك اليهود، وفيما أنا أسأل اقترب مني جندي وسألني بخشونة عما أطلب. فقلت إني سمعت أن ملك اليهود قد وُلد في بيت لحم، وأنهم قدَّموه له في الهيكل. فقبض عليّ بعنف وجرني إلى المخفر، وجعل رجال الأمن يحققون معي. اتهموني بالجاسوسية وبالخيانة، وقد نلتُ كفايتي من الضرب والاهانة.

ولما كنت أتكلم عن النبوات، ورأوا ما أنا عليه من سذاجة، أطلقوا سراحي قائلين إني مجنون. وزوَّدوني بكثير من الضرب واللكم والركل، وحذروني من الكلام عن ملك، فان الملك هيرودس العظيم موجود.

خرجت من مخفر الشرطة وقد ترك رجالها آثاراً عميقةً على جسدي، كما تركوا في ذهني مخاوف، على أن ذلك لم يمنعني من التجوال. وبالرغم من أنني لاحظت أنني متبوع من رجال لا يحملون سمةً مطمئنة، إلا أني سرتُ أسأل عن ملك اليهود. وتأكد رجال الحكومة أني مجنون فتركوني وشأني.

تعبت من البحث في أورشليم، فتركتها إلى بيت لحم. وذهبت إلى الخان وسألت هناك. علمت أن صاحب الخان كان قد باعه إلى آخر. على أن المالك الجديد قال إن المالك الأول كان قد ذكر في ما ذكر عن ولادة طفل كانت له قصة عجيبة، وذكر شيئاً عن رعاة وملائكة، لكنه قال إن العائلة كانت قد تركت الخان ونزلت عند عائلة قريبة. وذهبتُ أسأل من بيت إلى بيت. وعثرتُ على البيت الذي كانوا قد نزلوا فيه.

ولكن أصحاب البيت حاولوا أن يتملَّصوا مني. أنكروا في أول الأمر. ظنوا أني جاسوس أتبع بيت هيرودس. فلما اطمأنوا إليَّ، قصُّوا لي قصة في غاية الغرابة، قالوا: "ألست ترى علامات الحداد في كل بيت طرقته؟ لقد حدثت مذبحة منذ ستة شهور. جاء جنود هيرودس وقتلوا جميع الأطفال من ابن سنتين فما دون". كان اضطرابي عظيماً، سألت: "فهل قُتل الصبي الوليد؟" قالوا: "لا". وبالرغم من أنهم اطمأنوا كل الاطمئنان إلا أنهم ترددوا أكثر من مرة....

كانت قصتهم أعجب من قصة الراعي ميخائيل. قالوا:

في أحد الأيام أقبلت قافلة فيها جمال وخيول، عليها رجال يحملون سمة الملوك، عرفنا أسماء ثلاثة منهم كاسبار ملك كالديا، وملكيور ملك بمفيلية، وبلتازار ملك اثيوبيا – ومعهم آخرون لم نعرف أسماءهم. دخلوا هذا البيت حيث كانت تقيم عائلة الصبي: الرجل وزوجته وابنهما. وهمس الرجل: "هم أقارب لنا من بعيد. شكراً لله أن ليس لنا أطفال". ودخل الملوك وانبطحوا على الأرض وقدموا سجوداً أكثر من سجود الاحترام، سجود عبادة، وقدَّموا هدايا لا تُقدم إلا للآلهة: ذهباً ولباناً ومُرّاً... لم يتحدث الملوك كثيراً.

قالوا: سيكون لهذا الصبي شأن سيهزُّ اليهودية بل سيهزُّ كل العالم. انطلق الملوك. وانطلقت العائلة بعد ثلاثة أيام... بعد خمسة عشر يوماً من انطلاق العائلة جاء جنود هيرودس يسألون عن الصبي، ثم قاموا بمذبحة فظيعة. ذُبح أزيد من مائة طفل. لكن الصبي المقصود نجا.... وأنت تلاحظ أن بيت لحم تلبس إلى الآن ملابس الحداد".

قلت في نفسي: ها قد تمَّت نبوة سمعان.... سيكون هدفاً تُصوّب نحوه السهام "لعلامةٍ تُقاوم".

وسألتُ أصحاب البيت: "ألا تعلمون أين ذهبت العائلة؟" أجابوا: "نظن... نظن أن العائلة اتجهت إلى مصر".

هل أذهب إلى مصر؟... وأين في مصر؟... إن مصر عالم كبير....

لكن صاحب البيت همس في أذني إن مصر ليست كبير كما تظن. إن المهاجر اليهودي يعرف لأين يذهب. ابحث عن العائلة الهاربة في حواري اليهود. اذهب إلى تل بسطة ومدينة الشمس ومصر القديمة.

وذهبت......

لم تكن مصر هي البلد التي سبق أن تجوّلتُ فيها مع صديقي كاهن أوزيريس. لقد تغيَّرت كثيراً. كنتُ أظن أني لا أجد أحداً. لكني وجدت كثيرين. وقد أخبرني البعض أنهم عرفوا العائلة. بل حدّثني البعض عن الصبي. على أني لم أستطع أن أصل إليه. ظللت أتجول من مكان إلى مكان. لم يكن تسخير كالذي سبق أن رأيته. لكني لاحظت أن الشعب يبغض اليهود، ولا يتكلم عنهم حسناً. ولكنه لم يضطهدهم اضطهاداً ظاهراً. وكانوا يعملون في المال ويكسبون كثيراً، ولكنهم لم يكونوا سعداء، لأنهم كانوا يحسون بكراهة الشعب لهم، وبأنهم لو تمكنوا منهم لأفنوهم.

وقد لاحظت أنهم كانوا ينتظرون الملك الآتي المخلص. لما قلتُ لهم انه جاء سخروا مني. سألوا: "أين هو؟ أين جيشه؟ أين أسلحته؟ أين مواكبه؟". ولما قلت لهم انه وُلد في مذود البقر، وان أهله فقراء، ضحكوا طويلاً وقالوا لي: "يا له من مخلص!! إننا ننتظر مخلصاً يخلصنا من طغيان الدولة المحتلة. يخلصنا من الفقر ومن الجوع ومن الظلم. يجلس ملكاً ونحن نجلس بجانبه ملوكاً. فهل يستطيع أن يفعل شيئاً من ذلك؟".

قضيت في مصر ثلاثين سنة. ذهبت إلى كل ركن من أركانها وبحثت في كل مكان. كنت أسمع أخباراً يتَّضح لي أنها مجرد خيالات. قالوا إنهم رأوا العائلة التي كانت تقيم في طابق سفلي في مبنى مظلم، هروباً من يد ملك اليهودية. وقالوا إنهم رأوا نفس العائلة تسافر إلى أقصى صعيد مصر. كنت أقطع المسافات هنا وهناك دون جدوى، لم تكن مصر التي أراها هي مصر أوزيريس، فقد تغيَّرت معالمها، ولكنها ظلت بلاداً بغير إله حقيقي. لم تسمع عن الله الذي سمعتُ عنه من سمعان ومن الراعي ميخائيل أنه ظهر في الجسد!!

حتى اليهود الذين جاء المولود منهم لم يسمعوا عنه، بالرغم من النبوات التي يزعمون أنهم يعرفونها وينتظرون إتمامها، ومع أن الوليد المقدس جاء إلى بلادهم... بل أكثر من ذلك فقد جاء في نبَّواتهم أن الله دعا ابنه من مصر. مع كل ذلك لم يسمع غالبيتهم شيئاً عنه. والذين سمعوا لم يهتموا....

ظللتُ أجوب البلاد إلى أن أنهدّ حيلي وضعفت قواي... وفي إحدى الليالي جاءني رجل شيخ وقال انه سمع أني أبحث عن عائلة جاءت من بلاد اليهودية هاربةً من ملك طاغية... وقال انه عرف تلك العائلة، وأنها نزلت في بيته من ثلاثين سنة أو نحو ذلك

قال: "كانت الأم شابة جميلة... جميلة! فلقة من النور. أما الطفل فبالرغم من أنه لا يبدو لأول وهلة طفلاً عادياً، إلا أنه كان يشرق بنور سماوي. كنا إذ نتأمل في وجهه نحسُّ كأن السماء تتكلم معنا. قلت: "ترى هل تكلَّم فعلاً؟" أجاب: "لا. لقد كان طفلاً عادياً في كل شيء، إلا أنه كان يُشعرنا أن في داخله... أوه. لا أعرف ماذا أقول. كانت الأم تجلس معنا كل الوقت الذي تفرغ فيه من أعمالها كزوجة وأم. في الحق أنها لم تكن تجلس معنا. كانت تعيش في الأعالي، وعلاقتها بابنها لم تكن علاقة أم بابن بل علاقة "أَمَةٍ "بسيّد، بل علاقة أمَةٍ بربٍّ معبود. أما زوجها فلم يكن زوجاً. كان ملاكاً يقوم على حراسة كنز ثمين...

" وبعد أن أقامت العائلة مدة ليست طويلة، الحقيقة أني نسيت المدة. خُيل اليّ أنها لا تزيد عن يوم... جاء الزوج، وكنا نجلس مع الزوجة، وقال: "أيتها السيدة الكريمة". ( كان لا يناديها إلا بكلمات يا سيدة ويا ست ) "لقد صدر اليّ الأمر بالعودة. قومي الآن، أعدَّي نفسك للسفر في بكور الغد".... وفي الصباح انطلقوا ولم أعد أسمع عنهم شيئاً....

" وقد أحسست أننا فقدنا كل شيء. أصبح بيتنا بعد أن كان قطعة من النور شبه قبر مظلم. وقد تركنا البيت وانتقلنا من مدينة إلى قرية إلى مدينة أخرى... ولم نعُد من رحلتنا إلا أول أمس، عندما أخبرنا جيراننا عن شخص جاء يسأل عن العائلة الهاربة... شكراً لله أنني لم أتعب كثيراً في الوصول إليك".

سمعت كلام الرجل، وعلى قدر ما تأسفت أنني ظللت في مصر هذه السنين الطويلة، سُررتُ أني التقطت طرف الخيط. سأعود إلى اليهودية وسأعرف مكان الوليد العظيم. انه لابد وأن يكون الآن قد تسلَّم ملكه وجلس على عرشه وأنقذ شعبه بل أنقذ العالم المحيط به، أو على الأقل بدأ الإنقاذ!!

كنت متأكداً أن يد الغدر لا يمكن أن تصل إليه، لأني رأيتُ العناية التي رافقته فهو كائن عجيب حقاً. الملائكة هتفت لمقدمه وقامت على حراسته حتى جاء مصر، والملائكة هي التي نفذت الأوامر العليا بعودته إلى اليهودية، ولابد أن تكون قد رافقته في عودته. أليس هو سيدها وربها؟

سأعود إذن إلى اليهودية. ليتني أستطيع أن أطير طيراناً حتى أصل إليه وأطلب منه أن يحدثني عن نفسه، ويؤكد لي ما سمعته عنه من سمعان وحنة وميخائيل.... وما سمعته عن زيارة الملوك... سأطلب منه أن يخبرني بالتفصيل عن طبيعته ورسالته وانتظاره مني. سأخبره أني مستعد أن أجلس عند قدميه وأسمعه. وسأقول إني مستعد أن أنفذ أوامره وأذهب إلى آخر الأرض أحمل رسالته... أوه. ليتني أطير طيراناً. في قلبي لهيب. أسعفيني أيتها السماء. احفظي حياتي إلى أن أراه... فقط. لا أطلب أكثر من هذا!!

أضف تعليق


قرأت لك

الفصل الحادي عشر: بأيّ إنجيل ينبغي أن نكرز؟

قال المسيح لتلاميذه: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مرقس 16: 15). وإطاعة لهذه الوصية ذهب الرسل والتلاميذ إلى العالم وفي أفواههم بشارة واحدة، بشارة الخلاص بالمسيح. كان محور كلامهم ولبّ إنجيلهم بلا نزاع، شخص الرب يسوع نفسه. فقيل فيهم إنّهم "كانوا يخاطبون اليونانيين مبشّرين بالرب يسوع" (أعمال 11: 20).

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة