الفصل الثالث: طبيعة المسيح وسجاياه

وصلتني- منذ بضع سنوات- رسالة من شاب، عرفته معرفة سطحية، قال في رسالته: "لقد اكتشفت اكتشافاً عجيباً عظيماً، وهو أن الله القادر على كل شيء، كان له ابنان: الأول هو يسوع المسيح، والثاني هو أنا". أخذت الرسالة فاحصاً، وإذا بي أجد أنها صادرة عن أحد مصحات الأمراض العقلية ...

كم من أدعياء في هذا الوجود، يدّعون العظمة والتأليه.. قد غصّت- بل ضاقت بهم- مصحات الأمراض العقلية، فهذا يدعي أنه يوليوس قيصر، وذاك يحسب نفسه رئيساً كبيراً، أو ملكاً أو إمبراطوراً، وآخر يدعي أنه يسوع المسيح.. ولكن من ذا الذي يسير في ركابهم، أو يصدق ادعاءاتهم، سوى نفوسهم المريضة... وليس لهم أتباع، اللهم من كان مريضاً مثلهم، ذلكم لأن حياتهم لا تؤيد أقوالهم، فيفشل إدعاؤهم، ويظهر كذب افترائهم.

ومما يدعم إيمان المسيحي بمسيحه، إنّ المسيح كان واحداً، قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً، فلم يكن من تناقض بين أقواله وأعماله، وبين كلامه وحياته، فقد كان المسيح فريداً عجيباً، وقال عنه أحدهم: "إننا نشعر باستياء واشمئزاز، إذا ما وضع اسم يسوع المسيح، بين أسماء البشر أمثال كونفوشيوس وبوذا وغوتيه، لأنه أسمى من أن يوضع في قائمة البشر، أو على قدم المساواة مع الناس، لأن يسوع ليس فرداً بين مجموعة العظماء في العالم، ولك أن تتحدث ما شئت عن الإسكندر الأكبر أو شارلمان أو نابليون... ولكن تذكر أن يسوع أعظم وأسمى، فهو ليس العظيم فحسب بل هو الوحيد، إنه يسوع.... وهو فوق إدراكنا وفوق مستوانا، أرفع وأعلى من أن نتناوله بالتحليل والتمحيص، لأنه هو الذي يمحصنا ويفحصنا، هو الذي أمامه يتقلص انتقادنا، وهو الذي يرعب أرواحنا.

ويروى عن تشارلس لام قوله: "لو دخل شكسبير إلى هذه الغرفة، لأسرعنا جميعاً لملاقاته، ولكن لو جاء "الواحد" إليها، ينبغي أن نسقط على وجوهنا، ونحاول جادّين أن نقبل ولو هدب ثوبه".

ويهمنا في الدرجة الأولى، أن نبيّن بأنّ يسوع يف في صفٍ وحده، فلا يجب أن نرضى بأن يقال عنه "أعظم إنسان في التاريخ" ولا نستطيع أن نتحدث عن يسوع في صيغة المقارنة والتفضيل، فالقضية أمامنا، ليست قضية مقارنة أو مقابلة، بقدر ما هي قضية تعاكس وتناقض، وقد سأل يسوع الشاب الغني قائلاً: "لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلاّ واحد وهو الله" وكان ينبغي أن نجيب بالقول: "هذا صحيح وبالضبط، فليس الأمر، إنك أفضل من الآخرين، ولا حتى إنك أفضل الجميع، بل إنك صالح.. صالح بكل معنى الكلمة، صالح كل الصلاح الذي في الله".

إنّ هذه الدعوى هامة، فالخطية مرض مزمن معدٍ بين البشر، وقد ولدنا، والعدوى في طبيعتنا "هوذا بالإثم صورت وبالخطية حُبِلَت بي أمي". والخطية مرض عام، إذاً بما أنّ يسوع الناصري، كان بلا خطية، فلا يمكن أن يكون مجرد إنسان مثل باقي الناس.. ومادام بلا خطية، فهو يختلف عني وعنك، لقد كان فائق الطبيعة وكما قال الأستاذ جايمس داني، عميد الكلية الحرة في غلاسكو، في كتابه: "دراسات في اللاهوت" "إن انعزال المسيح عن الخطاة، ليس بالأمر الهيّن البسيط، لكنه على خطورة بمكان، لأنه يتضمن معنى الفداء، وهي الفضيلة التي لولاها، لما صار أهلاً لأن يكون مخلصاً بل لأصبح هو نفسه، في حاجة إلى الخلاص مثلنا".

ومن المفيد أن نلخص البراهين على أنّ المسيح بلا خطية، تحت أربعة مواضيع:


1-ماذا فكّر المسيح نفسه:

صرّح المسيح أكثر من مرة، تصريحات مباشرة، فحواها أنه بلا خطية، ففي حادثة المرأة التي أمسكت وهي تزني في ذات الفعل، عندما أحضروها إلى يسوع، تحدّى المشتكين عليها وأخجلهم بقوله: "من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر" فخرجوا واحداً فواحداً، وبقي يسوع وحده، والمرأة واقفة في الوسط (يوحنا 8: 1-11).

ويعود يسوع في ذات الإصحاح، ليتحداهم مرة ثانية قائلاً: "من منكم يبكتني على خطية؟" (ع 46) ولم يجرؤ أن يجيبه أحد، وانسحبوا من قدامه عندما اتهمهم، ولما تحداهم لكي يبكتوه على خطية، وقف أمامهم بثبات وجرأة منقطعة النظر، ذلك لأنهم خطاة، وأما هو بلا خطية، وعاش عيشة الطاعة الكاملة لمشيئة أبيه كما قال: "لأني في كل حين أفعل ما يرضيه" (ع 29) ولم تكن كلماته للافتخار، لكنه تكلم طبيعياً...

كذلك بالنسبة لطبيعة تعاليمه، وضع يسوع نفسه في رتبة أدبية فريدة وهذا نفس ما فعله الفريسي في الهيكل، في شكره الذي يكاد يكون تجديفاً إذ قال: "اللهم أنا أشكرك إني لست مثل باقي الناس..." (لوقا 18: 11) أما يسوع فقد نسب لنفسه التفرد، دون ما افتخار ذاتي، لأنها كانت حقيقة واضحة لديه، بدرجة أنها لم تكن في حاجة إلى أي توكيد، أما البشر فإنهم خرافٌ ضالة، ويسوع هو الراعي الصالح الذي جاء لكي يطلبهم ويخلصهم... وإنهم مرضى بالخطية، ويسوع هو الطبيب الذي جاء ليشفيهم، وأنهم غارقون في ظلمة الجهل والخطية، ويسوع هو نور العالم. إنهم جميعاً خطاة، أما هو فقد وُلد لكي يكون مخلصاً لهم، وأن يسفك دمه على الصليب، ويموت لغفران الخطية. كلهم جياع، أما هو فإنه خبز الحياة... كلهم أموات في الذنوب والخطايا أما هو فإنه الحياة لهم الآن، والقيامة في المستقبل... نطق يسوع بهذه الحقائق الجوهرية، بكل اتضاع وبساطة، لا لكي يفرض تأثير عظمته عليهم، بل لينهض بالإيمان قلوبهم، فيستطيع أن يملأ كل احتياجهم.

وليس من الغريب، إذاً، أننا ونحن نسمع عن تجارب يسوع، لا نسمع شيئاً عن خطاياه، فلم يحدث أنه اعترف بخطاياه أو طلب غفراناً، مع أنه كثيراً ما أمر تلاميذه أن يفعلوا ذلك. إن يسوع لا يظهر أي تقصير أدبي، ولم يكن عنده إحساس بالإثم أو بالبعد عن الله الآب في أي وقت... ولو أن يوحنا عمدّه بما أسماه "معمودية التوبة" لكنه تردد كثيراً قبل عماد المسيح، وقبل المسيح ذلك لا اعترافاً منه بأنه خاطئ ولكن "لكي يكمّل كل بر" (متى 3: 15) ولكي يعرف خطايا العالم، وكانت له شركة دائمة نقية مع الله الآب...

إن نقاوةحياته، وعمق شركته مع أبيه، لجديران بالاعتبار لسببين:

1) أنه كانت ليسوع مَلَكة الحكم والتمييز كما تقول الرسالة إلى العبرانيين: "مميزاً أفكار القلب ونياته" (4: 12) ولم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان في الإنسان، وقد سجلت عنه الأناجيل مراراً أنه كان يعلم ما في قلوب الناس وأفكارهم من تساؤل وارتياب (يوحنا 2: 25) وقد حفزّته معرفته الثاقبة، أن يوبخ رياء الفريسيين ويمقت ازدواج موقفهم، وقد صبَّ عليهم جام غضبه، في الويلات التي نطق بها بصوت كالرعد، كصوت أنبياء العهد القديم، كما سفّه الغرور والكبرياء، إلاّ أنّ هذه العين النقية الفاحصة، لم ترَ فيه شراً، كما أنه وبَّخ البر الذاتي، الذي ظهر في غيره، وهو الذي جاهر أنه بار...

2) ثمّة سبب آخر، جعل شعوره بالطهارة الشخصية عجيباً، هو أنه يختلف تمام الاختلاف عن اختبار غيره من القديسين والمتصوفين، فالمسيحي يعلم أنه كلما ازداد تقرباً من الله، كلما ازداد شعوره بالخطية ومرارتها. والقديس في مثل هذه الحالة يشبه رجل العلم العصري، كلما زادت اكتشافات العالم، كلما تاقت نفسه إلى اكتشافات وأسرار جديدة، أما القديس فكلما ازداد تشابهاً للمسيح، كلما أدرك مدى المسافة التي تفصل بينه وبين مثله العليا. ولو ألقى القارئ نظرة، على حياة أحد المسيحيين، لاقتنع في قرارة نفسه بصدق هذه الحقيقة، إذا لم يكتفِ باختباره الشخصي، وهاكم مثلاً لذلك عن داود برينارد، المرسل بين الهنود، في أوائل القرن التاسع عشر، وقد كشفت مذكراته اليومية ورسائله، عن عمق ولائه للمسيح، وبالرغم من آلامه المبرحة وضعفاته الجثمانية، التي كانت سبب موته، وهو في التاسعة والعشرين من عمره.. فإنه كرّس نفسه تماماً لعمله– وكان رغم ذلك يسافر على ظهر جواده، وسط الغابات الكثيفة، يعلّم ويكرز بدون هوادة، ينام في الخلاء، قانعاً بمثل هذا العيش، دون أن يفكر في بيت يأويه أو عائلة تضمه.. وقد فاضت يومياته بعبارات الحب والحنان نحو "أحبائه الهنود الأعزاء".. كما أنها غنية بالصلوات والتسابيح للفادي.. وبالطبع أنّ مثله يُعَدّ قديساً من الطراز الأول، لم تلوث الخطية، حياته وعمله كثيراً، ولكن بالنظر إلى يومياته، نراه مراراً وتكراراً، يندب فساده الأدبي، ويشكو من افتقاره إلى الصلاة والمحبة للمسيح، ويدعو نفسه "الدودة الحقيرة" –"الكلب الميت" –"الشقي البائس التعس".. ذلكم لأنه رأى نفسه على حقيقتها، في نور المسيح الذي عاش معه.

أجل! عاش المسيح أقرب، من أي إنسان آخر، إلى الله، ومع ذلك لم يكن لديه أي إحساس بالخطية..


2-ما قاله أحباء المسيح:

من الواضح أنّ المسيح اعتقد أنه بلا خطية، كما اعتقد أنه المسيا وابن الله، ولكن ألا يجوز أن يكون مخطئاً في اعتقاده الأول والثاني أيضاً؟ ماذا كان يقول تلاميذه عنه؟ هل كانوا يشاركونه رأيه من جهة نفسه؟

ربما يخطر على البال، أنّ تلاميذ المسيح كانوا شهوداً ضعفاء، واعترضوا عليهم بأنهم جماعة مغرضون، صوّروا المسيح في صورة أجمل مما هو.. ولكن هذه الاعتراضات أساءت للتلاميذ لأن شهادتهم ذات قيمة ثمينة، وإن أقوالهم في هذا الشأن، لا يمكن إغفالها، وهناك كثير من الأسباب الوجيهة، التي لأجلها يجب أن نثق بشهادتهم، ونعتمد على أقوالهم.. وبين هذه الأسباب ما يأتي:

1) إنهم عاشوا في ألفة مع يسوع نحو ثلاث سنوات: أكلوا وناموا معاً، واختبروا السفر والانزعاج في قاربٍ صغيرٍ واحدٍ، وكان لهم صندوقٌ واحدٌ، ينفقون منه جميعاً (وكم كان الحساب المشترك في المصرف، سبب انقسام وخصام ونزاع بين الشركاء) وكم من مرةٍ أثاروا غيظ بعضهم البعض، ونشأت بينهم المشاجرات، ولكنهم لم يجدوا في المسيح أية خطية من خطاياهم، وكم تسبب الألفة وعدم التكليف من استخفافٍ وازدراء، بعكس ما حدث هنا، فإنّ بين الشهود الرئيسيين، على أنّ يسوع بلا خطية، اثنان هما بطرس ويوحنا، وهما من أصفياء المسيح، وثالثهم يعقوب، الذين منحهم امتيازات خاصة، وإعلانات حبيّة أكثر.

2) إنهم كانوا يهوداً، تشربت عقولهم بتعليم العهد القديم منذ نعومة أظفارهم، وبين هذه التعاليم عقيدةٌ لم يكن من السهل التخلص منها، إلاّ وهي عمومية الخطية بين البشر فيقول الكتاب: "كلنا كغنمٍ ضللنا" (أشعياء 53: 6) "ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد" (مزمور 14: 3)... وبسبب هذه العقيدة المتأصلة في عقولهم، لم يكن من السهل عليهم؛ أن ينسبوا عدم الخطية لكائنٍ من كان.

3) ثمة سبب ثالث يجعل شهادة الرسل أكثر تصديقاً هو أنها جاءت بطريق غير مباشر... فقد جاءت ملاحظاتهم وأقوالهم عفوية في كتاباتهم، فبينما كانوا يكتبون عن موضوع، إذ بهم يضيفون عبارات، تبدو كما لو كانت جملاً اعتراضية، تشير إلى عصمة المسيح عن الخطية، ولذلك لا يمكن أن توصف توكيداتهم بأنها مغرضة، في هذه الحالة على الأقل، أو أنها كانت بحسب ميولهم وأهوائهم.

وهاكم مثلاً لذلك، فغن بطرس وصف يسوع أولاً "كحمل بلا عيب ولا دنس" (1بطرس 1: 19) ومن ثم تابع قوله: "بأنه لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر" (1بطرس 2: 22) ويكتب يوحنا في أوائل رسالته الأولى "بأن جميع الناس خطاة وأنه إن قلنا ليس لنا خطية فأننا نكذب، وإن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذباً" (يوحنا 1: 8- 10) ومن ثم أضاف قائلاً: "وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية" (1يوحنا 3: 5)

ويضاف إلى شهادة بطرس ويوحنا، شهادة الرسول بولس وكاتب الرسالة إلى العبرانيين .... فيقول بولس عن يسوع "الذي لم يعرف خطية" (2كورنثوس 5: 21) كما أن الرسالة إلى العبرانيين تقول: "إنه... رئيس كهنتنا قدوس بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عبرانيين 7: 26) وأنه "مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية" (عبرانيين 4: 15).


3-ما قاله أعداء المسيح:

عندما نتأمّل فيما يفكر به أعداء المسيح عنه، نرى أنفسنا في موقف أسلم، ولا يمكن أن يقف منه هؤلاء الأعداء، موقف التأييد والتعضيد، فقد ذكرت عنهم الأناجيل أنهم "صاروا.... يراقبونه" (مرقس 3: 2) وحاولوا أن يصطادوه بكلمة (مرقس 12: 13) ومن المسلم به بأنه إذا تعذر، كسب المناقشة بالحجة والبرهان، نزل الخصوم إلى مستوى التهجم على صعيد شخصي، ومما يكسر القلب، إن آفة الحقد الشخصي، والغايات النفسانية، قد لوثت سجلات الكنيسة اليوم... تلك كانت حالة أعداء المسيح، الذين دحرهم بقوة منطقه، وصدق حجته، ولذلك لجأوا إلى وسائل أخرى لبث سمومهم.

وإنه لجدير بنا أن نتأمل في انتقاداتهم بكل تدقيق وعناية، وقد سجل مرقس في إنجيله (2: 1- 3: 6) أربعة هجمات هي:

1) إن يسوع جدَّف عندما غفر خطايا إنسان مفلوج وظنوا هذا تعدياً وافتئاتاً على حقوق الله، وقالوا إن هذه تجاديف، ولكن قولهم هذا، يسير المشكلة الرئيسية ألا وهي، إن كان يسوع إلهاُ حقاً، فإن غفران الخطايا من عمله واختصاصه.

2) اتهموه ثانية بمعاشرة الأشرار من العشارين والخطاة، فقد أكل وشرب معهم، واتكأ مع الزناة والزواني، كما ادعوا، الأمر الذي لا يخطر إطلاقاً على بال أي فريسي، بل بالحري يسارع، لكي يبتعد عن مثل هذا القوم، معتبراً نفسه باراً بهذا العمل، كما أن الفريسي لم ينظر أبداً بعين الاعتبار أو التقدير، إلى نعمة يسوع المتفاضلة وحنانه، إذ مع كونه "منفصلاً عن الخطاة" اكتسب لنفسه هذا اللقب "محب للعشارين والخطاة".

3) اتهموه ثالثة بأنّ دينه كان سطحياً، فلا يصوم كالفريسيين وتلاميذ يوحنا المعمدان، لكنه كان إنساناً أكولاً وشريّب خمر، جاء يأكل ويشرب (متى 11: 19) وإن مثل هذه التهمة لا تستحق الرد أو الاهتمام، ويزيدنا فخراً أن يمتلئ يسوع فرحاً، ولا مجال للشك في أنه كان مثال الدقة والعناية بشؤون دينه.

4) أما التهمة الرابعة فهي أنه كسر السبت فقد شفى المرضى في يوم السبت، ومشى بين الزروع مع تلاميذه في يوم سبت، وقطف التلاميذ سنابل وأكلوا، فاعتبره الفريسيون بمثابة عمل- حصاد ودرس- وهو ممنوع منعاً باتاً بحسب تقليدهم، ولن يرتاب من يدرس الكتاب بدقة وعناية، في أن يسوع كان مثال الاحترام الكلي لناموس الله، وكان طائعاً له... وعند احتدام المناقشة، كان يحتكم يسوع إلى الناموس... وقد أكد لهم أيضا ًأن الله صنع السبت لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت، وهو "رب السبت" له الحق والسيادة، ويستطيع أن يفسر الشريعة الإلهية تفسيراً صحيحاً.

ونلاحظ أن هذه التهم إما تافهة، أو أن لا أساس لها من الصحة، حتى أنه في وقت المحاكمة، لم تكن هناك تهمة معينة ضد المسيح، يستحق عليها الموت، فاستأجر أعداءه شهود زور ضده، ولم تتفق شهادتهم... وزد على ذلك فإن الاتهام الذي دبروه ضده، لم يكن أدبيَّاً بل سياسياً.... ولمَّا وقف الجليلي "المتهم" ليسمع الحكم أمام الجموع الحاشدة، صدر الحكم ببراءته مرة بعد الأخرى، وقد حاول بيلاطس محاولات كثيرة، تدل على جبنه وحقارته، لكي يتخلص من إصدار الحكم، وفعلاً غسل يديه وصرَّح علانية، أنه "بريء من دم هذا البار" (متى 27: 24) ولعل هذه العبارة، جاءت نتيجة طبيعية، لتأثره من رسالة زوجته التي بعثت تقول له: "إياك وذاك البار" (متى 27: 19) ولمّا أرسله إلى هيرودس، لم يجد فيه أية علّة (لوقا 23: 15) وها هو يهوذا الخائن، الذي لم يقدر أن يقاوم توبيخ ضميره، فأرجع الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة وقال: "... قد أخطأت إذ أسلمت دماً بريئاً" (متى 27: 3، 4) وقد شهد ليسوع أيضاً، اللص التائب وهو على الصليب وانتهر رفيقه المصلوب الثالث، لإهانته يسوع وقال: "وأمّا هذا فلم يفعل شيئاً ليس في محلّه" (لوقا 23: 41) كما جاءت شهادة قائد المئة، مطابقة للحق، عندما شاهد المسيح يتألم ويموت، صرخ قائلاً: "بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً" (لوقا 23: 47).


4-تقديرنا الشخصي للمسيح:

لسنا في حاجة أن نعتمد على شهادة الآخرين، ولكن نستطيع أن نعتمد على ما نكوّنه لأنفسنا، فإنّ دعوى يسوع عن كماله الأدبي كما أعلنها بنفسه، وأيّدها تلاميذه، وأكدّها أعداؤه ساخرين مستهزئين، كل هذه سجلتها الأناجيل.

أمامنا فرصة كافية لنكوّن لأنفسنا رأياً، وقد رسم لنا البشيرون صورة شاملة واضحة ليسوع، تناولت بنوع خاص، خدمته العلنية الجهارية لمدة نحو ثلاث سنوات، إلاّ أنها لم تغفل أن تذكر لمحة عن طفولته، وقد ذكر لوقا مرتين، أنّ يسوع في أثناء وجوده في الناصرة، كان ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس، (لوقا 2: 40، 52) كما نراه يذهب إلى موضع خلاء مع تلاميذه، مرة أو مع الجموع الكثيرة التي كانت تزحمه، مرة أخرى– ونلاحظه في خدمته الأولى، في الجليل وكأنه معبود الشعب، الذين يسيرون وراءه ويهتفون بحياته، ويسعون لخطفه بالقوة، لكي يجعلوه ملكاً، يُرضي أهوائهم ورغباتهم... ولو سرنا وراءه إلى أورشليم، ودخلنا معه أروقة الهيكل، لرأينا الفريسيين والصدوقين وهم يحاولون أن يصطادوه بكلمة... ولكن يسوع هو هو، لن تغيّره ظروف ولن تؤثر فيه نشوة النجاح الباهر، ولا انقلاب الزمان الغادر، وسيّان عنده، إن أحبّه الناس أم رفضوه، قبلوه أم طردوه...

وعسانا نرى هنا صورة المسيح، غاية في الاتزان، ليس فيه أي أثر للشذوذ، فهو يؤمن صادق الإيمان بما يعلّم به، دون ما تصعب أو انحياز، فإن كانت تعاليمه صعبة على الجمهور وغير مرغوب فيها، لكنّه لا يثور... وهناك من البراهين التي تثبت ناسوته بقدر ما يثبت لاهوته... فقد تعب ونام وأكل وشرب مثل باقي الناس، وجرّب ما في البشر من عواطف مثل الحب والغضب والفرح والحزن، فهو إنسان كامل بلا خطية.

وفوق الكل لم يكن يسوع محبّاً لذاته، أيوجد أعجب من هذا؟ هذا الذي يعرف ويؤمن أنه إله، لم يتكبر أو يتجبر، لم يفتخر أو يتباه مثل الذين يظنون أنهم شيء وهم ليسوا شيئاً، فإنّ الكبرياء لم تجد إلى نفسه سبيلاً، بل كان مثال التواضع والوداعة، وإن التناقض الذي يظهر في شخصه يحيّر، لا سيما وقد جمع في شخصه المتناقضين: التعليم الذي يدور حول النفس أو الذات، ثم سلوكه الذي يخلو من محبة النفس... لقد وضع نفسه أولاً بالقول، ووضعها آخراً بالعمل، وجمع في نفسه أعظم احترام وتقدير للنفس وأعظم إنكار للذات، عرف نفسه ربّاً على الجميع، لكنّه صار عبداً للجميع وقال: "لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مرقس 10: 45) لقد تنازل عن امتيازات كثيرة: ترك أمجاد السماء، ونزل إلى أرض الشقاء والعناء، مضحياً بحصانته الأبدية، معرضاً نفسه لأشواك وشر هذا العالم... ولد من أمٍّ فقيرة في مذودٍ حقير في بيت لحم، وهرب إلى مصر، ثم جاء سراً إلى مدينة الناصرة، حيث عاش واشتغل نجاراً بسيطاً، لكي يعول أمّه، ولمّا جاء الوقت المعيّن، جال يكرز في القرى والمدن. كان فقيراً، لا يملك من حطام الدنيا سوى النذر اليسير، ولم يكن له أين يسند رأسه.... كان الصيادون البسطاء والعشّارون والخطاة، أصدقاءه وأتباعه، واحتمل مشاجرة تلاميذه وتطاحنهم على الرئاسة، وغسل أرجلهم كعبد، ولمس البرص كما لمسه الزناة والزواني، وانصرف بكل قواه إلى خدمة الشفاء والتعليم والكرازة، بصورة متواصلة... لقد أساء فهمه الناس، فأساءوا إليه وجعلوه ضحية تعصبّهم الأعمى، فقد احتقره الشعب ورفضوه، وهجره أتباعه ومحبوه، أدار ظهره للضاربين، وخدّه للناتفين، ووجهه للمستهزئين، وأحنى رأسه لكي يضعوا عليه إكليل الشوك، ومدَّ يديه ورجليه للمسامير، وسُمِّر على الصليب، كما تقضي قوانين الرومان... وحينما شعر بالآلام المبرحة من أثر المسامير وغيرها، صلّى من أجل أعدائه قائلاً: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23: 34).

وهل لعقولنا القاصرة أن تدرك كنه هذا الإنسان؟ لقد نجح هو حيث فشلنا نحن، وكان يضبط نفسه ويملكها، لم ينتقم، ولم يحنق، ولم يثر أو يتهيج، مهما حسبه الناس أو قالوا عنه أو فعلوا به، أنكر نفسه، وسلمها إلى مشيئة الله وخير البشرية كما قال: "لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 5: 30، 8: 50) وكما كتب بولس الرسول: "لأن المسيح لم يرضِ نفسه" (رومية 15: 3) والكتاب المقدس يطلق على عدم الاهتمام بالنفس وإنكارها، وعلى خدمة الله والناس، اسم المحبة، فالمحبة لا تطلب ما لنفسها، وجوهر المحبة التضحية وإنكار النفس– هذه المحبة التي تضفي على من يتزين بها نوراً، فكم بالحري تشع حياة يسوع في المحبة نوراً ساطعاً، لا يخبو ولا يتضاءل... وخلاصة القول: كان يسوع بلا خطية لأنه خلا من نفسه ومن محبة الذات- وعدم محبة الذات وبغض النفس هي المحبة عينها، والله محبة.