الحياة المسيحية

الفصل الخامس: حقيقة الخطية وطبيعتها

القسم: المسيحية الأصيلة.

فهرس المقال

ثانياً: حاجة الإنسان

أفردنا جانباً كبيراً من هذا الكتاب لتمحيص البراهين على لاهوت يسوع المسيح، حتى أننا اقتنعنا بأنه الرب، ابن الله الوحيد ولكننا نجد أن العهد الجديد لا يقتصر على وصف شخصه فحسب بل يصف عمله أيضاً، ولم يقف كتّاب العهد الجديد عند حد معرفة من هو، ولكنهم تناولوا ماذا عمل ويقدمونه لنا ليس بوصفه الرب الذي جاء من السماء فقط، ولكن بوصفه المخلص الذي مات على الصليب، وليس هذا معناه أن نفصل الأمرين عن بعضهما البعض، فهما مرتبطان تمام الارتباط، والواقع أن دوام صلاحية عمله يتوقف على لاهوت شخصه المبارك.

ولكي نقدّر قيمة العمل الذي أكمله، حق قدره، ينبغي أن نتفهم حقيقة أنفسنا "من نحن" كما نتفهم حقيقة شخصه "من هو" وأن عمله قد تم لأجلنا لأنه عمل شخصي لأشخاص، وما هو إلاّ العمل الذي أدّاه الشخص الوحيد- القادر أن يسد الحاجة- لأشخاص محتاجين، وقدرته هذه، مبنية على لاهوته، كما أن حاجتنا مبنية على خطيتنا، أما وقد اختبرنا وامتحنا قدرته، فيجب أن نعرض حاجتنا قدامه.

وجدير بنا في هذا البحث، أن نتحول عن المسيح إلى الإنسان أي نتحول من العصمة عن الخطية والمجد الذي فيه، إلى الخطية والعار الذي فينا. ولن نستطيع أن ندرك كنه ما عمله لأجلنا وما قدمه لنا، ما لم نفهم حقيقة أنفسنا فهماً تاماً، أي أنه يجب تشخيص المرض جيداً، قبل أن نظهر استعدادنا لتناول الدواء اللازم.

الخطية موضوع غير مرغوب فيه، ولعل المسيحيين يقاسون مرَّ الانتقاد بسبب كثرة تكراره، ولكنهم إنما يفعلون هذا، لأنهم أناس واقعيون، فما كانت الخطية- ولن تكون- اختراع رعاة أو قسيسين، حرصاً على وظائفهم، لكنها حقيقة واقعة عامة، يوضَّحها كاتبو الكتب المقدسة، فهاكم سليمان، في أثناء صلاته العظيمة، وهو يدشّن الهيكل يقول: "ليس إنسان لا يخطئ" (1 ملوك 8: 46) ثم يعود الجامعة فيقول: "لأنه لا إنسان صدّيق في الأرض يعمل صلاحاً، ولا يخطئ (جامعة 7: 20) كما أن عدداً لا يستهان به من المزامير، أشبه بالمراثي، على انتشار الخطية وعموميتها بين البشر، فالمزمور الرابع عشر الذي يصف "الجاهل الذي لا إله له" يرسم صورة بشعة مخيفة لشرّ البشرية، ملؤها التشاؤم فيقول: "فسدوا ورجسوا بأفعالهم، ليس من يعمل صلاحاً. الرّب من السماء أشرف على بني آدم لينظر هل من فاهم طالب الله. الكلّ قد زاغوا معاً فسدوا، ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد" (مزمور 14: 1-3) وكأنّ ضمير المرّنم يحدثه أنه إذا قام الله لمحاكمة الإنسان ودينونته، فلن ينجو إنسان من قضائه "إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيد فمن يقف؟" (مزمور 130: 3) ولهذا يصلي قائلاً: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدّامك حيّ" (مزمور 143: 2) ولم يكن الأنبياء أقل إصراراً أو حماساً، من المرّنم أو غيره من كاتبي سفر المزامير، بالنسبة إلى أن جميع البشر خطاة، ولم تكن عبارات أكثر وضوحاً ودقة، من العبارتين الواردتين في النصف الأخير من سفر أشعياء: "كلّنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه" (أشعياء 53: 6) "وقد صرنا كلّنا كنجس وكثوب عدّة كل أعمال برنا" (أشعياء 64: 6).

وما كان هذا وهماً في مخيلة كتبة العهد القديم، ولكن ها هو بولس الرسول يفتتح رسالته إلى أهل رومية- في الثلاثة إصحاحات الأولى تقريباً- بمحاججته المكشوفة الصريحة، وفحواها أن جميع البشر- يهوداً كانوا أم أمميين- خطاة في نظر الله، ثم يصف في عبارات حيّة قوية، الانحطاط الخلقي الذي ساد العالم الوثني، ويضيف إلى قوله، أن اليهودي ليس أفضل، لأنه وهو الذي يملك شريعة الله المقدسة أي الناموس، ويعلمها لغيره، فإنه مجرم في كسرها والتعدي عليها، ومن ثم يقتبس الرسول من المزامير ومن النبي أشعياء ما يوضح به رأيه، ويفسر موضوعه، ملخصاً قوله بهذا "لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رومية 3: 22 ،23) وعسى الرسول يوحنا، كان أوضح ما يمكن في تصريحه: "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضلّ أنفسنا وليس الحق فينا" ثم "إن قلنا إننا لن نخطئ نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا" (1 يوحنا1: 8 ،10).

إن انتشار الخطية وعموميتها ليست حقيقة، تعرف بالوحي والإعلان فحسب، لكنها حقيقة تنبع من واقع اختبارنا اليومي نشاهدها ونحن نقرأ التاريخ أم نتصفح الصحف، ونراها لو سافرنا خارج البلاد أو بقينا في وسط رفاقنا ومواطنينا، نراها في بيوتنا وفي حياتنا، ولعل كل قوانين التشريع العامة والخاصة، نشأت لأن الجنس البشري لا يوثق به، ولا يعتمد عليه في حل مشاكلهم ومنازعاتهم بأمانة وإخلاص دون مراعاة المصلحة الشخصية، ولولا خطية البشر، لما حدث شيء من الأمور الكثيرة التي تحدث في المجتمع الراقي، فلماذا لا يكفي أن نقطع عهداً شفوياً، ولكن يلزمنا عقد اتفاق خطي؟ ولماذا لا نكتفي بالأبواب، بل يجب أن نغلقها ونوصدها بالمزاليج؟ ولماذا لا يفي دفع الأجور بالغرض المطلوب دون أن نحصل على بطاقات، توضع عليها العلامات، وتفتش وتجمع؟ ومع وجود القانون والنظام، لماذا نحتاج إلى شرطة لتنفيذها؟ إن كل هذه الأمور وكثيراً غيرها، مما ألفناه وقبلناه حجة مسلمّة، تعزى إلى الخطية، فلا يمكننا أن نثق ببعضنا البعض، ولكنا في حاجة إلى حماية، الواحد ضد الآخر.. يالها من حالة مشينة محزنة!

ولكن ما هي الخطية؟

إن انتشارها اليوم واضح صريح، فما هي طبيعتها إذاً؟ جاء في الكتاب المقدس، عدة كلمات تصف الخطية، ويمكن تلخيصها في مجموعتين: بالنسبة للنظر إلى الخطأ، سلباً أو إيجاباً.. فمن الناحية السلبية، الخطية هي التقصير، وهاك كلمة تعني هفوة أو زلة أو غلطة، بينما أخرى تعني الفشل في إصابة الهدف كما هو الحال في رمي سهم نحو هدف معين، وأخرى تعني رداءة في الداخل، أو وضع لا يحقق ما هو صالح.. أما من الوجه الإيجابي، فالخطية هي التعدي وإن كلمة من الكلمات تعني أنها خروج عن الحدود، وأخرى تعني التمرد ومخالفة القانون، وغيرها تعني العمل المخالف للحق والعدالة وكلا هاتين المجموعتين، تتضمنان وجود مقياس أدبي، وهو إما أن يكون مثلاً أعلى نعجز عن الوصول إليه أو شريعة نكسرها "ومن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له" (يعقوب 4: 17) هذا هو الوجه السلبي، أما الوجه الإيجابي فهو: "كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً، الخطية هي التعدي" (1 يوحنا 3: 4).

ويوافق الكتاب المقدس على الحقيقة القائلة بأن للبشر مقاييس مختلفة باختلاف أجناسهم، فاليهودي يدين بناموس موسى، والأممي يعتبر ناموس الضمير... ولكن البشر جميعاً فشلوا في تحقيق شرائعهم... وهكذا هو الحال معنا، فما هو دستور حياتنا الأدبي إذاً؟ قد يكون ناموس موسى أو شريعة يسوع، أو قد يكون قانون بوذا الثماني، أو أركان الإسلام الخمسة، ومهما يكن هذا الدستور، فقد أخفقنا في تحقيقه، ووقفنا موقف المُدان، ولعل الذين يعيشون عيشة حسنة يرون غرابة في ذلك، لأن لهم مُثلاً عليا ويظنون أنهم سوف يدركونها، دون أن ينهمكوا في فحص دواخلهم، أو أن يهتموا في نقد أنفسهم، وهم يعلمون بهفواتهم وتقصيراتهم، ويشعرون بما فيهم من عيوب أخلاقية ونقائص مسلكية... دون أن تفزعهم، ويحسبون أنفسهم بأنهم ليسوا أردأ من غيرهم، ويلوح أن جميع هذه الأمور مفهومة ومعروفة، إلى أن نتذكر أمرين:

(1) إن الإحساس بالفشل يتوقف على سمو مقاييسنا ... فمن السهل أن يعد الإنسان نفسه، بطلاً من أبطال القفز العالي، إذا لم يرتفع قضيب القفز عن ثلاث إلى ست بوصات.

(2) إن الله يهتم بالنية الكامنة وراء العمل، كما يهتم بالدافع الذي يكمن وراء التصرف والسلوك، الأمر الذي أوضحه يسوع في موعظته على الجبل، مما يدعونا أن نعيره كل انتباه واهتمام... ومن اللائق أن نتخذ الوصايا العشر ناموساً لنا ودستوراً لحياتنا، في ضوء هذين المبدأين، لنعرف كم يعجز الإنسان في تحقيق هذه الوصايا.


الوصايا العشر (خروج 20: 1- 17)

الوصية الأولى: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي"

هذا ما يطلبه الله من الإنسان الذي يجب أن يعبده وحده دون سواه، وليس من الضروري أن يعبد الشمس أو القمر أو النجوم حتى يقال عنه أنه كسر هذه الوصية، ولكنا نكسرها عادة إذا ما أعطينا لشيء ما أو إنسان ما، المقام الأول في تفكيرنا ومحبتنا، وقد يكون هذا الشيء لعبة محبوبة، أو هواية مرغوبة.... أو فرداً نعبده ونعتز به، أو مطمحاً نفسانياً يشغل كل بالنا، ويستنزف كل قوانا... وقد نعبد إلهاً من الفضة أو الذهب في صورة ودائع في المصارف، أو ربما نعبد إلهاً من الخشب أو الحجارة في صورة عقارات وممتلكات، وتدفعنا رغبتنا الملحّة إلى اقتناء بيت أجمل، أو سيارة أفضل، أو مذياع أحدث.. ولا أريد أن أقلل من قيمة هذه الأشياء، ولكن الخطر فيها هو أن نعطيها في حياتنا، المكان الذي لله وحده دون سواه... والخطية في حد ذاتها، هي إعلاء النفس على حساب الله، ويبدو أن ما كتبه أحدهم عن الرجل الانكليزي ينطبق على كل إنسان آخر، وأعني به "أنه هو الرجل الذي يصنع نفسه ويعبد نفسه".. فإذا أردنا أن نحفظ هذه الوصية الأولى، وجب علينا- كما قال يسوع- "أن نحب الرب إلهنا من كل قلوبنا ومن كل أنفسنا ومن كل أفكارنا" (متى 22: 37) أي أن نرى جميع الأشياء كما يراها الله، وألا نفعل شيئاً بدون الرجوع إليه، وأن نتخذ إرادته ومشيئته قائداً ودليلاً لنا، ونجعل مجده هدفنا وغايتنا وأن نضعه أولاً في الفكر والقول والفعل، في أوقات الراحة وأوقات العمل، في علاقاتنا الاجتماعية وفي أشغالنا، وفي استخدام أموالنا وأوقاتنا ومواهبنا... وما من إنسان استطاع أن يحفظ هذه الوصية إلا يسوع الناصري.

الوصية الثانية: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً"

لئن كانت الوصية الأولى ترمي إلى هدف عبادتنا وغايتها، فإن الوصية الثانية تشير إلى كيفيتها وحالتها.. وإن الوصية الأولى تعلن وحدانية الله، أما الثانية فتعلن روحانيته. في الأولى يطلب الله أن نعبده وحده دون سواه، وفي الثانية يطلب عبادة روحية ملؤها الإخلاص والولاء "لأن الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يوحنا 4: 24) ومع أننا لم نصنع لأنفسنا تماثيل معدنية قبيحة المنظر، ولكن كم من صور وتماثيل عقلية خبيثة احتفظنا بها في قلوبنا؟ وأكثر من ذلك، مع أن هذه الوصية لا تحرم استعمال كل الطقوس والنظم الخارجية في العبادة، لكنها تبين ضمنياً أن أمثال هذه عديمة النفع والفائدة، ما لم تعبّر عن حقيقة داخلية واقعية... وربما نكون قد حضرنا اجتماعات الكنيسة، فهل عبدنا الله بحق؟ وقد نتلو صلوات، ولكن هل صليّنا بحق؟ وربما درسنا الكتاب المقدس، ولكن هل سمحنا لله أن يتكلم إلينا في كتابه، وهل عملنا ما قاله لنا؟ ولا ينفعنا شيئاً أن نكرم الله بشفاهنا، إذا كانت قلوبنا مبتعدة عنه (أشعياء 29: 13، مرقس 7: 6) فإن هذه هي خطية اليهودي المرتد، وخطية الفريسي وخطية عابد الأوثان، وأعني بها تعظيم الأهداف الخارجية الدينية والأعمال الظاهرية حيث لا يوجد إخلاص داخلي.. هذا هو الخداع بعينه.

الوصية الثالثة: "لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً"

يرمز اسم الله إلى طبيعة الله، وفي الكتاب المقدس نجد الكثير مما يأمرنا باحترام اسم الله، ونصلي عادةً في الصلاة الربانية قائلين: "ليتقدس اسمك" وقد يتدنس اسمه المقدس بالكلمات التي نتفوه بها، وما أحوجنا إلى تنقيح كلماتنا بين حين وآخر، ولكن المقصود بالنطق باسم الرب إلهنا باطلاً، لا يعني مجرد النطق بالكلمات فقط، ولكن بالأفكار والأفعال أيضاً.. وحينما لا ينسجم سلوكنا مع عقيدتنا، أو تناقض حياتنا، كرازتنا.. فإننا بذلك ننطق باسم الرب إلهنا باطلاً وإن دعونا الله "رباً" وعصيناه فنحن ننطق باسم الرب الإله باطلاً وإن دعونا الله "أباً" وتركنا أنفسنا للهموم والقلق والارتياب، فإننا بهذا ننكر اسمه، ولعل هذا يقودنا إلى الفكرة القائلة بأن النطق باسم الرب الإله باطلاً، معناه أن تقول شيئاً، ثم تعمل شيئاً آخر. هذا هو الرياء.

الوصية الرابعة: "اذكر يوم السبت لتقدسه"

إن يوم السبت أو يوم الراحة في العهد القديم، ويوم الأحد في العهد الجديد، لهو ترتيبٌ إلهي فإن إفراز يوم واحد من الأيام السبعة، ليس تدبيراً بشرياً، ولا ترتيباً اجتماعياً، لكنه تدبيرٌ إلهي... فإن الله جعل السبت لأجل الإنسان (مرقس 2: 27) وحيث أنه خلق الإنسان، الذي من أجله جعل السبت، فقد جعله مناسباً لسد حاجة الإنسان، فإن عقل الإنسان وجسده في حاجة إلى الراحة، كما أن روحه في حاجة إلى فرصةٍ للعبادة.. فيوم السبت إذاً هو يوم الراحة ويوم العبادة، ويقولون هم الذين يعتبرونه بهذا المعنى وإننا كثيراً ما لا نكتفي بتشغيل أنفسنا فقط ولكننا ننهمك في مثل هذه الأعمال، حتى أننا نشغل غيرنا فيما يمكن الاستغناء عنه، ونحرمهم كما نحرم أنفسنا من الفرصة التي نحتاج إليها لعبادة الله.. وتتطلب منا هذه الوصية أن نعمل ستة أيام ونستريح في اليوم السابع، ومن الواجب علينا أن نؤمن للآخرين الذين نحن مسؤولين عنهم (أي عائلاتنا وخدمنا ومستخدمينا) نؤمن لهم الراحة لكي يعبدوا فقط، ويوم الأحد يوم "مقدس مفرز لله، إنه يوم الرب لا يومنا ويجب أن نصرفه في طريقه وليس في طريقنا، وفي عبادته وخدمته لا في ملذاتنا الشخصية.

الوصية الخامسة: "أكرم أباك وأمك"

تضع هذه الوصية نصب أعيننا واجبنا نحو والدينا، ولو جاءت على اللوح الأول من لوحي الشريعة الذي يبيّن واجباتنا نحو الله لأننا ونحن بعد أطفال صغار– على الأقل- يقف والدينا ويقطعون على أنفسهم العهود بتحمل المسؤولية عنا أمام الله وهم يمثلون سلطان الله، ومع ذلك لا يظهر الولد الصغير محبته لذاته وأنانيته أكثر مما يظهر في بيته حيث لا تراه عين العالم الخارجي أو الغرباء ولذلك يظهر على حقيقته ولعل بولس في إحدى رسائله (2 تيموثاوس 3: 2) يضع "غير الطائعين لوالديهم" بين أوصاف الذين يظهرون في الأيام الأخيرة، وفي هذه الدائرة بنوع خاص، تنكشف أنانيتنا ومحبتنا لذواتنا، حتى بعد بلوغنا سن الرشد، ومن السهل أن يكون الإنسان جحوداً وناكراً لجميل والديه، وأن يخفق في تقديم الاحترام والحب اللذين يستحقانه.. وعندما نكون بعيدين كم نكتب للوالدين وكم نزورهم؟ وهل هم في حاجة إلى مساعدة مالية في مقدورنا أن نقدمها ولكننا نبخل بها عليهم؟

الوصية السادسة: "لا تقتل"

ليست هذه الوصية مجرد نهي عن ارتكاب جريمة القتل ولو أن النظرات تقتل لرأينا عدداً كبيراً من قتلاها، ولو أن الكلمات النابية القاسية تقتل لأصبح الكثيرون من المجرمين أو الضحايا وفي الواقع، أن يسوع علّم في موعظته على الجبل (متى 5: 21-26) أن من يغضب على أخيه باطلاً أو يهين أخاه، فإنه يرتكب خطية القتل، ولذلك يصل بنا الرسول يوحنا في رسالته الأولى 3: 15 إلى خلاصة القول: "كل من يبغضن أخاه هو قاتل نفس" ولعلنا ندرك من هذا القول أن عدم ضبط النفس، وحدّة الطبع، وإفلات زمام الشهوات، وثورة الغضب والهياج، والحنق والتعطش إلى الانتقام لهي جرائم قتل، فيمكن بترويج الإشاعات المغرضة الرديئة وبالإهمال والقسوة المقصودة، وبالجسد والكيد والضغينة، أن نقتل عدداً من إخوتنا.. وألسنا نفعل ذلك جميعاً؟

الوصية السابعة: "لا تزنِ"

لعل هذه الوصية أيضاً تحمل في طياتها ما هو أعمق أثراً وأبعد مدى من مجرد عدم الأمانة الزوجية، فإنها تتضمن ارتكاب الزنى قبل الزواج، كما تتضمن ما يفعله بعض الناس في بعض البلدان ألا وهو الاستباحة في العلاقات الأخلاقية، والتمادي في خطية الزنى مع الجنس الآخر قبل عقد الزواج، كما يستهتر البعض بحجة التجربة أو الاختبار، إنها تعني المداعبة الطائشة والاقتحام كما تعني العادات السرية وكل انحراف جنسي، ولئن كان الرجل والمرأة غير مسؤولين عن وجود الانحراف في الغرائز، لكنهما مسؤولان تماماً عن الانغماس في إشباع الشهوة البهيمية، كما تتضمن الإفراط الجنسي في الزواج كما تشمل معظم– إن لم يكن كل- حالات الطلاق كما أنها تنهي عن قراءة الكتب الجنسية المثيرة، وعن السعي لإرضاء النفس بالأفكار الدنسة، وقد أوضح يسوع هذا الكلام في قوله الصريح: "كل من نظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (متى 5: 28) فكما أن حيازة الأفكار الدنسة في القلب يعتبر زنى.. وحقيقة الأمر أ، هذه الوصية تشمل كل سوء استعمال لأية قوة أو موهبة نبيلة منحها لنا الله كما تحوي كل تحقير وإقلال لقيمة عطاياه المقدسة الجميلة.

الوصية الثامنة: "لا تسرق"

السرقة هي سلب أي شيء مما يملكه إنسان آخر، أو مما هو حق له.. فليس المقصود هنا هو سرقة الأموال والمقتنيات فقط ولكن أيضاً محاولة التهرب من دفع الضرائب أو التحايل على تخفيفها والهرب منها أو الإقلال من ساعات العمل المطلوبة، وهنا نرى الفرق بين مقاييس الله ومقاييس العالم، فما يسميه العالم مكسباً يدعوه الله سرقة، وما يحسبه العالم ربحاً أو توفيراًً، يعتبره الله سرقة أيضاً. فإن شغلّت العامل أكثر من الوقت المقرر، أو دفعت له أجراً أقل مما يستحق فقد نقضت هذه الوصية.. وقليلون منا– إن وجد- هم الذين ينفذون هذه الوصية بأمانة وإخلاص في أعمالهم العامة والخاصة.. وكما كتب "أرثر هوك كلاو" ما معناه:

"لا تقتل": بل يكفي أن تتغاضى عما يحفظ حياة أخيك.

"لا تسرق": وفي وسائلك للغش والتمويه ما يشبعك ويستهويك. زد على ذلك، فإن لهذه الوصايا السلبية جوانب إيجابية ولكي يتجنب الإنسان جريمة القتل، عليه أن يسعى جاهداً للمحافظة على صحة الآخرين وحياتهم، ولكي يترفع عن خطية الزنى ويمتنع عنها عليه أن يقف موقف الطهارة والشرف والنبل من الجنس الآخر.. فالامتناع عن السرقة ليس فضيلة في حد ذاته، إن اتصف صاحبه بالشح والبخل والتقتير والخسّة.. وقد جاء في قانون الإيمان الاسكتلندي المختصر ما معناه: "أن هذه الوصية الثامنة تتطلب بأننا– بكل طريقة مشروعة- يجب أن نعمل على حفظ وإكثار دخل ومقتنيات الآخرين" –ولم يقتنع الرسول بولس بالقول أن اللص يجب أن يمتنع عن السرقة، ولكن عليه أن يشتغل وأن يعمل "فلا يسرق السارق في ما بعد بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيده ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أفسس 4: 28) أي يتحول من سارق ناهب، إلى محسن شريف.

الوصية التاسعة: "لا تشهد على قريبك شهادة"

تتعلق الوصايا الخمس الأخيرة باحترام حقوق الآخرين، الذي هو المحبة الحقيقية.. وإن نقض إحدى هذه الوصايا معناه أن تسلب أثمن وأحب ما لديه فالوصية "لا تقتل" تعني حياته و"لا تزنِ" تعني عائلته وشرفه و"لا تسرق" تمس ممتلكاته ومقتنياته، بينما تشير الوصية التاسعة إلى صيته وسمعته في القول: "لا تشهد على قريبك شهادة زور".. ولا تقتصر هذه الوصية على الشهادة في المحاكم فقط، ولكنها تصل إلى حد الحلف بالكذب، شاملة كل أنواع النميمة والوشاية والأحاديث البطالة والاغتياب، وكل صنوف الكذب والمبالغات وتحريف الصدق وتضليل الحقائق، ويمكن أن نجعل من أنفسنا شهود زور بالاستماع إلى الشهادات المغرضة، أو نقلها أو ترويجها، أو بالتسلية والمزاح على حساب سمعة الآخرين، أو بترك انطباعات وتأثيرات غير صحيحة،أو بالإهمال في تصحيح بيانات أو عبارات محرّفة غير صادقة، أو بسكوتنا كما بكلامنا.

الوصية العاشرة: "لا تشته"

تبدو الوصية العاشرة بطريقة ما، أكثر الوصايا إعلاناً لأنها تسمو بالوصايا من صعيد الشريعة المدنية إلى صعيد الأخلاق الشخصية وتجعل منها شريعة قانونية خارجية، بل مقياساً أدبياً داخلياً، فالشريعة المدنية لا تستطيع أن تنفذ إلينا أو توقعنا تحت القصاص إذا اشتهينا، ذلك لأن الاشتهاء أمر يتعلق بحياتنا الداخلية ويتربص في القلب وفي الفكر، ولا لذة ولا سبيل للشريعة المدنية في الوصول إلى الاشتهاء ما لم تنقلب وتتحول إلى طريقة فعلية. كما الشهوة للزنى، والطبع للقتل كذلك الاشتهاء للسرقة، وإنه لمن المدهش حقاً أن نلاحظ أن الأمور التي تنهانا عنها هذه الوصية كي لا نشتهيها، تتمشى حتى مع عصرنا الحاضر- ففي هذه الأيام التي فيها تعم الشكوى من النقص في البيوت والخدم، نرى من يشتهي بيت الجيران، وخدم الجيران، ولولا طمع الرجال في زوجات جيرانهم، لما امتلأت محاكم الطلاق إلى هذا الحد، ويقول الرسول بولس: "الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كولوسي 3: 5) ونرى مقابله "وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تيموثاوس 6: 6).

إن في إعادة ودرس هذه الوصايا، كشف القناع عن قائمة طويلة من الخطايا، فإن أشياء كثيرة تحدث بعيداً عن أنظارنا، وتحت سطح حياتنا، وفي خفايا عقولنا، لا يمكن للعالم أن يراها، والتي نحاول أن نخفيها عن أنفسنا، ولكن الله يرى جميع هذه الأشياء.. لأن عينيه تخترقان أستار الظلام، "وليست خليقة غير ظاهرة قدّامه بل كل شيء مكشوف لعيني ذاك الذي معه أمرنا" (عبرانيين 4: 13) فإنه يرانا على حقيقتنا، وتكشف شريعته مدى اتساع خطايانا وخطورتها، والواقع أن غرض الناموس هو كشف الخطية، لأن "بالناموس معرفة الخطية" (رومية 3: 20).

لما كان سبرجون- أمير الوعاظ- في الرابعة من عمره تملّكه تبكيت شديد على خطيته، كان قد بدأ معه وهو في العاشرة وقد سيطرت عليه فكرتان، ملأتاه بالرعب والتوبة هما: "جلال الله وشناعة خطاياي" كما قال وقد سحقته فكرة عدم استحقاقه فقال: "إنني لا أتردد في قولي، إن من يفحص حياتي لن يرى فيها أية خطية خارقة للعادة، ولكن عندما نظرت إلى نفسي، رأيت فيها خطية مرعبة ضد الله. ولم أكن مثل باقي الأولاد الكذّابين الخائنين الحالفين وهكذا.. ولكن على حين غرة، تقابلت مع موسى، يحمل الشريعة أي وصايا الله العشر.. وسرعان ما قرأتها حتى رأيت أن جميعها تدينني أمام عيني الله المثلث الأقانيم".. وهكذا هو الحال معنا، لن يبكّتنا على خطايانا شيء كما تبكتنا شريعة الله البارة".

أضف تعليق


قرأت لك

الرجل الذي بحسب قلب الله

انه لغريب ورائع حقا ان نلاحظ ان الله القدير بحكمته خصص الكثير من الصفحات وسرد حتى تفاصيل حياة داود. نقرأ عنه في سفري صموئيل الاول والثاني. لم يذكر عن احد سواه في الكتاب المقدس والكتب العالمية انه "حسب قلب الله"(1 صم 13: 14/ اعمال 13: 22). مع ان داود عاش في ازمنة العهد القديم وفي عهد الناموس والانبياء، الا انه ادرك اله النعمة، واكتشف قلب الله حتى قبل تجسده في يسوع المسيح بمئات السنين.