الحياة المسيحية

الفصل السادس: نتائج الخطية

القسم: المسيحية الأصيلة.

فهرس المقال

أوضحنا فيما سبق أن الخطية داء عام، ينتشر بين البشر، وحاولنا أن نستعرض طبيعتها بالرجوع إلى الوصايا العشر، ويليق بنا أن نترك هذا الموضوع البغيض، وننتقل إلى الأخبار السارة الخاصة بخلاص المسيح، ولكن لا نزال غير مستعدين لذلك، بل لا بد من إعادة الحديث عن ناحية أخرى من الخطية قبل أن نبلغ حد تقدير قيمة ما يعمله الله لأجلنا وما يقدمه لنا في المسيح ألا وهي أثمار الخطية ونتائجها، فقد تكون الخطية أمراً واقعاً، وأمراً عاماً، لكنها أمر واقعي خطير جداً، فما هي نتائجها الرئيسية؟ ويمكننا فهم الشرور الناتجة عن الخطية، عندما نرى تأثيراتها نحو الله، وعلى أنفسنا وعلى رفاقنا..


1ـ الابتعاد عن الله

عسى هذه أروع نتائج الخطية جميعاً، أنها تبعدنا عن الله، مع أن غاية الإنسان العظمى هي أن يعرف الله، وأن يكون على صلة شخصية مع الله، ولعل أهم ما يدّعيه الإنسان في انتسابه للنبل هو أنه خلق على صورة الله، ولذلك فانه قادر على أن يعرفه، ولكن الله الذي قُصد بنا أن نعرفه، والذي يجب أن نعرفه، إنما هو كائن أدبي، انه الإله الغير المحدود في كل كمالاته الأدبية فهو إله قدوس وطاهر وبارّ وهو "العليّ المرتفع الساكن الأبد القدوس اسمه" ( أشعياء 57: 15) "ساكناً في نور لا يُدنى منه.." (1 تيموثاوس 6: 16) وحقاً "إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة" حتى "إن قلنا أن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق" (1يوحنا 1: 6، 5) "...إلهنا نار آكلة" (عبرانيين 29:12، تثنية 24:4) " ومن منّا يسكن في نار آكلة؟ من منّا يسكن في وقائد أبدية؟" (أشعياء 14:33) "وعيناك أطهر من أن تنظرا إلى الشر ولا تستطيع النظر إلى الجور" (حبقوق 13:1).

إن جميع رجال الله الأتقياء، الذين ورد ذكرهم في الكتاب المقدس، ممن رأوا مجد الله، ارتعبوا وتحيروا، شعوراً منهم بخطاياهم وهاكم موسى عندما ظهر له الله في العلّيقة التي تشتعل دون أن تحترق "غطّى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله" (خروج 3: 1- 6) وأيوب الذي كلّمه الله "من الزوبعة" بكلمات التعظيم لجلاله الأقدس صرخ قائلاً: "بسمع الأذن سمعت عنك، والآن فقد رأتك عيني.. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد" (42 : 5- 6) وأشعياء وهو يقف على عتبة مستقبله النبوي، رأى الله الملك: "جالساً على كرسيّ عالٍ ومرتفع".. ورآه محاطاً بالملائكة الساجدين الذين تغنّوا بقداسته ومجده فقال: "ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك ربّ الجنود" (6 : 1- 5) وها حزقيال عندما رأى رؤياه الغريبة عن الحيوانات ذوات الأجنحة، والبكرات السائرة معها، وفوقها عرش، وعلى العرش شبه كمنظر إنسان، ومنظر نار ولها لمعان من حولها، كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر، رآه وقال " هذا منظر شبه مجد الرب" ثم أضاف قوله: "ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم" ( 1: 26- 28) وهاكم شاول الطرسوسي، في طريقه إلى دمشق وهو ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب والمسيحيين، سقط على الأرض عندا أبرق حوله بغتة نور من السماء في نصف النهار، أفضل من لمعان الشمس، وكتب فيما بعد عن رؤياه للمسيح المقام قوله: "وظهر لي أنا" (أعمال 9: 1- 9، 1 كورنثوس 15: 8) ويوحنا الشيخ وهو منفى في جزيرة بطمس يصف بتفصيل وإسهاب، رؤيا يسوع المقام والممجّد الذي "عيناه كلهيب نار..ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها" ثم يردف قائلاً: "فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت" (رؤيا 9:1- 17).

ولو رفع الستار الذي يحجب جلال الله الذي لا يُنطق به، لو رُفع لحيظة لما قدرنا أن نحتمل منظره.. ورغم معرفتنا الضئيلة بطهارة وسمو مجد الله القدير، إلا أننا نعرف ما يؤكد لنا بأن الإنسان الخاطئ إذا ظلّ في خطاياه، فلن يقدر أن يدنو من الله القدوس وثمة هوة سحيقة قائمة بين الله في قداسته وبرّه، وبين الإنسان في خطيته وشرّه!! "لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة؟" (2كورنثوس 6: 14) ولعلّنا نرى كيف تفصلنا الخطية عن الله، في طريقة تصميم خيمة الاجتماع والهيكل، وكلاهما كان منقسماً إلى قسمين: أولهما وأكبرهما: هو القدس وثانيهما وأصغرهما: هو قدس الأقداس، حيث نور المجد الإلهي، وهو الرمز المنظور لحضور الله، وكان الحجاب يفصل بين الاثنين، وهو عبارة عن ستار كثيف يحجب قدس الأقداس، ولا يجوز لأحد أن يدخل إلى حضرة الله، سوى رئيس الكهنة، الذي يدخل مرّة واحدة في السنة، في يوم الكفارة العظيم بشرط أن يقدّم دم ذبيحة الخطية، وما كان يجري أمام الشعب قديماً، قام بتعليمه كتبة العهدين القديم والجديد فإن الخطية تفصلنا تماماً عن الله، ويسمي الكتاب هذا الانفصال بالموت "الموت الروحي" أو انقطاع النفس تماماً عن الله محييها "لأن أجرة الخطية هي موت" (رو 6: 23) وزد على ذلك، فإن النفس التي ترفض يسوع المسيح في هذا العالم، والذي فيه وحده تجد الحياة الأبدية، فإنها سوف تموت أبدياً في الدهر الآتي.. ولا يخدعنّكم أحد فإن جهنم حقيقة واقعة مرعبة، تكلم عنها يسوع نفسه، وأطلق عليها اسم "الظلمة الخارجية" (متى 25: 30) لأنها انفصال غير محدود، عن الله الذي هو نور - كما يسميها الكتاب المقدس "الموت الثاني" و"بحيرة النار" وهي عبارات تصف رمزياً، فقدان الحياة الأبدية، وعطش النفس المفجع الناتج عن ابتعاد النفس كلية من حضرة الله (رؤيا 20: 14 ، 15 ؛ قابل لوقا 16: 19 – 31).

ولم يقتصر الكتاب المقدس وحده، على التعليم عن هذا الانفصال عن الله بسبب الخطية، ولكن اختبار البشر أنفسهم يثبت ذلك ولا أزال أذكر حتى الآن، مقدار ارتباكي وحيرتي وأنا ولد صغير، عندما وقفت أصلّي وحاولت أن اخترق إلى حضرة الله – وما استطعت أن أفهم لماذا ظهر الله كما لو كان محتجباً وراء السحب ولم أقدر أن أدنو منه وبدا كأنه بعيد عني كثيراً جداً، وقد عرفت السبب الآن لأن أشعياء أعطاني الجواب في قوله: "ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع، بل آثامكم صارت فاصل بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع" (أشعياء 59: 1، 2) وقد نجرّب أن نقول لله كما جاء في مراثي أرميا (3: 44) "التحفت بالسحاب حتى لا تنفذ الصلاة". وحقيقة الأمر أن الله بريء من هذا السحاب، واللوم كله علينا، لأن خطايانا قد سترت وجهه عنا، كما تحجب السحب الشمس، وان كثيرين من الناس اعترفوا أمامي، بأنهم جازوا في مثل هذا الاختبار المقفر المؤلم أن في الحوادث الطارئة أو الخطر أو الفرح أو الإعجاب بالجمال فقد ظهر الله قريباً منهم، ولكنهم مراراً وتكراراً يحسّون بابتعادهم المرير عن الله، ولا يدرون لذلك سبباً، سوى أن نفوسهم متروكة وليس هذا مجرد شعور أو إحساس فقط، ولكنه حقيقة واقعة- وإلى أن تُغفر خطايانا وتُطهّر آثامنا، نظل غرباء وبعيدين- وتبقى نفوسنا هالكة ضالة وليس لنا شركة مع الله لأننا "أموات بالذنوب والخطايا" التي نرتكبها (أفسس 2: 1).

هذا هو سبب قلق الناس في عصرنا الحاضر، ففي قلوب البشر جوع، لن يسده أو يشبعه سوى الله نفسه، وفي نفوسهم فراغ لن يملآه إلا الله وحده، ولعلنا نرى الدلائل التي تنبئ عن شدة قلق الإنسان، وافتقاره إلى عنصر الرضى والاكتفاء، فيما نراه بين سعي متواصل جرياً وراء الأخبار المثيرة العاطفية في الصحف، أو القصص الغرامية المتطرفة، أو الحوادث الإجرامية في دور السينما، أو في أعمدة التلفزيون المرتفعة إلى السماء وغيرها..وقد يكون بعض هذه الأشياء بريئاً في ذاته، لكنّ الخطر هو الإسراف والمبالغة في تقدير أهميتها، عند الملايين من البشر، يقلل من شعور الإنسان بعطشه نحو الله، وبانفصاله عنه تعالى، ولعل القديس أوغسطينوس كان على حق، في كلماته التي بدأ بها اعترافاته، وأكثر من تكرارها بين الفينة والفينة وهي: "لقد خلقتنا لنفسك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تستريح في شخصك".

يا له من موقف مفجع ومؤلم للغاية! لأن الإنسان لم يصب الهدف ولم يحقق المصير، الذي خلقه الله لأجله.


2ـ الاستعباد للنفس

لا يقف خطر الخطية عند حد الابتعاد عن الله، بل يتعداه إلى الاستعباد للنفس، فالخطية لا تكتفي بفصلنا عن الله وإبعادنا عنه بل تأتي بنا إلى العبودية والأسر، وخليق بنا الآن أن نتأمل في دواخل الخطية وبواطنها، لأنها ليست مجرد عمل خارجي رديء أو عادة سيئة، لكنها فساد داخلي عميق المدى، وما الخطايا التي نرتكبها سوى تعبيرات ظاهرة خارجية لهذا المرض الداخلي الخفيّ الخبيث، وقد أوضح يسوع ذلك في حديثه في إنجيل متى 12: 32- 35 مبيّناً أن طبيعة الثمر يتوقف على طبيعة الشجرة عينها، وهكذا أفعالنا ان هي إلا تعبير عما في قلوبنا "فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم".. وعلى نفس القياس، إن البقع الحمراء التي تظهر على الجسم ليست هي مرض الحصبة، لكنها علامات وأعراض للمرض الذي غزا الجسم، وخطايانا علامات تكشف عن مرض روحي، أصاب قلب الإنسان "والقلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه" (ارميا 17: 9) وقال يسوع: "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة، زنى فسق قتل سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجّس الإنسان" (مرقس 7: 21 -23)والكتاب المقدس مملوء بالإشارات إلى وبأ وعدوى الطبيعة البشرية، وهذا نفس ما قصده اللاهوتيون بقولهم: "الخطية الأصلية".. وهي كما جاءت في المادة التاسعة من قانون كنيسة انكلترا "...هي الخطأ والفساد في طبيعة كل إنسان...وان هذه العدوى الكامنة في الطبيعة تبقى وتدوم.." فالخطية الأصلية هي ميل أو انحراف نحو الخطية ونحو عبادة الذات نرثه، وهو متعمق في داخل شخصياتنا البشرية، ويُظهر نفسه في آلاف الطرق القبيحة وقد أسماه بولس "بالجسد" وذكر قائمة بأعمال هذا الجسد في قوله: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل بطر وأمثال هذه" (غلاطية 5: 19-21).

ولأن الخطية هي فساد داخلي في طبيعة البشر، نقع نحن في العبودية والأسر، وليست الأعمال أو العادات الخاصة هي التي تستعبدنا وتأسرنا، ولكن العدوى الشريرة الفاسدة التي منها تنبع هذه الأعمال والعادات.. وكثيراً ما وصف العهد الجديد، الناس بأنهم "عبيد" وهو تعبير نمقته ونبغضه رغم صحته وصدقه وهاكم يسوع قد أثار حقد الفريسيين وغيظهم عندما قال لهم: "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرركم. فأجابوه إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبَد لأحد قط. كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحراراً. أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يوحنا 8: 31- 34) وها بولس الرسول يصف مراراً في رسائله، العبودية المهينة المريرة، التي توقعنا فيها الخطية ويقول: "..فإنكم كنتم عبيداً للخطية" (رومية 6: 17) "الذين نحن أيضاً جميعاً تصرفنا قبلاً بينهم في شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار" (افسس 2: 3) "لأننا كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين ضالّين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة" (تيطس 3: 3) ويعطينا الرسول يعقوب مثلاً يبيّن عجزنا في ملك أنفسنا، وذلك بصعوبة ضبط اللسان، ففي الإصحاح الثالث يعطي عدّة تشبيهات وأمثلة ويقول: "إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل قادر أن يلجم كل الجسد أيضاً" ثم يقول: "هكذا اللسان أيضاَ هو عضو صغير ويفتخر متعظّماً" وان تأثيره يمتدّ كما تمتد النيران لأنه "شر لا يضبط مملوء سماً مميتاً" وان بالإمكان "أن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يُذلّل، وقد تذلّل للطبع البشري. وأما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يذللـه" (يعقوب 3: 1- 12).

إننا نعرف ذلك جيد المعرفة، ولنا الكثير من المثل العليا السامية ولكن إرادتنا ضعيفة واهنة، وكلنا يريد أن يحيا حياة صالحة ولكنا مقيدون بسلاسل ومسجونون، ولسنا أحراراً بل عبيداً وخليق بنا أن نضم صوتنا إلى صوت "ستادارد كنيدي" ونأتي إلى الله بدموع صارخين قائلين:

"لم يكمل شيء يا ربي والهي

لم يكمل شيء إطلاقاً

ما خضت معركة في حياتي

ما حقّقت نصرة أبداً

والآن ما أنا كما أنا آتي إليك

معترفاً بفشلي وخيبة أملي

لأنني اتكلت على نفسي، وأنا إنسان بشريّ

بشريّ أنا، وهذا هو سر عجزي وهزيمتي

وليس من المستحب أن تُعطي لنا قوانين للسلوك والأخلاق نعجز عن حفظها وإتمامها، ولو ظَّلَّ الله تعالى ينهانا بقوله: "لا..لا.." فإننا نستمر نفعل ما نريد غير آبهين ولا مهتمين، ولسنا في حاجة إلى محاضرة ولكن حاجتنا العظمى إلى مخلّص.. فلا يكفي أن نحصل على ثقافة وتهذيب، بل يجب أن ننال تغييراً وتجديداً في القلب، وميل الإنسان إلى القوة أكثر من النصح فقد اكتشف سرّ القوة الطبيعية، وها اكتشافاته في عالم القوى الذرية تكتسح الميادين بشكل يخيف كل العالم.. وحاجة الحاجات هي إلى القوة الروحية القوة التي تحرره من نفسه، القوى التي تقهر نفسه وتملكها، القوة التي تسمو بمقاييس أخلاقه الأدبية حتى تبلغ حد مشروعاته العلمية التي حققها.


3ـ الكفاح مع الآخرين

لم ننتهِ بعد من قائمة نتائج الخطية المريعة، ولا يزال أمامنا حقيقة أخرى، جديرة بالتأمل والتفكير، وقد عرفنا أن الخطية داء دفين في أعماق طبيعة الإنسان، تكمن في أعمق ما في شخصه، وتسيطر على ذاته ونفسه، وحقيقة الأمر إن الخطية هي النفس، وان جميع خطايانا، إذاً، هي طلبات النفس ضد الله أو الإنسان، إن الوصايا العشر، وهي عبارة عن سلسلة من النواهي والسلبيات، تضع أمامنا واجباتنا نحو الله والآخرين، ونرى ذلك بصورة أوضح في خلاصة الناموس ايجابياً، كما وضعه يسوع بربط آية من سفر اللاويين (19: 18) مع آية أخرى من سفر التثنية (6: 5) فقال: "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والانبياء" (متى 22: 37- 40) وجدير بالاهتمام أن الوصية الأولى تتعلق بواجبنا نحو الله، وليس واجبنا نحو القريب، وينبغي أن نحب الله أولاً، ومن ثم نحب القريب كما نحبّ أنفسنا، وأما الخطية فهي عكس ذلك تماماً، فإنها تجعلنا نضع أنفسنا أولاً، ونضع قريبنا ثانياً، ثم الله في المؤخرة. ولعل الكتاب الذي أصدره حديثاً ا. س ترنبل بعنوان "نفسي الحبيبة" ما هو إلا تعبير عما يفكّر فيه كل واحد منا عن نفسه، ونلاحظ عندما تأتي "البوظة" أو "الجيلاتي" في حفلة أمام الأولاد، أو عندما يقتربون من الطاولة للعب نلاحظ التحفز الظاهر، ولسان حال كل واحد يقول: "أنا أولاً" وعندما نكبر، ونتعلم ألا نقول مثل هذا الشيء، إلا أننا نفكّر فيه ونفعله، وان تعريف رئيس الأساقفة "وليم تمبل" يصف هذه الحقيقة تماماً في قوله: "أنا" هي مركز العالم الذي أراه وان دائرة الأفق تتوقف على حيث أقف.. وقد يجعل التهذيب والثقافة، تأليه نفسي، أقل خطراً وأخف ضرراً، وذلك بتوسيع أفق اهتمامي، مَثَلنا في ذلك مَثَل من يصعد برجاً مرتفعاً حيث يتسع أفق الرؤية الطبيعي، مع الإبقاء على نفسي - أي أنا - مركزاً رئيسياً ومرجعاً وحيداً".

إن تأليه النفس ووضعها مركزاً للحياة، لا يظهرها كأنها ضد الله فقط، ولكن يكشفها ضد إخوتنا ورفاقنا، ويقول السر سيدني سميث - عميد كلية الطب في جامعة أدنبرة - "بأن الطفل يأتي إلى العالم وفي طبيعته العداء والشر، وحبّ الاستطلاع، والإجرام الكامن في جميع الأحوال" ويضيف المعقّب على هذا قوله: "وقد تعلّمت في شبابي أن أسمّي هذا بالخطية الأصلية". أما مشكلة العلاقات البشرية، فهي عامة اليوم، كما كانت كل يوم.. وليس من السهل أن يجلس الإنسان في المقاعد الخلفية، أو يُذكر اسمه في المرتبة الثانية بعد شخص آخر، لكننا نسعى أن نأخذ المتكأ الأول، وأن نكون في الطليعة.. ونفعل ذلك عفواً وبدون تفكير، ويحدث عادة أننا نأخذ الطعام لأنفسنا أولاً، وعندما نجلس إلى المائدة، وننسى أن نعطيه لجارنا، ونهتم بأنفسنا ونأكل ونأكل دون أن نعير أي اهتمام بمَن يجلس بجانبنا، ونحاول أن نأخذ الأولوية والأفضلية عن غيرنا، إن أمكننا التهرب من أعين المراقبين، ونفضّل الكلام على الاستماع، والأخذ دون العطاء.

أجل! إن الحافز للأنانية والمصلحة الشخصية، لا يُظهر ذاته ضد لله فقط، ولكنه يظهر أيضاً ضد الإخوة والرفاق.. وهذا معناه إما أن يكون عندنا مركب السمو أو مركب النقص، وليس من السهل أن ننسجم مع مَن حولنا، ظناً منا أننا أرفع أو اقل منهم شأناً، وننتظر في مثل هذه الحالة الأخيرة، أن يلاحظ الآخرون تواضعنا ويمدحونه، ويندر أن يكون لنا ما أسماه بولس الرسول "بالحكم السديد" عن أنفسنا (رومية 12: 3) "فاني أقول لكل من هو بينكم أن لا يرتيء فوق ما ينبغي أن يرتيء بل يرتيء إلى التعقل" ويبدو البعض منا شديدي الحساسية، بينما يظهر البعض الآخر حسودين سلبيين، محتقرين وعديمي التفكير.. وقد تعقدت العلاقات في الحياة - مابين الوالدين والأولاد، والزوج والزوجة، ورب العمل والعامل - وتعدّدت أسباب انحراف الأحداث، ويعزى الكثير منها إلى انعدام الطمأنينة والأمن في البيوت، ولكن الواقع هو أن الأحداث المنحرفين (مهما كانت الأسباب) يفرضون أنفسهم عالة على المجتمع، ويمكن تفادي المئات من حوادث الطلاق، لو اتضع الأزواج ولام الواحد منهم نفسه أكثر من غيره، وعندما كانت تعرض عليّ مشاكل الأزواج، بسبب الخطر الذي يهدد زواجهم، كنت ألاحظ أن كل واحد من الزوجين يروي قصة تختلف تمام الاختلاف عن الآخر، حتى لا يكاد السامع يصدّق أنهما يرويان ظروف وملابسات قضية واحدة ويرجع السبب في معظم المنازعات والخلافات إلى سوء تفاهم منشؤه عدم تقدير الواحد لوجهة نظر الآخر، ونرى صحة هذه الحقيقة في الخلافات المهنية كما في الخلافات البيتية، وكم من منازعات تحدث في دائرة العمل والعمال، يمكن تلافيها لو أن كلاً من الجانبين فحص وجهة نظره أولاً فحصاً دقيقاً، ثم يفحص وجهة نظر الآخر بروح المحبة والتسامح، ولكن عوضاً عن ذلك فإننا ننظر إلى أنفسنا دائماً بعين التسامح والتساهل، وننظر إلى الآخرين بعين الانتقاد، ولعل هذا يصدق على القلق الدولي الذي يزداد تعقيداً فإن التوتر السائد اليوم يرجع - إلى حد كبير- إلى الخوف والغباء، وإننا نراقب الأمور من ناحية واحدة، إذ نبالغ كثيراً في ذكر فضائلنا، وبيان نقائص وعيوب الآخرين.

ومن السهل أن نلوم العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحاضر والسبب الوحيد لذلك هو لكي نبيّن كيف أن خطية البشر وتأليه أنفسهم تسبّب كل مشاكلنا ومتاعبنا، وتأتي بنا إلى النزاع بين بعضنا البعض ولو أن روح الأنانية وحبّ الذات، قد استبدل بروح التضحية وإنكار النفس، لتلاشت كل الخلافات. ويطلق الكتاب المقدّس على إنكار النفس أو التضحية اسم "المحبة" فبينما نرى أن طبيعة الخطية هي الاستملاك والأخذ نرى أن طبيعة المحبة هي البذل والعطاء، وقد صدق من قال ما معناه:

"المحبة تبذل وتعطي

وتغفر وتضحي ولا تبطئ

تقف دائماً وهي مفتوحة اليدين

وتحيا لكي تعطي، كما تعطي لكي تحيا

لأن هذه طبيعة المحبة الحقة

أن تعطي وأن تعطي وأن تعطي".

إن أشد ما يحتاجه الإنسان هو تغيير جذري في طبيعته، وهو التغيير الذي قصده الأستاذ "هـ .م. غواتكن" في قوله: "تحوَّل من النفس والأنانية إلى الغيرية أو بعبارة أخرى من الإيثار إلى الأثرة" ولن يستطيع الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه ولنفسه، ولذلك فهو يحتاج إلى مخلّص.

إن في كشفنا لخطايانا هدفاً واحداً فقط، ألا وهو لإقناعنا بحاجتنا إلى يسوع المسيح، ولإعدادنا لفهم وقبول ما يقدّمه لنا فالإيمان وليد الحاجة، فلن نقبل المسيح ما لم نشعر بحاجتنا إليه وقد قال يسوع: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة" (مرقس 2: 17)، ولن نعترف بحاجتنا الماسة إلى طبيب النفس والروح، ما لم ندرك ونقرّ بمرضنا وشدة وطأته، فالمسيحية هي دين الإنقاذ والخلاص، ولن يقدرها الناس حق قدرها، ما لم يعرفوا حاجتهم إلى الخلاص.

وسوف نرى في الفصلين القادمين كيف أن الله تعالى اخذ المبادرة في المسيح، لكي يحل مشكلة الإنسان، أي خطيته. وسنرى كيف نتغلب على نتائج الخطية المريرة الثلاث، في المسيح يسوع الذي مات من اجل خطايانا، لكي يضع حداً لابتعادنا وانفصالنا عن الله، ويأتي بنا إليه مرة ثانية، وقام من بين الأموات، وأرسل الروح القدس حتى يُولد الناس من فوق، لكي ينالوا طبيعة جديدة ويصيروا أحراراً من أسر الخطية، وقد أسَّس أخوَّة جامعة في كل أنحاء العالم، ألا وهي الكنيسة المسيحية، حيث يربط شعبه رباطُ المحبة الكامل.

أضف تعليق


قرأت لك

عمل المحبة

روى أحد المرسلين الى الهند كيف شقّ الرب طريق كلمة الله الى النفوس فقال: " أرسل الي الرب ذات يوم كاهناً هندياً على وشك الموت ومعه طفلته المريضة، لكي نربّيها انا وزوجتي، اذ رفض أفراد عائلته إعالتها بعد موته. وبالرغم من مواردنا المحدودة، قبلنا من الرب هذه الطفلة وقمنا بعلاجها حتى شفيت ثم تبنّيناها. كان لهذا العمل اثره الكبير في نفوس سكان القرية الذين لم يفهموا الدوافع لقيامنا بهذا العمل وتحمّلنا هذه المشّقة، واذ جذبت المحبة المسيحية قلوبهم، قبِلَ كثيرون منهم الكلمة والمسيح مخلّصا لهم.