الحياة المسيحية

الفصل السادس: نتائج الخطية

القسم: المسيحية الأصيلة.

3ـ الكفاح مع الآخرين

لم ننتهِ بعد من قائمة نتائج الخطية المريعة، ولا يزال أمامنا حقيقة أخرى، جديرة بالتأمل والتفكير، وقد عرفنا أن الخطية داء دفين في أعماق طبيعة الإنسان، تكمن في أعمق ما في شخصه، وتسيطر على ذاته ونفسه، وحقيقة الأمر إن الخطية هي النفس، وان جميع خطايانا، إذاً، هي طلبات النفس ضد الله أو الإنسان، إن الوصايا العشر، وهي عبارة عن سلسلة من النواهي والسلبيات، تضع أمامنا واجباتنا نحو الله والآخرين، ونرى ذلك بصورة أوضح في خلاصة الناموس ايجابياً، كما وضعه يسوع بربط آية من سفر اللاويين (19: 18) مع آية أخرى من سفر التثنية (6: 5) فقال: "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والانبياء" (متى 22: 37- 40) وجدير بالاهتمام أن الوصية الأولى تتعلق بواجبنا نحو الله، وليس واجبنا نحو القريب، وينبغي أن نحب الله أولاً، ومن ثم نحب القريب كما نحبّ أنفسنا، وأما الخطية فهي عكس ذلك تماماً، فإنها تجعلنا نضع أنفسنا أولاً، ونضع قريبنا ثانياً، ثم الله في المؤخرة. ولعل الكتاب الذي أصدره حديثاً ا. س ترنبل بعنوان "نفسي الحبيبة" ما هو إلا تعبير عما يفكّر فيه كل واحد منا عن نفسه، ونلاحظ عندما تأتي "البوظة" أو "الجيلاتي" في حفلة أمام الأولاد، أو عندما يقتربون من الطاولة للعب نلاحظ التحفز الظاهر، ولسان حال كل واحد يقول: "أنا أولاً" وعندما نكبر، ونتعلم ألا نقول مثل هذا الشيء، إلا أننا نفكّر فيه ونفعله، وان تعريف رئيس الأساقفة "وليم تمبل" يصف هذه الحقيقة تماماً في قوله: "أنا" هي مركز العالم الذي أراه وان دائرة الأفق تتوقف على حيث أقف.. وقد يجعل التهذيب والثقافة، تأليه نفسي، أقل خطراً وأخف ضرراً، وذلك بتوسيع أفق اهتمامي، مَثَلنا في ذلك مَثَل من يصعد برجاً مرتفعاً حيث يتسع أفق الرؤية الطبيعي، مع الإبقاء على نفسي - أي أنا - مركزاً رئيسياً ومرجعاً وحيداً".

إن تأليه النفس ووضعها مركزاً للحياة، لا يظهرها كأنها ضد الله فقط، ولكن يكشفها ضد إخوتنا ورفاقنا، ويقول السر سيدني سميث - عميد كلية الطب في جامعة أدنبرة - "بأن الطفل يأتي إلى العالم وفي طبيعته العداء والشر، وحبّ الاستطلاع، والإجرام الكامن في جميع الأحوال" ويضيف المعقّب على هذا قوله: "وقد تعلّمت في شبابي أن أسمّي هذا بالخطية الأصلية". أما مشكلة العلاقات البشرية، فهي عامة اليوم، كما كانت كل يوم.. وليس من السهل أن يجلس الإنسان في المقاعد الخلفية، أو يُذكر اسمه في المرتبة الثانية بعد شخص آخر، لكننا نسعى أن نأخذ المتكأ الأول، وأن نكون في الطليعة.. ونفعل ذلك عفواً وبدون تفكير، ويحدث عادة أننا نأخذ الطعام لأنفسنا أولاً، وعندما نجلس إلى المائدة، وننسى أن نعطيه لجارنا، ونهتم بأنفسنا ونأكل ونأكل دون أن نعير أي اهتمام بمَن يجلس بجانبنا، ونحاول أن نأخذ الأولوية والأفضلية عن غيرنا، إن أمكننا التهرب من أعين المراقبين، ونفضّل الكلام على الاستماع، والأخذ دون العطاء.

أجل! إن الحافز للأنانية والمصلحة الشخصية، لا يُظهر ذاته ضد لله فقط، ولكنه يظهر أيضاً ضد الإخوة والرفاق.. وهذا معناه إما أن يكون عندنا مركب السمو أو مركب النقص، وليس من السهل أن ننسجم مع مَن حولنا، ظناً منا أننا أرفع أو اقل منهم شأناً، وننتظر في مثل هذه الحالة الأخيرة، أن يلاحظ الآخرون تواضعنا ويمدحونه، ويندر أن يكون لنا ما أسماه بولس الرسول "بالحكم السديد" عن أنفسنا (رومية 12: 3) "فاني أقول لكل من هو بينكم أن لا يرتيء فوق ما ينبغي أن يرتيء بل يرتيء إلى التعقل" ويبدو البعض منا شديدي الحساسية، بينما يظهر البعض الآخر حسودين سلبيين، محتقرين وعديمي التفكير.. وقد تعقدت العلاقات في الحياة - مابين الوالدين والأولاد، والزوج والزوجة، ورب العمل والعامل - وتعدّدت أسباب انحراف الأحداث، ويعزى الكثير منها إلى انعدام الطمأنينة والأمن في البيوت، ولكن الواقع هو أن الأحداث المنحرفين (مهما كانت الأسباب) يفرضون أنفسهم عالة على المجتمع، ويمكن تفادي المئات من حوادث الطلاق، لو اتضع الأزواج ولام الواحد منهم نفسه أكثر من غيره، وعندما كانت تعرض عليّ مشاكل الأزواج، بسبب الخطر الذي يهدد زواجهم، كنت ألاحظ أن كل واحد من الزوجين يروي قصة تختلف تمام الاختلاف عن الآخر، حتى لا يكاد السامع يصدّق أنهما يرويان ظروف وملابسات قضية واحدة ويرجع السبب في معظم المنازعات والخلافات إلى سوء تفاهم منشؤه عدم تقدير الواحد لوجهة نظر الآخر، ونرى صحة هذه الحقيقة في الخلافات المهنية كما في الخلافات البيتية، وكم من منازعات تحدث في دائرة العمل والعمال، يمكن تلافيها لو أن كلاً من الجانبين فحص وجهة نظره أولاً فحصاً دقيقاً، ثم يفحص وجهة نظر الآخر بروح المحبة والتسامح، ولكن عوضاً عن ذلك فإننا ننظر إلى أنفسنا دائماً بعين التسامح والتساهل، وننظر إلى الآخرين بعين الانتقاد، ولعل هذا يصدق على القلق الدولي الذي يزداد تعقيداً فإن التوتر السائد اليوم يرجع - إلى حد كبير- إلى الخوف والغباء، وإننا نراقب الأمور من ناحية واحدة، إذ نبالغ كثيراً في ذكر فضائلنا، وبيان نقائص وعيوب الآخرين.

ومن السهل أن نلوم العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحاضر والسبب الوحيد لذلك هو لكي نبيّن كيف أن خطية البشر وتأليه أنفسهم تسبّب كل مشاكلنا ومتاعبنا، وتأتي بنا إلى النزاع بين بعضنا البعض ولو أن روح الأنانية وحبّ الذات، قد استبدل بروح التضحية وإنكار النفس، لتلاشت كل الخلافات. ويطلق الكتاب المقدّس على إنكار النفس أو التضحية اسم "المحبة" فبينما نرى أن طبيعة الخطية هي الاستملاك والأخذ نرى أن طبيعة المحبة هي البذل والعطاء، وقد صدق من قال ما معناه:

"المحبة تبذل وتعطي

وتغفر وتضحي ولا تبطئ

تقف دائماً وهي مفتوحة اليدين

وتحيا لكي تعطي، كما تعطي لكي تحيا

لأن هذه طبيعة المحبة الحقة

أن تعطي وأن تعطي وأن تعطي".

إن أشد ما يحتاجه الإنسان هو تغيير جذري في طبيعته، وهو التغيير الذي قصده الأستاذ "هـ .م. غواتكن" في قوله: "تحوَّل من النفس والأنانية إلى الغيرية أو بعبارة أخرى من الإيثار إلى الأثرة" ولن يستطيع الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه ولنفسه، ولذلك فهو يحتاج إلى مخلّص.

إن في كشفنا لخطايانا هدفاً واحداً فقط، ألا وهو لإقناعنا بحاجتنا إلى يسوع المسيح، ولإعدادنا لفهم وقبول ما يقدّمه لنا فالإيمان وليد الحاجة، فلن نقبل المسيح ما لم نشعر بحاجتنا إليه وقد قال يسوع: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة" (مرقس 2: 17)، ولن نعترف بحاجتنا الماسة إلى طبيب النفس والروح، ما لم ندرك ونقرّ بمرضنا وشدة وطأته، فالمسيحية هي دين الإنقاذ والخلاص، ولن يقدرها الناس حق قدرها، ما لم يعرفوا حاجتهم إلى الخلاص.

وسوف نرى في الفصلين القادمين كيف أن الله تعالى اخذ المبادرة في المسيح، لكي يحل مشكلة الإنسان، أي خطيته. وسنرى كيف نتغلب على نتائج الخطية المريرة الثلاث، في المسيح يسوع الذي مات من اجل خطايانا، لكي يضع حداً لابتعادنا وانفصالنا عن الله، ويأتي بنا إليه مرة ثانية، وقام من بين الأموات، وأرسل الروح القدس حتى يُولد الناس من فوق، لكي ينالوا طبيعة جديدة ويصيروا أحراراً من أسر الخطية، وقد أسَّس أخوَّة جامعة في كل أنحاء العالم، ألا وهي الكنيسة المسيحية، حيث يربط شعبه رباطُ المحبة الكامل.

أضف تعليق


قرأت لك

حروب من أجل السلام

كلما نظرنا في هذا العالم نلاحظ أن الإنسان يبحث عن السلام من خلال الحروب، وقد تبدو هذه المعادلة محيّرة ولكنها واقعية. فنجد الدول القويّة صاحبة النفوذ تريد أن تفرض السلام من خلال

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة