الحياة المسيحية

الفصل الثالث: المسيحية والصراع النفسي - الحيلة الأولى: التبرير

القسم: المسيحية والسعادة النفسية.

فهرس المقال

الحيلة الأولى: التبرير

يود كل إنسان أن تكون تصرفاته معقولة وأن تقوم على أساس من الدوافع المقبولة، ولهذا فإن الفرد حين يخرج في تصرفاته عن الحد المعقول ويصدر في سلوكه عن بعض الدوافع التي لا يرضيه أن يقر بها ويعترف بنسبتها إليه، يعمد إلى تفسير سلوكه تفسيراً يبين به لنفسه وللناس أن سلوكه معقول لا غبار عليه وأن ما دفعه إليه ليس أكثر من دوافع مقبولة يحترمها الناس، وقد اتفق العلماء على تسمية هذه العملية التي يلتمس الفرد فيها الأعذار المنطقية المعقولة لتصرفاته "بالتبرير".

والتبرير الذي يعنيه علماء النفس يختلف عن التبرير الذي يعنيه الكتاب المقدس، والذي نحصل عليه بالإيمان، فالأول عبارة عن أعذار يتلمسها المرء لتبرير نفسه كأوراق التين الذي غطى بها آدم عريه بعد سقطته والثاني عمل إلهي يريح النفس المذنبة من عذاب الخطية، فلا يعود المرء يتلمس لنفسه الأعذار بل يأتي على السيد وفي فمه كلمات الترنيمة

كما أنا وليس لي عذر لديك

إلا الدم المفسوك عني من يديك

وأمرك القائل أن آتي إليك

آتي أنا يا حمل الله الوديع

وعندما يقبل خلاص الله الذي أتمه السيد له المجد بموته على الصليب يهتف مع بولس مردداً "فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" رو 5: 1.

إن التبرير الذي يقصده علماء النفس ليس معناه أن تكون تصرفات الفرد معقولة، ولكن معناه أن نبرر سلوكنا حتى يبدو معقولاً، والتبرير يعد حيلة دفاعية لأنه يمكن الفرد من تجنب الاعتراف بما يدفعه إلى سلوكه غير المعقول من دوافع غير مقبولة. هذا يذكرنا بخرافة الثعلب الذي عجز عن الوصول على العنب، وعندئذ نظر على العناقيد المدلاة وقال "يا له من عنب فج لا يستحق العناء" فهذا نوع من التبرير شوه به الثعلب حقيقة العنب ليبرر عجزه عن الوصول إليه.

ويختلف "التبرير" عن "الكذب" على أساس أن التبرير عملية لا شعورية يقنع فيها الفرد نفسه بأن سلوكه لم يخرج عما ارتضاه لنفسه من قيم ومعايير في حين أن الكذب عبارة عن عملية تزييف شعورية إرادية يشوه بها الفرد وجه الحقيقة وهو على علم بما يفعل وبأن ما يصوره للناس ويحاول إقناعهم به ليس صحيحاً ولكنه محض الخيال.

وسنورد هنا مثالاً للتبرير نوضح به ما نقول: يقوم إنسان بشراء سيارة جديدة، ويبيع سيارته القديمة التي لم يكن يعيبها شيء، والتي لم يكن هناك ما يدعو إلى التخلص منها، ثم يعتذر عن شراء السيارة الجديدة بأن ما دفعه إلى هذا هو أن السيارة القديمة كانت على وشك أن تكلفه نفقات طائلة لإصلاحها، تكاد تساوي ما دفعه من مال لتغييرها. فالدافع الحقيقي في هذا السلوك هو مجرد شراء سيارة جديدة للتباهي بحيازتها، ولكن هذا الدافع لا يستطيع أن يتعرف به فيما بينه وبين نفسه، ولذلك فهو يلتمس العذر الذي يبدو به سلوكه مقبولاً ومعقولاً، والذي يعفيه من استهجان الآخرين لتصرفاته، والذي يجنبه من أن يلوم نفسه أو يستشعر الإثم لأنه قد استجاب لما لا ينبغي أن يستجيب له من الدوافع.

وفي السجل المقدس صورة واضحة للتبرير، فبعد أن أكل آم وحواء من الشجرة المحرمة نقرأ هذه الكلمات "فنادى الرب الإله آدم وقال له أين أنت. فقال سمعت صوتك فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال من أعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟" تك 3: 9- 11. وبدلاً من أن يعترف آدم بخطيته بصراحة لجأ إلى حيلة التبرير فقال "المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت" فوضع اللوم على المرأة التي أعطاها إياه الله "فقال الرب الإله للمرأة ما هذا الذي فعلت؟" وبدلاً من أن تعترف المرأة بعصيانها الأثيم لجأت إلى تبرير نفسها قائلة "الحية غرتني فأكلت" تك 3: 13.

والتبرير حيلة يلجأ إليها المرء ليشعر بالارتياح بعد ارتكابه أمراً لا يليق ليبرر سلوكه الخاطئ بشتى المعاذير وهيهات أن تصلح هذه الحيلة إلى التمام في إعطاء الإنسان الراحة المنشودة.

أضف تعليق


قرأت لك

انزل، تأخذ بركة

يكلّمُكَ اللهُ يا نعمان
لا تؤجّلْ، اسمعْهُ الان
لا تتوانى، انزلْ عن ظَهْرِ حُصان
لا تتردّدْ، فليسَ بديلا للايمان