الفصل الثالث: المسيحية والصراع النفسي

القسم: المسيحية والسعادة النفسية.

تتفق المسيحية في مفهومها الصحيح مع علم النفس الحديث اتفاقاً يكاد يكون شاملاً.

وفي مقدورنا أن نسمي أجزاء "الجهاز التنفسي" بالأسماء التي وردت في الكتاب المقدس لنرى مدى انطباق علم النفس والكتاب المقدس.

"فالأنا" وهو الجانب النفسي الذي يواجه العالم الخارجي ويتأثر به تأثراً مباشراً هو "العقل الواعي" وقد جاء ذكره في الكتاب المقدس مراراً عديدة، فقال صاحب الأمثال "إذا دخلت الحكمة قلبك ولذت المعرفة لنفسك. فالعقل يحفظك والفهم ينصرك لإنقاذك من طريق الشرير ومن الإنسان المتكلم بالأكاذيب" أم 2: 10- 12.

وقال في موضع آخر "أما الزاني بامرأة فعديم العقل. المهلك نفسه هو يفعله. ضرباً وخزياً يجد عاره لا يمحى" أم 6: 32و 33.

وقال في موضع ثالث "خزامة ذهب في فنطيسة خنـزيرة المرأة الجميلة العديمة العقل" أم 11: 22.

"والهو" وهو الذات السفلى الذي لا يهتم بمقتضيات الواقع ولا يتحكم في توجيهه إلا مبدأ اللذة، وهو الجزء الفطري الموروث بما فيه من دوافع فطرية في صورتها الهمجية، يسميه الكتاب المقدس "الإنسان العتيق الفاسد"، نحن نقرأ عنه في مواضع كثيرة من كلمة الله إذ يقول بولس الرسول للمؤمنين في أفسس "أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور. وتتجددوا بروح ذهنكم. وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق" أفسس 4: 22، 23.

ويكتب للقديسين في كولوسي الكلمات "لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله. ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" كو 3: 9و 10.

وكما يطلق الكتب المقدس على "الهو" اسم "الإنسان العتيق" كذلك يسميه "الجسد" فيقول بولس الرسول "ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" غلا 5: 24.

وكلمة "الجسد" المذكورة في هذه الآية لا تعني "اللحم والدم" إذ أن الجسد بهذا المعنى هو هيكل للروح القدس الذي يسكن في المؤمنين بالمسيح كما يقول الرسول الجليل "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم. لأنكم قد اشتريتم بثمن. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي الله" 1كو 6: 19 و20.

إذن "فالجسد" الذي نعنيه هو الميول والرغبات الفاسدة التي استقرت في اللاشعور، والتي ورثناها عن آدم الأول رأس البشرية الساقط؛ والتي وصفها رسول الأمم في رسالته إلى أهل غلاطية قائلاً "وأعمال الجسد الظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة. عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر وأمثال هذه التي أسبق فأقول لكم عنها كما سبقت فقلت أيضاً إن الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله" غلا 5: 19- 21.

عن هذا "الجسد" الفاسد، الذي يشبه الحجرة المظلمة الممتلئة بالحشرات يقول الرسول للأحباء في رومية "لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام. لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" رو 8: 6- 11.

ويتفق هذا الكلام مع الوصف العلمي "للهو" فالهو لا يتجه وفق المبادئ الخلقية، وإنما يسير على قاعدة تحقيق اللذة، غير متقيد بقيود منطقية.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن عقيدة المعصية الأولى أو الخطيئة الوراثية هي عقيدة صحيحة تتفق مع أسس علم النفس الحديث كما تتفق مع تعاليم الكتاب المقدس، والذي لا يؤمن بحقيقة وراثة الخطية لا يستطيع أن يدرك كنه النفس البشرية، ذلك لأن الاعتقاد بوراثة الخطية هو التعليل الوحيد الذي نراه معقولاً لانتشار الخطية في العالم والميل العام إلى الانحراف عن الطريق القويم، هذا الميل الموجود في قلب كل إنسان.

منذ وقت ليس ببعيد تصدى أحد الكتاب لعقيدة المعصية الأولى فكتب يقول "أما الإنسان فوقف بعد اليهودية والمسيحية موقفاً لا يحسد عليه كثيراً بسبب ما التصق به من وزر أبيه الأول آدم ذلك الوزر الذي اعتبر خطيئة أولى، وخطيئة باقية موروثة لا بد لها من كفارة وفداء حتى لا يذهب بجريرتها أبناء الجنس البشري كافة.

وإن أنسَ لا أنسى ما ركبني من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروع، يقترن بوصف جهنم ذلك الوصف المثير لمخيلة الأطفال، وكيف تتجدد فيها الجلود كلما أكلتها النيران، جزاء وفاقاً على خطيئة آدم. بإيعاز من حواء وأنه لولا النجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطهور، لكان مصير البشرية كلها الهلاك المبين.

فكان لا بد من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللعنة، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البريء بالمجرم، أو تزر الولد بوزر الوالد، وتجعل للبشرية كرامة مضمونة.

والحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال المرء، فيمضي في حياته مضي المريب المتردد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.

إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها. ورفعها عن كاهل الإنسان منة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه. بل هو ولادة جديدة حقاً ورد اعتبار لا شك فيه. إنه تمزيق صحيفة السوابق، ووضع زمام كل إنسان بيد نفسه" أ. هـ.

والكاتب الذي سجل بقلمه هذه الكلمات يحكم على نفسه بالجهل من الناحيتين العلمية والروحية.

فمن الناحية العلمية يؤكد علم النفس أننا جميعاً من الناحية النفسية قد ولدنا أنانيين منطوين، يبدو "الهو" في جهازنا النفسي بسلطانه المقلق، ومن خصائصه كما قلنا أنه لا يتجه وفق المبادئ الخلقية وإنما يسير على قاعدة تحقيق اللذة والابتعاد عن الألم، ومن مركباته النـزعات الفطرية والمكبوتة.

ومن الناحية الروحية تؤكد كلمة الله حقيقة وراثتنا للخطية فيقول الرسول بولس "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" رو 5. 12.

لقد تلوث آدم بالخطية، وكان آدم بالنسبة للبشرية كنبع النهر بالنسبة للنهر، فلما تلوث نبع النهر تلوثت المياه الجارية فيه من منبعه إلى مصبه.

أجل دخلت الخطية اللعينة إلى العالم، وتفشت في كل مكان وطأته أقدام الإنسان. وكان أول إنسان ولد من حواء هو "قايين" القاتل الأول الذي لوث الأرض بدماء أخيه هابيل، ولو لم يرث قايين الخطية من أبيه آدم فمن أين جاءته فكرة القتل؟ من أين دخلت الكراهية إلى قلبه؟ من أين ملأته الغيرة من أخيه حتى دفعته إلى ذبحه؟

وهابيل أيضاً قد ورث الخطية، ولاشك في أنه فعلها كذلك وإلا فلماذا يقدم من أبكار غنمه ومن سمانها قرباناً للرب إلا لأنه تعلم من أبيه أنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" عب 9: 22.

وبعد هابيل ولد آدم ولداً ودعا اسمه شيثا ويؤكد الكتاب المقدس أن شيثا ورث أباه في كل شيء فقال "وعاش آدم مئة وثلاثين سنة وولد ولداً على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا" تك 5: 3.

لقد خلق الله الإنسان مستقيماً كما يقول صاحب سفر الجامعة "أنظر هذا وجدت فقط أن الله صنع الإنسان مستقيماً. أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة" جا 7: 29، أجل! سمع الإنسان لصوت الشيطان بمحض إرادته وحريته وانحدر على هوة العصيان وبهذا تلوثت كل ينابيع حياته.

وبغير جدال كان آدم نائباً وممثلاً لجميع الجنس البشري الذي كان في صلبه يوم تعدى وصية الله، فسقط الجنس البشري بسقوطه، واجتاز الموت كما رأينا إلى الناس أجمعين، وعم الفساد البشرية وهذا ما يقرره صاحب المزمور قائلاً "الرب من السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله. الكل زاغوا معاً فسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد" مز14: 2و 3.

أجل... بعد طرد آدم من الجنة ولداً نسلاً ساقطاً نظيره في حالة الفساد الروحي والأدبي، وهذا ما يؤكده داود النبي في قوله "ها أنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي" مز 51: 5، وهي كلمات تعلن حقيقة وراثة الخطية، التي شوهت حياة البشر جميعاً.

منذ وقت ليس ببعيد كتب كاتب اجتماعي مقالاً بعنوان "من هم الناس؟ صور فيه الناس بالصورة التي نلمسها كل يوم، الصورة التي سودتها الخطية. قال الكاتب الكبير: "لست أدري من هم الناس؟... قضيت عمراً أحاول أن أعرفهم فلم أستطع.. وإني لأروح وأغدو بينهم وهم حولي صناديق مغلقة لست تعرف على التحديد ماذا يرضيهم... إن أعطيت طلبوا المزيد، وإن كففت قالوا يا لهذا الرجل الذي تلين الحجارة ولا يلين... إن عفوت طمعوا، وإن انتقمت سكتوا. إن أحببت وعطفت قالوا ضعف وإن كرهت وابتعدت قالوا إنسان لا يحب الخير.... إن خدمتهم اجتمعوا حولك، فإذا انقضت الحاجة تفرقوا عنك... إن قدمت المعروف شكروا ريثما يتم، فإذا انتهى ما بينك وبينهم، فكأنك العدو المبين.

إذا آثرت العزلة قالوا متكبر مستوحش فإذا اختلطت بهم لم تسلم من ألسنتهم يروون عنك ما لم تقل، وينسبون إليك ما لم تفعل... إذا جلست بينهم فتحيات مباركات طيبات، فإذا توليت، أطلقوا فيك ألسنة حداداً..

إذا رعيت واحداً حتى يكبر فهو عند قدميك إلى أن يشب، فإذا طالت قامته، نظر إليك كأنك لم تكن في حياته شيئاً مذكوراً، وكأن يدك لم تمتد إليه بالخير، وكأن عقلك لم يمنحه النصيحة، وكأن هديك إياه حتى يرتفع كان عبثاً آذيته به، وأنه ارتفع لأن قدميه كانتا أثبت منك قدماً.

وإذا أحس أنك تزوره لحاجة، التوى وتعاظم كأنه رب في السماء، فإذا زارك لحاجة فهو الضعيف الأمين الرقيق، خادم إذا شئت، ذليل إذا شئت....

إذا كنت صاحب منصب كبير فالناس من حولك يذودون عنك، ويرتجفون بين يديك، ويملأون أذنيك مديحاً وملقاً... إذا تأففت جروا إليك يسألونك ماذا يضايقك... إذا قلت أنك لم تنم الليلة الماضية، أرقت أو سهرت، بدا الحزن على وجوههم، وأخذ كل منهم يهون الأمر عليك ويلتمس الأسباب التي تريحك... إذا أحسوا أنك حزين، انطلقوا يهرجون حتى تضحك، فإذا أحسوا أنك سعيد فقد عديتهم بالبُشر والهناء وإذا قلت فقولك الفصل، وإذا رأيت فرأيك وحي نازل من السماء... إذا خرجت فهم في ركابك، فإذا دخلت فهم أمامك يفسحون لك، ويهتفون بالناس أن يفسحوا لك... إذا مرضت فبيتك كعبة الزوار، وإذا الأفئدة من حولك واجفة، والقلوب داعية، والعيون مفعمة بآيات الحب والولاء... فإذا عوفيت فالدنيا كلها صفاء في صفاء....

وإذا أحسوا أن السلطان آخذ في الأفول، فهم أسبق إلى النجم الطالع ولسانهم يقول رب إنا لا نحب الآفلين... يقولون للنجم الجديد: كان طالعك في خيالنا منذ أمد بعيد... وإذا جاء ذكر صاحب المنصب القديم، تفضل كل واحد بكلمة أو غمزة أو حكاية فيها سخرية وتصغير، كأنما لم يكن في الأمس القريب بعض الحواريين الراكعين الساجدين.

الناجح عندهم عدو مبين، والفاشل سخرية الساخرين... الذكي لم يرفعه ذكاؤه، والمجد لم يرفعه جده.

الصديق لا مثيل له في الأولين والآخرين فإذا وقع ما يفسد الصداقة فهو الذميم ابن الذميم... ما من نقيضة في الدنيا إلا فيه... هؤلاء هم الناس... الناس بعد أن ملأت قلوبهم الخطية. وغرقوا في الخداع والنفاق والإثم. فبماذا يفسر الكاتب هذه الصور السوداء؟!

هذا يأتي بنا إلى حقيقة ثانية يجهلها ذلك الكاتب، ولا بد أن نرد عليها في هذا المقام وهي تظهر في كلماته "وكيف تتجدد الجلود كلما أكلتها النيران. جزاء وفاقاً على خطيئة آدم، بل إن الكتاب المقدس يقرر أنه كما دخلت الخطيئة إلى العالم بإنسان واحد هو "آدم"، وبدون مسؤولية النسل الهابط من ذلك الإنسان،كذلك رفعت هذه الخطيئة عن كاهل البشر أجمعين دون أن يحاسب الله عنها واحداً منهم وهذا ما يؤكده بولس الرسول في كلماته "فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة على جميع الناس لتبرير الحياة" رو 5: 18. ولهذا قال يوحنا المعمدان وهو يشير على المسيح له المجد " هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم". يو 1: 29، وخطية العالم بغير جدال هي الخطية التي اشترك فيها الجنس البشري كله، من ولد منهم قبل ميلاد السيد المسيح بالجسد، أو من جاء إلى الأرض بعد صعود السيد إلى المجد. ولا يجب أن يغيب عن بالنا أن عملية الفداء وإن كانت قد تمت فوق الجلجثة منذ قرابة ألفي سنة، إلا أنها كانت في التدبير الإلهي قبل خلقه الإنسان، يعلن هذه الحقيقة الساطعة بطرس الرسول في كلماته "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم" 1بط 1: 18- 20، وواضح من هذه الكلمات الإلهية أن تدبير الفداء كان مرتباً قبل تأسيس العالم، وقبل خلق الإنسان، ولذا فإن أحداً من بني آدم لن يذهب على جهنم لأنه بعد أن بلغ سن المسؤولية ارتكب الخطية فعلاً أو قولاً، ورفض بعناد طريق الخلاص المرتب من الله بواسطة دم المسيح الطهور، فلا حاجة إذن لقلق ذلك الكاتب من جهة مصير ملايين البشر قبل المسيح، وسؤاله عن ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة، فالإنسان لا يؤخذ بذنب آدم ولا يعاقب على خطيئته وإنما يرث حالته فقط، حالة الميل إلى الخطية هذا الميل الذي نبعه "الإنسان العتيق" الذي يسميه علماء النفس "الهو" ذلك الجزء الفطري الذي هو الدوافع الفطرية في صورتها الهمجية كما يقول فرويد عالم النفس المشهور.

هذا يصل بنا إلى الحديث عن "الأنا الأعلى" أو "الذات المثالية" والكتاب المقدس يتفق تماماً مع علم النفس فيطلق على هذا الجزء من الجهاز النفسي اسم "الضمير"، والضمير في لغة الكتاب المقدس يمكن أن يكون صالحاً مدرباً وفق كلمة الله، ويمكن أن يكون موسوماً منجساً بحسب المبادئ والمثل التي تلقنها من بيئته، ولهذا نجد أناساً التوت ضمائرهم يرتكبون الأوزار دون أن يحسوا بألم أو تأنيب، قد يرتكب الواحد منهم جريمة قتل في سبيل عقيدة دينية متسلطة عليه دون أن يحس وخزاً في ضميره أو ألماً في نفسه.

وفي السجل المقدس نرى صورة تؤكد هذه الحقيقة، فقد قبض اليهود على المسيح له المجد وأرادوا قتله، ولكننا نعجب إذ نقرأ عنهم "ثم جاؤوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية لئلا يتنجسوا فيأكلون الفصح" يو 18: 28.

فانظر كيف يتلاعب الضمير فيرضى عن جريمة قتل لشخص بريء، ولا يسمح أن يدخل المرء إلى دار الولاية لئلا يتنجس؟!

الدخول إلى دار الولاية نجاسة، وقتل المسيح القدوس أمر مقدس جليل... ياللضمير الملتوي!!

وكم من أشخاص يسكرون، ويعربدون، ويقامرون، ويدخنون، ويرتكبون مختلف الشرور ثم لا يسمح لهم ضميرهم النجس أن يتوقفوا عن القيام بفرض ديني، كالصوم، أو الصلاة، أو غير ذلك من فروض.

لهذا يحذر بولس تلميذه تيموثاوس قائلاً "ولك إيمان وضمير صالح الذي إذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضاً" اتي 1: 19، وبولس في هذا التحذير يطالب تيموثاوس بضرورة الاحتفاظ بضميره صالحاً يقظاً.

وفي موضع آخر يتحدث الرسول عن الضمير النجس قائلاً "كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهراً بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم" تي 1: 15.

وفوق هذا نجد حديثاً جميلاً عن الضمير المدرب إذ يقول بولس "لذلك أنا أيضاً أدرب نفسي ليكون لي دائماً ضميرٌ بلا عثرة من نحو الله والناس" أعمال 24: 16.

وعمل "الضمير" أو "الأنا الأعلى" كما يقول علماء النفس هو صب اللوم على "الأنا" حين يخطئ وينحرف عن السلوك القويم، ونحن نرى هذا الفكر واضحاً في كلمة الله.

ذات يوم جاء الفريسيون بامرأة أمسكت في زنى وقدموها إلى شخص المسيح الكريم ولما أقاموها في الوسط قالوا له: يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم. فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر. ثم انحنى أيضاً إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانك أحد فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أدينك اذهبي ولا تخطئي أيضاً" يو 8: 3- 11.

على ضوء ما تقدم نرى أنه في مقدورنا أن نعرف الجهاز النفسي بالتعريف الكتابي، كما نعرفه بالتعريف العلمي، فالتعريفان يتفقان وسنضعهما في الجدول التالي.

الاسم في علم النفسالاسم في الكتاب المقدس

الأناالعقل

الهوالإنسان العتيق

الأنا الأعلىالضمير

وهنا يجدر بنا أن نتحدث عن الصراع النفسي بين العقل والإنسان العتيق، وبين العقل والضمير وهو صراع رهيب جبار إذا لم يعالج العلاج الصحيح أدى بالمرء إلى كثير من حالات الاضطراب والمرض النفسي.

وفي السجل المقدس صورة تجسم لنا حقيقة هذا الصراع جاءت على لسان بولس الرسول، اسمعه وهو يتحدث إلى القديسين في رومية قائلاً "فإننا نعلم أن الناموس روحي وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية. لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل. فإن كنت أفعل ما لست أريده فإني أصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيّ. فإني أعلم أنه ليس ساكن في أي في جسدي شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى لست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فيّ. إذا أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضر عندي. فإني أسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت" رو 7: 14- 24.

فأي صراع أفظع من هذا الصراع بين "العقل" أو "الأنا" بين "الهو" أو "الإنسان العتيق" من جهة وبين "العقل" وبين "الأنا الأعلى" أو "الضمير" من جهة أخرى.

إنه صراع يحس به كل فرد داخل نفسه، وهو يستنـزف الكثير من طاقته، ويصيب الكثيرين من الشيوخ والشباب بشتى أنواع القلق والاضطراب.

فهل في مقدور المسيحية أن تجد علاجاً لهذا الصراع المرير أو تكفي علاجات البشر في إنهاء هذا الصراع الجبار؟!

يقيناً أن المسيحية تقدم العلاج الحاسم الأوحد لهذا الصراع النفسي، ولكننا قبل أن نتحدث عن هذا العلاج الفريد سنأخذ مجالاً للكلام عن العلاجات البشرية، والنتائج النفسية لهذا الصراع الخطير.

لقد سبق أن عرفنا أن هناك صراعاً جباراً بين "الأنا" وعالم الواقع وببين "الأنا" و "الهو" وببين "الأنا" وبين "الأنا الأعلى" شرحناه بالتفصيل فيما سبق من حديث، كما عرفنا كذلك أن مهمة الأنا هي الحصول على حالة اتزان بين هذه القوى الثلاثة، على أن هذا ليس ممكناً دائماً بالبساطة التي نتصورها فقد اغتصب مالاً ولكيلا أشعر بالخطيئة أبرر العمل بيني وبين نفسي فأصل إلى حالة ارتياح، أو يعود "الأنا" إلى حالة الاتزان، وهناك حيل نفسية متعددة توقف إلى حين الصراع الدائر في النفس البشرية، يطلق عليها علماء النفس اسم الحيل العقلية اللاشعورية نذكرها فيما يلي لنبين أنها لا يمكن أن تفلح في علاج الصراع النفسي، ونعتمد في ذكرها على كتابين هما كتاب "الدوافع النفسية" وكتاب "علم النفس أسسه وتطبيقاته التربوية".

والآن إلى الحديث عن بعض هذه الحيل


الحيلة الأولى: التبرير

يود كل إنسان أن تكون تصرفاته معقولة وأن تقوم على أساس من الدوافع المقبولة، ولهذا فإن الفرد حين يخرج في تصرفاته عن الحد المعقول ويصدر في سلوكه عن بعض الدوافع التي لا يرضيه أن يقر بها ويعترف بنسبتها إليه، يعمد إلى تفسير سلوكه تفسيراً يبين به لنفسه وللناس أن سلوكه معقول لا غبار عليه وأن ما دفعه إليه ليس أكثر من دوافع مقبولة يحترمها الناس، وقد اتفق العلماء على تسمية هذه العملية التي يلتمس الفرد فيها الأعذار المنطقية المعقولة لتصرفاته "بالتبرير".

والتبرير الذي يعنيه علماء النفس يختلف عن التبرير الذي يعنيه الكتاب المقدس، والذي نحصل عليه بالإيمان، فالأول عبارة عن أعذار يتلمسها المرء لتبرير نفسه كأوراق التين الذي غطى بها آدم عريه بعد سقطته والثاني عمل إلهي يريح النفس المذنبة من عذاب الخطية، فلا يعود المرء يتلمس لنفسه الأعذار بل يأتي على السيد وفي فمه كلمات الترنيمة

كما أنا وليس لي عذر لديك

إلا الدم المفسوك عني من يديك

وأمرك القائل أن آتي إليك

آتي أنا يا حمل الله الوديع

وعندما يقبل خلاص الله الذي أتمه السيد له المجد بموته على الصليب يهتف مع بولس مردداً "فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" رو 5: 1.

إن التبرير الذي يقصده علماء النفس ليس معناه أن تكون تصرفات الفرد معقولة، ولكن معناه أن نبرر سلوكنا حتى يبدو معقولاً، والتبرير يعد حيلة دفاعية لأنه يمكن الفرد من تجنب الاعتراف بما يدفعه إلى سلوكه غير المعقول من دوافع غير مقبولة. هذا يذكرنا بخرافة الثعلب الذي عجز عن الوصول على العنب، وعندئذ نظر على العناقيد المدلاة وقال "يا له من عنب فج لا يستحق العناء" فهذا نوع من التبرير شوه به الثعلب حقيقة العنب ليبرر عجزه عن الوصول إليه.

ويختلف "التبرير" عن "الكذب" على أساس أن التبرير عملية لا شعورية يقنع فيها الفرد نفسه بأن سلوكه لم يخرج عما ارتضاه لنفسه من قيم ومعايير في حين أن الكذب عبارة عن عملية تزييف شعورية إرادية يشوه بها الفرد وجه الحقيقة وهو على علم بما يفعل وبأن ما يصوره للناس ويحاول إقناعهم به ليس صحيحاً ولكنه محض الخيال.

وسنورد هنا مثالاً للتبرير نوضح به ما نقول: يقوم إنسان بشراء سيارة جديدة، ويبيع سيارته القديمة التي لم يكن يعيبها شيء، والتي لم يكن هناك ما يدعو إلى التخلص منها، ثم يعتذر عن شراء السيارة الجديدة بأن ما دفعه إلى هذا هو أن السيارة القديمة كانت على وشك أن تكلفه نفقات طائلة لإصلاحها، تكاد تساوي ما دفعه من مال لتغييرها. فالدافع الحقيقي في هذا السلوك هو مجرد شراء سيارة جديدة للتباهي بحيازتها، ولكن هذا الدافع لا يستطيع أن يتعرف به فيما بينه وبين نفسه، ولذلك فهو يلتمس العذر الذي يبدو به سلوكه مقبولاً ومعقولاً، والذي يعفيه من استهجان الآخرين لتصرفاته، والذي يجنبه من أن يلوم نفسه أو يستشعر الإثم لأنه قد استجاب لما لا ينبغي أن يستجيب له من الدوافع.

وفي السجل المقدس صورة واضحة للتبرير، فبعد أن أكل آم وحواء من الشجرة المحرمة نقرأ هذه الكلمات "فنادى الرب الإله آدم وقال له أين أنت. فقال سمعت صوتك فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال من أعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟" تك 3: 9- 11. وبدلاً من أن يعترف آدم بخطيته بصراحة لجأ إلى حيلة التبرير فقال "المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت" فوضع اللوم على المرأة التي أعطاها إياه الله "فقال الرب الإله للمرأة ما هذا الذي فعلت؟" وبدلاً من أن تعترف المرأة بعصيانها الأثيم لجأت إلى تبرير نفسها قائلة "الحية غرتني فأكلت" تك 3: 13.

والتبرير حيلة يلجأ إليها المرء ليشعر بالارتياح بعد ارتكابه أمراً لا يليق ليبرر سلوكه الخاطئ بشتى المعاذير وهيهات أن تصلح هذه الحيلة إلى التمام في إعطاء الإنسان الراحة المنشودة.


الحيلة الثانية: الإسقاط

يوجد في كل إنسان صفة غير مرغوب فيها، أو نقيصة لا يجب أن يعترف بها، ولكي يكفي نفسه مئونة الاعتراف بنقائصه يلجأ إلى حيلة دفاعية تعرف بالإسقاط... والإسقاط يعني أن تنسب ما في نفسك من صفات غير مقبولة أو محبوبة إلى غيرك من الناس بعد أن تجسمها وتضاعف من شأنها، فتبدو تصرفاتك بمقارنتها بتصرفات غيرك منطقية معقولة.

فلو أنك كنت تميل إلى التعسف في نقد الآخرين، والقسوة والتشدد في معاملة الناس، وفي ذات الوقت تكره هذا الميل في نفسك. فإنك تلجأ إلى وصف من حولك من الناس بالقسوة، واتهامهم بالاستبداد لتجد سبباً معقولاً تفسر به تصرفاتك، بدلاً من أن تبدو هذه التصرفات ولا مسبب لها سوى نقائصك.

وهكذا يتبين أن الإسقاط نوع من التبرير، وأنه كثير الشيوع في تصرفات الناس. إنه يظهر بصورة واضحة في إدانة الآخرين بشدة، ولذا قال السيد له المجد "لا تدينوا تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها [وهنا حيلة الإسقاط] أم كيف تقول لأخيك دعني أخرج القذى من عينك وها الخشبة في عينك. يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك" مت 7: 1-5.


الحيلة الثالثة: التقمص

في الإسقاط ينسب المرء صفاته القبيحة إلى غيره من الناس، أما في التقمص فهو يتخذ لنفسه بعض ما يجد عند غيره من الصفات الحميدة.

وهناك شبه كبير بين التقمص والتقليد، وإن كان هناك بعض نواحي الاختلاف ، ففي التقليد يتخذ المرء لنفسه مثالاً يحتذيه، ولكن الفرد لا يتقمص الشخص الذي يقلده إلا إذا كان يحمل له الحب في قلبه، كما أن التقمص الحق لا يقتصر على تقليد شخصي، وإنما يتضمن شعور الشخص بأنه قد أصبح- في الخيال والوهم- نفس الشخصية المتقمصة، فيصبح وإياه شيئاً واحداً، يحس بنحاحه وفشله ويشعر بفرحه وأسفه.

والتقمص هو الذي يجعل للمسرح والروايات والأفلام السينمائية جاذبية وإمتاع، فالمرء يضع نفسه حين قراءة الروايات أو مشاهدة المسرحيات أو الأفلام وضع الأبطال، ويصبح وكأنه يقوم بما يقومون به من مخاطرات وأعمال، وكذلك يتقمص قارئ الرواية البوليسية دور رجل البوليس الذي يقوم في النهاية بالكشف عن فاعل الجريمة ويشعر القارئ عندئذ بشيء من الارتياح والاستعلاء واحترام الذات لأنه قد تقمص شخصية البطل الجدير بالإعجاب.

والتقمص لازم من أجل نمو الشخصية، والفتاة التي تكون قد نجحت في تقمص شخصية أمها هي التي تستشعر الغبطة والسعادة حين تقوم بعد ذلك بدور الأم. أما الفتاة التي كانت قد اقتصرت على تقليد أمها فإنها لا تصل إلى أكثر من معرفة الدور الذي يطلب إليها القيام به، ثم تقوم بأداء دورها دون أن تعيش فيه وتشعر به.


الحيلة الرابعة: انعدام الترابط

وتسمى هذه الحيلة بالانجليزية Dissociation وتعني تلاشي الوحدة والانسجام بين التفكير والوجدان والأفعال.

ولكي نوضح ذلك نقول: أن من طبيعة الإنسان أن تكون أفعاله ومشاعره وأفكاره بحيث ترتبط بعضها ببعض، فعندما تدرك أن هناك من يسيء إليك فإنك تغضب وتقابل الإساءة بمثلها... فتفكيرك، غضبك، وحركاتك العضلية كلها أجزاء في كل واحد متناسق، ولكن هذه الوحدة كثيراً ما تنعدم بفعل التربية المبكرة وما يترتب عليها من صراع، فنحن نعلم الطفل منذ سن مبكرة ألا يدفعه الغضب إلى الضرب، فإن تصادف بعد ذلك أن أغضبه أحد أبويه نجد لا يستطيع أن يرد العدوان لأن ذلك لا يرضيه كما أنه يشعره بالإثم ونراه يحاول وهو يصارع بين إحساسه بالغضب، وتجنبه الشعور بالإثم، وقد أسعفه انعدام الترابط بين مشاعره من ناحية وأفكاره وأفعاله من ناحية أخرى، يقضي ساعة أو ساعتين في رسم الطائرات أو التحدث عن المعارك، ومعنى هذا أنه لم يتخلص من غضبه بانعدام الترابط، وإنما انفصلت مشاعر الغضب عنده عن أبويه وعبرت عن نفسها بطريقة رمزية على هيئة صور وقصص عن الحرب والقتال.

ويتخذ انعدم الترابط الكثير من الصور سنتحدث هنا عن صورتين منها.

(1) الحركات القسرية:

وهي حركات يجد الفرد نفسه مضطراً إلى إتيانها ثم إلى إعادة إتيانها، وتدل هذه الحركات على أنها قد انسلخت عن الوجدانات الخاصة بها.. ونحن نلاحظ هذه الحركات في سلوك الكثيرين من الناس، على هيئة لزمات أو حركات هي أشبه بالطقوس الدينية، والحركات القسرية تصدر عن الفرد بطريقة أوتوماتيكية ودون أن يصحبها شيء كثير من الانفعال فيخيل للمرء عندئذ أنه ليس وراءها وجدانات قوية تدفع إليها على حين أن الحيلولة بين الشخص وبين إتيانها يؤدي إلى انفعالات عنيفة مما يدل على أنها سلوك تدفع إليه دوافع قوية.

ومن المكن تفسير هذه الحركات القسرية بأنها تقوم مقام أنواع أخرى من السلوك لا يدري الشخص نفسه طبيعتها فمثلاً اهتزاز رمش العين قد يرمز إلى رغبة الشخص في النظر إلى مشهد تحرم رؤيته وإلى تحرجه في ذات الوقت من إتيان هذا الفعل، وفوق ذلك فإن هذه الحركات القسرية حين يقوم بها الفرد في غير انفعال تصبح بمثابة تأكيد للفرد بأنه لن يقوم بتنفيذ الأفعال التي قامت الحركات القسرية مقامها، وأنه بالتالي لن يستشعر الإثم والخطيئة نتيجة ذلك.

وهنا لا بد أن نقول أن المرء يجب أن لا يفزع إن وجد في سلوكه شيء مما ذكرنا، فإن في سلوك الناس جميعاً شيئاً من الحركات القسرية مثل الترنم بنغمة معينة لمدة طويلة أو قرض الأقلام، ومثل هذا السلوك يساعدهم على الشعور بشيء من الراحة ويخفف من حدة توترهم في حياتهم اليومية العادية.

(2) الإكثار من التفكير النظري:

الإكثار من التفكير النظري صورة أخرى من صور انعدام الترابط، يحل فيها التفكير في الشيء والتحدث عنه محل ما كان ينبغي أن يؤدى من الأفعال وذلك لئلا يؤدي عجز الشخص عن القيام بالأفعال المطلوبة إلى شعوره بالنقص والذلة.


الحيلة الخامسة: الكبت

وتسمى هذه الحيلة بالانجليزية Repression، وهناك فرق بين القمع Supression والكبت، فالقمع معناه أن يقوم الإنسان بضبط نفسه وحبسها عما تشتهيه وتندفع إليه من الأمور المحرمة، وفي أن الإنسان يكون على علم بهذه النوازع وبأنه يحول بينها وبين أن تبدو للناس. كما يقول بولس الرسول " وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء... أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأما نحن فإكليلاً لا يفنى. إذاً أنا أركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين هكذا أضارب كأني أضارب الهواء. بل أقمع جسدي وأستعبده حتى ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً" 1 كو 9: 25- 27.

أما الكبت فلا يتضمن وعي الفرد بما يكبته من دوافع.

وفي حالة القمع تكون الدوافع محرمة في نظر الجماعة وغير مقبولة لديها، أما في حالة الكبت فتكون من النوع الذي لا يقره ضمير الفرد ولا يسمح به.

فكأن الكبت نوع من تهذيب الذات للذات، على حين أن القمع عبارة عن خضوع النفس لنواهي المجتمع وحرماته.

والشخص الذي تربى في مجتمع نظم سلوك أفراده على القمع، أخوف ما يخافه هو أن يلحقه العار والخزي بين أهله ومواطنيه.

أما الشخص الذي تربى في مجتمع نظم سلوك أفراده على الكبت فإن م يحول بين الفرد فيها وبين أن يسوء سلوكه هو الخوف من أن يستشعر الإثم والندم وعذاب الضمير .

وترجع غلبة القمع على الكبت أو الكبت على القمع إلى تفاوت الأفراد نتيجة التربية المنـزلية وسيطرة الدين على النفوس، ودرجة السمو الروحي، والنضج الفكري.

والكبت الكامل يؤدي إلى النسيان أي اختفاء الدوافع غير المقبولة اختفاء تاماً من وعي الفرد وإدراكه، وزوال ما يترتب على هذه الدوافع من سلوك.

ولكن الكبت لا يكون كاملاً في معظم الأحوال، ولذا تلتمس الدوافع وسائل أخرى غير مباشرة تعبر بها عن نفسها، فتلجأ إلى كثير من الحيل الدفاعية التي سبق الحديث عنها.

وقد نجح الباحثون أخيراً في إجراء دراسات تجريبية، أظهرت لهم أن أظهر ما يتميز به الكبت هو أن الفرد يكون قد صادف نوعاً من الفشل والإخفاق أنقص من احترامه لنفسه واعتباره لذاته، وبذلك تسوء قدرته على تذكر هذه الخبرات.


الحيلة السادسة: الإبدال

وتسمى هذه بالانجليزية Substitution.... والإبدال نوعان: إعلاء Sublimation وتعويض Compesation.

أما الإعلاء فهو التعبير عن الدوافع التي لا يقبلها المجتمع بوسائل يقرها المجتمع ويرتضيها. فالمرء الذي لا يستطيع إشباع دافعه الجنسي قد يقوم بإعلائه عن طريق رسم اللوحات الفنية، أو قرض الشعر، أو غير ذلك من الأساليب.

ولا جدال في أن في الإعلاء تصريف للطاقة الجنسية، وإنقاص من حدة التوتر، ومع ذلك فهذا التصريف وهذا الإنقاص ليسا كاملين... ذلك لأن الإشباع الجنسي لا يحقق الدافع الجنسي وحده، وإنما يحقق كذلك كثيراً من الدوافع الأخرى المرتبطة به، مثل الحاجة إلى الرفيق، والرغبة في الاتكال على الغير، وعاطفة الأبوة، وهذه الدوافع لا يمكن إشباعها بالسلوك البديل الذي أعلينا به الدافع الجنسي.

وأما التعويض فهو محاولة الفرد النجاح في ميدان من ميادين النشاط بعد أن أخفق في ميدان آخر مختلف عنه أو مرتبط به فالطالب الذي يفشل في الألعاب الرياضية، قد يعوض عن فشله هذا بالدراسة والجد ليصيب من التقدير في الفصل ما لم يتحقق له في الألعاب، وواضح أن التعويض هنا قد تم في ميدان مخالف للميدان الأول.

وقد يغالي الفرد في التعويض ليثبت تفوقه وامتيازه في الميدان الذي خلق ضعيفاً فيه، قليل الاستعداد له، وقد شهد التاريخ أن هتلر وموسوليني وفرانكو وستالين كانوا على شاكلة نابليون من قصر القامة، وأنهم عمدوا إلى تحصيل قوة الشخصية، وجمع النفوذ السياسي في أيديهم بعد أن عز عليهم أن يغيروا ما وهبتهم الطبيعة إياه من أجسام وقامات.

هذه هي الحيل التي يستخدمها الفرد لتخفيف التوتر الناشئ عن الصراع النفسي، وهي حيل تحقق للفرد نوعاً من الراحة النفسية بسبب ما يشعر من تخفيف مؤقت للتوتر! لكن هناك من الناس من يقوم بأنماط من السلوك الشاذ المنحرف الذي يظهر في المرض النفسي والعقلي. ومن هذه الأمراض النفسية والعقلية نكتفي بذكر ما يلي:

[1] الوساوس المتسلطة: أي تسلط أفكار من نوع خاص على تفكير المرء تدفعه قسراً إلى القيام بأعمال وحركات رغم شعوره التام بأن ما يصدر عنه من أعمال وحركات وتصرفات أمور لا يقبلها العقل ولا يقرها المنطق السليم.

ولهذا المرض صور متعددة من أهمها الخوف من النجاسة فتجد المريض لا يكاد يلمس أحداً أياً كان حتى يسارع إلى غسل يديه ويضيع الأوقات في محاولات للتطهير بالماء والصابون أو المطهرات، وهناك ظاهرة ثانية هي عدم النوم قبل التأكد من إغلاق الأبواب والنوافذ مع أن المريض يكون قد أغلقها.

[2] النيوراستينا: وهذا المرض يشبه القلق النفسي وأهم أعراضه الشعور الدائم بإجهاد زائد، وعدم النوم المريح وعدم القدرة على مواصلة التفكير في موضوع معين.

[3] الهستيريا: وهو مرض تبدأ أعراضه بإنهاك في القوى الجسمية بسبب الصدمات العاطفية، ويعتقد فرويد أن مرض الهستيريا ينشأ نتيجة الصراع بين الذات وبعض الرغبات الغريزية الجنسية التي ترجع إلى أيام الطفولة المبكرة والمكبوتة في اللاشعور وفي الواقع أن معظم الأعراض الهستيرية على اختلاف أنواعها ما هي إلا وسائل دفاعية يستعملها المريض للهرب من موقف يشعر بينه وبين نفسه أنه غير قادر على مواجهته بعد ما أصاب شخصيته من انحلال نتيجة للصراع العقلي الذي تحدثه تلك الصدمات النفسية المتعاقبة وما يتبع ذلك من كبت وإجهاد.

وهناك أعراض لمرض الهستيريا هي (1) الشلل (2) التشنجات العصبية (3) الارتعاش من الخوف (4) التقلصات العضلية (5) فقدان القدرة على تذكر الخبرات الماضية.

[4] السكيزوفرينيا Schizophrenia: والمريض بهذا المرض يتميز بغرابة الأطوار، والاستنتاج غير المطابق للعقل، وهذيان العظمة والاضطهاد، وتشتت التفكير والإنتباه والوهم واضطراب الشعور.

[5] السلوك السيكوباتي Psychopathic: والمريض بهذا المرض يتميز بنشاط عشوائي اندفاعي مضاد للمجتمع، مستمر، ومتكرر لكسب وهمي غير محسوس، وهو فريد في قصوره وعوجه والتواء أحكامه وعدم استبصاره وزيغ أهدافه وفجاحته وتقلبه وسخفه وحماقاته وقسوته وقلة جدواه، لا ينضج أصحابه من التجربة ولا يرتدعون من العقاب، ولا يثبتون على هدف، ولا يصلون إلى قدر ما من التكيف مع المجتمع ولا يعرفون الندم ولا يحسون العار، ولا يختبرون الشعور بالخطيئة ولا يجعلون لتعاملهم مع الحياة إلا شعاراً واحداً هو "أن يأخذوا كل ما يستطيعون، من أي إنسان يستطيعون وبأية وسيلة يستطيعون".

والشخص السيكوباتي لا يعرف من الزمن إلا الحاضر، إلا اللحظة التي يعيش فيها وحسب، مقطوع الصلة بما كان، معدوم الارتباط بما سوف يكون.

ويرجع سبب هذا المرض النفسي إلى نوع من الاستعداد الموروث يتصل عادة بتفوق ظاهر في النواحي العقلية يدفعه إلى المغامرة والإقدام وحب الظهور، يقابله نوع من المقاومة تعرض على الفرد أيام طفولته المبكرة والمتأخرة، وكثيراً ما تقترن معاملته بالقسوة فينشأ الطفل ناقماً على المجتمع. وعندما تكتمل رجولته سرعان ما يعبر بشكل لا شعوري وبطرق شتى من الانحراف عما يخالج نفسه من نـزعات مكبوتة دون أي اعتبار للقيم والمعايير الأخلاقية.

وإذن فالصراع النفسي، صراع رهيب جبار، فشلت كل العلاجات في القضاء عليه، وهو سبب الكثير من الاضطرابات والأمراض النفسية التي تصيب الشخصية الإنسانية!

أجل وبكل يقين!!

فالمسيحية تعالج الصراع النفسي من جذوره. وتجتثه من أصوله فتنادي بضرورة الميلاد الثاني.... الميلاد من فوق... الميلاد من الروح القدس!!

والميلاد الثاني يعنى بخلق الإنسان من جديد، خلقه خليقة خالية من الأمراض العقلية والنفسية التي أصابت شخصيته بالانحلال والتدهور، وبدون الميلاد الثاني يبقى الإنسان في صراعه بائساً مسكيناً وحيداً يضارب الهواء، ولا يصل في صراعه إلى نجاح.

لقد قال ربنا له المجد لنيقوديموس "الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" يو 3: 3 "المولود من الجسد هو جسد والمولود من الروح هو روح" يو 3: 6.

وبهذه الكلمات أكد السيد المسيح له المجد أن رؤيا ملكوت الله متعذرة بدون الميلاد الثاني بل هي مستحيلة!!

وما هو ملكوت الله؟ يجيبنا الرسول بولس قائلاً "لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس" رو 14: 17.

فالميلاد الثاني هو وسيلة التمتع بالبر والسلام والفرح في الروح القدس.

وفي الإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، نرى الرب وهو يتعامل مع المرأة السامرية، وهي امرأة ذات ماض، امرأة منحلة الشخصية، يطاردها الإحساس بالإثم، غارقة في أوحال ونجاسة الأرض، اندفعت مع غرائزها بشكل رهيب، فكان لها خمسة أزواج والرجل الذي كان معها حين كانت تتحدث إلى المسيح لم يكن زوجاً شرعياً لها، ومع ذلك فقد تحدث السيد إلى هذه المرأة التي تعتبر من سقط المتاع، بحقائق ثمينة، فكلمها عن الماء الحي وأثار في قلبها الرغبة إلى الارتواء منه، وأكد لها أنها لن تشبع بملذاتها الجسدية أبداً، وناداها بالكلمات "كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية" يو 4: 13 و 14.

وإذ تطلب المرأة أن تشرب من هذا الماء يكشف لها الرب بطريقته الفذة الستار عن ماضيها، قائلاً لها "اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا" يو 4: 16.

إن أعظم محلل نفسي لا يستطيع أن يصل إلى غور النفس البشرية كما فعل ربنا المبارك، وبغير جدال أنه لكي يصل المحلل إلى اعتراف صريح من مريضه فإنه يحتاج إلى جلسات وجلسات، أما يسوع له المجد، فهو في دقائق قليلة بل في سرعة خاطفة يصل إلى هدفه، ويدفع المريضة المعذبة إلى الاعتراف دون أن يسئ إلى شخصيتها وكرامتها.

أصغ إلى الحديث الذي دار بينه وبينها:

المرأة السامرية: يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي.

المسيح له المجد: اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى هنا.

المرأة السامرية: ليس لي زوج.

المسيح له المجد: حسناً قلت ليس لي زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق.

المرأة السامرية: [تعترف] يا سيد أنك نبي.

وفي كلمات المرأة "يا سيد أرى أنك نبي" اعتراف أكيد بخطيتها، أنها قد سلمت أسلحتها، وكشفت النقاب عن خطيتها، واعترفت بماضيها الأسود البغيض، ويقول يوحنا الرسول "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" 1 يو 1: 9.

وقد نالت المرأة السامرية البركتين، بركة غفران الخطايا، وبركة التطهير من كل إثم.... لقد ولدت من جديد وصارت أهلاً لعبادة الله عبادة حقيقية كما قال السيد "يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لما لستم تعلمون. أما نحن فنسجد لما نعلم لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح الحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" يو 4: 21- 24.

أجل ولدت المرأة ذات الماضي ولادة جديدة.

ولدت من فوق.

ولدت من الله.

وأعلن لها السيد نفسه كالمسيا الآتي لخلاص العالم وقال لها "أنا الذي أكلمك هو" يو 4: 26.

فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس "هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح فخرجوا من المدينة وأتوا إليه" يو 4: 28- 30.

لقد صارت المرأة النجسة سيدة قديسة، وصارت مبشرة ناجحة أنهضت مدينة بأسرها.

ويقيناً أن فرح السماء قد ملأ قلبها، فالإنسان حين يولد من الله يختبر السعادة الحقيقية... إن قوة جديدة تخلق في حياته وتساعده في صراعه الجبار، ويغمره فرح عظيم حتى يختبر كلمات بطرس الرسول القائلة "الذي وإن لم تروه تحبونه. ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا ينطق به ومجيد" ا بط 1: 7 و 8.

حدثنا مسيحي غير معروف في كتاب له بهذه القصة، تقابلت فتاة ذكية كانت تحب العالم مع مس مارش، فحدثتها الأخيرة عن خلاص نفسها فقالت الفتاة المحبة للعالم لمس مارش "هل تريدين مني أن أترك كل شيء في العالم، أن أعطي كل شي ء.....؟" فأجابتها مس مارش قائلة: كلا بالتأكيد: إنني أطلب منك أن تأخذي كل شيء في المسيح يسوع.

وأول بركة ينالها المولود من الله هي بركة غفران الخطايا.

غفران الخطايا!

إن هذه البركة وحدها هي نبع لا ينضب من ينابيع السعادة، كتب ملك من الملوك العظام، أغنية فرح عميقة المعاني، كان هذا الملك قد أخطا ضد الله، وضد التاج، وضد الشعب، وضد الضمير، وضد أوريا الحثي، وضد امرأة أوريا الحثي، ولكنه تاب توبة صادقة ورجع إلى الله... كان أعظم ملوك أيامه، وكان يملك كل شيء يمكن أن يجعل الإنسان سعيداً. قصر عظيم... غنى عظيم... جيش عظيم.. هدوء واستقرار من كل وجه، ولكنه في أغنية الفرح التي كتبها، لم يقل "سعيد هو الرجل الغني" ولم يقل "سعيد هو الملك المحبوب من شعبه" كلا: بل كتب قائلاً "طوبى [أي سعادة] للذي غفر إثمه وسترت خطيته. طوبى [أي سعادة] لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غش" مز 32: 1 و 2.

وكل من ينال بركة الغفران لا بد أن يرنم من قلب سعيد فرحان لأن الله غفر إثمه وستر خطيته.

إن الميلاد الثاني ليس معناه قلب صفحة جديدة بل معناه الخليقة الجديدة كما يقول بولس للكورنثيين "إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هو ذا الكل قد صار جديداً" 2 كو 5: 17.

إن معناه أن يولد الإنسان من الله في أسرة الله، لقد كان نيقوديموس إنساناً، وكان فريسياً مدققاً، وكان رئيساً لليهود، وكان معلماً لإسرائيل، وكان باحثاً عن الحق، ولكنه احتاج أن يولد من الله... أن يولد من كلمة الله التي أشير إليها في حديث المسيح بالماء، كما يقول يعقوب الرسول "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" يعقوب 1: 18 وكما يقول بطرس الرسول "مولدين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد" 1 بط 1: 23.

أجل إن يولد الإنسان من كلمة الله بعمل روح الله

والله لا يغفر لي خطاياي فقط حينما أقبل المسيح مخلصاً ولكن روح الله يسكن فيّ، يمتلكني، ويمتلك قلبي، وحياتي، وعواطفي، ورغباتي، يسوع المسيح يسكن فيّ بروحه القدوس.

هذا شيء عجيب وحلو!

لقد قال ربنا لتلاميذه "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. لا أترككم يتامى. إني آتي إليكم... في ذلك اليوم تعلمون إني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم" يو 14: 16- 20.

هذا هو السر العظيم لسعادة المسيحي، إنه يحمل في جسده سمات الرب يسوع المسيح غلا 6: 17 وروح الله نفسه يسكن فيه.

إن هناك كثيرين قد ولدوا من الله، لكن حياتهم حياة العلو والهبوط، إنهم كثيراً ما يسقطون، إنهم مسيحيون مرضى، ضعفاء... وبدلاً من أن يكونوا جنوداً للسيد نراهم مرضى في مستشفى الروح، وهم لا يستمتعون إلا بفرح قليل في الرب، وربما لا فرح عندهم، ولذا فهم يلجأون للبحث عن السعادة في المسرات العالمية.

ولكن لكي تكون مسيحياً سعيداً، وتستمتع بفرح الرب، فيجب أن تكون دائم الإحساس بسكنى الرب يسوع المسيح في قلبك. إنه لا يزرع الفرح في قلبك. إنه هو نفسه الساكن فيك، ينبوع سلامك وسعادتك وفرحك.

إن المسيحي المولود من الله يحب الأشياء التي يحبها الله، ويرغب في الأشياء التي يرغب فيها الله، ويكره الأشياء التي يكرهها الله. إنه لا يستطيع أن يخطئ وهو مرتاح القلب، بل يحس بالتعاسة والشقاء حين يخطئ.

إن سعادته القصوى في إرضاء مخلصه الذي فداه. إن المسيحي المولود من الله يرضى بمشيئة الله مهما كانت صعبة بالنسبة إليه.

حدثنا كاتب جليل بهذه القصة: كان الأخ "ساند" يزور مدينة لندن ويرى الأشياء الغريبة التي كان يسمع عنها وهو صغير، وكان يتكلم مع الناس عن الرب يسوع المسيح مخلص الخطاة وفي أحد الأيام زار مدرسة غريبة. تلاميذها كلهم من الصم البكم [الذين لا يسمعون ولا يتكلمون] ولما دخل الأخ "ساند" تلك المدرسة أشار إلى ولد صغير ليأتي إلى السبورة وكتب له هذا السؤال:

-من خلق الأرض؟

وأعطى الطباشير للولد فكتب:

-في البدء خلق الله السموات والأرض.

ثم كتب له السؤال الثاني:

-لماذا جاء المسيح إلى العالم؟

فلمع وجه الولد بالسعادة عندما كتب هذه الإجابة:

-"صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول. إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة" 1 تي 1: 15.

وقد سر الأخ "ساند" من إجابة الولد، فكتب له السؤال الثالث:

-لماذا أنت مولود أصم وأبكم بينما أنا أستطيع أن أسمع وأتكلم؟

فكتب الولد العزيز بسرعة:

-"نعم أيها الأب لأن هكذا صارت المسرة أمامك" مت 11: 26 بعد ذلك سالت دموع الأخ "ساند" فمسحها وهو ينظر مسروراً إلى هذا الولد الذي يفيض وجهه بالفرح والسعادة، والذي يسلم لمشيئة الله بفرح وسرور.

وكل مسيحي مولود من الله يجب أن يسلم هكذا لمشيئة الله:

من بين القصص المؤثرة التي قرأتها في مجلة كبرى هذه القصة الرائعة: "دام زواجهما عشرين عاماً، دون أن ينعم الله عليهما بمولود، ولهذا كان فرح الزوجين عظيماً حين علما أن جنيناً في طريقه إليهما.

وجاء يوم الوضع، ولشد ما تألم قلب الطبيب حين وجد أن الطفلة بذراع واحدة، وإن الذراع الأخرى اقتصرت على نصف ذراع ينتهي بكتلة من اللحم. ولم يجد الطبيب مفراً من أن يخبر الزوج بهذا النبأ السيئ، وعرض عليه أن يقوم هو- الطبيب- بإخبار الزوجة بالأمر، غير أن الزوج أسرع وقال:

- كلا، فأنا الذي يجب أن أنقل إليها هذا النبأ.

ودخلا معاً، والطبيب يحمل الطفلة، ووضعها إلى جانب أمها على الفراش الذي كانت راقدة عليه، فراحت الأم تتحسس وجهها بأصابع الأم الرءوم ثم نظرت إلى زوجها وقالت:

- إنها رائعة؟ أليست كذلك؟

غير أن شيئاً في عيني زوجها أنذرها وأوقفها عن إتمام الحديث، وفي بطء راحت ترفع الغطاء عن الطفلة حتى رأت تلك الذراع المشوهة، فأدارت وجهها إلى زوجها ثانية وقالت في هدوء وفي رقة!

- إن شاء الله المحب يعلم أين يرسل هذه الطفلة. إنه يعلم مبلغ حاجتنا إليها، ومبلغ حاجتها إلينا، ولذا فقد أرسلها لنا هكذا لنسبغ عليها عنايتنا ومحبتنا وعواطفنا. وتلاشى الألم من عيني الزوج حين رأى كيف تلقت زوجته هذه الصدمة.

لقد تلقتها بالإيمان بالله. وبالتسليم الكامل لمشيئة الله. والإيمان بالله هو ترياق الهموم، هو سر السعادة في هذه الأرض.

أما الحيل اللاشعورية كالتبرير، والإسقاط، والتقمص، وانعدام الترابط، والكبت، والإبدال!! فهي لا تستطيع أن تعالج النفسية المريضة، أو توقف الصراع الدائر في الحياة النفسية الداخلية أو تحمي الإنسان من الأمراض النفسية والعقلية.