الحياة المسيحية

الفصل التاسع: للرب الخلاص

القسم: قصد الله والحياة المسيحية.

عندما قال يونان النبي "للرب الخلاص" (يونان 9:2) لم يكن الوحيد الذي قال ذلك، إذ أنه تصريح نابع من صميم الكتاب المقدس. وهناك إجماع بين علماء الكتاب المقدس في كل العالم على أن تلك حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان. لقد كتب أولئك العلماء فبيّنوا، الواحد بعد الأخر، أن الكتاب المقدس باستمرار يصور الخلاص الحقيقي نابعاً من الله (1)، وأنه يجيء نتيجة لعمل الله (2)، وإن نعمة الله هي التي بدأت به، وهي التي تبحث عن الإنسان وتعمل على جعله يستجيب ويقبل نعمة الله المقدمة من قبل(3). هذه الحقيقة تقف في الوسط في مكان نقطة الدائرة من تعاليم كلا العهد القديم والعهد الجديد، حتى أننا لسنا في حاجة ألا إلى النظر في بعض المقاطع التي تعلّم هذه الحقيقة. "أليس أنا الرب ولا اله آخر غيري؟ اله بار ومخلّص، ليس سواي. التفتوا إليّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر" (أشعياء 21:45-22). وكاتب المزمور103 يدعو نفسه لتبارك الرب، ويقول عنه تعالى أنه يغفر الذنوب ويشفي الأمراض ويفدي الحياة ويكلل نفس المؤمن بالرحمة والرأفة ويشبع العمر بالخير (1:103-5). يصر بولس على أن الله هو الذي باركنا بكل بركة روحية (أفسس1:3)، ويقول بطرس أن الله هو الذي ولدنا ثانية لرجاء حي (بطرس1:3). وهكذا حيثما نظر المرء في كلا العهد القديم والعهد الجديد يشاهد أنوار مجد الله مخلص البشر وفاديهم ومعينهم تشعّ ساطعة صافية.

هذه الحقيقة أكيدة لا تحتاج لمن يدافع عنها، لكنها تحتاج إلى المزيد من التوضيح، إننا نعجز عن إدراك المعنى الكامل لنعمة الله ألا إذا أمعنّا النظر في الخلاص بكل تفاصيله. ولا بد من القول أن الخلاص لا يجيء نتيجة لتدبير عام يقوم به الله حيث يتعاون الإنسان المخلَّص ويشترك بهذا العمل بقوته الذاتية. لا، بل الخلاص بكليته هو عمل الله في قلب الإنسان. يشدد العهد الجديد باستمرار على أن الإنسان لا يساهم أبداً بشيء في أمر خلاصه. إن هذا ناتج عن حالة الخطية التامة التي يعيش فيها الإنسان وهي الحقيقة التي لمّح إليها يسوع (لوقا11:13) وصرّحت بها آيات كثيرة في الكتاب المقدس. يصر بولس على أن "الجميع اخطئوا وأعوزهم مجد الله" (رومية3:23). وإن وصفه لحال الإنسان غير الحاصل على الخلاص في أفسس 2: 1-12 لا يكاد يصدّق. يصف بولس الخطاة بأنهم أموات بالذنوب والخطايا (الآية1)، وأنهم تحت سلطان الشيطان (الآية 2)، وأنهم بالطبيعة أبناء الغضب (الآية3)، وبلا رجاء وبلا اله في العالم (الآية12). إن القصد من هذا المقطع من رسالة أفسس وما فيه من صورة مظلمة لخطية الإنسان هو إبراز الحقيقة القائلة "بالنعمة انتم مخلّصون" (الآية 8). يقول بولس، في الواقع، إن الإنسان مادام قد أخطأ ضد الله فليس لديه أي استحقاق يستطيع بموجبه أن يطالب بالعون من الله، ومادام ميتاً بالخطايا فلا قوة لديه ليحطم بها قبضة الخطية التي تسيطر على حياته.

الخلاص، إذن، من الرب، وأكثر من ذلك، هو بنعمة الله. النعمة هي الكلمة التي وردت في العهد الجديد لتصف كل ما يصنعه الله لخير إنسان لا استحقاق له ولا فضل. يقول بولس بإصرار "بالنعمة أنتم مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم- هو عطية الله ، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (افسس8:2-9). إنه يقول أن مصدر الخلاص هو الله وليس الإنسان، وأن وسيلة الخلاص ليست الأعمال بل الخضوع لله في الإيمان. هذا هو التشديد الدائم الذي قام به بولس وأصرّ عليه. يعود المجد كلياً في الخلاص لله وحده دون الإنسان. لا يستطيع الإنسان بأي حال أن يفتخر من هذه الناحية. وإن بولس ليؤكد ويصر على هذه الحقيقة بكل صراحة ووضوح (انظر رومية 2:3، واكورنثوس29:1، وغلاطية14:6، وفيلبي3:2، وتيطس4:3-5، وغيرها).

ليست عقيدة الخلاص بالنعمة مجرد فكرة بولسيّة، على الرغم من ورودها بأوضح عبارة في كتابات بولس. ويشير جيمس موفات إلى أن كلمة "النعمة" لم ترد قط على لسان المسيح في البشائر الأربع، لكن هذه البشائر تظهر أن فكرة النعمة كانت ضمناً موجودة في مهمته وفي اعتقاده بأن تلك المهمة كانت أن يتمم قصد الله، وفي صراعه مع ديانة الأعمال التي شاعت بين الناس في أيامه، وفي يقينه واقتناعه بأن "حكم الله" أو ملكوته لا بد أن يظهر عن طريق رسالته ومهمته. ولقد بين يسوع، في إجابته عن سؤال الشاب الغني، إن "الحياة الأبدية" لا يمكن أن تعطى كجزاء لإطاعة الناموس، ولكنها عطية الله التي يمنحها للمكرسين تكريساً تاماً (مرقس13:10-22). وعندما اندهش تلاميذه إذ سمعوا تصريحه بأن من العسير أن يخلص الأغنياء سألوه: "من يستطيع أن يخلص؟" فأجابهم: "عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيء مستطاع عند الله" (مرقس 27، 26:10). ويعقوب يردد صدى تعليم يسوع وتشديد بولس إذ يقول: "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" (يعقوب17:1).

ليس في ما يؤول لخلاص الإنسان ما يمكن أن يعزى آخر الأمر للجهد البشري أو لإنتاج الإنسان. صحيح أن الإنسان من ناحيته يقوم بتسلّم الخلاص، وأنه يتجاوب مع نعمة الله، ويفعل هذا كله حراً مختاراً، إذ أن الله لا يرغمه على قبول الخلاص. غير أن خلاصه يجيء نتيجة لعمل الإله المنعم الكريم، الذي، على الرغم من خطية الإنسان وعدم استحقاقه، يعمل في قلبه ليسبب خلاصه، ويهيئ بتدبير رحمته وعنايته الظرف الملائم لإتمام ذلك. من أجل هذا يصدق القول أن الإنسان إذا أصبح مخلصاً فبنعمة الله. وهذا ثابت إذا ما اعتبرنا العناصر الضرورية المعتادة لخلاص الإنسان، وهي كما يلي:

أولاً، الله هو الذي يقوم بإرسال من يكرز بالإنجيل، وهو الذي يثير في الإنسان الذي يسمع البشارة الشعور بحاجته، ويوجهه ليجد العلاج الذي تحتاج إليه نفسه. إن عمل الشهادة للإنجيل هو عمل الله وليس عمل الإنسان. يقول بولس: "إن إنجيلنا لم يَصِر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضا وبالروح القدس وبيقين شديد" (1تسالونيكي5:1). جاء في سفر الأعمال أن المسيحيين في يوم الخمسين تكلموا "كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (اعمال4:2). لقد تكلم الكارزون والوعاظ في العهد الجديد ولهم اليقين بأن رسالتهم كانت "كلمة الله" شأنهم في ذلك شأن الأنبياء في الأزمنة القديمة. ومادام الناس لا يقدرون أن يؤمنوا إن لم يسمعوا، ولا يقدرون أن يسمعوا كلمة الله إن لم يأتهم من يكرز لهم بها (رومية14:10)، لذلك كانت الكرازة بالإنجيل عنصراً جوهرياً في خلاص الإنسان. إن من ينظر إلى هذا الأمر نظرة سطحية قد يرى أن الجهد البشري هنا يسهم في خلاص الإنسان. لكن هذا غير صحيح بدليل أن العهد الجديد يشدد على أن مثل هذه الكرازة أو الشهادة هو في الحقيقة عمل الله وإن كان يعمل من قبل الناس.

ثانياً، إن تقديم الشهادة ليس فقط عمل الله بل إنه ينال المساندة من قوته لكي تكون الشهادة فعّالة. بل إن الشاهد للمسيح، وإن كان يعمل بإرشاد الروح، لا يقدر أن يغيّر قلب الإنسان دون أن تكون شهادته مصحوبة بعمل الله في قلب السامع ليثير فيه تبكيتاً على الخطيّة ورغبة في أن ينال الخلاص، . صرّح يسوع بإصرار: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب" (يوحنا 6: 44). لقد وعد تلاميذه أنه بعد أن يتمجد يرسل الروح إليهم الذي "يبكّت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة" (يوحنا8:16)، وقد تحقّق هذا الوعد لأول مرة في يوم الخمسين. إن ما جاء في سفر الأعمال عن إحداث ذلك اليوم يضيء بنور أخّاذ إذ يروي ما قام به روح الله من أعمال متلاحقة. فقد جاء الروح إلى الكنيسة أولاً فملأ كل مؤمن بالقوة (أعمال 2: 4). بعد ذلك تكلم كلّ منهم كما ألهمه الروح القدس (أعمال 2: 4). وكانت عظة بطرس مثالاً لما يعظ به المسيحيون. وجاء في ختام تلك العظة إنّ الذين سمعوها "نُخسوا في قلوبهم" (أعمال 2: 37)، وهذا يعبّر، حسبما يظهر، عن عمل الروح القدس في قلوب السامعين. وتجيء في آخر ذلك الفصل من السفر عبارة تصف باختصار النجاح الأول الذي حقّقته الكنيسة عندما اجتذبت مهتدين جدداً إلى الإيمان، وهي إن الرب "كان...كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أعمال 2: 47)، الأمر الذي يشير إلى قوة الله بوصفها القوة الفعّالة في التبشير بالإنجيل. ويعيد كاتب رسالة العبرانيين إلى الأذهان كيفية انتقال الإنجيل من الرب يسوع إلى الجيل الأول من المسيحيين فيقول عن الخلاص إنه "قد ابتدأ الرب بالتكلّم به، ثم تثبّت لنا من الذين سمعوا شاهدا الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوّعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته" (عبرانيين 2: 3- 4). إن شهادة العهد الجديد كلها من هذه الناحية هي أن قوة الله التي ترافق الوعظ بالإنجيل وتقديم المسيحي شهادته للمسيح هي التي تجعل ذلك الوعظ وتلك الشهادة فعّالين في قلوب الذين يسمعون.

ثالثاً، يخلق الله الإيمان الذي يجعل من الممكن قبول الخلاص. يتكلم البعض عن الإيمان كما لو كان، كليّاً، عمل الإنسان واستجابته هو لدعوة الخلاص دون أي عون من أحد. ليست هذه فكرة العهد الجديد، ولا هي حقيقة الإيمان. صحيح إن الإيمان عمل يعمله الإنسان وإنه استجابة كل كيانه لقبول عطية نعمة الله ولكنه، كما يقول الدكتور كونر، "ليس عملاً يعمله الإنسان بقوته هو، بل يعمله بمعونة الله" (6). يقدّم بولس الرأي ذاته في تصريحه المعروف عن الخلاص "لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله" (أفسس 2: 8). تقول هذه الآية ليس الخلاص وحده عطية الله بل الإيمان، الذي هو وسيلة قبول ذلك الخلاص، هو أيضاً عطية الله. وإن بولس في استعماله كلمات مثل "دعانا" و"مدعوين" في رسائله إنما يشدّد على أن الإيمان هو بذاته عطية الله ، إذ أنه عبارة عن عمل الله في القلب البشري. يتتبّع بولس في مقطع واحد امتداد خلاص الإنسان الرائع من الأزل إلى الأبد مستخدماً خمس كلمات إذ يقول إن الله سبق فعرف المؤمنين، وعيّنهم، ودعاهم، وبرّرهم، ومجّدهم (رومية 8: 29- 30). وقوله "دعاهم" يجيء في وسط برنامج الخلاص هذا. إن كلمة "دعا" ذاتها قد تشير إلى دعوة عامة يستطيع كل فرد أن يلبيّها إذا شاء. لكن بولس في الواقع لم يستخدم الكلمة قط بهذا المعنى، فقد كانت دائماً تعني "دعوة فعالة" (7). إنها تبيّن إن الله يضيف إلى الدعوة الخارجية "عنصراً جوهرياً ثابتاً هو شعور متجاوب داخلي يتكوّن مباشرة لدى اتصال النفس بالله" (8). يقول هذا الرأي، بكلمة أخرى، إن قوة الله وحدها هي التي تمكّن الإنسان الخاطئ من أن يؤمن بالمسيح وأن يقبل الخلاص الذي يقدّمه الله له.

رابعاً، يخلّص الله الإنسان الخاطئ عندما يستجيب هذا الخاطئ للنعمة. هذه حقيقة وردت كثيراً وبوضوح في العهد الجديد حتى أننا لا نكاد نحتاج أن نذكرها. إن الكلمات التي يقصد بها تفسير ما يجري للإنسان في اختبار الخلاص تشير كلها إلى هذه الحقيقة وهي أن الخلاص هو عمل الله في القلب البشري. إن هذه الكلمات، وهي تصف اختبار الخلاص، تبين باستمرار أن الله هو الذي يعمل الخلاص، وإن الإنسان هو الذي ينفّذ فيه هذا العمل. يقول العهد الجديد أن الإنسان، عندما يقبل المسيح ربّاً على حياته، يولد ولادة جديدة، وتغفر خطاياه، ويتبرّر، ويتصالح مع الله، ويتقدّس. يبيّن جميع كتّاب العهد الجديد، بلا استثناء، إن هذا الاختبار يحدث نتيجة لعمل الله الفعّال في القلب البشري. فإن الله هو الذي يغفر للإنسان الخاطئ خطاياه، ويبرّره، ويصالحه، ويقدّسه، ويجدّده، وهكذا يصيّره ابناً لله.

خامساً، الله هو العامل، لا في إنشاء اختبار الخلاص وحسب، بل أيضاً في مساندة المسيحي في علاقته بالله. فقد حثّ بولس المؤمنين في فيلبي في رسالته إليهم على أن يتمّموا خلاصهم بخوف واهتمام إذ أنّ الله هو الذي يعمل فيهم، سواء في رغبتهم أو في إتمامهم مشيئته (فيلبي 2: 12- 13). ويقول بطرس لقرّاء رسالته الأولى أنهم "بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن في الزمان الأخير" (1بطرس 1: 5). واعتبر يسوع أن السبب الفعّال الذي بفضله لا يمكن أن تهلك خرافه هو أنها محفوظة في يد الآب، "ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي" (يوحنا 10: 28 – 29). وعبّر بولس عن ثقته المؤكدة عندما قال: "لأنني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم" (2تيموثاوس 1: 12). لا يعني هذا أن المسيحي المؤمن بالمسيح محفوظ على أي حال ، وسواء بذل جهداً أم لم يبذل، بل أنه يعني أن قوة الله هي التي تمكّنه من أن يعيش أميناً للمسيح طوال حياته. هذا هو الأساس الذي إليه يستند المؤمن في تأكّده من أن الله، لا يخلّص أولاده وحسب، بل يحفظهم أيضاً في هذا الخلاص.

وهكذا نجد أن عملية خلاص الإنسان بكاملها تعود نهائياً إلى نعمة الله وتعتمد كلياً على هذه النعمة. فالإنسان يخلص بنعمة الله وبها وحدها. إن هذه الفكرة قد تثير مشكلة بالنسبة لنا. ربما نتساءل: هل النعمة تعني أن يكون المؤمن سلبياً كليّاً، وأنه لا يعمل من جانبه أي شيء تجاه اختبار الخلاص؟ لا. إذن، ما الذي تعنيه النعمة؟ قد يكون الجواب على هذا السؤال في التمييز بين "العمل" وبين "التصرّف". لكن التمييز بين الكلمتين أمر صعب، فنحن عادة ننظر إلى "الأعمال" كنتيجة لا بدّ منها "للتصرّفات". إن هذا، على أي حال، يندر أن يصدق في الشؤون العادية، ولا يصدق أبداً في الشؤون الروحية.

لنأخذ مثلاً من حياة الفلاح، فهو "يتصرّف" عندما يقوم بتحضير الأرض وزرع البذار، لكن كثرة الغلال تعتمد على عوامل لا يسيطر عليها الفلاح – مثل خصب الأرض ونزول المطر وإشراق الشمس. صحيح أنه لا تأتي أية غلّة من الأرض دون أن يقوم الفلاح بما يتوجب عليه، لكن مجيء الغلة في الواقع لا يعتمد على ما يفعله الفلاح بقدر ما يعتمد على عوامل أخرى. كذلك عندما يشخّص الطبيب المرض، ويصف الدواء أو يُجري عملية جراحية، فإن تلك ليست هي التي تشفي. يجيء الشفاء نتيجة لعوامل أخرى – يجيء نتيجة لقوة طبيعية التي هي في الحقيقة قوة الله. لا يكاد يوجد شيء يفعله الإنسان وحده دون أن يستعين على فعله بأسباب خارجية تُسهم في إنجاح الفعل والحصول على النتائج. يتمكّن الطالب من التعلّم بالمساعدة التي يُسديها إليه المعلم، ويتمكن رجل الأعمال من تحصيل الأرباح بالاعتماد على المجتمع الذي يتعامل معه، وينجح السياسي بالاعتماد على وطنه ومواطنيه.

أما عمل الله في القلب البشري فيفوق كل ما يعمله البشر. يستطيع الإنسان في الأمور العادية أن يضع أهمية كبيرة على الإسهام الذي يسهمه لإخراج النتيجة النهائية لأعماله، ويظن أنه بذلك الإسهام كان، في ذاته ومن ذاته، العامل الذي أدّى إلى النتيجة. لا يقدر أن يعزو ذلك الاختبار إلى شيء معيّن في نفسه أو إلى أي عمل قام هو به. إن كل شيء يعتمد على نعمة الله. الإنسان لا يسهم بشيء في أمر خلاصه. ليس هناك أي إسهام يجيء من مصدر بشري ويمكن أن يُعزى إليه الخلاص، فالخلاص بكليته من نعمة الله. لكن مع هذا يعمل الإنسان عندما يقبل الخلاص. لا يجوز بأي حال اعتبار الإنسان مجرّد طينة يعمل بها الفخاري ما يشاء دون إرادتها. فإن الإنسان، على الرغم من أنه موضوع عمل الله، يظل له ما يعمله باختباره قوة الله.

إننا نعترف أن هذا لغز لا يمكن تفسيره. إن ما يعنيه، أساسياً، هو أن الإنسان، في إنجازه أيّة نتيجة روحية حقيقية، لا يعمل مستقلاً عن الله. فإن الله هو الذي يقوم بالمبادرة في كل أعمال الإنسان الخيّرة، وقوة الله هي التي، إذ تسيطر على كيان الإنسان وتسكن فيه، تمكّن هذا الإنسان من العمل بطريقة روحية ظاهرة وهامّة.

ربما نستعين على فهم اللغز باستخدام مثل. يقول لنا بولس: "كذلك الروح أيضاً يعين ضعفاتنا لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها" (رومية 8: 26). إن الكلمة المترجمة "يعين" تعني في الأصل "أن يحمل شخص شيئاً بدلاً من، أو بالاشتراك مع، شخص آخر، " وذلك يعني" أن يعين الشخص المذكور." يمكن إيضاح الأسلوب الذي به يساعد الروح القدس الإنسان المسيحي أو المؤمن في ضعفه باتخاذ اختبار الصلاة مثالاً. يصلي الإنسان ، لكنه يحس أنه لا يعرف كيف يصلي كما ينبغي. وبينما يجاهد لتكون له شركة روحية مع الله يصبح عنده اليقين بوجود قوة الله في قلبه تدفع قوى تمييزه وتوجّهها إلى أبعد مما يمكن بالشكل الطبيعي. فيجد نفسه ينطق بأنّات لا ينطق بها. من الذي يصعّد إلى الله تلك الأنات، الإنسان أم الروح القدس ؟ الاثنان معاً. لا يعمل الإنسان مستقلاً عن الروح، إنه لا يقدر على ذلك. الروح أيضاً لا يعمل مستقلاً عن الإنسان.

يمكن أن يقال الشيء ذاته بشأن كل عمل روحي بارز يقوم به المسيحي المؤمن. فإنه عندما يواجه التجربة وينتصر عليها يحس بأن حضور الله وقوة الله هما اللذان مكّناه من الانتصار. إنه يصيح "شكراً لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين" (2 كورنثوس2 :14). تهبّ في وجه هذا المؤمن العواصف وتجابهه صعوبات الحياة فيشعر بعجزه عن الصمود، ولكنه يعرف في الوقت ذاته أنّ "كل الأشياء مستطاعه لي وأنا متّحد بالمسيح الذي يقوّيني" (فيلبي 4 :13 الآية من ترجمة المؤلف). وعندما يواجه مهمّة الشهادة لعالم هالك عن نعمة الله يقول "نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله" (2كورنثوس 5: 20). أن هذا ليدلّ على أنه من الممكن أن يكون العمل عمل الإنسان، لكن يقال، في الوقت ذاته، عن نتيجة ذلك العمل أنها عمل الله.

يعلّم العهد الجديد أن الخلاص هو بالنعمة وأنه بكلّيته عمل محبة الله، وسواء فهمنا ذلك أم لم نفهمه فأنه الحقيقة. لقد أنشأ الله الخلاص وهو الذي يتممه. إنه المخلص. وإذا عدنا بأفكارنا إلى الماضي وراجعنا تاريخ حياتنا الروحي فلن نجد في خلاصنا عاملاً واحداً كان مصدره الإنسان. هذه هي الفكرة المركزيّة في الكتاب المقدس عندما يتكلم عن خلاص الإنسان.ه.

أضف تعليق


قرأت لك

معركتي مع التجربة

الإنسان بطبيعته يميل لكي يلقي اللوم على الغير في كل ما يصيبه من أزمات ومشاكل وصعوبات وتجارب في هذه الحياة، وأول من يطلق السهم عليه في هذه الظروف هو الله. "حتى متى يا ربّ

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة