الحياة المسيحية

الفصل 7

القسم: مجموعة تالوس القصصية.

في ذلك المساء راح تالوس يتمشّى وحيداً بجانب النهر ويصلِّي إلى الله ليساعده على توصيل كلام المسيح إلى الفانداليين. وحدث أن اثنين من الفانداليين كانا قد اختبأا بالقرب منه بين القصب. وفجأة وقفا أمامه وطرحا شبكة مُحكمة التصويب عليه. فحاول تالوس أن يتفاداها ويهرب ولكن سبق السيف العذل- فقد وقع في الشرك ولم تَزِده محاولاته الأولى إلا تورطاً.

قال أطول الفانداليين بخبث: "لم يسبق لي أن أحكمت الشرك كهذه المرة".

فأجاب الآخر مسروراً- وهو رئيس عصابة وقد ابتهج لمرأى الأسير مُمدّداً فوق العشب. قال: "ولا سبق لنا أن التقطنا صيداً مرغوباً فيه كهذا".

وعلماً منه بأن آسريه هما من الفانداليين, لم يحاول تالوس الاستغاثة- على الرغم من الوحشية التي لَقيَها حين حملاه هو والشبكة معاً على أكتافهما وطرحاه كحزمة واحدة في قارب كان يرسو قريباً منهما. فقد علم أنه سيدخل الآن أرض دون عصيان منه لأمر القائد الروماني!

استقبلهم على الضفة الأخرى جمهور كبير من المحاربين الفانداليين, وكان معظمهم شاهراً سيفه. فحملوا تالوس إلى قريتهم القريبة على ضوء المشاعل. وهناك قدموا له فراشاً خشناً في العراء حيث قضى الليل يتقلب عليه.

في صباح اليوم التالي أُخذ تالوس إلى زعيم القرية. ولعب غرث الجاسوس دور المترجم, فابتدأ يقول:

"يريد الزعيم أن يسمع عن هذا الملكوت الذي تنادي به".

فأجاب تالوس بشوق- لاسيما وأنه عرف أنهم لا يقصدون به شراً ولو إلى حين- "سأخبره بسرور عن ملكوت الله".

خلال هذا الوقت لم يترك أورفيوس مكاناً في الحصن الروماني إلا وفتش فيه عن تالوس.

وأخيراً قال للاني: "لم أجِدهُ في أي مكان. وبالتأكيد لا يمكن أن يكون قد اجتاز النهر في الليل دون أن يطلعنا على الأمر أولاً".

فقالت لاني بشيء من الشك: "أيعقل أن يكون الرومان قد أسروه ليمنعوه عن العبور. أنا أعلم أن القائد لم يأذن له بذلك".

كانت لاني وأبوها قد تعلّقا بصديقيهما, وبدا الآن أن الجميع كانوا قلقين بعض الشيء على تالوس.

فردّ وورث من مكان قريب- حيث كان يطعم بوران: "إن كانوا قد فعلوا فلن يعترفوا بالأمر". وأضاف: "لعلّ من الملائم أن تُقابلا القائد نفسه, فقد يكون أكثر عوناً لكما".

وبناء على نصيحة وورث قامت لاني وأورفيوس بمقابلة القائد الروماني. بيد أن الخبر لم يسرّ الضابط على الإطلاق. فقال غاضباً:

"ماذا؟ إنه مفقود وتتهماني بإخفائه؟".

أجابه أورفيوس معتذراً: "لسنا نتهمك يا سيدي. ولكننا نسألك إن كنت تعرف شيئاً عن مكان وجوده".

فقال القائد بحزم: "لا أعلم. وإن كان قد اجتاز إلى منطقة الفاندال بعكس أوامري فسألقي عليه القبض وسأرسله مقيّداً بالسلاسل إلى رومية. وستلقيان المصير نفسه إن أنتما ضايقتمانني ثانية".

وما إن فاه بهذه الكلمات حتى طردهما من أمامه فعادا حزينين إلى خيمتهما.

قالت لاني- وقد ازدادت الآن حيرة وقلقاً على سلامة تالوس: "ليس من المعقول أن يهرب تالوس دون أن يطلعك على مخططاته".

وأورفيوس أيضاً بدأ يحتار في ما إن كان تالوس قد تورّط في مشكلة ما. فقال للاني لدى رجوعهما إلى أبيها خارج الحصن: "أظنك على صواب. وأعتقد أنه من المستحسن أن تعودي أنت وأبوك إلى تلك القرية التي أنقذ فيها تالوس دبّك. وابقيا هناك إلى أن تصلكما رسالة مني".

وبينما كان تالوس يشرح عبر النهر الأمور المختصة بملكوت الله إلى الزعيم وجماعة من المحاربين, كان غرث يترجم. وفي أثناء الترجمة قال مؤنباً تالوس على سرعته وحماسته: "لا تسرع هكذا, فعليّ أن أترجم كلامك".

وأصغى الفانداليون طويلاً وبكل انتباه. ثم فجأة هبّ الزعيم ورجال حربه واقفين وشرعوا يصيحون ويلوّحون بعنف بأسلحتهم.

وهنا سأل تالوس غرث, وقد أذهلته ردة الفعل, بل أحسّ بارتعاد فرائصه: "ماذا نقلت إليهم عن لساني؟".

ما قلته لي بالضبط- على قدر ما استطعت أن أترجم- إن الذين يتبعونك لن يموتوا وإن جمهوراً كبيراً سينضم إلينا ويدمّر رومية و...".

"كفى. كفى. يا إلهي, ماذا فعلت؟". قال تالوس هذا وأخفى وجهه بين يديه, فيما ابتعد عن الجمهور الهائج وهو في حيرة مما يمكن أن يكون قد أثارهم إلى هذا الحد. وقال في نفسه:

"حاولت أن أخبرهم عن قيادة يسوع لهم- عن الحياة الأبدية- وإن الله سيقضي على الشر. ولكنهم أساءوا فهم كلامي كلياً... يا إلهي أرني كيف يمكنني أن أزيل ما أحدثته من ضَرَر". قال هذا وجلس لوحده, فيما أخذ المحاربون يرقصون حول النار بشكل مسعور, وكانت أصواتهم تتردد في مسمعه وهو جالس مستغرق في التفكير. لم يكن تالوس يراقبهم ولكن بدا أنهم يرقصون رقصة الحرب القبلية وسادت حركاتهم وأصواتهم نغمة الانتصار.

ودام الاحتفال وقتاً طويلاً عاد أثناءه تالوس إلى كوخه. وفجأة...! جاء صوت هامس مألوف من الغابة القريبة من الكوخ:

"هِست, تالوس! عَلِمتُ أني سأجدك".

"أورفيوس! كيف وصلت إلى هنا؟".

فأجاب بلهجة المنتصر: "طبعاً, سباحة. نحن اليونانيين, كما تعلم, نصفنا سمك! وهؤلاء الفاندال منهمكون الآن بالصراخ والرقص لدرجة أن الجيش الروماني كله كان ممكناً أن يعبر النهر دون أن يحسوا به".

"كان يجب ألا تخاطر بنفسك, ولو أنني مسرور بأنك فعلت. إنني في ورطة كبيرة".

وشرح تالوس مشكلته لأورفيوس الذي بدا على وجهه التعجب والدهشة. قال: "كان من الضروري أن أكون أكثر حكمة فلا أخبرهم عن المسيح قبل أن أتعرّف لغتهم".

أجابه أورفيوس مشاطراً: "لا تَلُم نفسك يا تالوس. فللناس طريقتهم في تحوير الكلام بما يتفق وخيالهم, بصرف النظر عن اللغة".

وما عادا شاهدا الفانداليين تلك الليلة, مع العلم أن احتفالهم الصاخب بقي يُسمع ساعات طوال. وأوى تالوس وأورفيوس إلى فراشهما وبقيا يتقلبان طيلة الليل إلى أن نهضا في الصباح الباكر وسرعان ما اكتُشف أمر أورفيوس, لدهشة الفانداليين الكبرى. قال أحدهم:

"تعال! يجب أن يكون الغريب واحداً من الجماعة التي ستنضم إلينا في المعركة. إنها علامة لنا, فالوقت قد حان. فأرسلوا عدّائين إلى جميع القبائل لتجتمع هنا مع رجالها المحاربين,وبعد ذلك نزحف إلى رومية".

وفي وقت لاحق, بينما كان تالوس وأورفيوس يتمشيان معاً حول المكان شاهدا المخيّم يغلي بالحركة. كان الحدّادون يصنعون ويصلحون الأسلحة بسرعة, وآخرون يشحذون رماحهم ويصنعون رماحاً جديدة, الأمر الذي كشّف عن نواياهم.

"إنهم يُعدّون العدة للحرب. وعلينا أن نوقفهم عند حدّهم يا أورفيوس! يا إلهي علّمني كيف".

فارتأى عليه أورفيوس قائلاً: "دعنا نقابل الزعيم. فسيتسائل عن هويتي وكيفية وصولي إلى هنا. ولعلّ المترجم يستطيع أن ينقل إليه كلامي".

ولكن غرث الفاندالي الوحيد الملّم بالترجمة, كانت له آراؤه الخاصة فقال للزعيم:

"كنت على حق. فلقد حضر الغريب إلى هنا ليتأكد من استعدادنا للمعركة, وهو يقول أنك ستكون أنت الملك لدى وصولنا إلى رومية".

فأجاب الزعيم بأنانية: "الملك؟ حسناً. قل له أننا مستعدون".

ولكن هاكَ ما قاله غرث لتالوس وأورفيوس قال: "إن الملك.. أقصد الزعيم يرحب بك أيها الغريب. ويؤكد لك أننا لا نستعد للحرب. كل ما في الأمر أننا نمتحن أسلحتنا. وهو جدّ مهتم بأمر ديانتك أيضاً".

وهكذا وَجَدا ثانية أنه ليس لهما ما يفعلان سوى التمشّي منفردَين حول المكان. ولكنهما بدأا يرتابان من جهة غرث فقد كانا موقنَين أنه لم يكن يترجم قط ما كان يقوله تالوس.

قال تالوس: " لست ممن يظنون سوءاً في إنسان يا أورفيوس, ولكنني أشعر أن غرث كاذب".

أجاب أورفيوس: "إذاً أنت لاحظت عثرة لسانه! لست أعرف السبب ولكني واثق من أنه لم يكن يقول للزعيم ما قلناه له".

وفيما كان يتحاوران إذا فتاة من السكان الوطنيين تفاجئهما قائلة: "هِست, أنا ذاهبة إلى الغابة, فاتبعاني, ولكن لا تدعا أحداً يرتاب من جهتكما".

قال أورفيوس متعجباً: "إنها تتكلم لغتنا".

فأجابه تالوس محذراً: "صَه يا أورفيوس, فقد يكون غرث يراقبنا". وبعد أن مضت الفتاة سار كلاهما وراءها بشكل غير انتظامي. ومرّا بين البيوت إلى أن جاءا إلى باب المدينة. ولم يعترضهما أحد لأن القبيلة كلها اعتبرتهما نبيّين للآلهة, وحتى الحراس حيّوهما وسمحوا لهما بالمرور دون سؤال.

في الغابة وقفت تلك الفتاة في فسحة مغطّاة ظليلة.

وتساءل أورفيوس, حين رأياها تقف على مقربة منهما: "ما عساها تريد منا يا ترى؟".

ولما أسرعا وراءها قال تالوس: "سنعرف ذلك فوراً".

وابتدأت الفتاة تقول بشيء من العجلة:

"يجب أن أتكلم بسرعة قبل أن يفتقدني أحد. أنا ابنة قائد مئة روماني وقد أسرَني الفاندال منذ عدة سنوات. وإني, من ذلك الحين, أخدم في بيت غرث. لا زلت أذكر لغة طفولتي مع أني لم أستعملها لوقت طويل".

عند ذاك جلست في ظل شجرة كبيرة في طرف الفسحة, وتابعت تقول:

"كانت أمي مؤمنة مسيحية وأنا أذكر ذلك جيداً. وقد سألتكما أن تتبعاني لكي أحذركما من أن الموت قتلاٍ ينتظركما. كل ما قلتماه للزعيم نقله غرث على غير حقيقته. وحالما تجتمع القبائل معاً سيأمر بقتلكما لئلا تُفتَضَح أكاذيبه. اهربا الآن. فهذه هي فرصتكما الوحيدة. والآن يجب عليّ أن أعود. وداعاً والرب يكون معكم". ولما قالت هذا عادت مسرعة من خلف الغابة دون أن تنظر إلى الوراء.

نظر تالوس وأورفيوس إلى بعضهما محتارَين, فيما وقفا وأخذا في المسير على غير هدى.

وقال تالوس كمن يخاطب نفسه: "إذاً ستكون هناك حرب. وأنا الملوم في ذلك لقلة صبري".

فسأله أورفيوس: "ماذا تقصد؟", وهو لا يكاد يعي ما يسأل.

قال له تالوس بكآبة: "كان يجب أن أنتظر حتى أتعلم اللغة".

فنصحه أورفيوس بقوله: "كفّ عن لوم ذاتك. دعنا نتمشى قليلاً ونفكّر بالأمر".

على الضفة الثانية من النهر, غادرت لاني وأبوها الحصن الروماني وعادا إلى القرية الودودة مع دبّهما الراقص. وكان أنّ أهل القرية رحبوا بهما بفرح.

"انظروا, انظروا. لقد عاد الدب" قال أحدهم وهو يشير إلى لاني وأبيها والدب وهم يقتربون.

فصاح أحدهم مبتهجاً: "سنتفرّج الآن قليلاً".

وحيّاهم الزعيم: "نرحب بعودتكم إلينا. ولكن أين عازف القيثارة والمبشر الذي تكلم عن الله؟".

أجابه وورث: "لسنا نعلم, بكل أسف. اختفى كلاهما في أرض الفاندال".

فصرخوا: "ماذا؟ إن هذا الخبر رديء. لقد وصلتنا شائعات بأن الفانداليين يعدّون العدّة للحرب".

وعندها أطلعهما الزعيم على خبر غريب. قال: "أحد الفانداليين- واسمه غرث- يُتَوقّع أن يعبر النهر الليلة حاملاً كهرماناً. وبما أنه لا يستطيع المتاجرة مباشرة مع الرومان فإنه يوسّطنا لتلك الغاية. وسأستطلعه الأخبار".

ولما كان تالوس وأورفيوس يسيران إلى قلب الغابة, كان كل منهما مستغرقاً في التفكير إلى أن قال تالوس أخيراً:

"أعتقد يا أورفيوس أن الله قد زوّدني بالجواب".

فأجاب أورفيوس متلهّفاً: "عظيم. أنا شخصياً لم أستطع التفكير بشيء. فهات ما عندك".

"يجب تحذير الرومان بإطلاعهم على ما يجري.فاعبر النهر سباحة وافعل ذلك بنفسك. وسأحاول أنا أن أجعل تلك الفتاة تترجم كلامي بصدق إلى الزعيم".

فوافق أورفيوس بقوله: "حسناً, سأذهب حالما يحلّ الظلام. ولكنك قد تعرّض نفسك للخطر, أليس كذلك؟".

أجاب تالوس: "ربما, ولكني سأجعل الفتاة تقوم بالترجمة في غياب غرث".

فأضاف أورفيوس: "وأنا أحذر الرومان من الخطر في حال عدم إصغاء الزعيم إليك".

"إن الله يستجيب صلاتي يا أورفيوس. والزعيم سيسمع الحق و...".

فقاطعه أورفيوس: "أصغ, إني أسمع أصواتاً آتية في هذا الاتجاه. وخير لنا أن نختبئ".

وسرعان ما وجدا مخبأ بين الشجيرات القريبة من الطريق. وازداد ارتفاع الأصوات إلى أن رأيا جمهوراً غفيراً يقترب شيئاً فشيئاً. ولكن يا للغرابة .

قال تالوس متعجباً: "نساء وأولاد, ماذا يفعلون في الغابة؟".

فقال أورفيوس معرباً عن رأيه: "لعلّهم ذاهبون إلى حقلهم المقدس ليجمعوا أغصاناً".

فأيّد تالوس كلامه, وأضاف هامساً فيما كان الجمهور يجوز مقابل مخبئهم: "أعتقد أنهم سيزيّنون مذابحهم بالخضرة ويصلّون طالبين النصرة من آلهتهم. لقد سبق لي أن رأيت غيرهم من الوثنيين يقومون بالعمل نفسه ولم يُجدهم عملهم شيئاً".

فعلّق أورفيوس قائلاً: "أرجّح أنه لم يبقَ ولد في القرية إلا وانضم إلى هذا الجمهور. لماذا يحملون يا ترى مشاعل في وضح النهار؟".

أجابه تالوس: "لكي يبعدوا الأرواح الشريرة عن حقلهم المقدس. فَلنَتبعهم حالما يغيبون عن أبصارنا".

وهكذا لما اجتاز الجمهور وأصبح على مسافة بعيدة منهما, سار تالوس وأورفيوس وراءه بحذر لئلا يشاهدهما أحد في الحقل المقدس. كان عدد أولاد الموكب يقارب الخمسين وكل منهم تقريباً يحمل فوق رأسه مشعلاً مكشوفاً. ومع الأولاد سارت بضع النساء, اثنتان منهنّ تقدمتا الموكب فيما سارت الباقيات خلفهما.

أضف تعليق


قرأت لك

رسول وأعظم

لقد انهمك الجميع عبر التاريخ في وصف هوية المسيح التي خرقت عالمنا من حوالي الفي عام، وتناقضت الأفكار فمنهم من نعته بالمعلم الصالح والعظيم، ومنهم من وصفه بأنه مصلح للدساتير

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة