الحياة المسيحية

الفصل الأول: المطلب

القسم: سلام مع الله.

"تطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم" (أرميا 29: 13)

ما إن ولدتَ في هذه الحياة حتى بدأتَ سعيكَ وراء "المطلب العظيم". ربما قضيتَ عدة سنوات قبل أن تتحقق أنك كنت تجدّ باحثاً ساعياً في أثر شيء لا تملكه مع أنه أهم شيء في الحياة. حاولتَ أحياناً أن تنساه، وحاولت أحياناً أخرى أن تنغمس في أعمالك وأشغالك بحيث تستغرق جل وقتك وتفكيرك. كما أنك شعرت أحياناً وكأنك تحررت من السعي وراء ذلك الشيء الغامض غير المسمى؛ بل كنت توشك أحياناً أن تنسى المطلب من أساسه. لكنك كنت ترى نفسك المرة تلو المرة مرغماً على الرجوع إليه وإلى مواصلة البحث عنه من جديد.

وربما تطلعت في ساعات الضيق والوحشة إلى الناس من حولك وتساءلت فيما إذا كانوا مثلك يبحثون عن شيء لا يدركون كنهه غير أنهم يحسون بأنهم في أمس الحاجة إليه. قد يبدون لك أسعد حالاً منك وأقل أعباء وهموماً. فمنهم من أدرك مطلبه بالزواج والحياة العائلية. ومنهم من ذهب في بحثه إلى بلاد أخرى ينشد الغنى والنجاح؛ وآخرون منهم بقوا في الوطن وآلت أمورهم إلى التوفيق.

وتنظر أنت إلى هؤلاء وأولئك وتقول: هؤلاء الناس ليسوا ممن يبحثون عن المطلب العظيم. إنهم أدركوا السبيل الذي يسيرون عليه وعرفوا ما هي حاجتهم؛ أما أنا فأسير على غير هدى، وسبيلي لا يؤدي إلى أية غاية. إنني الإنسان الوحيد الذي يسأل ويبحث ويتعثر هنا وهناك في سيره في هذا الطريق الموحش الذي ضاعت معالمه.

لكنك لست الإنسان الوحيد، فالجنس البشري بأسره يشاركك سيرك في هذا الطريق، باحثاً عن نفس المطلب. إن الإنسانية بأسرها تطلب الحل لما يسود العالم من اضطراب وضعف أخلاقي وفراغ روحي؛ وتصرخ طالبة الإرشاد والتعزية والسلام.

يقال أننا نعيش في عصر القلق. ويؤكد المؤرخون أنه لم يحدث خلال التاريخ، سوى مرات قلائل، إن عانى الإنسان مثلما يعانيه اليوم من خوف وحيرة واضطراب حتى يبدو أن جميع الدعائم المألوفة قد زالت: نتحدث عن السلام لكننا غارقون في الحروب والاضطرابات. ونرسم الخطط للأمن والاستقرار لكننا نعرف أنه لا سلام ولا استقرار وأصبحنا نتعلق بأوهى من خيوط العنكبوت.

ما زلنا منذ عدة أجيال نتراكض هنا وهناك كأولاد مذعورين. وفي كل مرة نزعم لأنفسنا قائلين: هذا هو الطريق الصالح، ولا شك أنه سيقودنا إلى الغاية المنشودة. ثم نتبين في كل مرة أننا على خطأ فيما نزعم من قول.

وأول الطرق التي زعمناها طريق "الحرية السياسية". لقد طالبنا بها وقلنا: أعطوا لكل إنسان حريته السياسية وسيصبح العالم مليئاً بالسعادة. دعونا ننتخب أعضاء حكومتنا ونوابنا البرلمانيين وسترون كيف تصبح الحياة جديرة بأن نحياها! ... وهكذا حصلنا على الحرية السياسية لكننا لم نحصل على عالم أفضل حسبما كنا نرجو. وما تزال الصحف تنقل إلينا كل يوم صوراً عن الظلم والمحاباة والاستغلال والرياء والمداهنة بصورة تضاهي- بل تفوق أحياناً- ما كان يجري في أيام الملوك المستبدين. إن الحرية السياسية أمر له أهميته لكنه لا يستطيع منحنا عالماً أفضل.

ثم سلكنا طريق "الثقافة" وآمن به كثيرون، واعتقدوا أننا إذا جمعنا الثقافة إلى الحرية السياسية فسوف نصل إلى غايتنا. اندفعنا بجنون في هذا السبيل وبدا أمامنا مشرقاً لامعاً معقولاً.. وسرنا فيه بأقدام تحفزها الرغبة والرجاء. ولكن إلى أين أدى بنا ذلك الطريق؟ أليس أن الرؤوس قد "تخمت" بالعلوم وما زالت القلوب جائعة فارغة!

أردنا الفرح والسعادة عن سبيل الاختراعات و"الكماليات"

وأسباب الرفاهية وقد حصلنا على هذه أما السعادة فما أحوجنا إليها وأبعدنا عنها!

دعنا ننظر إلى بعض ما حققناه من تقدم ونتائج رائعة: ها نحن نقطع المحيطات خلال الساعات بدلاً من الشهور، ونصنع العقاقير التي تزيل أفظع الأمراض المستعصية، ونرفع الأبنية التي تناطح السحاب ويتضاءل عندها برج بابل حتى لا يكاد يظهر لضآلته، ونستجلي المزيد من أسرار الأغوار السحيقة في المحيطات ونتطلع إلى الفضاء الخارجي لدراسة ظواهره وخوافيه.

ولكن هل ينقص ذلك مثقال ذرة من الشعور بالفراغ الذي يملأ نفوسنا؟ وهل تستطيع كل تلك المعجزات الحديثة أن تمنحنا القناعة والرضى؟ وهل تستطيع أن تفسر سبب وجودنا أو أن تشير إلى ما ينبغي لنا أن نتعلمه؟ أم أننا ما نزال فريسة الشعور بالفراغ؟ وهل يعزينا هذا الفيض المتزايد من الاكتشافات في الكون الواسع، أم أنه يجعلنا نشعر، بصورة متزايدة، بأننا أكثر عجزاً ووحدة؟ وهل يمكن أن يوجد علاج الخوف الإنساني والبغضاء والفساد في مختبر الكيميائي وفي منظار الفلكي؟

ليس بوسعنا أن ننكر الخدمات الجلى والمنافع التي قدمها لنا العلم والتي كنا نحتاجها بالتأكيد. ولكنه قدم لنا أيضاً أفظع هدية تلقتها الإنسانية في تاريخها الطويل. وهذه الهدية التي قدمها لنا العلم ترتبط وتتأثر حياة ومستقبل كل كائن حي في كوكبنا الأرضي. إنها تبسط ظلها الأسود المخيف على بنات أفكارنا المضطربة، ويراها أطفالنا كشبح مرعب يعكر صفو أحلامهم الهنيئة. شبح القنابل الذرية المروّعة!..

لقد كان "العلم" أحد السبل التي سلكناها. وسرنا فيه بجد ونشاط وما يزال هو السبيل الذي يختار الكثيرون السير فيه بالرغم من الحقيقة التي لا يمكن نكرانها وهي أن العلم ربما كان السبب في تدميرنا وزوالنا نهائياً.

وتوجد بالطبع طرق أخرى يسلكها الناس. فثمة طريق الشهرة وطريق الغنى وطريق اللذة وطريق القوة. لكنها جميعاً أشبه بالصحارى الرملية التي تبتلع المسافرين فيها. لقد وقعنا أسرى أفكارنا الخاصة مقتنعين بكمالها وصحتها حتى لم يعد ممكناً أن نرى سبب مرضنا وعلاجه.

وإذا صح ما يقال لكل داء دواء فيجب أن نسارع لإيجاد الدواء لمرضنا العضال. إن حضارتنا تسير بسرعة هائلة مقتربة من نهايتها ويجب أن نبادر إلى العثور على منفذ إلى النور، وطريق يفضي بنا إلى الصحة الروحية.

وتسألني: أين إذن نحن الآن؟ إلى أين سنمضي؟- دعني أخبرك أين نحن وماهيتنا (ماذا نحن). إننا أناس فارغون، رؤوسنا محشوة بالمعرفة لكن نفوسنا فارغة وأرواحنا هزيلة.

كثيراً ما نشكو من أن الشباب اليوم قد فقد حماسته وأهدافه ورغبته في العمل والتقدم. وكل يوم أسمع الوالدين يتحدثون عن أولادهم ويقولون أنهم يستغربون وضعيتهم، فهؤلاء لا يريدون أن يبذلوا أي جهد بل يريدون أن يقدم إليهم كل شيء جاهزاً بلا تعب أو عناء. ومشكلة أولئك الآباء والأمهات أنهم يجهلون حقيقة هامة عن أولادهم المثقفين الذين اعتنوا بتربيتهم وهي أن نفوسهم خالية من الروح الذي يكسب العمل بهجة وفرحاً، ومن التصميم الذي يجعل التقدم لذة. وما سبب الفراغ في نفوسهم؟ ولماذا يأبون الخروج إلى العالم والإسهام بقسطهم في الحياة؟ إن سبب ذلك كله هو أنهم لا يعرفون ماهيتهم ولا إلى أين يذهبون.

إنهم يشبهون صفاً طويلاً من السيارات الحديثة الأنيقة. هذه السيارات كاملة لا ينقصها شيء سوى زيت الوقود. فظاهرها ينال الإعجاب والرضى لكنها تفتقر في داخلها إلى القوة التي لا بد منها للمسير. لذلك فهي تجثم في مكانها ليأكلها الصدأ - صدأ الضجر والملل.

يتفرد الإنسان من بين سائر مخلوقات الله بأنه المخلوق الوحيد الذي يمكن أن يدركه الضجر والملل. فليس ثمة مخلوق آخر يمكن أن يضجر من نفسه أو يضجر مما يحيط به. وهذا ولا شك، أمر له دلالته؛ لأن الخالق الحكيم لم يبدع شيئاً بلا هدف أو قصد. وإذا كان قد منح الإنسان إمكانية الإصابة بالضجر، فلا بد أنه هدف من وراء ذلك إلى غرض معين.

ويعتبر الضجر أحد الوسائل الدقيقة لمقياس الفراغ في النفس. وهو يتصف بالدقة التي يتصف بها مقياس الحرارة، حين يُشعِرنا كم هو مقدار الفراغ في نفوسنا. وأعماق نفسه لا تحوي سوى الفراغ. ولا شيء تكرهه الطبيعة قدر ما تكره الفراغ وهي تسير وفق قاعدة معينة لا تحيد عنها: إنها تبادر إلى إشغال كل فراغ في هذا العالم.

إن النظريات الخداعة والآراء الغريبة لا تجد لنفسها مكاناً في قلب عامر بروح الله، ولكنها استطاعت التسرب بسهولة فائقة إلى عقول وقلوب فارغة. إن الطبيعة تكره الفراغ ولكنه يتوقف على إرادتنا - نحن الأفراد- أن نحدد بماذا ينبغي أن يملأ فراغ قلوبنا. لقد حاولنا أن نملأ هذا الفراغ بالحرية والثقافة والعلم ومستوى معيشة أفضل وأشياء أخرى كثيرة ولكننا ما نزال نشعر بالفراغ لأن أشياء الروح وحدها هي التي تستطيع أن تملأنا. وروح الله وحده هو الذي يستطيع أن يمنحنا الشعور بالكمال والسلام الذي ننشدهما.

ومنذ عهد بعيد قال يسوع: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان[1]" إلا أننا لم نسمع له ومضينا نطعم أنفسنا بكل نوع من أنواع الخبز حتى أدركنا المرض. إننا نريد أن نتخلص من هذه الأنواع المؤذية لكننا نبدو عاجزين ن فعل شيء. وهكذا نستمر في ازدراد هذا الخبز الممرض، نأخذه نحن ونعطيه للآخرين أيضاً.

إننا لا نستطيع أن نتحمل فراغ نفوسنا المخيف ولا نستطيع أن نتطلع إلى الطريق الموحش الممتد أماماً. إننا قلقون أشد القلق لسبب البغضاء والطمع والشهوة، غير أننا عاجزون عن التخلص من سيطرة تلك العلل الشرسة، والامتلاء بما هو أفضل.

ولكن الزمن يمضي، وسائل التدمير الشامل أصبحت بحوزتنا، ولم يعد أمامنا متسع لسلوك طريق الأضاليل، ولا يجوز لنا ان نوقع أنفسنا في الأحابيل. إذ أن الوقت لا يسمح لنا بذلك. لأن جيلنا قد انجز ما حاولت الأجيال السابقة أن تعمله أو حلمت به وهي في أشد قوتها وإمكانياتها. لقد أحرزنا سلاحاً يستطيع أن يحقق الدمار الشامل. وبلغنا قمة الجنون البشري وهو تحطيم الذرة.

ولا بد أن الشياطين قد قهقهت ضاحكة من أولئك العلماء النابغين الذين قضوا عدة سنوات يشتغلون بكل طاقتهم حتى توصلوا إلى هذا الشيء المرعب، تحطيم الذرة. ويا له من نجاح فظيع يعني بالنسبة للإنسانية الدمار والتحطيم والسحق والخراب. قد أنجز الشيطان عمله وكان البشر بشوق زائد لمساعدته. إن القنبلة الذرية أفظع عمل ابتكره الشيطان! إذا لاحظنا انفجار القنبلة الذرية وجدنا أنه يبدو بشكل ألسنة من نار تحاكي في مظهرها الألسنة النارية التي ظهرت يوم الخمسين. فكأن الشيطان يريد أن "يقلد" الروح القدس. وكلا النارين تهبط من عل، وتنشر ضوءاً يفوق نور الشمس، وتغير كل شيء تمسه. والفرق بين التغيير الذي تحدثه هذه والتغيير الذي تحدثه تلك كالفرق بين السماء والجحيم. هذا هو المصير الذي قادنا إليه طريق العلم الذي لم يرافقه الإرشاد الإلهي.

إننا نعيش اليوم في عالم قلبته الفوضى رأساً على عقب. لكنها فضى مدبرة وفق خطة صممها الشيطان. ويصف الكتاب المقدس الشيطان بأنه المضل العظيم الذي وقف نفسه على التضليل والتفريق بين الناس. فهو يفرق بين الإنسان ونفسه، بين الإنسان وأخيه، بين شعب وشعب. وتبعاً لذلك استطاع أن يخدعنا ويقنعنا بأن أمور العالم في تحسن بينما يسير كل ما حولنا من سيء إلى أسوأ.

يقول هنري بت اللاهوتي البريطاني: " إن التفاؤل الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر وحمل الناس على الزعم أن العالم يسير نحو التقدم بصورة آلية، إن ذلك التفاؤل لم يعد ممكناً اليوم. وقد أثبتت حوادث السنوات الخمس والعشرين الأخيرة بطلان الزعم القائل بأن النزعة الإنسانية والثقافية و" التطور التقدمي" تتضافر مجتمعة لتحقيق الفردوس الأرضي الذي ننشده. فالأمور ليست بمثل السهولة التي تخيلناها، والشيطان لم يمت، والسلطات الشريرة وقوات الظلمة لا تزال حية، والعالم لا يزال في قبضة الشرير.

نقرّ جميعنا بأن العالم قد تغير تغيراً جذرياً منذ مطلع هذا القرن. فنحن نحس بالإيقاع السريع في مجرى الأحداث كما أننا ندرك تمام الإدراك روح التطور التي تكنس في طريقها المعالم القديمة والتقاليد، كذلك ندرك السرعة التي بها تتبدل اللغة والطراز والعادات وبناء البيوت وإنماء المعيشة، ليحل محلها ما هو أحدث وأكثر جدة.

بالأمس القريب كان الأولاد يجدون متعة في مشاهدة السفن داخلة إلى المرفأ. أما اليوم فلم يعد يحركهم حتى منظر الطائرات العمودية والطائرات النفاثة. أما نحن الذين كنا جد معجبين بالبرق السلكي فقد غدا التلفزيون في نظرنا مسألة بديهية وكثير من الأمراض كانت تسمى إلى عهد قريب أمراضاً مستعصية غير قابلة للشفاء، أما اليوم فقد أصبحنا نمتلك من العقاقير أنواعاً متعددة جعلت الأمراض التي عجز الإنسان عن علاجها أمراضاً نادرة الوقوع.

ينتج مما سبق أننا حققنا تقدماً عظيماً، ومع ذلك فإن الإنسان لم يتوصل حتى الآن إلى حل أعظم مشكلة واجهها الجنس البشري. نستطيع أن نبني ناطحات السحاب والمراكب الضخمة والجسور الطويلة، لكننا لا نزال عاجزين أن نحكم أنفسنا بالعدل والمساواة، وما نزال عاجزين عن العيش مع بعضنا في سلام.

نستطيع أن نبني مدارس جديدة للرسم أو للموسيقى، ونستطيع أن نقوم بتركيب أنواع جديدة من الفيتامينات، لكننا لا نستطيع فعل شيء بالنسبة لمشاكلنا. فما تزال هي هي منذ القديم، وإذا كان قد حصل فيها أي تغيير فهو يتمثل في أنها تضخمت وأصبحت سائدة في كل مكان. فقد تجابهنا تلك المشاكل بطرق جديدة فتسبب لنا من الألم والقلق أكثر مما كانت تسبب من قبل، لكننا لا نزال نواجه نفس المشاكل، نفس المحن، نفس التجارب التي واجهها الجنس البشري دائماً.

ما زال الإنسان يعاني نفس المشاكل منذ تلك اللحظة المفجعة التي فضل فيها إرادته على إرادة الله. الإصحاح الأول من سفر التكوين يبين لنا سببها، والاصحاح الأول من الرسالة إلى أهل رومية يصف لنا حالة الإنسان في الخطية، والإنجيل المقدس يقدم لنا العلاج.

إن طبيعة الإنسان الساقطة هي التي تملأه بالحقد والطمع والحسد. إن لعنة الخطية قد حلت على جسده فجعلته فريسة الخوف من الموت. عبقريته مكنته من تغيير كل شيء إلا ذاته. فالإنسان هو هو- كما كان في البداية- بالرغم مما يدّعيه وينادي به من "تقدم".

والخطية ما زالت هي هي- كما كانت- مع أن الإنسان حاول جهده أن يغيرها فألبسها أسماء جديدة. دعونا الخطية "غلطة" أو "خطأ" أو "جهلاً" أو حماقة أو... أما هي فلم تتغير. ومهما حاولنا أن نسكت ضمائرنا فإننا نعلم أن الناس ما يزالون جميعاً خطاة، وما تزال نتائج الخطية هي المرض والفشل والأمل الكاذب واليأس والموت.

ولا الحزن تبدل. لقد بدأ الحزن عندما تطلّع آدم وحواء بقلبين منكسرين إلى جثة هابيل ولدهما، وعرفا بعدئذ أثر الحزن الذي يحطم النفس. فلا مهرب ولا مرد منه، وكل امرئ يعاني وطأته إذ كما قال أيوب: "الإنسان مولود للمشقة[2]".

كذلك الموت لم يتغير. مع أن البشر حاولوا أن يحسنوا مظهره، فاستعملوا التوابيت الأنيقة والأطياب والعطور، ونظموا الجنازات الحافلة والمقابر الواسعة، لكن حقيقة الموت القاسية ظلت ثقيلة الوطء على قلب الإنسان كما كانت خلال الأحقاب المتعاقبة.

ونلخص قصة حياة الإنسان بحقائق ثلاث: ماضٍ مليء بالخطيئة وحاضر مليء بالحزن ومستقبل يحمل في ثناياه الموت الذي لا بد منه.

ويقول الكتاب المقدس: "وُضع للناس أن يموتوا مرة"[3].

يخيل لكثير من الناس أن ذلك يعني جرهم إلى موقف يائس لا رجاء فيه. لقد أوجد الناس كثيراً من الفلسفات والديانات بغية أن تحل محل كلمة الله. كما أن كثيرين من الفلاسفة وعلماء النفس في عصرنا قد زعموا أن ثمة طريقاً آخر غير يسوع المسيح. وجرب الناس جميع تلك الطرق المزعومة لكنها كانت تقودهم إلى الدمار.

وتبقى الحقيقة الساطعة التي لا نستطيع نكرانها وهي أن يسوع وحده هو الذي أتى ليوجد الحل المقنع الوحيد لمشاكلنا الثلاث: الخطيئة والحزن والموت. كما أنه وحده" هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عب13: 8).

كل شيء يتغير ويتبدل أما يسوع المسيح فيبقى هو هو. وسط الإنسانية المتألمة المضطربة كأمواج البحر، يقف يسوع ثابتاً هادئاً متأهباً ليرحب بكل من يلجؤون إليه ويقبلون منه نعمة السلام والطمأنينة. إننا نعيش في عهد نعمة، عهد يمكننا فيه- حسب وعد الله- أن نأتي إلى يسوع المسيح ونقبله. ولكن هذا العهد (العصر) لن يدوم إلى الأبد كما أننا نحن لن نعيش سوى فترة عمرنا القصيرة!

[1]-  لوقا 4: 4.

[2]- أيوب 5: 7

[3]- عبرانيين 9: 27

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة
  • تطبيق تأملات يومية
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون