الفصل الرابع عشر: وجود الله في كل مكان

القسم: معرفة القدوس صفات الله ومعناها في الحياة المسيحيّة.

 

          يا أبانا إننا نعلم أنك حاضر معنا، ولكن معرفتنا ليست إلا قبساً وظلاً ولها القليل من المذاق الروحي والحلاوة الداخلية التي يجب أن توفرها معرفة كهذه، وتلك خسارة كبيرة وسبب لضعف قلبي كبير. أعنا يا رب حتى نصلح حياتنا فوراً كما يجب حتى نختبر المعنى الصحيح للقول "أمامك شبع سرور". آمين.

          تعني العبارة "كلي الوجود" إن الله حاضر في كل مكان، هنا وبالقرب من كل واحد.

          وقليل من حقائق الكتاب هو الذي يذكر بكل جلاء ووضوح كحقيقة حضور الله في كل مكان –والمواضع التي تذكر فيها هذه الحقيقة واضحة جلية بدرجة أنه من الصعب أن يسيء المرء فهمها- وتعلن كلها أن الله موجود في خليقته وأنه لا يوجد مكان في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض يستطيع فيه الإنسان أن يختفي من حضرة الله. وهي تعلمنا أن الله بعيد جداً وقريب جداً في وقت واحد، وإنه به يحيا الناس ويتحركون ويوجدون. وتقنعنا كذلك أن نفترض دائماً أن الله موجود في كل مكان لكي نفهم الحقائق الأخرى التي تُحدثنا عنه.

          فالكتاب مثلاً يحدثنا أن الله غير محدود وهذا معناه أن كيانه لا يعرف حدوداً ولذلك فحضوره لا يعرف حدوداً، أي أنه حاضر في كل مكان، فهو في عدم محدوديته يحيط بالخليقة المحدودة ويحتويها، فلا يوجد مكان لشيء ما خارجه، فالله محيطنا أو بيئتنا كما البحر للسمك والفضاء للطير وكما قال هلدبرت اوف لافاردين Hildebert of Lavardin فإن "الله فوق كل شيء وتحت كل شيء وخارج كل شيء، فهو في الداخل دون أن يحتويه أي شيء وهو في الخارج دون أن يخلو منه شيء وهو تحت كل شيء دون أن يعلوه شيء، وهو بالكلية من فوق يسود على الكل، وهو من تحت حامل لكل الأشياء وهو في الداخل يملأ الكل".

          والقول بأن الله في الكون الذي خلقه لا يمكن أن يكون قولاً معزولاً عن نتائج معينة، إذ له تطبيقات عملية في حقول كثيرة من الأفكار اللاهوتية وله علاقة مباشرة بمشاكل دينية معينة مثال ذلك طبيعة العالم. فلقد شُغل المفكرون في كل عصر وثقافة تقريباً بمعرفة طبيعة هذا العالم الذي نعيش فيه: أهو عالم مادي يسيّر نفسه بنفسه، أم هو عالم روحي تسيّره قوات خفيّة؟ هل هذه الأنظمة المتشابكة تفسر ذاتها أو أنها سر معقّد خفيّ؟ وهل مجرى الوجود يبدأ وينتهي بنفسه، أو أنه ينبع من فوق، من بعيد في التلال والمرتفعات؟

          ويدّعي علم اللاهوت المسيحي بأن عنده الجواب عن هذه الأسئلة، فهو لا يخمن أو يتحسس الإجابات بل يقدم الدليل القاطع بسلطان في قوله "هكذا يقول الرب"، ويجزم بأن العالم روحي بدأ في الروح ويفيض من الروح وهو روحي في جوهره، ولا معنى له بدون الروح الذي يسكنه.

          وعقيدة حضور الله في مكان تجسّم علاقة الإنسان بالكون الذي يجد نفسه فيه، وهذا الحق الأساسي يضفي معنى على كل الحقائق الأخرى ويجعل قيمة عظيمة جداً لحياته الصغيرة كلها. فالله حاضر بقربه وإلى جانبه، والله هذا يراه ويعرفه كله معرفة تامة. ومن هذه النقطة يبدأ الإيمان. وبينما هو يمتد ليشمل ربما الآلاف من الحقائق العجيبة فإن هذه كلها مرجعها أن الله موجود وإن الله هنا. وهكذا تقول الرسالة إلى العبرانيين "الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود". ويقول الرب يسوع المسيح نفسه "أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي".

          ويعلمنا العهد الجديد أن الله خلق العالم بالكلمة، والكلمة هو الأقنوم الثاني من اللاهوت الذي كان في العالم حتى قبل أن يصير جسداً. فالكلمة صنع كل الأشياء وظل في العالم الذي خلقه ليحمله ويكون في الوقت عينه نوراً أدبياً يساعد كل إنسان على التمييز بين الخير والشر. فالكون يعمل بنظام وإتقان، فهو لا يسير بنواميس مبهمة، بل بالصوت الذي خلقه الصادر من الحضور الإلهي الملازم للكون كله، من الكلمة.

          ويحدثنا كانون و. ج. هـ. هولمز Canon W. G. H. Holmes إنه شاهد المتعبدين من الهندوسيين يقرعون على الأشجار والأحجار ويهمسون قائلين "هل أنت هنا؟ هل أنت هنا؟" إنهم يهمسون إلى الإله الذي قد يكون في الشجرة أو في الحجر. والمسيحي المستنير يأتي بكل تواضع حاملاً الإجابة عن هذا السؤال. نعم إن الله هناك. إنه هناك كما أنه هنا وفي كل مكان، لا تحده شجرة أو حجر بل هو مطلق في الكون كله، قريب من كل شيء، وإلى جانب كل إنسان، ويستطيع كل قلب محب أن يأتي إليه مباشرة بيسوع المسيح. فعقيدة حضور الله في كل مكان تجيب عن هذا السؤال الإجابة الشافية إلى الأبد.

          وهذا الحق مصدر تعزية عظيمة للمسيحي الذي يؤمن به. يعزيه في أحزانه ويمنحه الثقة التي لا تتزعزع في كل اختبارات الحياة المختلفة، فاختبار حضور الله لا يعني بالنسبة له خيالاً صادراً عن فكرة يحاول تجسيمه بل هو معرفة الحضور الحقيقي لذلك الذي تعلنه كل معرفة لاهوتية صحيحة وتعلم بوجوده فعلاً وجوداً محسوساً مستقلاً عن كل إدراك من خلائقه له. ونتيجة هذا الاختبار حقيقة وليست خيالاً.

          وتأكيد قرب الله منا دائماً وحضوره في كل أنحاء العالم الذي عمله وكونه أقرب إلينا من أفكارنا، يجب أن يجعلنا في حالة سعادة أدبية عالية في معظم الأوقات، ولكن ليس في كل الأوقات، فليس من الأمانة في شيء أن تعد كل مؤمن بيوبيل دائم مستمر، كما أنه ليس عملياً أن نتوقعه. فكما يصرخ الطفل من الألم حتى ولو كان في ذراعي أمه فكذلك المسيحي قد يختبر الألم أحياناً حتى ولو كان يشعر بحضور الله. ومع أن بولس يقول "دائماً فرحون" إلا أنه يعترف بأنه أحياناً يكون في حزن. ولقد اختبر المسيح الصراخ بصوت عالٍ والدموع مع إنه لم يفترق لحظة واحدة عن حضن الآب (يو 1: 18).

          ولكن كل شيء بخير، فالدموع في عالم كهذا لها عملها العلاجي فالبلسان الشافي الذي يقطر من ثوب الحضور الإلهي الذي يحيط بنا يشفي أوجاعنا قبل أن تصبح قاتلة. ومعرفتنا بأننا لسنا وحدنا أبداً تهدئ بحر حياتنا المضطرب، وتتكلم بالسلام إلى نفوسنا.

          والكتاب المقدس والعقل يعلنان أن الله هنا، وما علينا إلا أن نتعلم أن نلاحظ ذلك في اختباراتنا الواعية. ولعل عبارة واحدة من رسالة للدكتور آلان فليس Allen Fleece Dr. تلخص شهادة الكثيرين "إن معرفة حضور الله مباركة، ولكن الإحساس بحضوره هو السعادة بعينها".

          يعلن الله حضوره

فلنعبده الآن

ونظهر أمامه برعدة.

إننا نعبده، وحده هو الله

هو ربنا ومخلصنا

فالشكر لاسمه إلى الأبد.

الله نفسه معنا

الله تخدمه جيوش الملائكة

بخوف في السموات.

غيرهارد ترستيجن