الحياة المسيحية

الفصل العشرون: محبة الله

القسم: معرفة القدوس صفات الله ومعناها في الحياة المسيحيّة.

 

          أبانا الذي في السموات، إننا نحن أولادك كثيراً ما تضطرب أفكارنا إذ نسمع أحياناً وفي وقت واحد أصواتاً في داخلنا تؤكد إيماننا وشكايات لضمائرنا علينا. إننا على يقين من أنه ليس فينا ما يجذب محبة من هو قدوس وعادل نظيرك. ولكنك قد أعلنت محبتك التي لا تتغير في المسيح يسوع . وإن لم يكن فينا ما يفوز بمحبتك فليس في الوجود ما يمنعك عن حبنا. فمحبتك لنا هي بلا سبب وبلا استحقاق من جانبنا، فأنت بذاتك سبب المحبة التي أحببتنا بها. فساعدنا يا رب حتى نؤمن بعمق محبتك وسرمديتها، تلك المحبة التي وجدتنا. وعندئذ تطرح المحبة كل الخوف خارجاً فتطمئن قلوبنا القلقة وتثق لا بما نحن عليه في ذواتنا بل بما أعلنته أنت عن نفسك. آمين.

          كتب يوحنا الرسول بالوحي فقال "الله محبة". ولقد أخذ بعضهم هذه العبارة على إنها تعريف لطبيعة الله الجوهرية، وهذا خطأ جسيم، فقد كان يوحنا بقوله هذا يقرر حقيقة ولا يعطي تعريفاً.

          فإذا ما ساوينا المحبة بالله وقعنا في خطأ فاحش أنتج فلسفات دينية غير صحيحة وتمحض عن فيضان من الشعر الخيالي الذي لا يتفق مع واقع الكتاب المقدس بل هو ينتمي إلى جو غريب تماماً عن جو المسيحية التاريخية.

          فلو أن الرسول أعلن أن المحبة هي كيان الله لاضطررنا إلى الاستنتاج أن كيان الله هو كيان المحبة – فلو أن الله هو المحبة حرفياً لكانت المحبة هي الله حرفياً كذلك، ولكان واجبنا المفروض علينا هو أن نعبد المحبة باعتباره الإله الوحيد. ولو أن المحبة مساوية لله لكان الله مساوياً للمحبة وحسب، ولكان الله والمحبة متشابهين تماماً. وبذلك نهدم فكرة الشخصية في الله وفي هذا إنكار شامل لكل صفات الله ما عدا واحدة فقط، وحتى هذه الواحدة نستعيض بها عن الله، فالله هذا الذي يبقى بعد ذلك ليس هو الله وأبا ربنا يسوع المسيح، وليس إله الأنبياء والرسل، وليس هو إله القديسين والمصلحين والشهداء، ولا هو إله اللاهوتيين ومرتلي الكنيسة.

          فيجب علينا أن نتعلم كيف نفهم الكتاب المقدس لأجل خير نفوسنا. وعلينا أن نتحرر من عبودية الكلمات و أن نتعلق بالمعاني بكل أمانة وولاء بدلاً من الكلمات . فالكلمات يجب أن تعبر عن الأفكار لا أن تخلقها . فنحن نقول أن الله محبة ، ونقول أن الله نور ، ونقول أن المسيح هو الحق ونقصد بذلك أن تُفهم الكلمات بنفس المعنى الذي تفهم به الكلمات عندما نقول عن إنسان ما أنه "هو اللطف بعينه " . فنحن بقولنا هذا لا نقصد أن اللطف والإنسان متشابهان تماماً ، ولا يأخذ الناس كلماتنا على هذا المحمل .

فقولنا أن "الله محبة" يعني أن المحبة صفة جوهرية من صفات الله . فالمحبة أمر حقيقي من الله و لكنها ليست هي الله . إنها تظهر كيفية الله في كيانه الأوحد، ككلمة قداسة ، وعدل ، وأمانة ، و حق . ولأن الله لا يتغير فلذلك هو دائماً يعمل طبقاً لذاته ، ولأنه وحدة واحدة فلذلك هو لا يوقف صفة من صفاته لكي يظهر صفة أخرى .

ونحن نتعلم الكثير عن محبته من صفاته الأخرى المعروفة ، مثال ذلك أننا نتعلم أن محبته ليس لها بداية لأنه هو ذاتي الوجود ، وأن محبته لا نهاية لها لأنه هو أبدي ، و أن محبته لا حد لها لأنه هو غير محدود وأن محبته هي جوهر كل قداسة و طهارة لأنه هو قدوس ، وأن محبته واسعة سعة تفوق العقل والإدراك و عميقة عمقاً لا حد له فهي بحر لا يحده شاطئان نركع أمامه في خشوع سار و تتضاءل عن وصفه في قصور وخجل كلمات الإنسان بالغة ما بلغت من الفصاحة و السمو وذلك لأنه هو غير محدود .

ومع ذلك فإننا إذا ما أردنا أن نعرف الله وأن نخبر بما نعرفه لخير الآخرين ونفعهم فيجب أن نحاول التعبير عن محبته. ولقد حاول ذلك كل المسيحيين ولكن لم يوفق واحد منهم إلى الإبداع في ذلك. فلن أستطيع أن أفي هذا الموضوع الهائل العجيب أكثر مما يستطيع طفل صغير أن يقبض على نجم عالٍ متألق. إلا أن الطفل بمحاولته الوصول إلى النجم العالي فإنه يجذب الانتباه إلى النجم بل وهو يظهر الاتجاه الذي يجب أن يوجه المرء نظره إليه حتى يرى النجم. هكذا الحال معي أنا، فبينما أنا أرفع قلبي نحو محبة الله العالية المتألقة فأني أشجع إنساناً ما لم يعرف شيئاً عن محبة الله لكي ينظر إلى فوق ولكي يعرف الأمل طريقه إلى قلبه.

 إننا لا نعرف ما هي المحبة وقد لا نعرف ذلك أبداً، ولكننا نستطيع أن نعرف كيف تظهر المحبة ذاتها، وفي هذا ما يكفينا هنا. فنحن نراها أولاً معلنة نفسها كإرادة صالحة، فالمحبة تريد الخير للجميع ولا تبغي لأحد شراً ولا ضراً. وهذا يوضح كلمات الرسول يوحنا "لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج." والخوف هو العاطفة المؤلمة التي تنشأ عن شعورنا بأذى محتمل أو ألم متوقع. وهذا الخوف يستمر طالما نحن تحت إرادة شخص لا يبغي خيرنا، وفي اللحظة التي فيها نأتي تحت حماية شخص ذي إرادة خيّرة يُطرح الخوف إلى خارج. فإذا ضل طفل صغير طريقه في متجر مزدحم بالناس ملأ الخوف قلبه لأنه يرى الناس الذين حوله وهم الذين لا يعرفهم وكأنهم كلهم أعداء له ولكن هذه المخاوف كلها تنحسر إذا ما وجد ذلك الطفل نفسه بعد لحظة واحدة بين ذراعي أمه. فإرادة أمه الخيرة، تلك الإرادة التي يعرفها جيداً، تطرح خوفه إلى الخارج.

          والعالم الذي حولنا مملوء بالأعداء، وطالما نحن معرضون للوقوع في الأذى من جانب هؤلاء الأعداء، فلا مهرب من الخوف. ومن غير المجدي تماماً أن نحاول التغلب على الخوف بدون أن نقضي على مسببات هذا الخوف. فالقلب أحكم من رسل التهدئة الذين يحاولون أن يهدئوا من روعنا، فطالما نحن في أيدي الصدفة، نتطلع إلى ما يسمى قانون المتوسط، أي متوسط ما يحدث للناس، ويفرض علينا أن نتكل في بقائنا على قدرتنا في التفوق على أعدائنا في التفكير والعمل. فنحن معذورون تماماً إذا ما تملكنا الخوف والفزع، والخوف له عذاب.

          فمعرفتنا أن المحبة من الله ودخولنا إلى ستر المخلص الحبيب متكئين إلى ذراعه، هذه المعرفة وحدها هي التي تستطيع أن تطرح خوفنا إلى خارج.

          فلو اقتنع إنسان بأن لا شيء يستطيع أن يمسه بأذى يتخلص فوراً من كل ما يخيفه في الكون كله. نعم قد يختبر أحياناً تلك الحركات العكسية اللاإرادية نتيجة الألم الجسماني، ولكن عذاب الخوف العميق قد مضى إلى غير رجعة. فالله محبة وهو ذو السيادة والسلطان ومحبته تدعوه لأن يبغي خيرنا الأبدي وسلطانه يجعله قادراً على تحقيق ذلك. فليس ما يمكن أن يؤذي رجلاً صالحاً.

          قد يقتلون الجسد

          ولكن حق الله يبقى خالداً

          وملكوته إلى الأبد.

                              مارتن لوثر Martin Luther

 وتخبرنا محبة الله أن الله ذو صداقة ومودة وتؤكد كلمته لنا أنه صديق لنا ويريد منا أن نكون أصدقاءه. ولن يتبادر إلى ذهن إنسان ما أوتي القليل من التواضع أنه صديق الله، ولكن فكرة الصداقة ليس منشؤها الإنسان، فما كان لإبراهيم أبداً أن يقول عن نفسه "أنا صديق الله"، ولكن الله نفسه قال أن إبراهيم كان صديقه أي خليله. وكذلك التلاميذ يكونون على حق لو أنهم ترددوا في ادعائهم صداقة المسيح ولكن المسيح نفسه قال "أنتم أحبائي". إن الإيمان الجريء يؤمن بالكلمة ويطالب بالصداقة مع الله حتى ولو بدا هذا الفكر طائشاً. إننا نكرم الله بتصديقنا ما قاله عن نفسه وباقترابنا بثقة إلى عرش النعمة أكثر مما نكرمه باختفائنا بتواضع التهيب والخجل بين أشجار الجنة.

          والمحبة كذلك تشابه عاطفي، فهي لا تقول عن شيء أنه لها بل هي تعطي كل ما لها بسخاء لمن هو موضوع حبها، وهذا أمر نشاهده كل يوم في عالمنا من الرجال والنساء. فها هي أم نحيلة هزيلة ترضع من حليبها طفلاً صحيحاً سميناً، وهي أبعد ما تكون عن الشكوى، بل هي ترمق طفلها بعين السعادة والاعتزاز. وأعمال التضحية ليست بغريبة عن المحبة، ولقد قال المسيح عن نفسه "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه من أجل أحبائه."

          ويا له من أمر غريب بديع أن الإله المطلق الحرية يسمح لقلبه أن يتحد عاطفياً بالإنسان، فهو الكلي الاكتفاء يبغي محبتنا ولا يرضى حتى يحصل عليها، وهو المطلق الحرية قد سمح أن يرتبط قلبه بنا إلى الأبد. "في هذا هي المحبة ليس إننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا". ولذلك يقول جوليان أوف نوريتش: "لقد أحب العلي نفوسنا بدرجة تفوق إدراك كل المخلوقات، أي أنه لا يوجد مخلوق يعرف كم يحبنا خالقنا محبة حلوة متعجبين إلى الأبد لهذه المحبة السامية العالية عن كل وصف ومقدار، محبة الله القدير التي أحبنا بها من جوده وصلاحه."

          ومن مميزات المحبة أيضاً أنها تسر بموضوع حبها. فالله يسر بخليقته ويحدثنا الرسول يوحنا بكل صراحة أن غرض الله في خليقته هو مسرته. فالله يسر بمحبته لكل ما خلقه. ولا يمكن أن نخطئ شعور السرور في إشارات الله الفرحة إلى عمل يديه. والمزمور 104 هو شعور موحى به من الله في وصف الطبيعة يصور سرور الله "يكون مجد الرب إلى الدهر. يفرح الرب بأعماله."

          ويفرح الرب بصفة خاصة بقديسيه. يظن الكثيرون أن الله بعيد بعيد وعابس ومستاء كل الاستياء بكل شيء، وهو يتطلع بجمود إلى أسفل، إلى عالم قد فقد هو الاهتمام به من زمن بعيد، وهذا بلا شك خطأ جسيم. صحيح أن الله يكره الخطيئة ولا يمكن أن ينظر نظرة الرضا والارتياح إلى الشر والإثم، ولكنه يتجاوب بمحبة صادقة مع كل من يطلبون أن يعملوا مشيئته، ولقد أبطل المسيح بفدائه كل حاجز يمنع الناس عن التمتع بالشركة مع الله، فغدا الآن كل المؤمنين به موضوع لذة الله وسروره "الرب إلهك في وسطك جبار يخلص. يبتهج بك فرحاً. يسكت في محبته. يبتهج بك ترنماً."

          ولقد تم عمل الله في الخليقة وفقاً لتجانس موسيقي كما يعلمنا سفر أيوب فيقول الله "أين كنت حين أسست الأرض....عندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله." وقد عبر جون درايدن John Dryden بشيء من التوسع عن هذه الفكرة، وإن لم يخرج عن الحقيقة بقوله:

من توافق الألحان، من توافق سماوي للألحان

بدأ إطار هذا الوجود

وعندما كانت الطبيعة تحت كومة

          من الذرات المتنازعة ترقد

          ولم تكن تستطيع أن ترفع رأسها

          سُمع الصوت الموسيقي من العلى

 "قوموا يا من أنتم أكثر من أموات"

          عندئذٍ كل باردٍ وحامٍ ورطب ويابس

          قفز بنظام إلى موضعه

          وأطاع قوة الموسيقى الإلهية

          من توافق الألحان، من توافق سماوي الألحان

 بدأ إطار هذا الوجود

 من توافق الألحان إلى توافق الألحان

          وراح من نغمة إلى نغمة عبر كل السلم الموسيقي

          إلى أن انتهت القطعة الموسيقية كاملة بالإنسان.       

           من "ترنيمة ليوم القديسة سيسيليا"

          والموسيقى هي تعبير عن السرور كما أنها مبعث للسرور، وأطهر السرور وأقربه إلى قلب الله هو سرور المحبة. والسماء مليئة بالموسيقى لأنها مكان مليء بسرور المحبة المقدسة. والأرض مكان يمتزج فيه سرور المحبة بالألم والأسى لأن الخطية موجودة فيها والكراهية والضغينة. ولا بد للمحبة من أن تتألم أحياناً في عالم كهذا كما تألم المسيح عندما بذل نفسه لأجل أحبائه، ولكن الوعد أكيد لنا أن أسباب الحزن والأسى سوف تتلاشى في النهاية وسيتمتع الجنس الجديد إلى الأبد بعالم تسوده المحبة الكاملة، التي لا تطلب ما لنفسها.

          ومن طبيعة المحبة أنها لا يمكن أن تبقى راكدة ساكنة، فهي نشيطة خلاّقة ورحيمة: "الله بين محبته لنا لأننا ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا".

          "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد". وحيثما وجدت المحبة وجب عليها دائماً أن تبذل من أجل من تحب مهما كان الثمن. ولقد وبخ الرسل بعض الكنائس الناشئة توبيخاً عنيفاً لأن بعضاً من أعضائها قد نسوا هذا وقد سمحوا لمحبتهم أن تنصرف إلى المتعة الشخصية بينما أخوتهم كانوا يقاسون ألم الحاجة والحرمان. "وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه." وهكذا كتب يوحنا بالوحي، ذلك الذي عرف في كل العصور بأنه "يوحنا الحبيب".

          ومحبة الله هي إحدى حقائق الوجود، وهي دعامة يرتكز عليها رجاء العالم. ولكنها كذلك شيء شخصي قلبي، فالله لا يحب جماهير أقوام ولكنه يحب شعباً، وهو لا يحب جمهرة أناس بل يحب أناساً. إنه يحبنا جميعاً محبة قوية لا بداءة لها ولا يمكن أن تكون لها نهاية.

          وللمحبة في اختبار كل مسيحي حق محتويات سامية مشبعة تميزها عن كل ما عداها في كل المعتقدات الأخرى وترفعها إلى أبعاد سامية تعلو على أنقى الفلسفات وأنبلها. وهذه المحتويات أكثر من مجرد أشياء، إنها الله بذاته في وسط كنيسته يبتهج بشعبه بترنم. والفرح المسيحي الحق هو جواب القلب جواباً موسيقياً متوافقاً لترنيمة الرب الحبيّة:

          يا محبة الله المستترة، يا من علوها

          وعمقها لا يعرفهما إنسان

          إنني أبصر نورك البديع من بعيد

          وأتنهد في داخلي طالباً الجواب منك

          إن قلبي يتألم ولن

          يستريح حتى يجد راحته فيك.

          غيرهارد ترستيجن

أضف تعليق


قرأت لك

لا تهمل تحذير الله ولا تؤجّل

قرر الأعداء اغتيال أحد ملوك اليونان القدماء، فأرسل له صديقه تحذيراً، طلب فيه منه أن يقرأه فوراً، لأن الأمر خطير. فقال الملك "الأمور الخطيرة تستطيع أن تنتظر إلى الغد". واستمرّ الملك في لهوه ومجونه. وفي تلك الليلة اغتيل الملك ولم يكن له غد!. "لا يتباطىء الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتأنى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة" (2 بطرس 9:3). الله قدّم الكثير من التحذيرات في عدة مراحل من التاريخ وعبر كثير من الأجيال وهو دائما جدي وتصريحاته مسؤولة، لهذا أدعوك أن تأخذ تحذيرات الكتاب المقدس على محمل الجد ودون أن تؤجل بل:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة
  • تطبيق تأملات يومية
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون