كنسيات

2- شرح الآيات الخاصة بالموضوع السابق

القسم: العشاء الرباني.

يجدر بنا قبل البدء في شرح هذه الآيات، أن نلقي نظرة على فحوى الاصحاح السادس من إنجيل يوحنا. ففي الآيات من (1-15)، يتحدث الوحي عن المعجزة التي أشبع بها المسيح آلاف اليهود من خمسة أرغفة وسمكتين، وعن إعجابهم به ورغبتهم في جعله ملكا عليهم لكي يأمنوا شر الجوع في ظلاله. وفي الآيات من (16-21)، يتحدث الوحي عن معجزة تهدئة البحر الذي كاد يبتلع التلاميذ جميعاً. وفي الآيات من (22-24)، يتحدث الوحي عن بحث اليهود عن المسيح لكي يشبعهم من الخبز والسمك كما فعل من قبل. وفي الآيات من(25-69)، يذكر الوحي أن اليهود عندما وجدوا المسيح يحوّل نظرهم من الطعام المادي إلى الطعام الروحي (أو بالحري إلى شخصه وحده، بوصفه خبز الله الذي يهب الحياة الأبدية الذين يتغذون به، أو بالحري يقبلونه في قلوبهم)، انفضوا عن المسيح ورفضوه، ومن ثم فهذا الاصحاح ليس خاصاً بالعشاء الرباني، وذلك لسببين:

(الأول) إن المسيح أعطانا العشاء الرباني، ليس لكي تكون لنا الحياة الأبدية كما تنص الآيات الواردة في (يوحنا6)، بل لكي تتذكر محبته لنا وموته على الصليب من أجلنا، كما ذكرنا في الفصل الخامس من الباب السابق.

(الثاني) إن العشاء الرباني ليس طعاماً روحياً بل هو طعام مادي. أما قول المؤمنين بالاستحالة إنه روحي لأنه ليست له فضلات، كالطعام الذي كان آدم يأكله في الفردوس (الافخارستيا ص 128) فليس بصواب. لأن الطعام الروحي لا يلمس باليد أو يؤخذ بالفم، بل يدرك بالعقل ويؤخذ إلى النفس. أما من جهة الطعام الذي كان آدم يأكله في الجنة فنقول: إن آدم كان إنساناً من لحم ودم مثلنا، ولذلك لا شك أنه كان يقضي حاجته بعد الطعام الذي كان يتناوله، مثله في ذلك مثل الطيور والحيوانات التي كانت معه في الجنة. وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك أي استثناء للقاعدة المعروفة لدينا، وهي أن كل طعام يمر عن طريق الفم لا بد أن تكون له فضلات، وتبعاً لذلك لا يكون العشاء الرباني الذي نأكله بأفواهنا طعاماً روحياً (كما يقول المؤمنون بالاستحالة) ومن ثم لا يكون هو موضوع حديث المسيح في (يوحنا6) كما ذكرنا.

ولما كانت الآيات من (25-66) هي وحدها التي يختلف بعضنا عن البعض الآخر في معناها، رأينا أن نخصها الآن بالشرح والتفسير. وهذه الآيات كما يتضح لكل من يتأملها، تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

(القسم الأول) ويشمل الآيات من (25 50)، خاص بوجوب الإيمان بالمسيح.

(القسم الثاني) ويشمل الآيات من (51-63)، خاص بوجوب التغذي بجسد المسيح ودمه.

(القسم الثالث) ويشمل الآيات من (64-69)، خاص بوجوب الإيمان بالمسيح مثل القسم الأول تماماً، ويتضح كل ذلك بالتفصيل مما يلي:

أولا- الآيات التي تنص على وجوب الإيمان بالمسيح

آية 25- لما التقى المسيح باليهود بعد بحثهم عنه فترة من الزمن، قالوا له "يا معلم متى صرت هنا"؟ - هذا السؤال يدل في ظاهره على أن اليهود كانوا يحبون المسيح ويسعون وراءه، لكنه يدل في الواقع على اهتمامهم بالطعام المادي دون سواه، كما يتضح من الآية التالية.

آية 26 – "أجابهم يسوع وقال: "الحق الحق أقول لكم، أنتم تطلبونني ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم"- هذه الاجابة تدل على معرفة المسيح بما كان يجول في نفوس اليهود من خواطر. فهم لم يطلبوه لأنهم آمنوا به وأحبوه، بل لأنهم أكلوا من بين يديه حتى شبعوا، وأرادوا الآن أن يأكلوا حتى يشبعوا أيضاً.

آية 27- "اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية، الذي يعطيكم ابن الإنسان"- ما كان أحوج اليهود إلى الاصغاء لهذه النصيحة، فكان عليهم أن يتحولوا وقتئذ عن الطعام المادي البائد الذي لا يغذي إلا الجسد، وأن يسعوا وراء الطعام الروحي الباقي الذي يغذي النفس ويعطيها حياة إلى الأبد.

آية 28 – " وقالوا له:ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله؟" أو بالحري " ماذا نفعل حتى نعمل الأعمال التي يريدها الله، حتى نحصل على الطعام الباقي الذي ذكرته لنا؟"- هذا السؤال يدل في ظاهره على استجابة اليهود لنصيحة المسيح الواردة في قوله السابق "اعملوا...."، ولكنه يدل في الواقع على عدم فهمهم لهذه النصيحة، لأن المسيح قال لهم في الآية السابقة إنه سيعطيهم (بنفسه) هذا الطعام، ولذلك كان عليهم أن يعلموا أن العمل الذي طلب منهم القيام به، ليس هو العمل الظاهري بل العمل الباطني، أو بالحري إعداد النفس وتهيئتها لقبول الطعام المذكور.

آية 29 – "أجاب يسوع وقال لهم: هذا هو عمل الله (أو بالحري هذا هو العمل الذي يريده الله) أن تؤمنوا بالذي هو أرسله"- أعلن المسيح لليهود بهذه الإجابة أن الله لا يطلب من الناس أن يقوموا بأعمال صالحة لكي يحصلوا على الحياة الأبدية، بل أن يؤمنوا بالمسيح لكي يحصلوا عليها. ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذه الأعمال، وإن كانت لها قيمتها وقدرها، إلا أنها لا تكفي للحصول على الغفران أو تأهيل النفس للتوافق مع الله[14].

آيتا 30و31: فقالوا له: فأية آية تصنع، فنرى ونؤمن بك، ماذا تعمل؟ آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب: "أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا" - كان المسيح قد عمل أمام اليهود معجزات كثيرة، لكن لقصورهم الروحي من جهة، وشدة تعلقهم بالطعام المادي من جهة أخرى، رأوا أن هذه المعجزات أقل شأناً من معجزة نـزول المن في عهد موسى النبي، ولذلك لم يجدوا (حسب رأيهم) مبرراً يدعوهم إلى الإيمان بالمسيح.

آيتا32 و 33 – "فقال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم، ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء، بل أبي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء، لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم" – هذه العبارة تتحدث عن نوعين من الخبز.

(الأول) المن أو الخبز الذي أعطاه الله لبني إسرائيل في العهد القديم.

(الثاني) الخبز الحقيقي (أو خبز الله) الذي يعطيه الآب من السماء في العهد الجديد، وهذا الخبز هو المسيح. ويسمى "خبز الله" لأنه موضوع شبع الله وسروره، فقد قال عنه "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3:17). وقد أشار تعالى في العهد القديم إلى هذه الحقيقة فقال عن القربان الذي كان رمزاً للمسيح إنه "طعامى" (العدد 28:2) – وطبعاً كلمتا "خبز" و"طعام" مستعملتان هنا في المعنى المجازي، لأن الله لا يأكل بالمعنى الحرفي.

والخبز الثاني (كما يتضح من الآيتين اللتين نحن بصددهما) يختلف عن المن من ناحيتين رئيسيتين:

(الأولى) المن أعطاه الله لبني إسرائيل وحدهم في فترة خاصة من الزمن، ثم منعه عنهم بعد ذلك. أما الخبز الحقيقي أو خبز الله نفسه، فيعطيه الله الآب للعالم، أي لجميع الناس في كل العصور دون استثناء

(الثانية) إن المن هلك معظم الذين أكلوه (1 كورنثوس 10:3)، أما الخبز الحقيقي أو خبز الله، فلا يهلك أحد من آكليه، بل تكون لهم جميعاً الحياة الأبدية – ومما تجدر ملاحظته في هذه المناسبة، أن المن مع كونه خبزاً مادياً، لكن الوحي لا يدعوه "الخبز الحقيقي" لأن معظم الذين أكلوه قد هلكوا. ومن هذا يتضح لنا أن "الحقيقي" لا يراد به المادي، أو على الأقل لا يراد به المادي وحده، بل والروحي أيضاً.

آيتا 34 و 35 – " فقالوا يا سيد: أعطنا في كل حين هذا الخبز. فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً" – كان اليهود يعتقدون أن الخبز الحقيقي أو خبز الله، الذي يهب الحياة للعالم، هو طعام مادي يؤكل بالفم وينـزل إلى الجوف مثل المن، فهدم المسيح هذا الاعتقاد من أساسه، إذ أعلن لهم أن هذا الخبز هو شخصه بالذات، وأن السبيل للإفادة منه (ليس أكله بالفم تحت شكلي الخبز والخمر، كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، بل الإقبال إليه والإيمان به. فقد قال "من يقبل إلىّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي لا يعطش أبداً"، أو بتعبير آخر تكون له الحياة الأبدية التي لا يعوزه معها شيء.

آية 36 – "ولكنني قلت لكم إنكم رأيتموني ولستم تؤمنون" – من هذه العبارة يتضح لنا أن موقف اليهود إزاء المسيح لم يكن عدم الإيمان بأن العشاء الرباني يتحول إلى المسيح، بل عدم الإيمان بأن المسيح نـزل من السماء (كما قال لهم في الآيتين 32،33)، وذلك على الرغم من رؤيتهم له ومشاهدتهم لمعجزاته، وتحقق كل النبوات التي قيلت في توراتهم عن المسيح في شخصه، سواء أكان من جهة الصفات التي يتصف بها أم الأعمال التي يقوم بها – اقرأ مثلا (اشعيا7:14 مع متى 1:18 – 25) و (اشعيا 9:1 و2 مع متى 4: 13 – 16، يوحنا 8:12) و (اشعيا 11:2 مع متى 3:16) و (اشعيا35:5-10 مع لوقا 18: 35 - 43، مرقس 7:32 – 37) و اشعيا 42: 1-4 مع متى 12: 14 – 14 – 21) و (اشعيا 61: 1 – 3 مع لوقا 4: 14 – 22) و (ميخا 5: 2 مع متى 2: 1 – 6) و (زكريا 9: 9 مع يوحنا 12:12 – 19).

آية 40 – "لأن هذه هي مشيئة الذي أرسلني، إن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" – من هذه الآية يتضح لنا أن الحياة الأبدية لا تمنح بواسطة التناول من العشاء الرباني، أو بواسطة هذا التناول والايمان معاً (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، بل تمنح فقط بواسطة رؤية المسيح والايمان به، أو بالحري بواسطة الإتيان اليه بالقلب والايمان به بالحق.

آيتا 41 و42 – "فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: أليس هذا هو يسوع ابن يوسف، الذي نحن عارفون بأبيه وأمه، فكيف يقول هذا إنني نـزلت من السماء؟" – من هذه العبارة يتضح لنا أيضاً أن تذمر اليهود لم يكن راجعاً إلى عدم إيمانهم بأن العشاء الرباني يتحول إلى المسيح، بل كان راجعاً إلى نفورهم من قوله إنه نـزل من السماء، إذ كانوا يعتقدون بناء على ما لديهم من معلومات بشرية، أن المسيح لم يكن إلا ابناً ليوسف النجار، ومن ثم لا يمكن (حسب وجهة نظرهم) أن يكون قد نـزل من السماء كما قال.

آية 47 "الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فله حياة أبدية" – من هذه الآية يتضح لنا كذلك، أن الحياة الأبدية هي فقط بواسطة الايمان بالمسيح أو بالحري الايمان الحقيقي به، كما ذكرنا فيما سلف.

ثانياً – الآيات التي تنص على وجوب التغذي بجسد المسيح ودمه

آية 51 – "أنا هو الخبز الحي الذي نـزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" – يعتقد الذين يؤمنون بالاستحالة أن الفعل "يأكل" هنا، يراد به المعنى الحرفي أو المادي، ويعتقد الذين لا يؤمنون بها أن هذا الفعل يراد به المعنى المجازي أو الروحي، ولكي تتضح لنا الحقيقة نقول:

(أ) إن المسيح قال لليهود في الآيات (34 و 35 و40 و47) "إن كل من يؤمن به تكون له الحياة الأبدية". وإن مقارنة بسيطة بين قوله هذا، وبين قوله في آية (51) التي نتحدث عنها الآن وهي "إن أكل أحد من هذا الخبز (أو بالحري من شخصه) يحيا إلى الأبد"، ترينا أن المسيح لا يمكن أن يكون قد قصد بالأكل من شخصه، الأكل بالفم، بل قبوله بالايمان في النفس، لأنه لا يمكن أن تكون هناك وسيلتان مختلفتان للحصول على الحياة الأبدية: الأولى بواسطة الأيمان به، والثانية بواسطة الأكل بالفم من شخصه، كما ذكرنا في الفصل السابق.

(ب) ومما يثبت أيضاً أن المسيح لم يقصد بالأكل من شخصه سوى الايمان به، أننا إذا رجعنا إلى أقواله، نجد أنه لا يستعمل "واو العطف" بين الآيات الخاصة بالايمان به، وبين الخاصة بالأكل من شخصه. فهو لم يقل مطلقاً للناس "أن يؤمنوا به وأن يأكلوا من شخصه"، بل قال فقط "أن يؤمنوا به" كما ذكرنا في شرح الآيات (34 و35 و40 و47)، وكل ما في الأمر أنه عندما شبه نفسه بعد ذلك بالخبز في (آية 51)، قال لهم "أن يأكلوا منه"، لأن الخبز الذي شبه نفسه به، يؤكل ولا يؤمن به.

وقد عبر المسيح عن الايمان به بالأكل، لأن هناك شبهاً بين الايمان بشخصه وبين الأكل، إذ كما أنه لا فائدة من الطعام إلا إذا أكلناه وامتصته أجسادنا، هكذا الحال من جهة موقفنا إزاء المسيح، فإن تصديقنا لرسالته دون تفتح نفوسنا له وقبولنا إياه في داخلها غذاء وحياة لها، لا يجدي علينا خيراً (يوحنا1:12). والقائلون بالاستحالة يعرفون هذه الحقيقة كل المعرفة، فقد قال: "يعبر عن الاتحاد باللاهوت بالأكل" (الافخارستيا ص 117). ولذلك فالآية (51) ليست إلا إيضاحاً للآيات (34 و 35 و40 و47)، للتنبير على أن الإيمان بالمسيح يجب أن يكون حقيقياً وعملياً مثل الأكل تماماً.

(ج) فإذا أضفنا إلى ذلك (أولا) أن المسيح استعمل فيما سلف كلمتي "الجوع" و"العطش" بالمعنى المجازي أيضاً (ثانياً) أن استعمال كلمة الأكل "بالمعنى المجازي لم يكن غريباً عن اليهود، فقد استعملت في توراتهم بهذا المعنى، إذ قال إرميا النبي (مثلا) لله " وجد كلامك فأكلته " (إرميا15:16). (ثالثاً) أن تلمودهم نفسه استعمل عبارة "أكل المسيح" بمعنى قبوله بفرح (تفسير إنجيل يوحنا للقس د. ابراهيم سعيد)، أو بالحري الإيمان به بسرور، اتضح لنا أن اليهود لا بد أنهم أدركوا أن الأكل من المسيح هو بعينه الايمان به، وأن الايمان به هو بعينه الأكل منه.

تابع آية 51 – والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" – من هذه الآية يتضح لنا أن الوسيلة التي بها يعطينا المسيح جسده لكي تكون لنا الحياة الأبدية، ليست هي تقديمه لنا في أيدينا تحت شكلي الخبز والخمر (كما يعتقد المؤمنون بالاستحالة)، بل هي بذله كفارة من أجل حياتنا وحياة العالم بأسره، ولذلك تكون إفادتنا من جسده ليست بواسطة الأكل منه بأفواهنا تحت شكلي الخبز والخمر كما يعتقدون، بل فقط بواسطة قبول حقيقة بذل نفسه نيابة عنا، أو بالحري بواسطة الايمان القلبي بهذه الحقيقة كما ذكرنا.

آية52 – "فخاصم اليهود بعضهم بعضاً قائلين: كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" – من هذه الآية يتضح لنا أن خصام اليهود لم يكن راجعاً إلى عدم رغبتهم في الأكل من جسد المسيح أو عدم قدرتهم على الأكل منه (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، بل أن خصامهم هذا كان راجعاً إلى عدم إيمانهم أن المسيح يقدر أن يعطيهم جسده لكي يأكلوه، لأن سؤالهم لم يكن "كيف نقدر (نحن) أن نأكل جسده؟"، بل كان "كيف يقدر (هو) أن يعطينا جسده لنأكل؟".

والآن لنسأل أنفسنا: هل الصعوبة التي قامت أمام اليهود، كان عدم إيمانهم أن المسيح يقدر أن يعطيهم جسده لكي يأكلوه بأفواههم، أم عدم إيمانهم أن المسيح يقدر أن يعطيهم جسده كفارة لكي تكون لهم الحياة الأبدية بواسطة الأكل الروحي منه، أو بالحري بواسطة الإيمان الحقيقي به؟!

الجواب: لا شك أن الصعوبة الثانية التي قامت أمام اليهود، وذلك لسببين:

(الأول) إن المسيح لم يكن قد أنبأ أحداً بعد بشيء عن العشاء الرباني الذي يعتقد القائلون بالاستحالة أنه يتحول إلى المسيح، وأن الأكل منه هو عين الأكل من المسيح، ولذلك على فرض حدوث استحالة في هذا العشاء، لا يكون المسيح قد قصد بحديثه السابق حث اليهود على الأكل من العشاء المذكور، وإلا لكان قد طلب منهم الرجم بالغيب، الأمر الذي يتنـزه عنه كل التنـزيه.

(الثاني) إن اليهود كانوا يدركون أن المسيح لم يقصد بالأكل من شخصه سوى الإيمان به، إذ فضلا عن الأدلة التي تثبت هذه الحقيقة كما ذكرنا في شرح (آية 51)، فليس هناك إنسان عاقل لم يسمع عن العقيدة التي تدعى الاستحالة، مثل اليهود وقتئذ، يمكن أن يتسرب إلى ذهنه أن المسيح كان يطلب من الناس أن يمزقوا جسده الذي كان يعيش فيه إذ ذاك، ثم يأكلوه بأفواههم حتى تكون لهم الحياة الأبدية.

آيتا 53 و 54 – "فقال لهم يسوع، الحق الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي، فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" – هذا هو رد المسيح على سؤال اليهود "كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" – وفي ضوء هذا الرد نقول: لو كان خصام اليهود راجعاً إلى فهمهم أو فهم بعضهم كلمة "الأكل" بالمعنى الحرفي، لكان المسيح قد قال لهم (مثلا) "لا تتخاصموا، فإني سوف أعطيكم جسدي تحت هيئة الخبز (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، حتى تستطيعوا أن تأكلوه بكل سهولة"، وذلك كي يصنع حداً لخصام لا يكون له مبرر أو داعٍ.

لكن رده على سؤالهم المذكور بالقول "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم" لا يعلل إلا بأحد أمرين: (الأول) إما أن المسيح وقف إزاء اليهود موقف العناد والاستفزاز فأضاف إلى وجوب الأكل من جسده، وجوب الشرب من دمه، لكي يزيدهم غضباً وانفعالاً.

(الثاني) وإما أنه أضاف إلى وجوب الأكل من جسده، وجوب الشرب من دمه، للدلالة على وجوب الإيمان بأن الفادي الذي يبذل دمه كفارة عنهم، كما قال لهم من قبل في الشطر الأخير من (آية 51).

أما السبب الأول فغير معروف على الاطلاق، لأن المسيح كان حليما كل الحلم وديعاً كل الوداعة، لا يثير الناس أو يضع العراقيل في سبيلهم. بينما السبب الثاني معقول ومقبول، لأنه لما كان الخلاص هو بواسطة الايمان الحقيقي بكفارة المسيح، التي انفصل فيها دمه عن جسده، كان من البديهي أن يعبر المسيح عن وجوب الايمان بأنه الفادي الذي يكفر عن الخطايا، بوجوب الأكل من جسده والشرب من دمه.

ومما يدل أيضاً على أن السبب الثاني هو المعقول والمقبول معاً، أن اليهود كانوا أثناء حديث المسيح معهم عن التغذي بجسده ودمه، ويستعدون لعمل تذكار خروف الفصح (يوحنا6: 4)، وكان من المناسب أن يوجه المسيح أنظارهم وقتئذ إلى شخصه بوصفه الفادي الحقيقي، الذي لم يكن خروف الفصح إلا رمزاً له، حتى كما أفادوا من لحم ودم هذا الخروف مرة في أرض مصر بطريقة مادية، وتمتعوا إذ ذاك بخلاص أرضي وقتي، كان عليهم بالأولى أن يفيدوا من جسد المسيح ودمه بطريقة روحية، لكي يتمتعوا بخلاص سماوي أبدي.

آية 55 – "لأن جسدي مأكل حق (أو حقيقي)، ودمي مشرب حق (أو حقيقي)" – الحق أو الحقيقي هو الذي له وجود فعلي، والذي يكون له وجود فعلي قد يكون مادياً وقد يكون روحياً. فالايمان والتقوى والقداسة كلها أمور حقيقية، ومع ذلك فإنها ليست مادية. والمؤمنون بالاستحالة يعرفون ذلك كل المعرفة، فقد قالوا "الروحيات حقائق" (الافخارستيا ص 66). والحق أو الحقيقي هو أيضاً الدائم أي الذي ليس فانياً أو زائلا. فنحن نقول: "غنى هذا العالم ليس حقيقياً" بمعنى أنه "فان وزائل". وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن قول المسيح "جسدي مأكل حق"، ليس معناه أنه طعام مادي يؤكل بالفم تحت هيئة الخبز (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، بل معناه أنه طعام روحي يدوم تأثيره في النفس إلى الأبد، وذلك بالمقابلة مع الطعام المادي البائد الذي لا بد أن يجوع كل من يأكل منه. وأن قوله "دمي مشرب حق" ليس معناه أنه شراب مادي يشرب بالفم تحت هيئة الخمر (كما يقولون)، بل معناه أنه شراب روحي يدوم تأثيره في النفس إلى الأبد، وذلك بالمقابلة مع الشراب المادي البائد الذي لا بد أن يعطش كل من يشرب منه.

وليس هذا بالأمر الغريب، فالمسيح قال عن نفسه إنه "الكرمة الحقيقية"، وإنه "الخبز الحقيقي"، كما قال عنه الوحي إنه "النور الحقيقي" (يوحنا 15:1،6:32،1:9)، ليس بمعنى أنه شجرة كرمة، أو خبز مصنوع من الدقيق، أو نور من الأنوار الطبيعية أو الصناعية، بل بمعنى أنه أصل المؤمنين وحاملهم، والقائم بتغذيتهم وإرشادهم في الحياة. ولذلك فإن قول المسيح عن جسده ودمه إنهما "مأكل حق ومشرب حق"، لا يراد به أنهما طعام مادي يؤكل بالفم تحت أي شكل من الأشكال، كما ذكرنا فيما سلف.

آية 56 – "من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيّ وأنا فيه" – بما أن ثباتنا في المسيح وثبات المسيح فينا، هو في الواقع تعبير آخر للتمتع بالحياة الأبدية، لأنه ليست هناك حياة أبدية بالانفصال عنه (أعمال 4:12، 1 يوحنا 5: 12). وبما أن الحياة الأبدية (كما اتضح لنا مما سلف)، تتوقف على الإيمان الحقيقي بالمسيح، يكون المراد بالأكل من جسد المسيح والشرب من دمه لأجل الثبات فيه، هو أيضاً عين الإيمان الحقيقي بشخصه. ومما يؤيد ذلك، أن الوحي أعلن بصراحة تامة أن الثبات في الله هو بواسطة الايمان بالمسيح، فقد قال "من اعترف أن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه وهو في الله" (1 يوحنا 4: 15) (ولا غرابة في ذلك فإن الاعتراف بالمسيح في القرون الأولى كان مصحوباً بالاضطهاد، وليس من المعقول أن يتحمل الاضطهاد إلا من كان مؤمناً حقيقياً)، كما قال "لأنكم بالايمان تثبتون" (2 كورنثوس 1: 22 – 24)، وقال "إن ثبت فيكم ما سمعتوه من البدء (أو بالحري إن كان لكم إيمان حقيقي)، فأنتم أيضاً تثبتون في الابن وفي الآب" (1 يوحنا 2: 24).

آية 57 – "كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني يحيا بي" – إن المسيح بوصفه "الابن الأزلي" له حياة ذاتية (يوحنا5: 26، 11: 25، أعمال 3: 5)، ولذلك فحياته بالآب الوارد ذكرها في هذه الآية يراد بها حياته بوصفه "ابن الانسان"، لأنه بهذا الوصف لم يكن يعمل من نفسه شيئاً (يوحنا 5: 19)، بل كان الآب الحال فيه هو الذي يعمل الأعمال (يوحنا 14:10).

وحياة المسيح بالآب هي طبعاً بالروح وليس بالجسد، لأن الآب روح ولا جسد له على الإطلاق (يوحنا 4: 24). وبما أن المسيح أعلن لنا في هذه الآية أن حياتنا به هي على نمط حياته بالآب، يكون أكلنا من المسيح الذي تتوقف عليه حياتنا به، هو بالروح وليس بالجسد، أو بتعبير آخر بواسطة قبوله بالإيمان في النفس، وليس بواسطة أكله بالفم تحت أي شكل من الأشكال.

آية 58 – "هذا هو الخبز الذي نـزل من السماء" – هذه الآية هي خاتمة حديث المسيح عن التغذي بجسده ودمه، ومنها يتضح لنا أنه استعاض عن كلمتي "الجسد" و"الدم" بكلمة "الخبز" وحدها، كما أنه كف عن استعمال عبارات الأكل من جسده والشرب من دمه. وطبعاً لو كان المسيح أراد بالأكل والشرب منهما المعنى الحرفي، لما فعل ذلك على الإطلاق، بل لنبّر ونبّر على وجوب الأكل من الأول والشرب من الثاني إلى النهاية. ولذلك فقوله في خاتمة هذا الحديث عن نفسه إنه فقط "الخبز" الذي نـزل من السماء، كما قال تماماً في أول الأمر (آية 34)، دليل على أنه لم يقصد بالتغذي من جسده ودمه سوى اتخاذ شخصه حياة للنفس وغذاء روحياً لها كما ذكرنا.

آية 61 – "فقال كثيرون من تلاميذه، إن هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه؟!" – إن الكلام الصعب الذي لم يقدر هؤلاء التلاميذ أن يسمعوه، لا يمكن أن يكون عن وجوب التناول من جسد المسيح ودمه بالفم (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، لأنه لو كان الأمر كذلك، لما اكتفى التلاميذ المذكورون بالقول "إن هذا الكلام صعب، من يقدر أن يسمعه"، بل لكانوا قد سألوا المسيح قائلين مثلاً:

"كيف تطلب منا أن نأكل لحمك، وأنت انسان نهى الله عن قتله أو ذبحه؟!"

أو كيف تطلب منا أن نشرب دمك، والدم عامة منهى عن شربه؟!". فقد قال الله "كل انسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء النازلين في وسطهم يأكل دماً، اجعل وجهي ضد النفس الآكلة للدم وأقطعها من شعبها، لأن نفس الجسد هي في الدم. "فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأن الدم يكفر عن النفس" (لاويين 17: 10 – 14، تثنية 12: 16: 23).

أو كانوا يقولون: "هل لحمك ودمك يكفيان لنا نحن الحاضرين أمامك!! وإن كانا يكفيان، فماذا يأكل غيرنا من الناس، وعددهم ملايين الملايين، حتى تكون لهم الحياة الأبدية؟! ثم إن أكلنا لحمك، فبأي طريقة من الطرق نأكله، هل نأكله نيئاً أو مشوياً بالنار مثل خروف الفصح؟!"

أو "هل اللحم والدم اللذان يؤخذان بالفم ويذهبان إلى الجوف، يمكن أن يؤهلانا للحياة الأبدية، أم أن حفظ الناموس هو الذي يؤهلنا لهذه الحياة. كما تعلمنا من الكتبة والفريسيين؟!"

أو بغير ذلك من الأسئلة التي تخطر ببال أشخاص لم يسمعوا عن العقيدة التي تدعى الاستحالة، حتى يعرفوا السبيل الحقيقي للحصول على الحياة الأبدية، هذا السبيل الذي يشتاق إلى معرفته بالتدقيق كل من تهمه الحياة المذكورة.

وإذا كان ذلك كذلك، يكون الكلام الصعب الذي لم يقدر هؤلاء التلاميذ أن يسمعوه، هو قول المسيح عن نفسه في آخر حديثه السابق (آية 58)، إنه "نـزل من السماء"، لأنهم كانوا يعتبرون قوله هذا تجديفاً شنيعاً. ومما يثبت ذلك أننا رجعنا إلى تاريخ المسيح، نجد أن الموضوع الوحيد الذي كان اليهود لا يستطيعون سماعه منه، وفي الوقت نفسه كانوا لا يستطيعون تخطئته فيه، هو شهادته عن نفسه أنه "ابن الله النازل من السماء"، لأن أعماله تدل على صدقها. ولذلك نرى أنهم دون بحث أو مناقشة حاولوا مرتين أن يرجموه بالحجارة (يوحنا 8: 58، 59 10: 30 – 36). كما حاولوا قبل ذلك أن يقتلوه[15] (يوحنا 5:17،18).

وعند الصليب نرى أن الموضوع الوحيد الذي كان يصعب عليهم سماعه من المسيح، هو شهادته عن نفسه بأنه "ابن الله" حتى أن رئيس كهنتهم ضاق به ذرعاً، ومزق ثيابه وصرخ لهم قائلاً: "قد جدف ". فأجابوه على الفور: "إنه مستوجب الموت". ومن ثم أخذوه وقادوه إلى الصليب (مرقس 14: 64 – 66)، الأمر الذي يدل على أن الكلام الصعب الذي لم يقدروا أن يسمعوه من المسيح في (يوحنا 6)، كان هو شهادته عن نفسه انه ابن الله النازل من السماء، لكي يهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به كما ذكرنا.

ومما تجدر الإشارة اليه في هذه المناسبة، أن تسليم المسيح للصلب، لم يكن رغماً عنه بل كان بإرادته وحده، فقد كانت حياته ملكاً خاصاً له، وما كان لأحد أن ينتزعها منه بأي شكل من الأشكال (يوحنا 10:18) ولذلك نقرأ في الإنجيل أنه هو الذي أسلم نفسه للجند بمحض إرادته (يوحنا 18: 8 -9)، عندما رأى أن ساعته قد جاءت لكي يتمم مشيئة الله التي أتى إلى العالم من أجلها. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال لليهود عن المسيح "هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق (أي ليس بمشيئة الاسخريوطي أو اليهود أو الرومان) وبأيدي أثمة صلبتموه" (أعمال 2: 23).

آيتا 61 و 62 – فقال لهم "أهذا يعثركم؟ فان رأيتم ابن الانسان صاعداً إلى حيث كان أولاً..." – هذا هو رد المسيح على قول تلاميذه "هذا الكلام صعب. من يقدر أن يسمعه". وفي ضوء هذا الرد نقول: لو كانت الصعوبة التي قامت أمامهم خاصة بكيفية الأكل من جسد المسيح والشرب من دمه بالمعنى الحرفي (ولهم العذر في ذلك، فالدم عامة منهى عن شربه، والبشر منهى عن قتلهم وأكل لحمهم، فضلا عن ذلك فإنهم لم يكونوا قد سمعوا مطلقاً عن العقيدة التي تدعى الاستحالة، كما ذكرنا فيما سلف)، لما كان المسيح أجابهم بهذه الإجابة، بل كان قد قال لهم (مثلاً) "لا يصعب عليكم قبول كلامي، فإني سوف أعطيكم جسدي ودمي تحت شكلي الخبز والخمر (كما يعتقد القائلون بالاستحالة)". وذلك كي يهدأ تلاميذه ويواصلوا السير معه، لأجل خيرهم وخير الآخرين معهم.

لكن رده عليهم بالقول المحذوف منه جواب الشرط "أهذا يعثركم؟ فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولا..."، دليل على أنه أراد بحديثه السابق أن يؤمنوا أنه نـزل من السماء كما قال لهم من قبل في (آية 58). ولا غرابة في ذلك، فالقاعدة العامة هي أن الفعل المقدر في جواب الشرط، يجب أن يكون متوافقاً مع سياق الحديث. وبما أن الحديث السابق كان عن نـزول المسيح من السماء، يكون فعل "النـزول" هو المقدر في جواب الشرط المذكور، لأن حذف المعلوم جائز. وبذلك تكون تكملة الآية التي نتحدث عنها هي "... فإن العثرة ستزول من أمامكم وتؤمنون أني نـزلت من السماء، كما قلت لكم من قبل".

ومما يثبت ذلك أنه عندما قام المسيح من الأموات آمن كثير من اليهود بأنه حقاً ابن الله الذي نـزل من السماء (يوحنا 2:22، رومية4:1)[16]

آية 63 – "الروح هو الذي يحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئاً. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة" – سواء أكان المراد بـ "الروح" هنا، "الروح القدس" أم الروح البشرية (لأن اللغة اليونانية القديمة التي كتب بها الكتاب المقدس في أول الأمر (مثل اللغة العربية لدينا) ليست بها حروف كبيرة (cabital letters)، حتى يمكن التفرقة من الناحية الكتابية بين أسماء الأعلام والأسماء العامة المشابهة لها في الهجاء. فكلمة "الروح" ترد في هذه الآية وفي غيرها من الآيات، مبدوءة بحرف صغير (small letter)، ولذلك فإنها بحسب رسمها الكتابي، تعني "الروح القدس" كما تعني "الروح البشرية")، وسواء أكان المراد بـ "الجسد" هنا، "الطبيعة البشرية" أم "الجسد المادي" لأنه أتى بالمعنى الأول في (غلاطية 5: 24) وبالمعنى الثاني في يهوذا 9)، فإن قول المسيح في هذه الآية إن كلامه هو روح وحياة، يدل على أن حديثه عن كونه ابن الله النازل من السماء، الذي يجب أن نتغذى به، هو حديث روحي لا مادي، وأننا إذا قبلنا شخصه في قلوبنا، يكون روحاً وحياة لنا.

أما قول بعض المفسرين الذين لا يؤمنون بالاستحالة (إن الجسد في هذه الآية يراد به "جسد المسيح"، لأن هذا الجسد لا يفيد أرواحنا بشئ إذا أكلناه بالفم)، فليس بصواب. لأنه وإن كان السبب الذي ذكروه لا شك في صدقه على الاطلاق (لأن إفادتنا من المسيح لا تكون بواسطة الأكل منه بأفواهنا (تحت أي شكل من الأشكال) بل بواسطة قبوله بالايمان في قلوبنا)، غير أنه نظراً لأن المسيح لم يتكلم قط عن الأكل من جسده بالمعنى الحرفي، ولا اليهود فهموا أنه كان يتكلم عن الأكل منه بهذا المعنى كما اتضح لنا مما سلف، لذلك لا يكون قد قصد بـ "الجسد" هنا، جسده الذي كان يعيش فيه وقتئذ.

ثالثاً – الآيات الأخيرة التي تنص على وجوب الايمان بالمسيح

الآية 64 – "ولكن منكم قوم لا يؤمنون" – لو كان المسيح قصد بحديثه السابق المعنى الحرفي له، لكان قد قال لليهود "لكن منكم قوم يرفضون الأكل من جسدي والشرب من دمي".أما قوله "لكن منكم قوم لا يؤمنون"، لا يترك مجال للشك في أنه قصد بحديثه المذكور المعنى المجازي أو الروحي، الذي هو الايمان الحقيقي بشخصه كما ذكرنا.

آية 65 – "لأن يسوع من البدء علم من هم الذين يؤمنون، ومن هو الذي يسلمه" – وهذه الاشارة من جانب يوحنا الرسول تُرينا أيضاً أن المسيح قصد بحديثه السابق المعنى الروحي الذي ذكرناه. لأنه لو قصد المعنى الحرفي، لقال يوحنا "لأن يسوع من البدء علم من هم الذين يقبلون الأكل من جسده والشرب من دمه، ومن هو الذي يرفض"، وليس "من هم الذين يؤمنون، ومن هو الذي يسلمه".

آية 66 – "من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه" – لو كان المسيح قصد بحديثه المذكور المعنى الحرفي، لقال لتلاميذه المذكورين عندما أخذوا في الانصراف عنه "لا ترجعوا إلى الوراء، فإني لا أطلب منكم أن تأكلوا جسدي وتشربوا دمي اللذين ترونهما الآن، بل اني سوف أعطيكم إياهما تحت شكلي الخبز والخمر (كما يقول المؤمنون بالاستحالة)، حتى تستطيعوا أن تأكلوا الأول وتشربوا الثاني دون نفور أو اشمئزاز". وذلك ليس من باب الشفقة والعطف عليهم فحسب، بل وأيضاً من باب المصادقة على أقوال التوراة، التي تنهي عن شرب الدم وأكل اللحم البشري.

وبما أن المسيح لم يتصرف هذا التصرف، أو قام بأي محاولة للإبقاء على تلاميذه المذكورين، فلا بد إذاً من التسليم بأحد أمرين:

(الأول) إما أن المسيح كان يسعى لإثارة نفوس تلاميذه وتضليلها دون مبرر أو داعي.

(الثاني) وإما أنه قصد بحديثه السابق المعنى الروحي، الذي هو الإيمان بشخصه رباً وفادياً، وأن تلاميذه فهموا أنه يقصد هذا المعنى بعينه كما ذكرنا في شرح (آية 51).

لكن السبب الأول غير معقول أو مقبول، إذ أن المسيح كان عطوفاً كل العطف وشفوقاً كل الشفقة على تلاميذه وغير تلاميذه، بينما السبب الثاني معقول ومقبول، لأنه لما كانت الحياة الأبدية تتوقف أولا وأخيراً على الإيمان بالمسيح رباً وفادياً (كما ذكرنا فيما سلف)، كان من البديهي ألا يعبأ المسيح بانصراف تلاميذه عنه، لأن عدم إيمانهم به بهذا الوصف يجعلهم غير مهيئين للافادة منه، سواء أبقوا معه أم انصرفوا عنه.

آية 67 – "فقال يسوع للاثني عشر (رسولاً) ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا؟!" – لو كان المسيح قصد بحديثه السابق المعنى الحرفي له، وأبى أن يفسره لليهود ولتلاميذه السابق ذكرهم لسبب من الأسباب، هل كان يخفي تفسيره عن رسله الاثني عشر، لا سيما وقد أخذوا هم أيضاً في الانصراف عنه مثل غيرهم؟ الجواب: طبعاً كلا، لأن هؤلاء الرسل دون غيرهم من التلاميذ، هم الذين قربهم إليه بصفة خاصة، وأعدهم بشتى الوسائل لنشر رسالته في العالم، كما أعلن لهم من قبل، أن لهم دون غيرهم قد أعطيت معرفة أسرار ملكوت السماوات (متى 13: 11). إذاً فعدم صدور كلمة واحدة من المسيح إلى رسله وقتئذ، تدل على أنه سيعطي جسده ودمه تحت شكلي الخبز والخمر، وتركه إياهم لكي ينصرفوا عنه إذا شاءوا، كما انصرف غيرهم، دليل أيضاً على أنه قصد بحديثه السابق المعنى الروحي له، وهو الإيمان بشخصه رباً وفادياً، لأن عدم الإيمان به بهذا الوصف، يجعلهم مثل غيرهم من اليهود غير مهيئين للإفادة منه، سواء أبقوا معه أم انصرفوا عنه.

آية 69 – "فأجاب سمعان بطرس: يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك. ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي" – ومن هذه الاجابة يتضح لنا أن الحقيقة التي رفض اليهود قبولها هي (كون المسيح هو ابن الله الحي النازل من السماء، لكي يهب الحياة الأبدية للذين يؤمنون به)، لأنه لو قصد المسيح بحديثه السابق وجوب الأكل من جسده والشرب من دمه بالمعنى الحرفي (تحت أي شكل من الأشكال)، لما اكتفى بإجابة سمعان هذه، لأنها تكون حينئذ خارجة عن الموضوع، بل وتكون تهرباً من الاستجابة لما كان المسيح يطلبه منه ومن غيره من اليهود. لكن المسيح رضي بإجابة سمعان هذه كل الرضى، ولم يحاول أن يأخذ إقراراً آخر منه بقبول الأكل من جسده (أي جسد المسيح) والشرب من دمه، وهذا دليل ليس بعده دليل على أن إجابة سمعان هذه، هي ما كان المسيح يتطلبها من اليهود أثناء حديثه معهم عن الأكل من جسده والشرب من دمه.

[14]لأن الأعمال الصالحة (أولاً) لا تستطيع أن ترد إلى حق الله (الذي اعتدينا عليه بارتكاب الخطية) كرامته بالدرجة التي يصبح معها كأنه لم يُعتمد عليه إطلاقاً... إذ أن حق الله غير محدود في قدره, بينما أعمالنا الصالحة مهما كثرت فهي محدودة, والأشياء المحدودة لا تفي حقاً غير محدود (ثانياً) إن هذه الأعمال كما نختبر في نفوسنا, لا تستطيع أن تسمو بنا إلى حالة القداسة التي تؤهلنا للتوافق مع الله في صفاته السامية – هذا من ناحيتنا. ومن ناحية الله فإنه لا يتساهل مع الخطية على الإطلاق لأنه لكماله المطلق لا تقل عدالته عن رحمته, أو قداسته عن محبته, ومن ثم لا يمكن أن يغفر خطايانا أو يقربنا إليه لمجرد قيامنا بالأعمال الصالحة. ولذلك قال الكتاب المقدس "لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه" (رومية 3: 20). كما نبرهن على أن الخلاص هو عطية من الله للمؤمنين الحقيقيين, وليس أجرة للأعمال الصالحة التي يقومون بها, فقال "لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان, وذلك ليس منكم, هو عطية الله. ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد" (أفسس 2: 9). وقال "إذاً نحسب الإنسان يتبرر بدون أعمال الناموس" (رومية 3: 27- 28) وقال "أما الذي لا يعمل (شيئاً كثمن للخلاص) لكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر, فإنه يحسب له براً" (رومية 4: 4- 5). وقال "متبررين مجاناً (أي بدون مقابل من جانبكم) بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رومية 3: 24).

لكن وإن كانت الأعمال الصالحة ليست في حد ذاتها بكافية لأن تكون ثمناً للخلاص أو الحياة الأبدية للسببين السابق ذكرهما, لكنها ضرورية كثمر طبيعي للإيمان الحقيقي, ولولاها لا يكون الإيمان حقيقياً (يعقوب 2: 20). فضلاً ذلك فإن لها جزاء خاصاً عند الله ليس في العالم الحاضر فحسب, بل وفي العالم الآتي أيضاً (1 كورنثوس 3: 14, 15), وذلك بالإضافة إلى الحياة الأبدية, التي هي هبة من الله للمؤمنين الحقيقيين (رومية 6: 23).

[15]أما السبب في عدم إساءة اليهود للمسيح عند حديثه الوارد في (يوحنا 6), فيرجع (كما أرى) إلى أنهم كانوا لا يزالون تحت تأثير الخبز والسمك اللذين أشبعهم بهما, ولذلك اكتفوا بالتذمر عليه, والنفور من سماع شهادته عن نفسه كما ذكرنا أعلاه.

[16]ذهب بعض المفسرين إلى أن جواب الشرط هنا تقديره: "فإن الصعوبة تزداد أمامكم".. ويغلب على الظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لأنهم أخذوا الآية التي نحن بصددها كأنها (فماذا يكون موقفكم, أو كيف يكون موقفكم إن رأيتم...؟). ولكن كلمتي "ماذا" و"كيف" المذكورتين ليس لهما أساس في الأصل اليوناني. فضلاً عن ذلك فإن رؤية اليهود للمسيح وهو صاعد إلى السماء لا تزيد أمامهم الصعوبة من جهة الإيمان بأنه ابن الله النازل من السماء, بل تزيد هذه الصعوبة من أمامهم تماماً كما ذكرنا. أما القول إن جواب الشرط المحذوف هو "فإنكم سوف تقبلون أن تأكلوا جسدي وتشربوا دمي" (الافخارستيا ص 39), فليس بصواب على الإطلاق, لأن المسيح لم يكن قد ذكر لليهود من قبل شيئاً عن العشاء الرباني (الذي يقول المؤمنون بالاستحالة إنه يتحول إلى ذات جسد المسيح ودمه). ولذلك لا يعقل أن حديثه وقتئذٍ كان خاصاً بهذا العشاء, لأن المسيح لا يطلب من الناس الرجم بالغيب كما ذكرنا فيما سلف.

أضف تعليق


قرأت لك

الأمر الإلهي بالمعمودية المسيحية

قبل أن يبدأ السيد المسيح له المجد خدمته الجهرية، كان يوحنا المعمدان يعمد في الأردن، وقد كانت معمودية يوحنا إلى حد ما نوعاً من الغسلات الخارجية والتطهير الطقسي.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة