لماذا يتفوَّق بعض القادة؟

القسم: كيف تكون قائداً جديراً.

إن الحسن هو عدو الأحسن. غالباً تسأل الناس عن صف أو سلسلة اجتماعات أو برنامج زيارة يكون الرد "لا بأس به" وقد يقول آخر "كان فظيعاً". والقول عن شيء أنه حسن، أو أنه لا بأس به، هو قول يستهدف التعزية، وإن وَصْفَ شيء بأنه وسط ينمّ غالباً عن وجود خطر. ويكون هذا الوضع الخَطِر عندما يعرف القائد حقيقة الحال ويشعر بالاكتفاء ولا يبالي.

ومن ناحية أخرى هناك بعض البرامج التي تبرز واضحة. أنها برامج منعشة تنبض بالحياة. والذين تتعلق بهم متحمّسون يعملون ويثمرون. وعندما تبحث عن السر تكتشف أن هناك قائداً له صفات قلّما توجد في شخص عادي. إنه قائد متفوّق.


التفوّق

إن الصفة الأولى الضرورية في القائد البارز هي روح التفوّق. فالذي يكافح للتفوق لا يمكن اعتباره عادياً. ولكن أين يبدأ الشخص لكي يتفوّق في هذه الصفة المميّزة؟ كيف يربّي القائد في نفسه روح التفوّق في زمن يعتبر فيه أي شيء متوسط حسناً وجيداً؟ والجواب: أن عليه أن يبدأ مع الله نفسه. عليه أن يتأمل تفوّق الله وصفاته المميّزة.

- اسم الرب مجيد وعال، إنه متفوّق:

"أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات" (مزمور 8: 1). "ليسبِّحوا اسم الرب لأنه قد تعالى اسمه وحده، مجده فوق الأرض والسماوات" (مزمور 148: 13).

- رحمة الله المحب متفوِّقة:

"ما أكرم رحمتك يا الله، فبنو البشر في ظل جناحيك يحتمون" (مزمور 36: 7).

- قوة الله متفوّقة:

"هللويا، سبحوا الله في قدسه، سبحوه في فلك قوته" (مزمور 150: 1).

- خلاص الله متفوِّق:

"هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا أرتعب، لأن يَاهَ يَهْوَهَ قوتي وترنيمي وقد صار لي خلاصاً. فتستقون مياهاً بفرح من ينابيع الخلاص وتقولون في ذلك اليوم: احمدوا الرب، ادعوا باسمه، عرّفوا بين الشعوب بأفعاله، ذكِّروا بأن اسمه قد تعالى. رنِّموا للرب لأنه قد صنع مفتخراً. ليكن هذا معروفاً في كل الأرض" (أشعيا 12: 2- 5).

- عمل الله متفوِّق:

"أنصتي أيتها السموات فأتكلم، ولتسمع الأرض أقوال فمي. يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندى كلامي. كالطل على الكلأ وكالوابل على العشب. إني باسم الرب أنادي، أعطوا عظمة لإلهنا. هو الصخر الكامل صنيعه، إن جميع سبله عدل. إله أمانة لا جور فيه، صديق وعادل هو" (تثنية 32: 1- 4).

- طريق الله متفوِّقة:

"الله طريقه كامل، وقول الرب نقيّ. ترس هو لجميع المحتمين به" (2 صموئيل 22: 31).

- إرادة الله متفوِّقة:

"فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدّموا أجسادكم ذبيحة حية مقدَّسة مَرْضِيَّة عند الله عبادتكم العقلية. ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المَرضِيَّة الكاملة" (رومية 12: 1- 2). هناك آيات كثيرة في الكتاب المقدس تحمل هذه الفكرة. نلاحظ هذا بانتباه: إن روح التفوّق في حياة القائد هو انعكاس لإحدى مزايا الله.

كثيراً ما يسيء المؤمنون المسيحيون فهم هذا التشديد، ويخلطون بينه وبين الجهد الجسدي والطموح الدنيوي. لكن هذا ليس الواقع. نلاحظ في كل الكتاب المقدس تشديداً على ضرورة التشبه بالله والسعي لنكون مثله.

أصدر الملك داود في أواخر حياته بياناً هاماً يتعلق بالعمل في بناء الهيكل. "وقال داود إن سليمان ابني صغيرٌ وغضّ، والبيت الذي يُبنى للرب يكون عظيماً جداً في الاسم والمجد في جميع الأراضي فأنا أهيئ له. فهيأ داود كثيراً قبل وفاته" (أيام 22: 5). لماذا أَحسَّ داود بهذا الشعور القوي وصمَّم على أن يكون هيكل الله عظيماً جداً؟ لأنه كان يعكس اسم الله الذي هو متفوِّق في كل الأرض. لتكن هذه الآية مُذكّراً للقائد. إذا كان ما تعمله هو باسم الرب فتأكد من أنه يعكس جيداً ذلك الاسم، وبأنه فائق الفخامة.

إن الرغبة في عمل الأشياء بتفوق هي تشبُّه بالمسيح. جاء عنه في الإنجيل "أنه علم كل شيء حسناً" (مرقس 7: 37). إنه لمن المدهش أن نلاحظ أن القادة المسيحيين الذين يحبّون التشبُّه برأفة المسيح ومحبَّته يهملون تماماً ناحية التفوق في خلقه. رأيت على لوحة الإعلانات في إحدى الكنائس مرةً ملخَّصاً لموضوع عظة "التمثُّل أكثر فأكثر بالمسيح". لكن الكتابة كانت غير مرتبة والورقة نفسها قذرة مشوّهة. يا للتناقض الفظيع بين الكلام والعمل!

التقيت جون كروفورد، وهو ممثّل "الملاّحين" في نيوزيلاندا، وكان يتكلم عن مشروع بناء للجمعية في لوس أنجلوس وكان يشرف عليه. فقد كانت جمعية الملاحين تبني مكاتب لها، وكان المبنى على وشك الانتهاء والعمال يقومون بإتمام العمل في الباب الخلفي الذي يؤدي إلى ممرّ صغير خلف المبنى. كان داوسون تروتمان على وشك العودة إلى لوس أنجلوس، وحاول العمال الإسراع وإتمام العمل قبل وصوله.

كان داوسون تروتمان، مؤسس جمعية الملاحين، ذا مبادئ دقيقة، لذا تمّ العمل في المكاتب على هذا الأساس، لكن لضيق الوقت لم يتمكن العمال من إتقان العمل في الباب الخلفي، وكان المبرّر لذلك كون الممرّ الواقع خلف المبنى لا تمر به السيارات إلا نادراً.

عاد داوسون وكان مبتهجاً بمظهر المبنى، ورأى كل الأقسام وأبدى إعجابه بالعمل وأثنى على المسؤولين. ثم وصل إلى الباب الخلفي وصاح: "يا جون، يجب أن نغيّر هذا الباب". فأجابه جون كروفورد: لكنه باب خلفي لا يكاد يراه أحد". فأجابه: "أنا أعرف ذلك. لكننا عندما نقيم مبنى للرب فإن الباب الخلفي فيه يجب أن يكون متيناً جميلاً مثل الباب الأمامي".

فكّرت كثيراً فيما بعد في هذا القول، وكنت أسأل عما حدا بداوسون ليفكّر بتلك الطريقة. أظن أن سبب ذلك هو معرفته بأن الله يرى الباب الخلفي بالطريقة ذاتها التي يرى بها الباب الأمامي، بخلاف ما يفعله الإنسان.

يتحدث موظفو مكتب داوسون عن دقّته في كيف يجب أن تبدو الظروف والخطابات التي تصدر عن المكتب من حيث الأناقة. فكثيراً ما وصلت رسائل من رعاة الكنائس يخبرون بها عن تأثُّرهم بأناقة رسائل الملاحين. بل إن البعض ذكروا أنهم صمَّموا على استخدام مستوى الأناقة الرفيع ذاته عند إعدادهم نشرات كنائسهم التي تعلّق على لوحات الإعلانات.

عند حضوري المؤتمرات الصيفيّة التي تنعقد في المركز الرئيسي العالمي لجمعية الملاحين في غلين آيري كنت أسأل بعض الحضور، بعد انتهاء أسبوع حافل بالعمل: "ما هو أعظم تحدّ واجهته أثناء حضورك هذا المؤتمر؟" وكانت أغلب الإجابات لسؤالي هذا:

"إن أكثر ما أثّر في نفسي الاجتهاد الذي أبداه الشبان في تنظيفهم أرض الغرف." أو: "دهشت من الطريقة الرائعة التي بها اعتنى المسؤولون بأرض المؤتمر." أو: "دهشت كثيراً من اهتمام العمال بتنظيف وتلميع زجاج النوافذ". إن من يصر على القيام بأي عمل في شكل تام متفوّق يترك أثراً رائعاً في معارفه حتى بعد موته بزمن طويل.

نلاحظ في مثل الوزنات الذي قدّمه يسوع (في متى 25: 14- 30) أن السيد في القصة أثنى على العبد الصالح لأنه عمل باهتمام، لكنّه وبّخ العبد الكسلان بل اعتبر كسله نوعاً من الشر. لقد دعا العبد الصالح أميناً ودعا الكسلان شريراً. ولنذكر نصيحة بولس لأهل رومية: "غير متكاسلين في الاجتهاد، حارين في الروح، عابدين الرب." (رومية 12: 11).

يعمل الله في حياتنا بسبع طرق على الأقل لتكون لنا روح التفوّق:

1- يساعدنا لندرك مدى ضعفنا:

"فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوّتي في الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحري بضعفاتي لكي تحلّ عليّ قوة المسيح". (2 كورنثوس 12: 9).

2- من خلال صلاة الآخرين:

"يسلم عليكم أبو فراس الذي هو منكم عبد للمسيح، مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله" (كولوسي 4: 12).

3- من خلال أناس يكلموننا بالكلمة:

"طالبين ليلاً ونهاراً أوفر طلب أن نرى وجوهكم ونكمل نقائص إيمانكم" (1 تسالونيكي 3: 10).

4- عندما ندرس الكتاب المقدس لأنفسنا:

"كل الكتاب هو موحىً به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البرّ، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح" (2 تيموثاوس 3: 16- 17).

5- من خلال الآلام:

"وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع، بعدما تألمتم يسيراً هو يكمِّلكم ويثبِّتكم ويقويكم ويمكِّنكم" (1 بطرس 5: 10).

6- بإعطائنا تشوُّقاً للقداسة:

"فإذا لنا هذه المواعيد أيها الأحبّاء لنطهِّر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح، مكمِّلين القداسة في خوف الله" (2 كورنثوس 7: 1).

7- من خلال الرغبة في جعل ثمار حياتنا مثالية:

"الذي سقط بين الأشواك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الحياة وغناها ولذّاتها ولا ينضجون ثمراً" (لوقا 8: 14).

لابد هنا من توجيه بعض كلمات التحذير. أولاً، نحتاج أن نفحص دوافعنا. ليس التفوّق في حدّ ذاته هو المستوى الذي نسعى إليه بل التفوّق من أجل المسيح.

لقد تزوَّجت منذ سبعة وعشرين سنة من فتاة رائعة، وأقرّ بخجل أني كنت أنسى أحياناً تاريخ عيد زواجنا، ولكن عندما تذكَّرته اشتريت باقة من الورد. والآن ماذا قد يكون موقفي لو دخلت إلى البيت يوم 21 حزيران- يونيو وقلت لزوجتي: هذه باقة أخرى لهذا العيد. لقد أهديتك باقات لسنوات خلت، واليوم باقة أخرى في الوقت المناسب. إني أشعر بأن من واجبي أن أفعل ذلك ولذا أقدِّمها لك كي تبتهجي بها.

أهذا هو الموقف الصحيح في المناسبة السعيدة؟ باقة الورد جميلة وأهديت في يوم عيد زواجنا بلا تأخير، لكن الكلمات ثقيلة والدافع لم يكن غير الواجب.

والآن دعونا نتصوّر إحدى السنوات التي نسيت فيها تاريخ الزواج، وبعد ذلك بثلاثة أو أربعة أيام تذكّرت فجأة، وشعرت بصدمة ندم لتلك الهفوة. فأسرعت إلى محل الزهور واخترت باقة، ثم اتجهت نحو المنزل، وعندما دخلت موارياً الباقة خلف ظهري، تقدمت نحو فرجينيا قائلاً: يا حبيبتي إني متأكد من أنك تلاحظين مدى خطأي. وما يحيّرني فعلاً هو كيف تتمكنين من تحمُّل أعباء الحياة مع شخص مقصّر مثلي، وهذا ما يسعدني في الوقت نفسه. ولكن، دعيني أقدم لك هذه الورود يا حبيبتي، وأضيف بأني أحبك بكل قلبي، وأطلب منك الصفح عن تقصيري، فهل أجد في قلبك الكبير مكاناً لصفح إضافي ولمرةٍ أخرى؟

إني أسألكم: كيف تجدون هذه الطريقة؟ في اعتقادي شخصياً أنها أشدّ تأثيراً من فرح طفل بلعبة جديدة. لماذا؟ مع أني لم أحضر في الوقت المناسب، ومع أني نسيت تماماً، ومع أني أخفقت فعلاً. ففي المرة الأولى قمت بالعمل المناسب في الوقت المناسب، إلا أنه لم يُكتب لي النجاح. وفي المرة الثانية رغم إخفاقي، تم الأمر على ما يرام، فلماذا؟ إن الدافع هو الفارق الكبير.

أما الشيء الثاني الذي ينبغي أن ينطبع في أذهاننا فهو أن هناك إنساناً واحداً فقط تمكن من عمل كل شيء حسناً. وهذا الإنسان هو يسوع. ومع هذا الانطباع اقرؤوا بانتباه (عبرانيين 13: 20- 21) "وإله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الأبدي، ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته، عاملاً فيكم ما يُرضي أمامه بيسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين". يضع كاتب الرسالة لنا بهذا مستوىً عالياً: "يكمّلكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته".

كيف يمكن لأي إنسان أن يتمّم ذلك؟ "بواسطة يسوع المسيح". نعم كل لحظة من كل ساعة من كل يوم في حياته. إذن، أملي الوحيد في بلوغ مستوى عالٍ من الجودة والتفوّق متمثلاً بالمسيح هو أن أسلم له كياني مرتاحاً راحة كلية بين يديه وأن أدعه يحيا حياته من خلالي. إذ لا يتوقف الأمر على الجهد والعرق، ولا على العزم والتصميم مهما بلغت هذه أو صدقت. لا يمكن بلوغ ما نرجو بلوغه إلا "بيسوع المسيح".

إن "رئيس إيماننا ومكمله" ينتظر لكي يحمل على عاتقه خيبتنا وفشلنا ويحولهما إلى إنجاز يعطي المجد للرب. الواحد الذي يعمل كل شيء حسناً لا يزال على استعداد ليكملكم في كل عمل صالح عاملاً فيكم ما يرضي الله.


المبادرة

إن الصفة الثانية للقائد الناجح هي المبادرة، إنه لا ينتظر الأشياء حتى تحدث بل إنه يساعد على حدوثها. وإنه على أهبة الاستعداد للعمل، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل البعض يتجنبون مسؤوليات القيادة. ذلك أنهم يعلمون أن من يقود لابد سيتحمل العواقب. ومن أهم صفات القيادة الرغبة في ذلك العمل والاحتمال.

الكتاب المقدس مملوء من الأمثال عن أناس أخذوا زمام المبادرة في إتمام مقاصد الله في زمنهم. فهناك مثلاً داود الذي اختار يوآب ليكون قائداً لجيشه، لأن يوآب كان رجل مبادرة "وقال داود أن الذي يضرب اليبوسيين أولاً يكون رأساً وقائداً، فصعد أولاً يوآب ابن صروية فصار رأساً" (1 أيام 11: 6) وكذلك أشعياء تقدّم الصفوف ليصبح صوت الله في جبله. "ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا؟ فقلت: هأنذا، أرسلني" (أشعياء 6: 8).

إن من الواضح أن المبادرة هي من الصفات الأساسية للقائد. فلو فرضنا أن هناك عاصفة ثلجية في ليلة اجتماعنا في منتصف الأسبوع، ولم يتمكن سوى القليل من الوصول إلى الكنيسة. ففتحوا الأبواب وأضاءوا الأنوار وانتظروا حضور القسيس. إنهم لم يدروا أن القس قد تعطلت سيارته، وغمرها الثلج، وأنه يجاهد بقوة لجرف الثلج، حتى يتمكن من إعادة تحريك السيارة. لقد استعار رفشاً وأخذ يحفر، واستوقف شابين من المارّة ليساعداه في دفع السيارة، ولكن بدون جدوى. فالسيارة لا تتحرك والوقت يمر بسرعة ولقد تأخر كثيراً.

في هذه الأثناء كان المجتمعون في الكنيسة يتساءلون عما جرى لراعي الكنيسة وقد جلسوا ينتظرون بدء الصلاة. وأخيراً وقف أحد الرجال واقترح أن يرنّموا ترنيمة، فأعلن رقمها وبدأوا يرنمون وأخذ هو يقود الترنيم. لا يهم هنا إن كان الرجل موسيقياً ماهراً وقد سبق له أن قاد الترنيم أم لا، بل المهم أنه الآن أصبح قائداً. قد يكون أو لا يكون ماهراً، وقد يعرف أو لا يعرف كيف يتصرف. ولكن بمجرّد أنه أمسك بزمام المبادرة عندما وقف على قدميه، فقد أصبح بالفعل قائداً قد يقوم بالعمل على الوجه الكامل أم لا. ولكن بالرغم من كيفية تأديته فهو الرجل المسؤول. فالمبادرة هي أهمّ مسؤوليات القيادة.

بالطبع من واجب كل مسيحي أن يأخذ المبادرة ويقدم نفسه لله كي يقوم بالخدمة. فإن شخصيات الكتاب المقدس الذين لم يُعرفوا بشكل خاص كمرشدين أو قادة كانوا مباركين، وقد استخدمهم الله فقط لأنهم كانوا يقومون بالخدمة دون تردّد.

أصبحت رفقة زوجة لإسحق "وأماً لملايين" لأنها أخذت المبادرة عندما خدمت عبد إبراهيم فتطوَّعت لاستقاء الماء من البئر ليس فقط له، بل لجمالِه، وكانت مهمة شاقّة. ودلّ عملها هذا على أنها هي التي اختارها الله زوجة لإسحق (انظر تكوين 24: 14- 21).

وهناك غلام أصبح الشخصية البارزة في المعجزة التي أجراها يسوع لأنه قدَّم طعامه من خبز وسمك ليساعد في إطعام جمع جائع (انظر يوحنا 6: 9- 11).

ولكن أعظم مَثَل في الكتاب المقدس هو الله نفسه. "سمعان قد أخبر كيف افتقد الله الأمم ليأخذ منهم شعباً على اسمه" (أعمال 15: 14). فلو ترك الأمم وشأنهم لما جاء أحد منهم إليه، لذلك قام الله بالمبادرة. "ولكن الله بيَّن محبَّته لنا لأنه ونحن خطاة مات المسيح لأجلنا" (رومية 5: 8) إن أخذ المبادرة هو من مزايا الله.

على القائد أن يكون مستعداً دائماً لأخذ المبادرة بطرق متعدِّدة. من هذه كما سبق فاقترحنا هو في حقل الخدمة. ولنا في حياة بولس الرسول مثل حيّ. كان بولس مسافراً بالبحر إلى رومه، فانكسرت السفينة ونزل مع الركاب في مالطة، وكان سكان هذه الجزيرة كرماء في إسعاف الركاب، "لأنهم أوقدوا ناراً وقبلوا جميعاً من أجل المطر الذي أصابنا ومن أجل البرد. فجمع بولس كثيراً من القضبان ووضعها على النار، فخرجت من الحرارة أفعى ونشبت في يده" (أعمال 28: 2- 3). هذا هو بولس، الرجل المتقدم في السن، يجمع حطباً لتدفئة الآخرين. لا شك أنه كان تعباً مثل سائر الركاب ولكنه أخذ المبادرة لخدمتهم. لقد عمل كما كان يعمل يسوع لو كان لا يزال في هذه الأرض.

كان قائد صف الأولاد في مدينتنا شاباً اسمه مارك سولسر، تعوَّد أن يخدم الأولاد بلا تحفّظ. فقد كان ينقلهم في سيارته إلى مختلف الحفلات الكنائسية والمدرسية، ويرتّب غرفة الصف بعد انتهاء درس الكتاب. كما كان دائماً على استعداد لخدمتهم ليلاً ونهاراً. وكنت ألاحظ أن أولئك الأولاد لم يعرفوا قط رجلاً مثل قائدهم، فكانوا متأثرين كثيراً بحياته.

وعندما اقترب عيد الميلاد قام اثنان من أولئك الأولاد بالاتفاق على أن يقدما لقائدهم هدية مفاجئة، دون أن يخبرا أحداً بذلك. فذهبا إلى أحد المحلات وعملا كل ما يلزم بهذا الخصوص. وفي ليلة عيد الميلاد قدما الهدية إلى مارك. وعندما فتحها وجد علبة وكان في العلبة كأس فضية نُقش عليها عبارة "إلى ثاني أعظم خادم في العالم". لقد أثرت حياة مارك تأثيراً عميقاً في تلاميذه، وقد كانت نتيجة ذلك التأثير نمواً في تصرفاتهم، فبدأت مبادرته تعطي ثماراً صالحة.

هناك طريقة أخرى لممارسة المبادرة، وهي باتّخاذ الخطوة الأولى للمصالحة. وهناك فقرتان في الكتاب المقدس تعطيان توجيهاً واضحاً. "فإن قدَّمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكَّرت أن لأخيك شيئاً عليك. فاترك هناك قربانك قدّام المذبح، واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدِّم قربانك" (متى 5: 23- 24). "وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك" (متى 18: 15). فإذا كنت أسأت إلى أخيك وذكَّرك الله بذلك فعليك أخذ المبادرة بالذهاب وطلب المغفرة. وإذا كان أحد قد أساء إليك فعليك أيضاً أخذ المبادرة والذهاب إليه محاولاً تسوية الأمر والتفاهم. ففي كلتا الحالتين يحسن أن تقوم بالمبادرة أولاً.

إن ذلك بالطبع من أصعب ما يقوم به الإنسان. وهو خاصّة صعب للقائد. ولقد صرَّح لي كثير من المبشرين عن الصراع الذي عانوه بهذا الصدد في حقل التبشير إذ كانت الكبرياء هي العائق. وعندما يصمِّمون على التنازل عن كبريائهم وأخذ المبادرة كان الله يمنحهم الفرح والانتصار والبركة في مواقفهم الشخصية.

إن إحدى حيل الشيطان ليجعل القائد يفكر بأنه لو تواضع وذهب إلى أحد أفراد الفرقة ليعتذر عن إساءة اقترفها أو ليسوّي معه أمراً ما، فسوف ينظر إليه ذلك الشخص بترفّع. لا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك. إن القائد بهذا العمل يظهر على أحسن ما يكون، والشخص الآخر يعرف ذلك. واعتيادياً يكسب القائد تلميذاً أميناً وصديقاً وفياً ومساعداً صادقاً في العمل.

هناك ميدان آخر لممارسة المبادرة. وهو طلب المعرفة "المشورة في قلب الرجل مياه عميقة، وذو الفطنة يستقيها" (أمثال 20: 5). إن عمل القائد معقّد ولا يمكن أن نتوقّع منه معرفة كل شيء. ولذا فإن عليه أن يبحث عن ذوي المعرفة ويتعلم منهم.

ومرة أخرى تقف الكبرياء في الطريق. وإني أذكر حادثاً في حياتي تبيَّن لي فيه مدى ذلك. فقد نُقلت من حقل التبشير إلى مركز مسؤول في الإدارة العامة. ولم أكن قد قضيت وقتاً طويلاً في القاعدة المحلية قبل ذلك. وبذا لم أكن ملماً تماماً بما يجري. ولقد وجدت نفسي عضواً في لجنة لمناقشة قضايا لا أعرف عنها سوى القليل. وكنت متردِّداً في الاعتراف بذلك أو بطرح أسئلة. فلقد ظننت أنهم يتوقعون مني المعرفة. وكنت مقتنعاً بأني لو بدأت بطرح الأسئلة فسوف يتبيَّن لهم كم أنا جاهل. وبذا واصلت البقاء في جهلي.

وكنت أُدعى من وقت إلى آخر للجلوس مثلاً مع اللجنة المالية، ولقد مرَّت شهور قبل أن أكتشف بأنهم يشيرون للحروف م. ض. د. كانوا يقصدون بها "موظفي ضريبة الدخل". ويمكنكم بالتالي أن تتصوَّروا مقدار النفع الذي كنت أسديه لتلك اللجنة. فلو أني تخليت عن كبريائي وألقيت بعض الأسئلة، فلربما أتاح لي ذلك إسداء خدمة ما. إذن لا يجوز للقائد أن يتصرّف بالطريقة التي تصرفت بها أنا. بل يجب عليه أن يبحث عن المعلومات التي يحتاج إليها ليقوم بعمله على الوجه الأكمل، كما يجب عليه أن يطرح الأسئلة وأن يكون راغباً في التعلُّم من الآخرين.

يمكن تعريف المبادرة بأنها الروح الدافع للعمل. فعلى القائد أن يدرب نفسه على التفكير مسبقاً، فيرى قبل الآخرين وأبعد وأكثر مما يرون.

فلو روض الإنسان نفسه على التفكير في المستقبل فسيكون لعمله أثران إيجابيان. الأول، إبعاده عن المشاكل، أي أنه يتجنب العقبات التي تعترض طريقه، ويسأل نفسه: ماذا قد يحدث لو قمنا بذا العمل؟ أو إلى ماذا قد يؤدي ذلك عند حدوثه؟ هل يؤدي ذلك إلى تلك النتيجة؟ وهل هي النتيجة المرجوَّة فعلاً؟ فإن لم يكن ذلك فعلينا ألا نسير في هذا الاتجاه. ثانياً، بالتفكير في المستقبل يمكن للقائد أن يحدِّد الهدف له ولفريقه، وبذا يمكنه أن يكتشف أفضل الطرق لبلوغ الأهداف، ويبدأ بتوجيه العمل من خلال تلك الخطوط.

مع هذا كله من المفترض أن يكون القائد في شركة مع الرب من خلال الكلمة والصلاة (انظر الفصل 2) وإلا فهو قد ينقاد لفهمه البشري ويرسم خططاً بموجب حكمة هذا العالم. على القائد أن يتذكّر أن الحق لا يوجد إلا في يسوع المسيح. صحيح أن في المكتبات كتباً كثيرة تبحث في الإدارة والقيادة، وقد تكون نافعة لمن يدرسها، إلا أن مصدر إرشادنا الأساسي هو الله. "لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس" (1 كورنثوس 1: 25).


الإبداع

أما المزيّة الثالثة التي يتفوَّق بها القواد فهي الإبداع. إنهم لا يخشون تجربة أشياء جديدة ومختلفة. وعندما تنظر إلى حياة الرسل لا تجد الرتابة التي تسيطر على الحياة في هذه الأيام. وهذا الفارق يعود إلى طبيعة الله التي تغاير الطبيعة الإنسانية.

ولكي نفسر هذا نقول أن الله هو إله تنوُّع ونظام بينما يحب الإنسان محاكاة غيره ولكن في فوضى. فالإنسان يجاهد ليكون كغيره. اذهب إلى أي مدينة وتطلَّع إلى المباني التي شيِّدت في عصرٍ ما فهي تبدو متشابهة. فالإنسان يجتهد في محاكاة أخيه الإنسان في كيف يتحدَّث وماذا يلبس أو يشتري. كما يمكن التعرُّف على الموسيقى بحسب العهود المختلفة إذ أن لها تشابهاً كبيراً.

كم نفرح إذ نرى الله يعمل بطريقة مختلفة. فهو يحب التنوُّع. أحس بالدهشة إذ أرى التنوُّع في حديقة الحيوانات. فالتمساح والزرافة والفيل تظهر حب الله للتنوُّع. الأزهار والطيور والأشجار تعلِّمنا الحقيقة ذاتها. يقول العلماء أنه لا يوجد ندفتان من الثلج متشابهتان. فعندما نفكر في كل هذا يتّضح لنا الفارق العظيم بين عملنا من أجل الله وبين أعمال الله نفسه. فإن أعمالنا تسير على وتيرة واحدة باهتة مملّة لسنة بعد أخرى. لا يزال، وللأسف، ينقصنا الإبداع والروح الخلاّق.

إن إبداع الرب ظهر لي بوضوح منذ وقت قريب وبطريقة ملحوظة ومدهشة وطريفة. كنت مع زوجتي في زيارة للإتحاد السوفييتي وبينما كنا نستعد للعودة كان علينا التوقيع على أوراق نتعهَّد بموجبها بأننا لن نخرج من روسيا أوراق نقد (روبل) وكان مصرَّحاً لنا بالاحتفاظ ببعض قطع النقد الصغيرة فقط على سبيل التذكار. أما الخروج من البلاد بأوراق نقد روسية فيعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. وعليه فقد أبدلنا ما لدينا من روبلات بدولارات أميركية قبل التوقيع على ذاك التعهُّد. ثم جرى فحص جوازات السفر وجلسنا في المطار منتظرين إقلاع الطائرة لتخرج بنا إلى هلسنكي في فنلاندا.

اقترب بعد ذلك موعد سفر طائرتنا فدَعَوْنا لنقف في صف للتفتيش، وكان الأول سائحاً أميركياً ضخم الجثة. ففتشوا حقائبه ثم مرَّ أمام آلة كشف المعادن فرنّ جرس الآلة. فأفرغ جيوبه مما فيها ومرَّ ثانية أمام الآلة فرنَّ الجرس ثانية. ثم فك حزامه وحاول المرور وللمرة الثالثة رنَّ الجرس. وبدا عليه كأنه يتسلّى بذلك لدرجة أنه بدأ يقهقه ضاحكاً، وكان ضحكه مسموعاً في أرجاء المكان، وتكرر ذلك مراراً كما تكرَّر ضحكه.

وكنا حوالي أربعين شخصاً ننتظر دورنا في التفتيش بينما كان ذلك الأميركي الضحك ذو البنطال الضيق والقميص المفتوح يدور حول آلة كشف المعادن ويستمر رنين الجرس دون أن يعرف أحد السبب. وتضايق المفتِّشون بينما ضحك المسافرون، وكنا جميعاً في مأزق.

وفي خلال الفوضى كانت زوجتي واقفة، وهي التالية في الصف كي يفتِّشوا حقيبة يدها، دون أن تدري أن في قعر تلك الحقيبة كانت ثمانية روبلات روسية نسيت زوجتي أن تبدلها. لقد كانت على وشك أن يلقى القبض عليها وتعاقب بموجب القانون الروسي. ولكن المهزلة استمرت والرجل يدور والجرس يرن والجمع يضج بالضحك. تأخر إقلاع الطائرة دون أن يبدي الجمع أي اهتمام، فهم لم يروا من قبل شيئاً مماثلاً. بل كان ذلك أقرب إلى حفلة ترفيهية. وبالطبع لم يكن ذلك ليروق للمفتّشين، فالروس يعتبرون كثيراً قوانينهم وآلات التفتيش، التي أصبحت الآن سبباً لضحك سياح أميركيين.

وأخيراً قال المفتش بغضب "اذهبوا"، إذ لم يبقَ وقت لاستكمال التفتيش. وسارت زوجتي إلى الطائرة وهي تحمل في حقيبتها النقود الممنوعة. وصلنا هلسنكي فاكتشفنا تلك النقود وشعرنا بصدمة. عندئذ عرفنا لماذا كان جرس الآلة السوفييتية يظل يرنّ دون سبب ظاهر. لقد سمح الله بأن تعمل تلك الآلة بشكل مختلف ذلك اليوم لأنه أراد إنقاذ اثنين من أبنائه البسطاء من مأزق كانا على وشك الوقوع فيه. لقد عمل الله بطبيعته الخلاّقة المبدعة. ولا عجب فالإبداع هو جزء من كيانه.

كنت منذ وقت قصير أجلس في مكتب رئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات المسيحية، وكنا نتباحث في عمل الله حول العالم، فأراني رسالة وصلته حديثاً من أحد رجاله في حقل التبشير. كانت الرسالة مملوءة من الأخبار وتحتوي على كثير من التقارير المشجِّعة عن بركة الله في العمل. ولكن جملة واحدة في الرسالة كانت تزعج المدير والجملة تقول: "إننا لا نزال نتبع البرنامج ذاته الذي اتبعناه خلال السنوات الخمس الماضية ولا نزال نجني أفضل الثمار".

نظر الرئيس إليَّ وقال: "إذا كانوا اتّبعوا هذا البرنامج خلال السنوات الخمس الأخيرة، فمن الواضح أن العمل لم يتقدَّم. يجب أن تكون هناك طريقة أفضل وعليهم اكتشافها والعمل بها".

لقد فكرت طويلاً في هذا القول، وأنا الآن مقتنع بأن ذلك الرئيس كان على حق. لاشك أن هناك طريقة جديدة تأتي بنتائج أعظم من المؤكد أننا لم نعثر بعد على أحسن طريقة ممكنة ولكننا نسير في اتجاه الأحسن، لابد أن هناك مجالاً للتقدم وأنه لمن المؤكد أن الله يريد أن يكشف لنا عن تغيرات وتوجُّهات جديدة لحصاد عظيم في ملكوت الله.

إن الأسلوب الخلاّق الذي عمل به أولئك الرجال الأربعة المجهولون الذين أوصلوا صديقهم المفلوج إلى يسوع لا أزال أرى فيه تحدِّياً عظيماً. "وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب. فكان يخاطبهم بالكلمة. وجاءوا إليه مقدّمين مفلوجاً يحمله أربعة. وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من أجل الجمع كشفوا السقف حيث كان، وبعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعاً عليه. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: يا بُنيّ مغفورة لك خطاياك" (مرقس 2: 2- 5).

لدينا هنا أربعة رجال يواجهون مشكلة. فقد أرادوا حمل صديقهم المفلوج إلى يسوع ليشفيه لكن البيت الذي كان يسوع فيه كان مزدحماً جداً بالناس. لقد كان بإمكانهم القول: "نأسف يا صديقنا لأن ليس بإمكاننا عمل شيء لمساعدتك". ولكنهم لم يقولوا ذلك، فقد كان حبهم لصديقهم وشفقتهم عليه وتحمسهم للوصول به إلى يسوع داعياً لخطَّة إبداعية. فلقد ثقبوا فتحة في سطح البيت ودلّوا المفلوج من فوق. ماذا كان رأي يسوع؟ لم يقل لهم: "ما هذا التصرُّف؟ عملكم هذا لم يقم به إنسان من قبل. إنكم تشوشون الاجتماع وتقاطعون العظة، بل تعرّضون الحضور للخطر. فقد يسقط حجر على رأس أحد الناس". لم تُثْنهم صعوبة عن إتمام عملهم فامتدحهم يسوع، وسجّل ذلك الروح القدس من أجل تعليمنا.

كيف يمكنك العمل بروح الإبداع؟ إن الطريقة هي أن تحصر تفكيرك في نطاق الموضوع وأن تستمر في البحث عن طريقة أفضل. درِّب نفسك على أن تفكّر أن أية نظرية بعد نجاحها تصبح قديمة. فاحتفظ بذهن متوقّد وصلّ طالباً أن تُعطى الجسارة والشجاعة اللازمة لتجربة شيء جديد يلهمك به الله.

ولكن الشيء المهم والأساسي هو أن تحيا باستمرار في شركة حميمة مع يسوع المسيح. "فإنه فيه خلق الكل، ما في السموات وما في الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواءً كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق" (كولوسي 1: 16). إن كل شيء في العالم الروحي غير المنظور خلق بواسطة يسوع المسيح، وكل شيء في العالم المادي المنظور خلق به أيضاً. ولذا يقول الكتاب المقدس عن المسيح أن الله به "عمل العالمين" (عبرانيين 1: 2). إن كلمة العالمين تشمل الكون كله ما يُرى منه وما لا يرى. هل تريد أن تكون خلاّقاً؟ إن عليك أن تُمضي وقتاً طويلاً في شركة مع الرب الذي هو الخالق الأعظم.

عندما سار يسوع في الأرض يعلم ويشفي المرضى أدهش جميع الذين التقى بهم. لقد وجدوه مختلفاً عن سواه من المعلّمين. قالوا عنه: "لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان" (يوحنا 7: 46). رآه آخرون فتذمَّروا لأنه كان يعيش بطريقة مناهضة لتقاليدهم القديمة. ونحن الآن، أنت وأنا، ننظر إلى الماضي ونشكر الله لأجل حياة يسوع.

وطِبقاً لهذا النموذج إن علينا أن نحاول بكل قوانا كسر طوق التقاليد والخروج من القالب القديم. فعندما يرى الله أن لدى القائمين على عمله هذا الروح وهذه الرغبة فإنه سيمد إليهم يده بالبركة ويقول كما قال في الماضي "هأنذا صانعٌ أمراً جديداً" (أشعياء 43: 19).

هناك، إذن، ثلاثة أشياء يجب أن نسعى لنحصل عليها من الله. الأول هو روح التفوّق. والطريق لإكمال التفوّق بعد أن نتخذه مقياساً نسعى لبلوغه هو بأن نسلم أنفسنا للمسيح فنستريح بين يديه ونجعله يحيا حياته فينا. إنه الوحيد الذي عمل كل شيء حسناً. والشيء الثاني هو المبادرة. وهنا أيضاً يكون الرب نفسه مثلنا الأعظم. وإن أفضل طريق نسلكه فنلقي نجاحاً ونجني أكثر الثمر هو بأن نتعلم من الرب بينما نسعى لنعمل عمله. والثالث هو روح الإبداع. ومرة أخرى إن الشركة مع يسوع نفسه بقلوب مفتوحة هي خير سبيل نسلكه فتزداد في حياتنا روح الإبداع بمساعدة روح الله وتأييده.