كنسيات

تذليل الصعوبات

القسم: كيف تكون قائداً جديراً.

فهرس المقال

لا تكون السماء صافية دائماً. واليوم الغائم العاصف هو جزء من الحياة تماماً كاليوم الصافي. وهذا الواقع قد يوقع القائد في مأزق أحياناً. فهو يقوم بخدمة الرب. ويعمل من كل قلبه بموجب إرادة الله. وفي غضون كل ذلك، يجد نفسه محاطاً بالصعوبات والأزمات والمشاكل.

أما الصعوبات فإنها تواجه القادة دائماً، وهي على نوعين: مشاكل مع الفرقة، ومشاكل في حياتهم الشخصية.


مثال موسى

في الكتاب المقدس أمثلة عديدة عن رجال الله الذين واجهوا مشاكل وصعوبات في أثناء إشغالهم مراكز قيادية. من هؤلاء كان موسى. لقد واجه مشكلة في إحدى مراحل حياته عندما حاول أن يعمل كل شيء بنفسه. يتصرّف البعض بالطريقة ذاتها. تتلخّص فلسفة هؤلاء في الحياة في هذه الجملة. "إذا أردت عملاً جيداً فاعمله بنفسك".

كان في حياة موسى ما يدعو للإعجاب وهو انهماكه شخصياً في شؤون الشعب. فهو لم يكن مجرّد مراقب لا يقوم بعمل. لكن قوته هذه كانت مصدر ضعفه. "وحدث في الغد أن موسى جلس ليقضي للشعب، فوقف الشعب عند موسى من الصباح إلى المساء" (خروج 18: 13). لقد أعطى موسى كل هذا العطاء لأناس حاولوا قبلاً رجمه حتى الموت. إذا كنت تخدم وتساعد أناساً يقدّرون ما تعمله فذلك سهل نوعاً ما، ولكن موسى كان يبذل أقصى جهد من أجل فئة ناكرة للجميل تحقد ولا تقدّر ولا تفكّر بل حاولت قبل ذلك بقليل أن تقتله. كان موسى خادماً لله، وكان يحاول أن يبيّن أمام الشعب صفات من له روح الله.

وفي أحد الأيام لاحظ حموه ما كان يفعله فسأله: "ما هذا الأمر الذي أنت صانع للشعب؟ ما بالك جالساً وحدك وجميع الشعب واقف عندك من الصباح إلى المساء؟" (خروج 18: 14). فأجاب موسى "إن الشعب يأتي إليّ ليسأل الله. إذا كان لهم دعوى يأتون إليَّ فأقضي بين الرجل وصاحبه وأعرّفهم فرائض الله وشرائعه" (خروج 18: 15- 16).

عندما سمع حموه هذا الشرح أعطى موسى نصيحة قيّمة. "فقال حمو موسى له ليس جيداً الأمر الذي أنت صانع. إنك تكدُّ أنت وهذا الشعب الذي معك جميعاً. لأن الأمر أعظم منك. لا تستطيع أن تصنعه وحدك. الآن اسمع لصوتي فأنصحك. فليكن الله معك. كن أنت للشعب أمام الله وقدّم أنت الدعاوي إلى الله، وعلّمهم الفرائض والشرائع، وعرّفهم الطريق الذي يسلكونه والعمل الذي يعملونه. وأنت تنظر من جميع الشعب ذوي قدرة خائفين الله أمناء مبغضين الرشوة، وتقيمهم عليهم رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات. فيقضون للشعب كل حين ويكون أن كل الدعاوي الكبيرة يجيئون بها إليك، وكل الدعاوي الصغيرة يقضون هم فيها، وخفّف عن نفسك فهم يحملون معك. إن فعلت هذا الأمر وأوصاك الله تستطيع القيام، وكل هذا الشعب أيضاً يأتي إلى مكانه بالسلام" (خروج 18: 17- 23).

إن أشد ما يثير الإعجاب في هذا الحادث هو أن موسى كان ذا وعيٍ وتبصّر فقبل تلك النصيحة. كان من الممكن أن يرفضها بدافع الكبرياء. كان ممكناً أن يقول: "من تظن نفسك لتعلّمني ماذا أفعل؟ ألا تعرف من أنا؟ أنا موسى الرجل الذي تكلم مع الله بالذات وجهاً لوجه. لو كنت بحاجة لنصيحة فأنا أعرف أين أبحث عنها. أنا قادر على الذهاب إلى الله نفسه ولست بحاجة لأن يأتي أحد أقاربي ويقول لي عما يجب عليَّ عمله". كان من السهل أن يتصرف موسى على هذا الشكل ولكنه لم يفعل. "فسمع موسى لصوت حميه وفعل كلّ ما قال" (خروج 18: 24).

والآن لنفحص عن كثب تلك النصيحة التي ذلّلت المصاعب أمام موسى. هناك أربعة أشياء بارزة:

1- كانت الأولوية بالنسبة لموسى كقائد هي أن يصلي من أجل شعبه.

"كن أنت للشعب أمام الله، وقدّم أنت الدعاوي إلى الله". عليك إذن أنت أيضاً كقائد أن يكون هذا واجبك الأول. إن كنت مدرّساً في مدرسة الأحد عليك أن تصلّي من أجل كل طالب في الصف باسمه. وإن كنت رئيس قسم في الكنيسة، صلّ من أجل الذين يعملون معك. وإن كنت راعياً، أو شيخاً أو شمّاساً، صلِّ من أجل أولئك الذين هم تحت رعايتك. "يسلّم عليكم أبفراس الذي هو منكم عبد للمسيح مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله" (كولوسي 4: 12). إن الصلاة من أجل الآخرين تساعد كثيراً على حل المشاكل أو تجنّب الوقوع فيها.

2- كان على موسى أن يعلّم كلمة الله.

"وعلّمهم الفرائض والشرائع". إن على القائد أن يعلّم ما في الكتاب المقدس، ويفعل بشكل عامّ أو خاصّ، سواء في ذلك للجمهور أو لفرد واحد بمفرده. إن عليه أن يساعد الناس ليفهموا معنى كلمة الله وكيف يطبّقون ما فيها من حقائق في أوضاع حياتهم اليومية. فالناس لا يقدرون على عمل الحق ما لم يعرفوا الحق. وهكذا صلّى يسوع: "قدّسهم في حقك، كلامك هو حق" (يوحنا 17: 17).

3- يجب أن يكون موسى قدوة ظاهرة لشعبه.

كان عليه أن يريهم الطريق حيث يجب أن يسيروا والعمل الذي يجب أن يقوموا به. فلقد قيل "قل لهم ماذا يفعلون؟ وقل لهم لماذا؟ وأرهم كيف".

كان دوسون تروتمان مؤسس "الملاحين" يقول لنا: "القول وحده ليس تعليماً، والسماع وحده ليس تعلُّماً". على القائد أن يُري الناس بالقدوة كيف يسيرون مع الله، وكيف يعملون من أجل الله. والناس بحاجة لمن يساعدهم ليتعلّموا كيف يحبّون المسيح وكيف يخدمونه. والناس لا يتعلّمون ذلك بالقراءة وسماع المواعظ. إنهم في حاجة ليروا بعيونهم مثالاً يتمثلون به. إنهم مثل الخياطين الذين يحتاجون لنموذج هو القائد عندما يقدّم نفسه قدوة.

4- كان على موسى توزيع مسؤولياته على مساعديه.

وأخيراً وصل يثرون في نصيحته إلى الحلّ الرئيسي وقال لموسى أن يوزّع حمله على بعض المساعدين، "فيقضون للشعب كل حين، ويكون أن كل الدعاوي الكبيرة يجيئون بها إليك، وكل الدعاوي الصغيرة يقضون هم فيها، وخفّف عن نفسك فهم يحملون معك." كان على موسى أن يتوقّف عن القيام بجميع الأعمال بنفسه وأن يُشرك آخرين ليحملوا الحمل معه. ولكن عليه أولاً أن يختار مساعديه بدقّة. إذ يجب أن يكون لديهم عمق روحي، وأن تكون لهم علاقة صحيحة بالله وبإخوانهم وبالعالم حولهم، "ذوي قدرة، خائفين الله، أمناء مبغضين الرشوة".

إن وضع الرجل المناسب في العمل يعتبر نعمة. أما الرجل غير المناسب فقد يصبح كارثة. تذكّر دائماً أنه "من السهل أن تضع إنساناً في مركز ومن الصعب أن تحاول إخراجه منه". واختيار موسى الدقيق لمساعديه علامة يتميّز بها القائد الجيد. وعندما قدّم يثرون نصيحته لموسى علّمه في الوقت ذاته شيئاً من أولوياته، علّمه المبادئ الأساسية للعمل وفن التكليف والتوكيل. إن أي عمل مهماً كان عظيماً ومعقداً يمكن أن يُقسم أو يجزأ إلى وحدات صغيرة تسهل إدارتها إذا كان لدينا الأشخاص المناسبون لتولّي مسؤولية ذلك.


تدريب القادة

إن هؤلاء الذين يُكلَّفون بحمل المسؤولية هم في الواقع قادة تحت التدريب. إنهم مساعدون. وهناك ثلاث صفات يجب أن تتوفّر في من نكلّفهم بالعمل.

1- المشابهة

صفة يشترط وجودها بين المتعاونين. "لأن ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص. إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (فيلبي 2: 20- 21). إذن يجب أن يكون مساعدك على وفاق معك في الغايات والأهداف وفي الواقع يجب أن تكون تلك أهدافه وغاياته الخاصة. وأنت بدورك يجب أن تكون متحمساً لتجعله يقوم بذلك على طريقته الخاصة مستخدماً أساليبه وطرقه التي تنسجم مع مواهبه وقدراته التي وهبها له الله. يمكن تلخيص الفكرة كما يلي: اتفاقٌ وتقيّدٌ في الأهداف مع حريّة في استخدام الطرق والأساليب.

نجد في حياة عزرا ونحميا مثلاً على هذه المبادئ. فكل منهما قاد فريقاً من بابل إلى أورشليم. عندما بدأ عزرا أعطاه الله فكرة عن كيفية إتمام الخطة. "وناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلّل أمام الرب إلهنا لنطلب منه طريقاً مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل مالنا. لأني خجلت من أن أطلب من الملك جيشاً وفرساناً لينجدونا على العدو في الطريق، لأننا كلَّمنا الملك قائلين أن يد إلهنا على كل طالبيه للخير، وصولته وغضبه على كل من يتركه. فصمنا وطلبنا ذلك من إلهنا فاستجاب لنا" (عزرا 8: 21- 23). وقد كان مقتنعاً بأن الذهاب إلى الملك وطلب مساعدته يعتبر خطيئة. ولذا فقد صام وصلى وشرع في السير مؤمناً بأن الله وحده سوف يوصله مع شعبه بأمان إلى أورشليم.

وبعد بضع سنوات شعر نحميا بتوجيه من الله للقيام بعمل مماثل. لقد كان لديه الهدف ذاته وهو أن يأخذ فريقاً من الناس من بابل إلى أورشليم. لكن ماذا كان أسلوبه في ذلك؟ "وقلت للملك: إن حَسُن عند الملك فلتُعطَ لي رسائل إلى ولاة عبر النهر لكي يجيزوني حتى أصل إلى يهوذا، ورسالة إلى آساف حارس فردوس الملك لكي يعطيني أخشاباً لسقف أبواب القصر الذي للبيت ولسور الحديقة وللبيت الذي أدخل إليه. فأعطاني الملك حسب يد إلهي الصالحة عليّ. فأتيت إلى ولاة عبر النهر وأعطيتهم رسائل الملك، وأرسل معي الملك رؤساء جيش وفرساناً" (نحميا 2: 7-9).

لقد شعر عزرا بأنه يخطئ لو طلب مساعدة البشر بينما نحميا لم يشعر بذلك، بل إنه لم يشأ الخروج من باب المدينة دون أن يأخذ رسائل إلى الولاة وأن يصحبه رؤساء للجيش وفرسان. كان يريد كل المساعدة التي يمكنه الحصول عليها. والآن من منهما كان مخطئاً؟ الجواب سهل جداً. كلاهما كان محقاً. فقد وجّه الله أحدهما بطريقة والآخر بطريقة أخرى. ولكن كثيراً ما نرتبك عند هذه النقطة. فيقول أحدنا: "هذا هو أسلوبي أما أنت فذلك هو أسلوبك؟ إذن أنت على خطأ". ليس الأمر كذلك. يجب أن يكون لكلينا هدف ثابت محدّد. أما الأساليب فلا ضرر فيما لو تنوَّعت.

لاحظوا كيف تصرّف عزرا حيال الخطيئة بين الشعب "فلما سمعت بهذا الأمر مزّقت ثيابي وردائي ونتفت شعر رأسي وذقني وجلست متحيراً" (عزرا 9: 3).

أما نحميا فقد تصرّف بطريقة مختلفة عندما اكتشف خطيئة في الشعب. "فأشهدت عليهم وقلت لهم لماذا أنتم بائتون بجانب السور. إن عدتم فإني ألقي يداً عليكم. ومن ذلك الوقت لم يأتوا في السبت. وقلت للاّويين أن يتطهّروا ويأتوا ويحرسوا الأبواب لأجل تقديس يوم السبت.... فخاصمتهم ولعنتهم وضربت منهم أناساً ونتفت شعورهم واستحلفتهم بالله قائلاً لا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم ولا لأنفسكم" (نحميا 13: 21، 22، 25).

نجد مرة أخرى أنهما عالجا المشكلة كل منهما بطريقة مختلفة. فعزرا جلس أرضاً ونتف شعره، أما نحميا فعندما اكتشف من أخطأوا من قومه نتف شعورهم. فمن منهما كان على حق؟ لقد كان كلاهما مصيباً. إذ أن الهدف كان التخلص من الخطيئة بين الشعب، أما طريق الوصول إلى الهدف فكانت مختلفة تماماً. إذن عندما تكلف إنساناً بالقيام بعمل اترك له الحرية كي يستخدم إمكاناته وما وهبه الله من حنكة ما دامت الطريقة التي يستخدمها تؤول لمجد المسيح وتتفق مع كلمة الله. لكن التشابه بين القائد والمساعد ضروري بالنسبة للأهداف الرئيسة.

2- النضج

صفة أخرى. فيجب أن يكون معاونك "غير حديث الإيمان لئلا يتصلّف فيسقط في دينونة إبليس" (1 تيموثاوس 3: 6). يجب أن يكون قادراً على تدبّر مشاعره نتيجة لحمل المسؤولية. هناك أمران يحدث أحدهما للإنسان عندما يُكلّف بمسؤولية في برنامج الكنيسة. المسؤولية إما أن تخلق منه رجلاً أو أن تحطّمه.

لقد رأيت شباناً وشابات ينمون ويزدهرون كما رأيت بعضهم يسقط. أما الذين نموا فإنهم هم الذين قبلوا المسؤولية بتواضع اعتمدوا على الرب ليمنحهم البركة والقوة. ولقد استعمل الله المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتجعلهم يعتمدون أكثر على الله، وقادهم ذلك إلى السجود والصلاة، كما قادهم للبحث في الكتاب عن إرشاد الله فأصبحوا أناساً أقوياء وقادرين بالنتيجة على تحمّل مسؤولية أكبر.

ورأيت من الناحية الأخرى أناساً يتسلمون مسؤولية ثم يتأخرون في سيرهم مع الله لقد ظهرت فيهم الغطرسة والدكتاتورية وامتلأت حياتهم بالكبرياء، وبالنتيجة جَنَوا سوء العاقبة. لقد خسروا تأييد الله لهم ولم ينتفعوا شيئاً.

وعليه فمن المهم للقائد أن يعرف مساعديه، وأن يقودهم خطوة خطوة في طريق المسؤولية. "لا تضع يداً على أحد بالعجلة ولا تشترك في خطايا الآخرين" (1 تيموثاوس 5: 22). ولعل أحسن طريقة لإتمام ذلك هي أن تعطي الإنسان مسؤولية صغيرة أولاً لترى كيف تؤثر عليه. فإذا تمكن من معالجتها فهو مستعد لحمل المزيد. فالقائد الذي يعرف كيف يكلّف الآخرين بالعمل ويشارك الآخرين في حمل المسؤولية لهو نعمة بالنسبة للذين يعمل معهم. إنهم سينمون ويتقدّمون ويصبحون عاملين روحيين في عالم يفتقر إلى العاملين.

3- الأمانة:

هي الصفة الثالثة المطلوبة في المساعد. جاء في سفر الأمثال: "أما الرجل الأمين فمن يجده" (أمثال 20: 6). من المعترف به أن رجلاً كهذا نادر الوجود. ومن الصعب أن تجد أناساً يمكنك الاعتماد عليهم كلياً. يبدو أن هذه الصفة ليست من صفات عصرنا، وربما لم تكن قط قبلاً. "خلّص يا رب لأنه قد انقرض التقيّ، لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر" (مزمور 12: 1).

على القائد إذن أن ينتظر ليجد الرجل الأمين ولا يلقي بالحمل على أي شخص. لقد قدَّم سليمان السبب لهذا الانتظار إذ قال: "سِنٌّ مهتومة ورِجْلٌ مُخلَّعة الثقة بالخائن في يوم الضيق" (أمثال 25: 19).

هناك آيتان في الكتاب المقدس أردّدهما أمام أصدقائي عندما أحاول مساعدتهم لبناء الأمانة في حياتهم، والآيتان تعبّران عن مبادئ علّمها يسوع لتلاميذه. فالمبدأ الأول هو أهمية الأمانة في الأشياء الصغيرة "الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضاً في الكثير" (لوقا 16: 10). فالإنسان الذي لا يرى أهمية القيام بعمل صغير بأمانة هو الإنسان الذي يفشل في الواجب الكبير. ويمكنك معرفة أخلاق إنسان من كيفية وضعه المقاعد قبل موعد الصلاة أو كيفية استقباله القادمين. ومن السهل اكتشاف ما إذا كان يعمل من قلبه أم لا. فالإنسان الذي يقوم بتدبير مسألة نقل أفراد الصف إلى المؤتمر يفعل الشيء ذاته وبالاهتمام ذاته لو كلّف بإدارة المؤتمر.

والمبدأ الثاني هو الأمانة في العمل مع الآخرين. "وإن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم؟" (لوقا 16: 12). فبعضهم يكره أن يدعوه أحد لمساعدة إنسان في برنامجه. فإذا لم يكن ذلك يخصّه تماماً فإنه لا يتورّع عن التهرّب منه. وقد علّم يسوع بأنك قبل أن تتمكن من حمل مسؤوليّتك تحتاج أن تتعلّم مع الآخرين ومساعدتهم في مسؤولياتهم.

ولذا فإن هناك دائماً مركزاً شاغراً في أعلى سلّم العمل لمن يريد العمل. فما أقل الذين يرغبون في تعلّم كيفية حمل المسؤولية عن طريق الانخراط أولاً في حياة شخص آخر ومساعدته في برنامجه. والكتاب المقدس مملوء من الأمثلة التي تصوّر لنا ذلك. فإن يشوع بن نون مثلاً كان خادم موسى. وقيل عن اليشع أنه "قام ومضى وراء إيليا وكان يخدمه. والرجلان يشوع واليشع صارا فيما بعد قائدين عظيمين لكن كلاَّ منهما تعلّم أولاً كيف يكون أميناً في خدمة لشخصٍ آخر.

هنيئاً للقائد الذي لديه رجال ونساء يُظهرون هذه الصفات. فإنه يستطيع توزيع الكثير من حمل المسؤولية عليهم ويبتهج لأن العمل يتقدَّم نحو إنجاز مهمة الكنيسة.


إطلاع الآخرين على ما يجري

هناك ناحية يلقى القائد فيها الكثير من الصعوبات، وهي عندما يفترض أن الجميع يعرفون كل إنسان يعرف لماذا يفعل القائد هذا الشيء أو ذاك. لقد مرّ موسى بهذه الصعوبة. فقد "ظنّ أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة" (انظر أعمال 7: 25)، "وأما هم فلم يفهموا". لهذا يتعلم القائد أن يبقي خطوط الاتصالات مفتوحة مع الذين يعمل معهم، ويظلّ يُطلعهم على ما يجري، لأنه إذا لم يفعل ذلك يتعرّض للوقوع في الكارثة. 

نرى هذا واضحاً في تاريخ بني إسرائيل ولا سيما في سفر يشوع. ففي يشوع 22 قصة السبطين ونصف وكيف دعاهم يشوع ليعودوا إلى عائلاتهم شرقي النهر بعد أن ساعدوا باقي الأسباط في الحرب وإحراز النصر. لكن هؤلاء في عودتهم مرّوا بنهر الأردن، فبنوا هناك "مذبحاً على الأردن، مذبحاً عظيم المنظر" (يشوع 22: 10). بلغ الخبر سائر الأسباط فاجتمعوا في شيلوه لكي يصعدوا ويحاربوا إخوانهم في عبر الأردن، أي بني رأوبين وبني جاد ونصف سبط منسّى. ذلك أن بني إسرائيل اعتقدوا أن بناء ذلك المذبح عند النهر هو من قبيل التحدّي كما أنه تمرّد على الرب. إذ لا يجوز الاستقلال ببناء مذبح خاص غير مذبح الرب الذي هو أمام خيمة الاجتماع في شيلوه. لقد اعتبر بنو إسرائيل بناء مذبح خاص في موضع آخر هو انحراف عن عبادة الرب إلى الوثنية.

لكن بني إسرائيل أرسلوا أولاً لجنة لتتقصى الحقائق قبل التورّط في عمل خطير. فتبيّن بعد أن سمعت اللجنة تفسير السبطين ونصف أن بناء ذلك المذبح لم يكن بقصد التحدي ولا هو انحراف إلى الوثنية. لقد قالوا أنهم بنوا المذبح "لا للمحرقة ولا للذبيحة، بل ليكون هو شاهد بيننا وبينكم وبين أجيالنا بعدنا لكي نخدم خدمة الرب أمامه بمحرقاتنا وذبائحنا وذبائح سلامتنا. ولا يقول بنوكم غداً لبنينا ليس لكم قسم في الرب" (يشوع 22: 26- 27).

وعندما سمعت اللجنة ذلك التفسير اقتنعوا وانفضّ الخلاف. (يشوع 22: 30). لقد تفادوا من الكارثة. لكن لاحظ ماذا جرى. إن التسرّع في الظن الخاطئ أدّى إلى اتهام لا لزوم له وقد أدى بدوره إلى غضب وتفرقة، بل كان من الممكن أن تشتعل الحرب. إن على القائد اتخاذ كل ما من شأنه أن يمنع الوصول إلى موقف كهذا، وذلك بأن يُطلع المختصّين على ما يجري. فالخطط التي توضع سراً تواجه دائماً ردّ فعل سلبي. إن بذل الجهد إيجابياً لإطلاع الناس على ما يجري، وإيضاح سبب ذلك، ينجح في أغلب الأحيان في صدّ تيار الإشاعات.

يتَّفق معظم القادة على أن إطلاع الناس باستمرار أمرٌ ضروريّ، ولكن ذلك لا يخلو من صعوبة. إن التعقيد الزائد في أمور الإنقسام والاختلاف يجيء غالباً من مصدر واحد هو الشيطان. إن أهم أدواته التي يستخدمها لإنزال الفوضى في برنامج الكنيسة، وإيقاف سير الإنجيل هو زرع الفتنة وجعل المؤمنين يتقاتلون فيما بينهم. لذلك يجب أن يبذل القائد كل جهد للاحتفاظ بجوّ من المحبة والسلام التناغم بين الذين يعمل معهم. إن هذا يكلّف جهداً "بكل تواضع ووداعة، وبطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً في المحبة، مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام" (أفسس 4: 2- 3).

إن مما يساعد كثيراً في عمل القائد كتابته تقريراً شخصياً موجّهاً إلى الأخوة أو رسالة أخبار دورية. كما يساعد أيضاً لو طلب مشورتهم وأطلعهم على قراراته. فهو أولاً يحتاج إلى كل مساعدة يستطيع الحصول عليها، وثانياً يصبح الناس عالمين بما يجري وأنهم يساهمون في العمل مساهمة فعّالة. إن هذا يزيد المعنويات ويقلّل من سوء التفاهم. إن على القائد ألا يتخلى عن هذا الواجب. إن عليه أن يواجه المسؤولية فيقدّم المعلومات ويبقي خطوط الاتصال مفتوحة. وعلى الرغم مما في هذا العمل من مشقّة وما يسبّبه أحياناً من مضايقات فإن القائد سوف يكون مسروراً لقيامه به.


القيام بواجبات غير مستحبّة

عندما يتعلّق القائد بالقيام بأعمال محبّبة لنفسه ويتجنّب تلك التي لا تسرّه فإنه عاجلاً أم آجلاً سيقع في مشاكل. هناك واجبات لا يستطيع القائد التّهرب منها، وعليه أن يُقدم على إنجازها. إن لدينا مثلاً على هذا في حياة داود. كان داود رجلاً متفوّقاً في المعارك محارباً شديد البأس، كما كان يقوم بأعمال إدارة الشعب بجدارة. إن انشغاله بإدارة شؤون الحرب لم يمنعه من الاهتمام بالشؤون الإدارية.

لقد وصف لنا الكتاب المقدس التنظيم الذي عمل به داود لإدارة البلاد. "وملك داود على جميع إسرائيل وكان يُجري قضاءً وعدلاً لكل شعبه. وكان يوآب ابن صروية على الجيش ويهوشافاط بن أخيلود مسجِّلاً وصادوق بن أخيطوب بن أبياثار كاهنين وشوشا كاتباً وبنايا بن يهويا داع على الجلاّدين والسعاة وبنو داود والأوّلين بين يدي الملك" (1 أيام 18: 14- 17).

كان لدى داود قائدان عسكريان كبيران، واحد لقيادة القوات في ساحة القتال والآخر لقيادة حرس داود، لحفظ النظام في البيت. وكان له موظفان دينيّان تحت قيادة أبياثار وآخران مدنيّان. أحدهما يطلعه مقدّماً على الأعمال الواجب إتمامها والآخر لكي يُطلع الشعب على الأعمال التي أنجزت. وبذلك كان الشعب يعرف ما يستجدّ من القوانين ويبقى على اتصال شخصي بالملك. لقد نجح هذا النظام وأحبَّه الشعب.

إن من واجب القائد العمل ببرنامج متوازن. إن من السهل إبراز ناحية من عمله على حساب ناحية أخرى. قد يهتم مثلاً للنواحي المالية ويهمل التبشير، أو يهتم بالتبشير ويهمل تدريب الأفراد. قد ينشغل بتفاصيل في التنظيم والإدارة وتغيب عن باله الأهداف الرئيسية الأكثر أهمية. إن عدم التوازن هذا قد ينتج عندما يسمح القائد لنفسه أن يضع نصب عينيه الأعمال التي يحبّها بينما يهمل المسؤوليات المرافقة والتي هي جزء من العمل. إن القدرة على تقبّل المرّ مع الحلو هي من سمات القائد الناجح.


مشاكل شخصية: الحزن والألم

ليس القائد معفى من المشاكل الشخصية في الحياة. فهو كغيره من البشر قد يتعرّض لمصاعب مالية، كما قد يواجه تجارب قاسية مع أولاده. قد تحلّ به الأمراض وقد يتعرض لهجمات شخصية بسبب ميوله أو أخلاقه أو استقامته. وبالتالي فإن زوابع الحياة قد تعصف به فيبدو وكأنها قد تغلَّبت عليه وسحقته في عنفها. فالغم والقلق والحيرة ليست بعيدة عن رجل في مركز القيادة.

ولقد تكلم بولس الرسول عن ذلك. "وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً بالضيقات، عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يُخزي، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (روميه 5: 3- 5).

عندما أقرأ هذا المقطع يهزني قول بولس "نفتخر بالضيقات". لماذا؟ ما هو الجميل الرائع في الضيقات؟ ولماذا يفتخر بذلك رجل عادي عاقل؟ من المنتظر أن يتجنّب الناس الوقوع في الضيقات، لكن الكلام هنا يدور حول الافتخار بها. أوليس هذا تناقضاً غريباً؟ فالضيقات تعني الهم والقلق.

إن كلمة "ضيقات" هذه التي ترددت هنا تأتي من كلمة يونانية قديمة تعني الآلة التي كانوا يخبطون بها قش الحنطة فيفصلون بذلك بين القمح والتبن. فالضيقات تنقّي المؤمن كتنقية القمح من التبن، ولذلك يفتخر بولس بها. ولم يكن بولس وحده يقف هذا الموقف بل شاركه فيه الرسولان بطرس ويعقوب. يقول بطرس "أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب" (1 بطرس 4: 12). وكتب يعقوب "احسبوه كل فرح يا أخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة، عالمين أن امتحان إيمانكم يُنشئ صبراً وأما الصبر فليكن له عمل تام لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء" (يعقوب 1: 2- 4).

إنه أمر غريب. إني عادةً أفرح عندما أخرج من ورطة أو تجربة وقعت فيها. أفرح عندما أخرج وليس عندما أقع فيها.

قال بولس الرسول لأهل كولوسي أن يواجهوا الآلام المتواصلة بفرح وشكر. "متقوِّين بكل قوة بحسب قدرة مجده بكل صبر وطول أناة بفرح شاكرين الآب الذي أهَّلنا لشركة ميراث القديسين في النور" (كولوسي 1: 11- 12).

عند قراءة هذه الآيات نرى لماذا يجب مواجهة التجارب والمشاكل بالفرح والشكر لأنه من خلالها يبني الله الأخلاق المسيحية. فقوة الاحتمال وصدق العزيمة ينموان في حياتنا. إن علينا ألا ننسى أن هذه هي طريقة الله في العمل. إن الصبر صفة أساسية لابد منها للقيادة. وهذا هو أسلوب الله لجعلها جزءاً منا. إن الشجرة التي تكبر وتنمو في المشتل الدافئ تكون سليمة لكنها رفيعة ضعيفة. أما الشجرة التي تنبت حيث الريح الشديدة فإنها تضرب بجذورها عميقاً في الأرض وتكون صلبة قويّة. إن هذا ما يحتاجه القائد. إذ عندما تأتي التجارب فإنها تقوّي إيماننا، وهذا الاختبار يوجد فينا الثقة بالله للمستقبل.

وكتب بولس: "فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوّتي في الضعف تكمل فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح. لذلك أسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قويّ" (2 كورنثوس 12: 9- 10). يجب أن نواجه الواقع وهو أن الله مهتّم بنضجنا أكثر من اهتمامه براحتنا. إن رغبته هي تنعكس على حياتنا ومن الجوانب العديدة، أشعة جمال المسيح.

هل دخلت مرة إلى مصنع خزف؟ عندما توضع قطعة الخزف في التنور تكون ألوانها باهتة وقاتمة ولكن عندما تخرج من نار التنور تكون ذات ألوان برّاقة. إن النار هي التي تكسبها ذلك الجمال. وهكذا الحال في حياتنا، فإن نيران الحياة تظهر جمال حياة المسيح فينا.

السيدة ليلي تروتمان زوجة مؤسس "الملاحين" واجهت في حياتها صعوبات كثيرة، ولكن عندما تدخل هذه السيدة أي مكان فإن الحاضرين يشاهدون النور يضيء في وجهها. إنه نور جمال المسيح يشع من خلال روحها.

إن هذا بالطبع يحدث فقط عندما نواجه ضيقات الحياة في نور صليب المسيح. وإلا فإن الشدائد تستطيع أن تدق وتداً من العداء بيننا وبين الرب. فقد نصبح متهوِّرين. وعليه يجب أن نواجه متاعبنا ونثق بالله كي يستخدمها لإكمال مشيئته وعمل إرادته فينا.

بالإضافة إلى إظهار جمال المسيح يمكن أن تصبح الضيقات وسيلة لبيان قدرة الله. فقد ضُرب بولس وسيلا وألقيا في السجن ووضعت أرجلهما في المقطرة. ورغماً عن أن حقوقهما المدنيّة قد اغتصبت وكانا يعاملان خلافاً للقانون فكيف تجدهما يتصرفان؟ كانا يرنّمان. هل كانت ترانيم احتجاج؟ لا ، بل كانت ترانيم الانتصار وتمجيد الله.

لقد مارس بولس في مدينة فيلبي ما علَّم به في رسالته إلى كولوسي. فعندما ضُرب هو وسيلا بالعصيّ وأهينا كان ردّهما الفرح والشكر لله. كان هذا إظهاراً لقوة الله المجيد فيهم. "متقوِّين بكل قوة بحسب قدرة مجده بكل صبر وطول أناة بفرح" (كولوسي 1: 11).

هناك اختلاف في الآراء حول كيفية إظهار الله قوته في حياة الإنسان. يقول لنا بولس أن الإنسان إذا اجتاز وسط نار الصعوبات بروح الفرح والشكر فتلك قوة.

وكما نظر موسى، وإذا علّيقة تتوقَّد بالنار والعلّيقة لم تكن تحترق، فكان في ذلك تحدٍّ له، فقال أميل لأنظر هذا المنظر العظيم، هكذا يشعر الناس بالتحدي عندما يرون إنساناً يجتاز وسط نيران الصعوبات وهو يشكر الرب ويحمده.

إن أكثر ما يجب الاحتفاظ به في أذهاننا من الكتاب المقدس خلال أيامنا الصعبة هو ما أعطاه لنا أشعياء. "لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما عَلَت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم". (أشعيا 55: 8- 9). عندما نصلي طالبين من الرب أن ينقذنا يجب أن نذكر أن لله وقته الذي عيَّنه وله طرقه الخاصة للعمل. نرى مثالاً على هذا في اختبار بولس الرسول في أنطاكية بولاية بيسيديا حيث طُرد إلى خارج المدينة (أعمال 13: 50). ثم ذهب من هناك إلى أيقونية حيث حاولوا رجمه ولكنه هرب إلى لسترة (أعمال 14: 5- 6). وفي لسترة ثارت عليه الجموع ورجموه وتركوه على أساس أنه مات (أعمال 14: 19). وهكذا نجا بولس من ثلاثة أخطار المرة تلو المرة. وهذا في ذاته حسن مع أن كلاّ من هذه الحوادث كان يكفي للقضاء على بولس لو سمح الله بذلك.

عندما ذكر بولس هذه الأحداث فيما بعد صرّح تصريحاً مذهلاً. "وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبَّتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وأيقونية ولسترة، أية اضطهادات احتملت، ومن الجميع أنقذني الرب (2 تيموثاوس 3: 10- 11). هل كان بولس يعني حقاً أن الرب أنقذه "من الجميع"؟ لقد أنقذه في أنطاكية، وأنقذه أيضاً في أيقونية. أما في لسترة فوقع في أيدي جمع حاقد فرجموه وظنوا أنه مات.

لكن مع هذا يقول بولس "ومن الجميع أنقذني الرب"، وفي هذا حقيقة جميلة. لقد أنقذ الرب بولس مرّتين من الرجم فلم يرجمه المضطهدون، لكنه سمح في المرة الثالثة أن يُرجم. ومع أنه رُجم لكن الرب أنقذ حياته. لقد كان الرب المنقذ في المرات الثلاث. طبعاً كان بولس يتمنى لو أن الرب جنّبه الرجم في المرة الثالثة كما جرى في المرتين الأوليين، لكن طرق الله ليست دائماً طرقنا. المهم هو أن بولس اجتاز هذه الاختبارات وهو يشهد بفرح لقوة الله التي تنقذ وتحفظ. "وسينقذني الرب من كل عمل رديء ويخلصني لملكوته السماوي، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين" (1 تيموثاوس 4: 18).

"ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوُّون حسب قصده" (روميه 8: 28). من السهل فهم حقيقة هذه العبارة، لكن من الصعب ممارستها في الحياة اليومية. يجد القائد صعوبة في رؤية الخير وهو يحسّ بحرارة أتون التجارب.

أُلاحظ وأنا أكتب هذه الكلمات كيف تقوم زوجتي بعمل فطيرة بالتفاح. فلو أنها قدَّمت إليّ طبقاً من التفاح المدهون بالزبدة لرفضت قبوله، وكذلك لو أعطتني كأساً مملوءة بالطحين والخميرة. ولكن عندما تجمع كل هذه المواد وتمزجها بآلة المزج، وتضع العجينة الناتجة في الفرن لفترة وجيزة، فإن ما يخرج بعد ذلك يكون فطيرة تفاح شهيّة.

إن هذا ما يفعله الله كثيراً في حياتنا. فهو يمزج معاً الأوقات الطيبة والأوقات الصعبة، ويعرف بالضبط النسبة الصحيحة التي يجري بها المزج. ثم نمر في نار التجارب، وإذ تكتمل العملية نخرج من كل ذلك أناساً أفضل مما كنا. إن السرّ هنا هو أن ندرك ما الله فاعله ونفتخر ونفرح في الضيقات ونستجيب بالشكر والفرح.

وعليه فعندما تجد نفسك في مأزق، أو محتاراً، أو مضطهداً، أو مطروحاً فافرح. ذلك أن الله ينشئ فيك صبراً ورجاء. "لكي تكونوا تامّين وكاملين غير ناقصين في شيء" (يعقوب 4: 1). فإذا كنت الآن تواجه أياً من هذه الأشياء فافرح لأنك في صحبة أحسن الرفاق. كتب بولس يقول: "مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين، متحيِّرين لكن غير يائسين، مضطهدين لكن غير متروكين، مطروحين لكن غير هالكين" (2 كورنثوس 4: 8-9). بالإضافة إلى ذلك كان بولس يواجه الموت دائماً "لأننا نحن الأحياء نُسلَّم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا" (2 كورنثوس 4: 11).

ما الذي جعل بولس مستمراً في مواجهة كل هذه الصعاب؟ أنه يذكر خمسة أشياء، أولها الإيمان "فإذا لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب: آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضاً نؤمن ولذلك نتكلم أيضاً" (2 كورنثوس 4: 13). وثانيها الأمل "عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضاً بيسوع ويحضرنا معكم" (2 كورنثوس 4: 14). وثالثها احتياجات الآخرين "لأننا إن صرنا مختلّين فلله، أو كنا عاقلين فلكم" (2 كورنثوس 5: 13). ورابعها مكسب حياتنا "لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوماً فيوماً" (2 كورنثوس 4: 16). وخامسها كان رؤيته لكل شيء على ضوء الأبدية "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا ترى. لأن التي تُرى وقتية وأما التي لا تُرى فأبدية" (2 كورنثوس 4: 17- 18).

فلو أمكننا رؤية الأشياء كما هي في الحقيقة نجد أن الضيق الحالي الذي يبدو ثقيلاً وطويلاً، هو في الحقيقة خفيف وقصير، ويجب أن نواجه الصعوبة في ضوء الصليب ومن وجهة نظر السماء، وأن تتذكر بأنها تعمل لخيرنا وليس ضدنا.

ما هي بعض الخطوات العملية التي يمكن أن يتخذها القائد عندما يكون في وسط المتاعب والحزن؟ أولاً يستطيع أن يتمسك بكلمة الله بجدّية "ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم" (1 بطرس 5: 7).

لقد حفظت هذه الآية غيباً منذ أول إيماني، ولكني لم أتمكن من فهمها إلا أخيراً إذ أصبحت جزءاً من اختباري الشخصي. كنت أتحدّث مع الدكتور بل برايت من الحملة الجامعية للمسيح فذكرت له بعض الهموم والمصاعب التي كنت أمرّ فيها.

نظر إليّ وقال: لقد وجدت يا ليروي عزاء عظيماً في (1 بطرس 5: 7). لقد تبيّن لي في حياتي الخاصّة أنه، إما أن أحمل أحمالي أو يحملها المسيح عني. ولما كان من غير الممكن أن نحمل كلانا تلك الأحمال قررت أن أتركها له.

وتحدّاني الأخ برايت أن أجرّب ذلك. تركت غرفته في الفندق الذي كنا كلانا ننزل فيه، وكنت مرتبكاً وأنا أتساءل: هل تعني تلك الآية فعلاً ما تقوله؟ ذهبت بعد ذلك إلى غرفتي وبدأت أصلي. وطبّقت بقدر ما أعرف ما قاله لي الأخ برايت كنت أشعر طوال شهور كأن في معدتي عقدة، أما بعد ذلك فقد تركتني العقدة واختبرت إنقاذ الله. لا أقول لم تبقَ لدي مشاكل، فهي لم تزل حتى اليوم، ولكن الحمل قد انزاح. لم أعد أقضي ليالي بلا نوم، أو أن أبكي حتى أنام. أستطيع الآن مواجهة الحمل مع فرح الروح وشكر القلب.

خلال ارتحال بني إسرائيل "جاءوا إلى مارة ولم يقدروا أن يشربوا ماء من مارة لأنه مرّ لذا دُعيّ اسمها مارة" (خروج 15: 23). جاءوا بعد ذلك إلى ايليم حيث وجدوا مياهاً حلوة ونخلاً مثمراً. "ثم جاءوا إلى ايليم، وهناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، فنزلوا هناك عند الماء" (خروج 15: 27).

إني أعرف ذلك في حياتي الخاصّة. فإن مياه مارة المرة تلتها شركة حلوة مع الرب وثمرٌ أوفر في خدمته.

أضف تعليق


قرأت لك

حكمة الله

سخر رجل من حكمة الله وقال لأحد المؤمنين: "لو كان الله حكيماً، لخلق حبة البلح كبيرة لأن النخلة ضخمة، واما البطيخة لصنعها صغيرة لأن نبتة البطيخ صغيرة". لم يجب المؤمن على هذا الاعتراض مع أنه كان واثقاً من حكمة الله الفائقة. وفي أحد الأيام، بينما كان هذا الرجل غير المؤمن مستلقياً ونائماً في ظلّ النخلة، اذا بحبّة بلح تسقط على وجهه، فقام مذعوراً ولمّا اكتشف ما حدث، قال: "كان خيراً أن الحبّة صغيرة، لو كانت كالبطيخة لهشّمت رأسي! ".