كنسيات

التغلّب على الأخطار

القسم: كيف تكون قائداً جديراً.

فهرس المقال

في المنطقة التي نعيش فيها تكثر الحيّات المجلجلة، وقد حدث أن التقيت إحداها كل صيف. إنه اختيار مرعب أن ترى إحداها ملتفّة تنظر إليك مستعدّة لتلدغ ولدغها سريع كالبرق ولا يخطئ. إن خطتي بالنسبة لتلك الحيّات تتلخّص في كلمتين: تجنّب وابتعد. إنك لا تحتاج للكثير من الذكاء لتعرف ماذا تفعل تجاه خطر الأفعى ذات الأجراس والظهر الماسيّ اللامع. ابتعد عنها.

حاول أحد أصدقائي أن يمسك بإحداها، وانتهى به الأمر إلى المستشفى. لم يمت، إذ لم يصبهُ غير خدش بسيط من ناب واحد، ولكنه مرض مرضاً مضنياً ولا تزال إصبعه مشلولة نتيجة لتلك اللدغة. إنما هناك حسنة واحدة في التعامل مع هذه الأفاعي، فهي لا تحاول خداعك. عندما تجلجل بأجراسها وتبدي أنيابها تعرف بالضبط ماذا ينتظرك.

ومن المؤسف أن الحال ليست دائماً بهذا الوضوح بالنسبة للأخطار التي قد تقضي على القائد. فغالباً ما تبدو بعض الأخطار كأنها غير ضارّة، أو تجيء مستترة برداء من الاحترام. ومن ناحية أخرى يأتي بعضها ظاهراً مكشوفاً. إنها تريك أنيابها فلا يبقى لديك أي شك. لنستعرض بعض الأخطار التي يتعرّض لها القادة.

منذ بضع سنوات، كنت أجمع حولي بعض الرجال للقيام بحملة للمسيح بين طلاب جامعيين. وقد كتب لي بوب ستيفنز، وهو أحد ضباط سلاح الطيران الذي ترك الخدمة العسكرية، فقال في رسالته أنه مهتم بالبرنامج. فأجبته قائلاً: أن لديَّ بعض الأسئلة التي أود طرحها عليه.

وكان السؤال الأول: هل تظن أن بإمكاننا لأن نُدخل في هذه الخدمة التبشيرية أناساً يكرهون الله؟ كان بوب شاباً لامعاً، وهو أحد خرّيجي كلية الهندسة بجامعة ماريلاند وقد نال درجة التفوق، فلم يتأخر بالردّ وحصره بكلمة "لا". وهنا أعطيته آية من الكتاب المقدس "لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين. لأنه إما إن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" (متى 6: 24).

ومع هذه الإجابة وجّهت سؤالي الثاني: هل تظن أن بالإمكان أن يعمل معنا أناس هم أعداء صليب المسيح؟ فأجاب: لا فأعطيته آية أخرى: "كونوا متمثّلين بي معاً أيها الأخوة، ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة. لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً، وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم الذين يفتكرون بالأرضيات" (فيلبي 3: 17- 19).

في هذا المقطع يقول بولس بأن أعداء صليب المسيح "يفتكرون بالأرضيات". إنهم يلتقون جميعاً في أمور هذا العالم، ويعيشون بروح مناهضة لروح الصليب التي هي روح المحبة المضحيّة.

وافق بوب على رأيي، وأتى عازماً أن يكرّس نفسه. وها هو قد أمضى عشرين عاماً يخدم بهذه الروح. إن خطيئة الطمع لم تعلق قط بروحه وقد استخدمه الله في بلدان كثيرة حول العالم. كما أن هناك كثيرين من الشبان في قارات ثلاث، تعود جذورهم الروحية إلى تأثير المسيح من خلال حياة بوب ستيفنز الروحية.


الطمع

إن الطمع هو إحدى الخطايا التي يندّد بها بولس الرسول بشدة. "فإننا لم نكن قط في كلام تملق كما تعلمون، ولا في علّة طمع. الله شاهد" (أفسس 2: 5). فالكسب الشخصي لم يكن مطلبه في خدمته. وإلا لما كان الله استخدمه في ذلك العمل العظيم إذ نشأت على يده كنائس مسيحية زاهرة.

كان بولس ضد الطمع والتعلّق بالملاذ الفانية. فها هو يقول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظْهَرون أنتم أيضاً معه في المجد. فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الرديئة، الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كولوسي 3: 1- 5).

لاحظوا أن الطمع هو عبادة الأوثان. والرسول يوحنا أيضاً كتب "أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" (1 يوحنا 5: 21).

ما الذي يجعل الطمع خطراً مميتاً إلى هذا الحد على القائد الروحي؟ هناك على الأقل سببان. الأول- هو أن الطمع يجعل القائد يفقد الرؤية، فتصبح حياته مركّزة على هذه الدنيا وقد قال يسوع "مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنا 18: 36). فإذا اهتم القائد بأشياء هذه الدنيا يتحوّل فكره إلى اتجاهات لا نفع فيها فيعيش لا لما هو أبديّ بل لما هو زائل.

لقد عاش يسوع ومات لكي يعطي الحياة الأبدية للعالم. ولذا يجب على القائد ألا يحيا بقصد جمع الفوائد الشخصية. واتقاءً لهذا الخطر، على القائد أن يكون دائم الحذر. وليذكر تحذير يوحنا: "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما في العالم شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظُّم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1 يوحنا 2: 15- 17).

سمعت مرة أحد الوعاظ يتبجّح بالقول أن بإمكانه أن يعظ يومياً لمدة أسبوعين دون أن يرتدي البدلة ذاتها مرتين (أي كان لديه أكثر من أربع عشرة بدلة.) كيف يعظ هذا الواعظ بكلمة الله ويكدّس كل تلك الملابس؟ إن انصراف خدام الله لجمع المال يسيء لسمعة الخدمة ويضرّ بها.

إن هذا لا يعني أن عمل المسيح لا يحتاج للمال. إننا نعرف من أسفار العهد الجديد أن الرسل الأولين كان لديهم مالٌ كاف. فقد حدث لفترة أن باع أفراد من الكنيسة أملاكهم لكي يؤازروا تقدُّم البشارة. فإن برنابا "إذ كان له حقل باعه واتى بالدراهم ووضعها عند أرجل الرسل" (أعمال 4: 37). لكن تلك الأموال لم تُستخدم لجمع ثروة شخصية لأيّ من الرسل. لقد قال بطرس: "ليس لي فضة ولا ذهب" (أعمال 3: 6).

والسبب الثاني الذي يجعلنا نعتبر الطمع خطراً مميتاً هو أنه عندما يهتم الإنسان بالمال أولاً ويعطي الله المقام الثاني، فإنه لا يلبث أن يبعد الله من حياته ولا يعطيه أي مقام. إن الطمع خطيئة خبيثة تعشِّش في أعماق القلب. قال الله: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (خروج 2: 3). عبادة الأوثان هي أن تحب أي شيء أكثر من الله. في هذه الأيام لا يزال بعض الآلهة المصنوعة من الحجر أو جذوع الشجر. إلا أن أكثر آلهة هذا العالم مصنوع من الزجاج المزخرف والمعدن البرّاق أو من النايلون أو الصوف أو الحرير أو جلد التمساح.

أذكر حديثاً جرى لي مع شاب كان يتوق لأن يصبح قائداً في عمل المسيح. لقد التقينا في مدرسة للكتاب المقدس، حيث كان يدرس وعلى وشك أن يتخرّج، وجرى بيننا بحث في بعض القضايا. بدا لي أن الشاب كان ناجحاً في المدرسة من الناحية الأكاديمية وأن لديه طاقة كبيرة لخدمة الله. في ذلك اليوم سألته عما سيفعله بعد تخرُّجه. لم يجبني بسرعة، وكان يفكّر بعمق واهتمام. وتوقّعت أن يجيبني بأنه متشوّق لخدمة الرب. فقد يحبّ أن يصير مرسلاً فيسافر إلى بلد بعيد حيث يخدم بين سكان الأدغال. أو يغامر فيدخل أحد بلدان الستار الحديدي ليبشر بالإنجيل ولو كلّفه ذلك حياته ذاتها. لقد ذهبت بمخيِّلتي شتى المذاهب.

أخيراً تطلّع الشاب إليّ وأجاب برصانة وجدّ: "أظن أني سأشتري سيارة بويك."

دهشت من جوابه وارتبط لساني عن الكلام. هذا الرجل ذو طاقة كبيرة لخدمة الله لكن لا يشغل اهتمامه غير بريق هذه الحياة الزائلة. ويبدو أن وصية بولس لم تصل إلى العمق لتؤثّر في دوافعه الداخلية: "ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضيّة الكاملة" (روميه 12: 2). ولم تكن محبة المسيح تحصره وتوجّهه إلى أهداف أعلى وأنبل (انظر 2 كورنثوس 5: 14- 15).

إن السؤال، بالطبع، ليس إن كنا أغنياء أم فقراء. إني أعرف رجالاً ونساء هم من أغنى الناس في هذه الحياة، وقد كرّسوا حياتهم لخدمة الله، ويشغلون مراكز قيادية هامّة في خدمة المسيح. إن الطمع وحب المال مسألة تتعلق بحالة القلب وليس بالرصيد في البنك. إن ما لدينا في هذه الحياة يمكن استخدامه للمسيح، وأموالنا تكون كعبد يطيعنا لا كسيد يأمرنا. هذه الأموال إما أن تأسرنا أو نسيطر عليها ونستخدمها. إن المؤمن الذي أعطاه الله مالاً يستطيع أن يستعمله بحكمة فيكون وسيلة خير وبركة لمئات من الناس.

أمّا الناس الذي يقعون في قبضة الطمع فإن حالهم تدعو إلى الشفقة، إذ لا يعرفون القناعة أو الراحة طوال طريقهم إلى الموت. "من يحب الفضّة لا يشبع من الفضّة، ومن يحب الثروة لا يشبع من دخل. هذا أيضاً باطل" (جامعة 5: 10).

يحذّر بولس فئتين من الناس، الأولى هم أولئك الذين يحيون ويعملون ليصبحوا أثرياء. "وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء، فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبيّة ومضرّة تغرّق الناس في العطب والهلاك. لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قومٌ ضلّوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة" (1 تيموثاوس 6: 9- 10).

إن شركاً كهذا يشكل تهديداً كبيراً، ولقد حدث قريباً لبولس نفسه بعدما تركه ديماس "إذ أحبّ العالم الحاضر" (2 تيموثاوس 4: 10). ومع أن ديماس كان مرافقاً للرسول نفسه فقد فاته الإصغاء إلى هذا التحذير وخاب نهائياً.

أما الفئة الثانية التي يشملها التحذير فهي فئة الأثرياء. "أوصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينيَّة الغنى، بل على الله الحي الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتُّع. وأن يصنعوا صلاحاً، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وان يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الأبدية" (1 تيموثاوس 6: 17- 19). يتعرض الأغنياء للسقوط في تجربة التكبُّر فيُلقون رجاءهم على المال في هذه الدنيا وليس على الله. بينما يجب عليهم أن يحيوا مفكرين في الأبدية وأن يستعملوا ثروتهم وفقاً لذلك.

يسوع أيضاً تكلم على هذا الموضوع. فقد جاءه رجل يظن أن أخاه أخطأ إليه. قال: "يا معلّم قل لأخي أن يقاسمني الميراث. فقال له (يسوع) يا إنسان، من أقامني عليكما قاضياً أو مقسّماً؟ وقال لهم انظروا وتحفّظوا من الطمع.فإنه متى كان لأحدٍ كثيرٌ فليست حياته من أمواله" (لوقا 12: 3- 15). فهو لم يتعاطف مع الرجل الذي ادّعى بأن أخاه يسيء إليه، بل حاول أن ينشل جميع سامعيه من وهدة الطمع. هنا رجل لديه المال وآخر يطمع فيه. كلاهما واقع في براثن الطمع. وقال لهم يسوع المثل الذي يظهر غباء الإنسان الذي "يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله".

يحسن إذن بالقائد أن يفحص قلبه حول هذا الموضوع حتى يتأكد من أنه لن ينزلق ويقع في ذلك الفخ المميت.


تمجيد الذات

والخطر الثاني المميت الذي يتعرّض له القائد هو الكبرياء. قال بولس "ولا طلبنا مجداً من الناس لا منكم ولا من غيركم مع أننا قادرون أن نكون في وقار كرسل المسيح" (1 تسالونيكي 2: 6). فبعد أن تبرأ بولس من الطمع (الآية 5) نجده يتبرأ الآن من تمجيد الذات والسعي في طلب الإكرام والمركز.

هذا أيضاً فخٌ خبيث وقد يقع فيه الإنسان بشكل طبيعي دون أن يلاحظ ذلك. فلو كنت أحد المتكلمين في مؤتمر، أو كنت القائد لفريق، فقد تحدث أشياء تجعلك تبدو شخصاً فوق العادة. وجدت نفسي مرة في وضع كهذا. "هذا لروي. إنه يترأس إحدى حلقات الدراسة في المؤتمر". "تعال يا لروي نتحدث قليلاً، فهنا أصدقاء يرغبون في التحدث إليك". "يا لروي، ما رأيك لو جلست معنا على المنبر لاستقبال الأخوة وتوجيه الصلاة". "يا لروي، تعال معنا إلى حفلة غداء خاصّة، إنها أكثر هدوءاً وراحة من غرفة الطعام مع المؤتمرين العاديين".

مؤخراً حضرت مؤتمراً حيث جرى معي أشياء كهذه. وجدت نفسي أنزلق في فخ الإصغاء لعبارات التعظيم والتَّلذُّذ بها. استمر ذلك حتى اليوم التالي، ثم شعرت بأن الروح القدس يتكلّم معي مباشرة وشخصياً، وذلك من خلال كلمة الله. لقد كنت أقرأ في إنجيل مرقس، وفجأة بدت أمامي الآيات كما لو كانت لافتة مضاءة بأنوار ساطعة. "وقال لهم في تعليمه، تحرزوا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة، والتحيات في الأسواق. والمجالس الأولى في المجامع، والمتكآت الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلّةٍ يُطيلون الصلوات. هؤلاء يأخذون دينونة أعظم" (مرقس 12: 38- 40). 

شعرت كأن الرب يقول لي: "هل تحب كل هذه والتي تجعلك تشعر بأنك ذو أهمية؟"

"نعم يا رب".

"هل تحب الصعود إلى المنبر والظهور بين ذوي الشهرة والأهمية؟"

"نعم يا رب".

"هل تحب تحيات الناس التي تغذّي أنانيتك؟"

"نعم يا رب".

بعد أن أعدت قراءة الكلمات في الآيات المذكورة عدة مرات شعرت بالندم. خررت على ركبتيَّ واعترفت بخطاياي وتصالحت مع الرب وقد شعرت بمواساته وغفرانه. شكراً لله من أجل الوعد: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل إثم" (1 يوحنا 1: 9).

لقد كان غفران الله كاملاً حتى أني بدأت أسخر من نفسي بخصوص ما مضى. لقد بدا كل شيء في منتهى الحماقة والبلاهة عندما أظهره لي الروح القدس بوضوح. وعندما كنت أدخل إلى القاعة في الأيام التالية للمؤتمر كنت أذكر نفسي وأنا أضحك "حسناً أيها الأبله، لا تتصرّف كالكتبة". وإني متأكد من أن بعض الذين رأوني كانوا يتساءلون عن سبب ضحكي. وأما أنا فكنت أعرف ذلك. لقد كنت أعجب من حُمق من يعمل جاهداً للحصول على مجد تافه، بينما كنت أستمتع بالاقتراب إلى الله، اقتراب يتجدَّد ويقوى.

يحسن بالقائد أن لا يقلّل من قيمة الخطر الذي حذّر منه بولس الرسول عندما قال "ولا نكن مُعجبين" (غلاطية 5: 26). لقد حدث مع بولس ما يمثّل لنا مدى خشيته من عبادة الناس. لقد استخدم الله برنابا وبولس كثيراً في مدينة لسترة حتى أن الناس قالوا فيما بينهم "إن الآلهة تشبّهوا بالناس ونزلوا إلينا" (أعمال 14: 11). وعندما لاحظ الرسولان أن الناس كانوا على وشك تقديم ذبيحة لهما كما لو كانا إلهين "مزَّقا ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخين وقائلين: أيها الرجال، لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضاً بشرٌ تحت آلام مثلكم، نبشّركم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" (أعمال 14: 14- 15).

واجه الرسولان في الواقع خطرين في لسترة. كان الأول تقديم الناس لهما العبادة والحمد، وكان الثاني الغضب والاضطهاد من الناس أنفسهم. "ثم أتى يهود من أنطاكية وأيقونية وأقنعوا الجموع فرجموا بولس وجرّوه خارج المدينة ظانين أنه قد مات" (أعمال 14: 19). من الواضح أن الخطر الأول كان الأكبر والأعظم، لأن الرسولين لم يمزّقا ثيابهما عندما حاول الشعب رجمهما بالحجارة، ولكنهما فعلا ذلك عندما حاول البعض تأليههما. فقد خاف بولس وبرنابا تمجيد الجماهير أكثر من خوفهما من الاضطهاد، وكانا فعلاً على حق.

سمعت أخيراً أحد القادة المسيحيين يحكي عن خبث التكبّر في حياته عندما أتى رئيس الإرسالية العام ومعه المدير المباشر، لزيارته في منطقته. فقد أحس بميل للظهور بروحانية عالية. فمثلاً لو أنه كان يقرأ إحدى مجلات الأخبار وحضر رئيساه فإنه كان يخفي مجلة الأخبار ويفتح الكتاب المقدس كي يبدو رجلاً روحياً. إن ذلك يجعله يأمل أن يحظى بتقرير ممتاز. كان يحب أن يعود رئيساه من الزيارة وهما يتغنّيان بحمده. لكن كلمة الله تأمرنا أن نعمل "لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب" (أفسس 6: 6).

يبدو الناس معرضين خصوصاً لخطيئة السعي لتمجيد نفوسهم في ثلاثة مجالات يشتمل كلٌ منها على شيء حسن في ذاته. المجال الأول هو في عطائنا. يحاول أحد القسس مثلاً أن يكسب وكنيسته شهرة عن طريق ميزانية التبشير الضخمة التي قرروها. كما أن مدرِّساً في مدرسة الأحد يحاول التفوّق في عمل صفّه على الصفوف الأخرى في المدرسة لكي يظهر هذا التفوّق في تقرير الكنيسة ويراه الجميع. وقد يتبرّع أحدهم بسخاء ملحوظ لكي يظهر اسمه على لائحة التبرعات أو لكي ينتبه أحد القادة إلى ذلك فيرسل له مذكرة خاصة يثني بها عليه.

قال يسوع: "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم. وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات. فمتى صنعت صدقة فلا تصوِّت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يمجدوا من الناس. الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرّف شمالك ما تفعل يمينك لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية" (متى 6: 1- 4).

أما المجال الثاني الذي ينبغي فيه على القائد أن يحرص على دوافعه فهو في إنتاجه للرب. إن التقارير الطائفية السنوية التي تتحدث عن نجاح بعض رعاة الكنائس في "زيادة عدد الأعضاء" يمكن أن تكون تقارير مؤذية. فإن الراعي الذي أجاد، يجد نفسه آملاً بأن -حضرة الرئيس- سوف يرى الإحصاءات وتتكون لديه الفكرة. لنذكر هنا أمرين: الأول – أن الله هو الذي يضم المؤمنين إلى الكنيسة "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أعمال 2: 47). ثانياً – أن التكبّر يؤدي إلى السقوط. وقد سقط داود في الخطيئة عندما عدَّ الشعب. كان يظن أن ذلك سيجلب له السرور فجلب له الحزن. "فجعل الرب وبأ في إسرائيل فسقط من إسرائيل سبعون ألف رجل" (1 أيام 21: 14).

لقد أرسلنا الرب لنعمل في حقله. ولذا فهو ينتظر منا أن نجتهد في إيصال الرسالة لكي نأتي بكثيرين إلى الملكوت. والأكثر هو الأحسن. إن الله يُسرّ عندما تُستخدم جهودنا بمؤازرة روح الله فيمتلئ الملكوت بالمؤمنين ويزداد عدد التلاميذ. لكن علينا أن نتأكد من أن عملنا هذا هو "كما للرب ليس للناس".

أما المجال الثالث الذي نتعرَّض فيه للتكبر فهو في خدمتنا للمسيح. قال بولس:

"اخدم الرب بكل تواضع" (أعمال 20: 19). كان يخدم الله لا الناس. من السهل أن نقع في خطية التظاهر بالعمل والجهاد بإخلاص عندما نكون في حضرة شخص ذي أهمية وسيثني علينا ويخبر الآخرين عما رآه، لكن نقعد ولا نعمل شيئاً ذا أهمية عندما لا يرانا إلا الناس العاديون.

تشكّل زوجتي لي تحدّياً دائماً من هذه الناحية، إنها مثال ممتاز في كيفية تحضيرها لمائدة الطعام. تحضّر المائدة لنا نحن العائلة تماماً كما تحضّرها لو كان لدينا ضيوف. فقد يتناول معنا الطعام أحد المرسلين أو أحد القادة المسيحيين. إن وجود هؤلاء معنا لا يغيّر من طريقة زوجتي شيئاً. فهي تتبّع الطريقة الأصولية في إعداد المائدة دون أي تغيير، إن كان من جهة الألوان المختلفة أو الملحقات أو من جهة الأواني والأدوات المستعملة. إنها تحضّر المائدة دائماً كما للرب (لا لتكون قدوة لغيرها بل عن قناعة شخصية).


الشعور بالفشل

الخطر الثالث المميت الذي يتعرَّض له القائد هو الشعور بالفشل. الشيطان ماهر في إدخال الفشل إلى النفوس. لقد سقط قادة كثيرون إلى أعماق اليأس. فإن أحوالهم تردَّت. وخططهم لم تنجح، والمنتقدون واصلوا تذكيرهم بعيوبهم. كان لهم أصدقاء يعتمدون عليهم، وإذا ببعض هؤلاء يتنكرون لهم بلا سبب، بل يقومون ضدهم ويهاجمونهم.

كيف يعالج القائد مشكلة كهذه؟ إننا جميعاً نواجه مثل هذا الوضع، ليس أحدٌ معفى. بل ندهش إذ نرى الكتاب المقدس يذكر عدداً من رجال الله علقوا في أحبولة الفشل.

في قصة إيليا نرى الفشل حلّ به رأساً بعد الانتصار العظيم. وهذا أمر معروف. يحدث الانتصار وغالباً يتبعه هبوط عاطفي أو فشل ما. إلتقى إيليا أنبياء البعل على جبل الكرمل فانتصر عليهم انتصاراً ساحقاً. وكان أنبياء البعل قد صلّوا وجرّحوا أنفسهم بالسكاكين وصاحوا كل النهار فلم يجبهم أحد. البعل لم يسمعهم ومذبحهم ظلَّ بلا نار لتحرق ذبيحتهم. ثم صلى إيليا صلاة الإيمان فدعا الرب ليقبل ذبيحته، فاستجاب الرب بنار أنزلها على الذبيحة فأحرقتها حتى أن الناس الذين شاهدوا ذلك خرُّوا على وجوههم وقالوا "الرب هو الله" (1 ملوك 18: 39).

بعد هذا أخذت الأوضاع تسوء. لقد علمت الملكة إيزابل بما جرى فغضبت، وأرسلت إلى إيليا تهدّده بالقتل. إذا سخطت امرأة على رجل فذلك صعب، وعلى الأخص إذا كانت المرأة شريرة وذات نفوذ مثل إيزابل. وهكذا خاف إيليا وهرب.

نجد في قصة إيليا أن هناك أربعة دروس نستخلصها من الشعور بالفشل. أولاً، الشعور بالفشل يولّد في الإنسان تقديراً زائفاً للقيم. "ثم سار في البرية مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنني لست خيراً من آبائي" (1 ملوك 19: 4). وكأن إيليا أراد أن يقول: "جميعنا سنموت يوماً، إذن ما نفع الحياة ولماذا لا أموت الآن؟ لست أفضل من باقي الناس، وما دمت سأموت يوماً، فليكن الآن". لكن إيليا كان على خطأ. فإنه لم يمت أبداً لأن الله أراد له شيئاً آخر. كانت لله خطة خاصة فيما يخصّ إيليا. مرَّت عدة سنين، وجاء يوم كان إيليا يسير فيه مع اليشع، "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما، فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء" (2 ملوك 2: 11).

ثانياً، يستطيع الشعور بالفشل أن يجعل الإنسان يهرب من مسؤولياته. "ودخل هناك المغارة وبات فيها. وكان كلام الرب إليه يقول له: مالك ههنا يا إيليا" (1 ملوك 19: 9). قد يصل القائد إلى وضع فاشل حتى ليظنَّ، وهو يتطلَّع حوله، أن أحواله قد ساءت جداً، وأن أي تغيير سيكون حتماً أفضل له. وهنا قد يتخلى عن العمل الذي وضعه الله فيه. فإذا يئس واستسلم للفشل، وغدا مفلساً لا فائدة منه للناس الذين يعتمدون عليه لإرشادهم وتوجيههم، فإن الله هنا قد يقترب منه ليقول: "لماذا تفعل هذا؟ إن مكانك هو العمل الذي أعطيتك إياه".

ثالثاً، يجعل الشعور بالفشل الإنسان يضع اللوم على الآخرين كما لو كانوا السبب في فشله. يوجِّه إصبع اللوم إلى الذين حوله ويندِّد بهم على أنهم سبب مشاكله. ماذا قال إيليا؟ "قد غرت غيرة للرب إله الجنود لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف فبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (1 ملوك 19: 1). وضع اللوم كله على الشعب.

رابعاً: الشعور بالفشل يجعل القائد يرى الأشياء أضخم كثيراً مما هي. لقد صاح إيليا وقال أنه الرجل الوحيد في كل المملكة الذي بقي أميناً لله. لكن الله قال له: لا. "قد أبقيت في إسرائيل 7000، كل الرُّكب التي لم تَجثُ للبعل وكل فم لم يقبّله" (1 ملوك 19: 18). كانت الأشياء تبدو لإيليا وكأنها معتمة كئيبة لأنه كان يراها من وهدة الفشل التي تردّى فيها. لكن الواقع كان غير ذلك بالكليّة. لقد كان الوضع أفضل 7000 مرة مما كان يظن.

يستطيع أكثرنا أن يشهد لحقيقة هذا الاختبار. إننا ونحن في وسط المشكلة لا نستطيع أن نرى أي شيء حسناً. لكن من النادر أن تكون الأشياء سيّئة فعلاً كما تبدو لنا في تلك الأيام الكئيبة. وعندما ينقشع الضباب وتزول العاصفة نصير نرى بوضوح أكثر، وتبدو الأشياء أفضل مما كانت تبدو بحوالي 7000 مرة.

مرَّ داود أيضاً في اختبار مشابه لهذا. لقد ترك مدينته دون أن يبقي فيها حامية تدافع عنها، وعندما رجع إليها بعد حين وجد أن العمالقة احرقوها بالنار وسبوا جميع النساء والأولاد (1 صموئيل 30: 3). وماذا كان ردّ فعل داود؟ عمل ككل الناس في مثل هذه الأحوال. "فرفع داود والشعب الذين معه أصواتهم وبكوا حتى لم تبقَ لهم قوة للبكاء" (1 صموئيل 30: 4). وهكذا نجد داود يقع في أحبولة الحزن واليأس.

لكن بعد هذا حدث ما يصعب تصديقه. ذلك أن رجال داود، رفاقه في السلاح الذين اتّبعوه في السرّاء والضرّاء، تآمروا فيما بينهم وهمّوا برجم داود. وهذا الولاء الذي أظهره رجال داود له، الولاء الذي كان داود يعوّل عليه أكثر من أي شيء آخر، بدا وكأنه سينهار دفعة واحدة. لقد خاطر أولئك الرجال أكثر من مرة وعرّضوا أنفسهم للموت من أجل داود. أما الآن فتطلّع داود وإذ بهم يصبحون ضده. شعر داود بأنه أصبح وحيداً.

اضطر داود أن يطلب العون، فتوجّه نحو الشخص الوحيد الذي يظلّ قريباً. "وأما داود فتشدّد بالرب إلهه" (1 صموئيل 30: 6). سأل الرب إن كان يشير عليه باللحاق بالغزاة. فأجابه: "ألحقهم، فإنك تدرك وتنقذ". وهكذا كان وأنقذ داود ورجاله بعد دحر العمالقة جميع النساء والأولاد "ولم يفقد لهم شيء لا صغير ولا كبير ولا بنون ولا بنات ولا غنيمة ولا شيء من جميع ما أخذوا لهم بل ردّ داود الجميع" (1 صموئيل 30: 19).

مع أن الأوضاع كانت تبدو على أسوأها تبيّن فيما بعد أن الأوضاع كانت على أحسن ما يمكن. أعيدت جميع النساء مع جميع الأولاد ولم يصب أحد بسوء. صحيح أن صقلع مدينة داود ورجاله قد أحرقت لكن داود لم يعد في حاجة إليها. لقد كانت المملكة في طريق الإعداد ليتسلّمها داود. لقد سقط الملك شاول قتيلاً في المعركة، وبعد وقت قصير سيُستدعَى داود ليدخل القصر ويتسلّم الملك. عندما كانت الأحوال تبدو على أسوأها لم يعرف داود ورجاله الحقيقة غير المنظورة، وإلا لكانوا فرحوا واحتفلوا ورفعوا لله أصوات الحمد بدل أن يبكوا "حتى لم تبقَ لهم قوة للبكاء".

إن الشعور بالفشل كثيراً ما يصل بصاحبه إلى هذه النتيجة. تتضخّم المشاكل كثيراً جداً، وبيوت الخلد الصغيرة تبدو كالجبال الضخمة. إن على القائد في حال كهذه أن يواصل السير بإيمان وينتظر وضوح الصورة. كان الرسول بولس مثالاً في هذا الأمر. فإنه، إذ وصل في رحلاته التبشيرية إلى مدينة فيلبي، واجه المشاكل والفشل عندما ضُرب بالعصي وسجن. لكن بعد مرور الزمن عندما ذكر ذلك الوضع استطاع أن يقول في رسالته إلى أهل فيلبي: "أريد أن تعلموا أيها الأخوة أن أموري قد آلت أكثر إلى تقدُّم الإنجيل" (فيلبي 1: 12).

هناك ثلاثة أشياء قد تتسبّب في سقوط القائد وهي: الطمع وشهوة تمجيد الذات، والشعور بالفشل. وكان عدو نفوسنا ولا يزال يستخدم هذه الأشياء في حياة بني البشر منذ سقوط آدم. وليس في طبيعة الإنسان قوة لصدّ هذه الأشياء. والشيطان عدوّنا يعرف كيف يحطّم كل وسائلنا الدفاعية.

لكن الله يريد أن ينقذنا وسينجح إن وضعنا فيه ثقتنا. بعد أن شاخ داود تطلَّع إلى السنين التي اختبر فيها الإنقاذ الإلهي، فبارك الرب أمام الشعب وقال: لك يا رب العظمة والجبروت، والجلال والبهاء والمجد، لأن لك كل ما في السماء والأرض، لك يا رب الملك وقد ارتفعت رأساً على الجميع.... والآن يا إلهنا نحمدك ونسبّح اسمك الجليل" (1 أخبار الأيام 29: 11- 13).

أضف تعليق


قرأت لك

هل ما زال الله يعمل؟

عندما نفكّر في الكنيسة الأولى، كيف كان الله يؤيد التلاميذ بعجائب ومعجزات وكيف كان يستجيب للصلوات بطريقة مدهشة وكيف أعطى المؤمنين به قوّة الشفاء باسم المسيح وكيف جعل الكنيسة