كنسيات

الدرس الثامن عشر: مشاهير الكنيسة في العصور القديمة -3-

القسم: الكنيسة في التاريخ.

أوغسطين:

من أشهر آباء الكنيسة في العصور القديمة هو أوغسطين. ولد في مدينة تغاست في بلاد أفريقيا الشمالية (تونس حالياً) في العام 354 م. كان والد أوغسطين يتمتع بمنصب هام في تلك المنطقة من البلاد ولكنه لم يكن غنياً، وكان أيضاً وثنياً لو يعتنق المسيحية إلا في أواخر أيامه أما والدة أوغسطين فإنها كانت مسيحية تقية وقد اشتهرت في التاريخ لأيمانها وصبرها ولذلك تعد من أعظم أمهات العالم.

ظهر أوغسطين كولد ذكي وراغب في العلم ولذلك أعطته والده أحسن ثقافة رسمية ممكنة. لكن ذاك الولد الذكي لم يكن مجتهداً كما يجب بل كان يفضل إضاعة الوقت واللعب على الدراسة. وهكذا لم يتعلم اليونانية عندما سنحت له. الفرصة أثناء حياته الدراسية وقد أسف جداً هو لذلك لأنه أضاع فرص ذهبية كهذه في حداثته. فقد كانت هناك كتب عديدة يود أن يقرأها وخاصة العهد الجديد الذي كتب في اللغة اليونانية. ولكن أوغسطين لم يتمكن من الاضطلاع عليها بسهولة نظراً لإتقانه اللاتينية فقط.

ولم بلغ أوغسطين سن السادسة عشرة من عمره أرسله والده للدراسة في مدينة قرطا جنة التي كانت أكبر مدينة في إفريقيا الشمالية. وكانت هناك مدارس عديدة في تلك المدينة الكبيرة ولكن الشرور كانت كثيرة أيضاً وكذلك التجارب. ومع انكباب هذا الشباب على العلم بجد ونشاط إلا أنه سقط أيضاً في حبائل الخطية والشرور.

كانت والدة أوغسطين تصلي بحرارة ولجاجة لكي يهتدي ابنها إلى ابنها إلى طريق الحق ويبتعد عن حياة الشر والرذيلة. لكن ابنها لم يظهر أي استعداد لإطاعتها بل أكثر من آلامها بالرحيل إلى رومية. وكان أوغسطين قد وعد أمه بأن لا يتركها ويذهب إلى بلاد الغربة ولكنه حنث بوعده ولم يبال لدموع أمه التي كانت تنهمر بغزارة وهي واقفة على رصيف الميناء وتشاهد فلذة كبدها يبحر إلى البلاد الايطالية. وقد قاربت أم أوغسطين من اليأس في الكثير من الأحيان ولكن أحد الأصدقاء المسيحيين قال لها: أن ابن صلوات عديدة كهذه لن يهلك!.

بالرغم من حياة أوغسطين المنغمسة بالشر والخطية كان هذا الشاب الذي وجد نفسه حراً في ايطاليا يبحث بصورة مستمرة عن الحق. ابتدأ مرة بقراءة الكتاب المقدس ولكنه لم يلبث أن ألقاه جانياً. وكان يفضل في هذه الآونة من حياته كتب الفلاسفة القدماء وقصائد الشعراء الوثنيين. وفي هذا العصر الذي كان يعيش فيه أوغسطين انتشرت آراء ماني وهو رجل فارسي، وخلاصتها عبارة عن مزيج غريب لعقائد وثنية وعقائد مسيحية. وقد اعتنق أوغسطين بدعة ماني لمدة تسع سنوات منتظراً الوصول إلى الحق في الفلسفة المانيخية. لكن حياة أوغسطين لا توال غارقة في حمأة الرذيلة والشر.

وبعد مرور سنة واحدة على إقامة أوغسطين في رومية عينته الدولة كأستاذ لعلم البيان والبلاغة في مدينة ميلانو الواقعة في شمال ايطاليا. وفي هذه الآونة كانت أمبروز أسقف الكنيسة المسيحية في ميلانو، زكنا قد اضطلعنا على حياته في درس ماض. اشتهر أسقف ميلانو ببلاغته ولذلك أراد أوغسطين أن يستفيد من علم وبلاغة الأسقف وقد كان يذهب إلى الكنيسة مراراً للإصغاء إلى عظات أمبروز. وطبعاً لم يكن الأستاذ الشاب مهتماًَ في بادئ الأمر بتعاليم الأسقف بل انحصر اهتمامه ببلاغة الأسقف وبالطريقة التي كان يومئ بها أثناء إلقائه لعظاته الشهيرة.

جاءت والدة أوغسطين بصحبة أحد رفاقه الأعزاء إلى ميلانو وانضمت إلى بيت ابنها وهي تصلي وتنتظر حدوث الأعجوبة في حياة ابنها. وأخذت معالم التغيير تظهر على حياة الأستاذ أوغسطين إذ أنه ابتدأ يشك في صحة تعاليم الفلسفة المانيخية وأخذ يعطي اهتماماً أكبر لتعاليم أمبروز. وحدث ذات مرة أن ذهب أوغسطين إلى حديقة خلف بيته وبيده نسخة من رسائل الرسول بولس. كانت نفسه في عراك كبير ولم يكن يستقر على مقعده في تلك الحديقة حتى ألقى بنفسه على العشب تحت شجرة تين. وبينما كان في تلك الحالة سمع أحد الأولاد في بيت مجاور ينشد أنشودة صغيرة: خذ واقرأ، خذ واقرأ، قام أوغسطين ورجع إلى المقعد حيث كان قد ترك رسائل بولس الرسول وأخذ يقرأ هذه الكلمات المستقاة من الفصل الثالث عشر من الرسالة إلى أهل رومية والعددين الثالث عشر والرابع عشر:"لنسلك بلياقة كما في النهار، لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، لا بالخصام والحسد، بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات!"

وهكذا حدثت الأعجوبة المنتظرة وتغيرت حياة أوغسطين منذ تلك اللحظة إذ أنه سمع صوت الله وأطاع واهتدى إلى المسيحية بصورة قلبية. وهكذا انقلب الأستاذ الشهير في مدينة ميلانو إلى تلميذ لأمبروز أسقف المدينة وأخذ يتعلم منه مبادئ المسيحية الحقة. وكان ذلك في أواخر صيف السنة 386 م. أي في السنة الثانية والثلاثين من عمره. وفي يوم أحد القيامة المجيد من العام التالي اعتمد أوغسطين في الكنيسة وصار من أعضائها الغيورين.

لم يود أوغسطين المسيحي البقاء في منصبه كمعلم لعلم البلاغة بل رجع هو وأمه ورفيقه إلى بلاده في أفريقيا الشمالية. وبينما كانوا ينتظرون قدوم السفينة التي كانوا سيبحرون عليها توفيت والدة أوغسطين مما دفعه إلى تغيير خطته فبقي لمدة سنة واحدة في رومية ولكنه لم يلبث أن أبحر إلى موطنه وقصد مسقط رأسه حيث أصبح من ألمع قادة الكنيسة المسيحية في العصور القديمة. وسنأتي على ذكر بعض مآثر هذا القائد الشهير للكنيسة في درسنا المقبل إن شاء الله.

أضف تعليق


قرأت لك

دليل من عالم المحسومات

خذ مثلاً حجرة من الحجرات فيها ثلاث مصابيح كهربائية في قوة واحدة، إن هذه المصابيح الثلاثة تشع نوراً واحداً، وتنبع من ذات "الدينامو" الواحد، وهذا أمر تقبله حواسنا المجردة، وتخضع له وتصدقه فلماذا يصعب علينا أن نؤمن بالإله الواحد في جوهره المثلث في أقانيمه.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة