كنسيات

الفصل الثالث: البحث عن الله

القسم: أصول التراث المسيحي في شمال أفريقيا.

منذ العصور الغابرة، أظهر أهالي إفريقيا الشمالية اهتماماً في الأمور الدينية العميقة والصعبة الإدراك. وبالطبع، فإن هناك شيئاً عالمياً عاماً، تشترك فيه الطبائع البشرية، ألا وهو الرغبة في الوصول إلى حل ألغاز هذا الكون، وأسراره غير المرئية، والتي تتشارك فيها جميع قارات العالم وتؤمن بها كل الأجيال. وكلما اقترب الناس بعيشهم من العالم الطبيعي، اشتدت رغبتهم في التواصل مع هذه القوى الخارقة الموجودة في الخليقة. والواقع أن الإلحاد استطاع أن ينمو ويزدهر في القرن العشرين فقط، حيث المدن الكبيرة التي أوجدها الإنسان بنفسه. فقد أحاط إنسان هذا القرن نفسه بأعمال يديه، ولم يعد لديه متسع من الوقت ليتأمل فيما هو أعظم من منجزاته من أمور مدهشة يحاول فهمها.

وكسائر الناس الذين يقضون أوقاتهم في الحقول أو الغابات، فإن الأمازيغيين القدامى، في العصر الحجري الحديث والعصر الحديدي، لابد أن تكون قد روعتهم القوى الظاهرة المدركة في الطبيعة. ولاشك في أنهم شعروا في قلوبهم بالمشاعر نفسها التي نحسها نحن ونشعر بها عندما نستيقظ في الصباح ونلقي نظرة على قمم الجبال المكللة بالثلوج تحت أشعة الشمس المشرقة الصافية. لقد امتلأ الأمازيغيون رعباً، كما نحن، بسبب القوى العنيفة الهائجة التي لا يمكن مقاومتها وهي تجرف الأشياء بقوة بعد كل عاصفة، إذ تكتسح الأشجار والصخور أمامها، وتلقيها أرضاً وكأنها عصافة في مهبها. لقد افتتن هؤلاء وسحروا أيضاً، بهياج البحار، وبأمواجها الصاخبة على السواحل الصخرية، وكذلك باندفاع طيور البحر وهي تنساق بسرعة فائقة خلال هبوب الرياح الغربية. لقد أدهشهم غروب الشمس وهي تصقل لونها الذهبي المتحول تدريجياً إلى اللون الأحمر، لكي يختفي بعيداً وراء التلال الرمادية، في آخر النهار.

والطبيعة أيضاً مليئة بالخوف والرعب، فهي تحمل لهم قوى الحياة والموت. فإذا لم يتساقط المطر، يفسد الحصاد وتموت الغلة، وهذا يعني المجاعة. وإذا ما تفشت الأمراض في قطعان الماشية، فسيترصد الموت الناس أنفسهم، إذ أنهم يعتمدون على هذه الماشية لتأمين معيشتهم، فلا ينجو إلا القليل من أطفالهم إبان طفولتهم. فإن قدر أن يعيش واحد من أطفالهم، ويموت الآخر، فيكون قدراً مبهماً ومخيفاً. فهل هناك طريقة ما يمكن من خلالها أن نؤثر في حوادث المستقبل؟ هل يمكننا أن نتجنب الكوارث والنكبات، أو أن نؤكد استمرار الحياة؟ هل هناك قوى خفية غير منظورة تتحكم في مجريات الأمور؟ وهل يمكن استرضاء هذه القوى ومناصرتها؟ هل يمكن لهذه القوى أن تساعدنا في صراعاتنا مع الحياة؟.

ليس من السهل أن نعود القهقرى لأربعة آلاف سنة غابرة، لندرك ما كان يفكر فيه أسلافنا، وما اعتقدوه في الحياة والموت؛ أو لنستطيع أن نتصور كيف حاولوا تفسير أسرار هذه الدنيا والطبيعة في ما يتعلق بهم، وما تزخر به من أشياء محيرة مربكة، خصوصاً إذا ما علمنا أنه لم يكن لهم سبب واحد يحملهم على تدوين ما يختص باقتناعاتهم العميقة، وتأملاتهم الخفية الغامضة. ولكن بإمكاننا أن نمسك بالمفتاح الذي يزودنا ببعض المعلومات فيما يتعلق بمعتقداتهم، وذلك من صناعاتهم ومنتجاتهم التي يكتشفها علماء الآثار هنا وهناك، كالأصنام والمذابح والحجارة المنقوشة والملونة، أو أي شيء آخر يعطينا مغزىً حقيقياً لدين معين. وهذا، وإن لم يكتب الأقدمون شيئاً، فبإمكاننا أن نجد المراجع بخصوصهم، من خلال كتابات غيرهم، ومن عرفهم من الناس، لاسيما أولئك الذين يبادلونهم في التجارة، أو يحاربونهم. أحياناً يمكننا أن نميز أشياء كثيرة عن معتقداتهم، من خلال العادات والتقاليد التي لا تزال حتى اليوم. وإذا تأملنا في ديانة الأمازيغيين نجد، ولحسن الحظ، بعض المفاتيح لفك لغزها بواسطة الأساليب الثلاث السالفة الذكر.

هناك شواهد وإثباتات تدل على أنهم تطلعوا بشكل خاص إلى السماء، مسكن الشمس بنورها ودفئها، ومصدر المطر المحيي – والسماء بطبيعتها مليئة بالعجائب والروائع – وإلى النجوم المشرقة بلمعانها ليلاً، والقمر الذي يضيء بنعومة ورقة، والألوان السحرية لقوس القزح الذي ينشق متلألئاً من بين الغيوم بعد سكون العاصفة، وكتل الثلج البيضاء الصامتة التي تنساق بغموض إلى الأرض، والوميض المروع الذي يبعثه البرق، والتهديد المدمدم في قصف الرعد المزمجر. فليس عجيباً أن تنشر السماء الرعب والخوف والعبادة في نفوسهم. وكثيراً ما نجد نقوشاً تمثل الشمس في حجرات الموتى وأقبيتهم، وحتى على الصخور القائمة. وفي بعض الأحيان، يعبر القدماء عن إله الشمس بشكل أسد، شعر عنقه ملتهب ومتقد اتقاداً. وكان هذا الحيوان معروفاً عند الأفارقة الشماليين قبل أزمنة الرومان وبعدها، وهو لايزال يظهر مراراً وتكراراً في حكاياتهم الشعبية. وتشير نقوشهم المحفورة، وكلماتهم المنقوشة، إلى الإله "أيور" (Ayyur) أي القمر، بلغة الأمازيغيين.

استمرت عبادة الأجرام السماوية خلال أزمنة التاريخ. فقد كتب لنا هيرودوتس (Hérodote) في القرن الخامس قبل الميلاد، أن الأمازيغيين، قربوا في أيامه التقدمات لكل من الشمس والقمر. أما بليني الكبير (Pline I'Ancien)، فقد أكد لنا تقدبم مثل هذه الذبائح في القرن الأول للميلاد. قال شيشرون (Cicéron) إنه عندما قابل الملك الأمازيغي ماسينيسا (أو ماسنيسن) الجنرال الروماني سكيبيو (Scipion) في القرن الثاني قبل الميلاد، صلى إلى الشمس قائلاً لها: "إني أقدم شكري العميق لك أيتها الشمس المرتفعة ولسائر الآلهة أيضاً في السماء، بسبب إتاحة الفرصة لي، وقبل انتقالي من هذه الحياة، أن أرى في مملكتي وتحت سقف بيتي كرنيليوس سكيبيو".(1) أما ابن خلدون فقد ذكر أن الكثير من الأمازيغيين في القرن الرابع عشر بعد الميلاد، كانوا لا يزالون يتعبدون للشمس والقمر والنجوم.

وتتحدث السماء عن أسرار لا يمكن الوصول إليها. وكما فعل الإنسان، بتوجهه نحو السماء، هكذا أيضاً فعلت قمم جبال الأطلس التي نحتتها الرياح. ومن الممكن أن يكون هذا هو السبب الذي جعل قمم الجبال تدفع الأفارقة الشماليين إلى العبادة. ويخبرنا بليني الكبير "أن الليبيين يعتبرون الأطلس إلهاً ومعبداً". ولقد وجد علماء الآثار في الأمكنة العالية بقايا المعابد الرومانية، وهي مكرسة لخدمة ساتورن (زحل) وعبادته. فقد بنيت هذه المعابد، في الواقع، على أنقاض مزارات الفينيقيين، والتي كانت قد شيدت هي أيضاً من حجارة معابد وثنية قديمة. ولكن حتى قبل هذا التاريخ، وفي فترة العصر الحجري الحديث، كان الأمازيغيون ينقشون الرموز والصور على أعالي قمم جبال الأطلس والريف، وفي الكهوف والمغاور، وعلى الصخور التي تنذر مواقعها ومناظرها المشرئبة بالخوف؛ وكأنها تراقبهم، إما لمعاقبتهم وإما للترؤف عليهم.

هل كانت هذه المناطق الصخرية مهبطاً "لأرواح الأرض" التي كانت تدعى "جنون" (Jnun)؟ يظهر أن الأمر هو كذلك. ولاتزال، حتى يومنا هذا، تقدم تقدمات النذور والقرابين في أوان خزفية تشابه إلى حد كبير الأواني الفخارية لما قبل التاريخ، اكتشفها مؤخراً علماء الآثار؛ ولاتزال الشرائط تربط على الشجيرات الشائكة التي تستظل بها أرواح حرس الصخور التي كانت تعتبر مقدسة، وعلى الكهوف التي تأوي الأشباح، وعلى الينابيع، وعلى الأشجار القديمة الملتوية الكثيرة العقد والنتوءات والتحدبات. إن أعمال العبادة هذه هي الشهادة لإيمان ثابت بالأرواح المحلية، ويتضح تماماً أن هذا الإيمان مستمر ودائم منذ ما لا يقل عن أربعة آلاف سنة. كان ينبغي استعطاف الأرواح المحلية قبل الحراثة، أو قبل جني الأثمار، أو قبل قضاء ليلة في المنطقة التي تحرسها هذه الأرواح. فإن أزعجت أو أغضبت، فلا بد من أن يحدث لك المصاب ويأتيك البلاء، لأنك بهذا الإزعاج أو المضايقة أو الإغضاب، تكون قد خاطرت بالتعرض للعقاب المباشر، كالعقم أو العمى أو الجنون أو حتى الموت.

ونحن نعرف 52 اسماً من أسماء هذه الآلهة المحلية. ولقد تعرفنا بها بشكل واسع من النقوش والكتابات المحفورة، أو الوقف الذي أوقف لهم، أو التكريسات التي كرست لهم في عهد الفينيقيين والرومان. ومعظم تلك الآلهة تحمل أسماء أمازيغية تظهر أنها كانت أرواحاً قادرة على أن تأتي بالأمطار وتمنح الإخصاب؛ ولكن نفوذ كل من هذه الآلهة مقتصر على منطقته الصغيرة الخاصة به. فمثلاً نفوذ هذا الإله أو ذاك، يقتصر على تلته الخاصة، أو ينبوعه الخاص، أو حتى قريته الخاصة. كانت هذه الديانة هي الديانة النموذجية العملية للأمازيغيين القدماء، وهي شكل من أشكال مذهب حيوية المادة (Animisme) أو صيغة من صيغها، تتشابه إلى حد بعيد مع مذاهب حيوية المادة الأخرى التي وجدت في أجزاء كثيرة من العالم.

كان على المسافر الذي ينتقل من مكان إلى آخر، وعلى التاجر أو الموسيقي أو الجندي، أن يرضي أي روح يراقب أي موضع يؤمه هؤلاء الرجال. فعلى المسافرين، وبالأخص أولئك الجنود الأمازيغيين المسجلين في الجيش الروماني، أن يعتنوا بطائفة من الآلهة المحلية بشكل جماعي، واسم هذه الآلهة داي مووري (Dei Mauri) أي الآلهة الموريين، وبعد ذلك يجب أن يتوسل إليها ويبجلها مجتمعة، لأنه بذلك يضمن لنفسه أنه لم ينس أياً منها. إن إحدى أكثر التكريسات التعبدية المعروفة والمتكررة، هي للإلهة وارسيسم أو فارسيسما (Varsissma)، واسم هذه الإلهة يعني في الحقيقة "إله بلا اسم". والظاهر أنهم كانوا يتلهفون كثيراً في استرضاء هذا الإله، وجعله مسروراً، تماماً كما كان تلهف أهل أثينا لعبادة مثل هذا الإله في أيام الرسول بولس.(2)

ومن الصعب أن نعرف تماماً كيف كان يجري استرضاء هذه الآلهة المعبودة. ولكن رسوم الكهوف في العصر الحجري الحديث، تشير إلى أنهم كانوا يسترضونها بذبائح الكباش والثيران التي يقدمونها كفدية عنهم. ولكن، من المستحيل أن نعلم ما إذا كانت هذه الأضاحي أو الذبائح تقدم لآلهة معينة لا نعلم شيئاً عن أوصافها. ولايزال تقديم القرابين والذبائح الحيوانية موجوداً بين الأمازيغيين، وهذه الذبائح تختلف عن تلك التي يقدمها العرب في الشرق الأوسط، مع أنها تتشابه كثيراً مع قرابين الفينيقيين وأضاحيهم.

هذا ما كان يختص بالأحياء، ولكن الأمازيغيين لم يكن اهتمامهم بموتاهم يقل عن اهتمامهم بأحيائهم. كانوا يشيدون القبور من قطع الصخور، جاعلين هذه القبور تواجه الشمس. وكانوا يزودون موتاهم بالمجوهرات والأوعية الخزفية، كما لو كان موتاهم سيحتاجون إلى استعمال هذه الأشياء في الحياة الآخرة. أما القبور الأخرى، فقد كانت تطمر وواجهاتها إلى الجرف، وتزين بالرسوم الملونة بصلصال أحمر. وتعود بداية تاريخ هذه القبور إلى العصور الحجرية، وقد استمرت حتى عهد الفينيقيين.

ويظهر أن الديانة العملية للأمازيغيين لا تختلف إلا قليلاً عن ديانة المتحدرين من أصلهم الذين يقطنون القرى في أيامنا. فمن ذلك الوقت، وإلى اليوم أيضاً، هناك اعتقاد قوي وفي كل مكان، بوجود قوى فوق طبيعية حاقدة، ولاتزال الرغبة مستمرة في إيجاد الحماية والوقاية من هذه القوى. ولم يجد الكثير من معتقدات الأفارقة الشماليين وعاداتهم مكاناً لها في الديانة المسيحية الصحيحة أو في الإسلام. أما بقايا هذه المعتقدات التي مازالت موجودة، فهي قائمة منذ العصور القديمة.

ويتضمن استعمال "السحر الأسود" الكثير من الممارسات، وهي ترتكز على افتراض أن الإنسان قادر على كسب النفوذ على غيره، سواء أكان ذلك على الإنسان، أم على الحيوان، أم الأشياء، وذلك بصنع نموذج للضحية التي يراد إنجاز طقس ما أو أي من الشعائر ضدها. وبهذا تلزم الضحية على أن تتصرف بطرق خاصة معينة حسب ما تخطط لها، أو تكابد قدراً أو قضاءً معيناً. فمثلاً يمكن للمرء أن يربط عقدة في شريط أو في خصلة شعر لربط مخططات الخصم وإحباطها، أو لإغلاق رحم امرأة عدوة. كما يمكن أن يؤدي إقفال نصل سكين الجيب إلى عجز جنسي عند الشخص الذي يكتب اسمه على هذا النصل.

كذلك كان الاعتقاد أنه بالإمكان التأثير على مسار الأحداث في العالم الخارجي وذلك من خلال ممارسة طقس محدد، كأن يصار إلى ارتداء الثياب بالمقلوب بقصد تغيير ظرف معين. إن شعائر الإخصاب الموسمي تضمن إنتاجية مبدعة من المحاصيل والحصاد والقطعان. لقد تميزت السنة الزراعية بإحياء احتفالات يحرث فسها الشق الأول وتجمع الحزمة الأولى من المحصول. كتب أغسطينوس وغيره من المؤرخين المعاصرين عن إحياء طقوس جنسية عربيدة متطرفة، "ليالي الخطايا"، لحث آلهة أو أرواح الإخصاب، آملين منها أن تنفح نشاطاً مشابهاً بين القطعان والمواشي.

ظهرت العادات والخرافات المتعلقة بسقوط الأمطار تقريباً في كل الأراضي شبه القاحلة بما في ذلك شمال إفريقيا، حيث تقوم النسوة بصنع دمى تمثل "عروس المطر"، تماماً كما يفعل بعض الناس في بعض مناطق اليوم. وثم تحمل هذه الدمى في موكب طقسي مصحوب بأغاني ودعاءات والتماسات مرفوعة إلى السماء(3). ومن عادات أهالي جزر الخالدات أن يضربوا مياه المحيط بالعصي، وذلك محاولة منهم لإطلاق مياه السماء. وقد دان أغسطينوس هذه الممارسة الوثنية القديمة، كما وبخ أولئك الذين يستحمون وهم عراة في يوم الانقلاب الشمسي الصيفي، مؤججين بذلك شهوات مشاهديهم. وقد يبدو أن مثل هذه العادات قد ماتت، إلا أن الأرضيات وعتبات الأبواب مازالت ترش بالماء في مواسم معينة، وغالباً ما لا ترش أكثر من رشة رمزية، إذ يبقى معظم الغبار غير ممسوس. هل المراد من هذه الرشة أن تبرد الأرض وتنعشها، أو هل لهذه العملية دلائل أكثر عمقاً؟

اعتقد الكثيرون، منذ زمن الرومان إلى يومنا هذا، أن أقدارهم مسجلة في النجوم. فهم يرجعون إلى المنجمين والعرافين ليقرأوا لهم مستقبلهم في السموات، أو في أحشاء الحيوانات، أو في علبة ورق اللعب. فهم يريدون أن يعرفوا، ويريدون أن يسألوا أياماً ميمونة لأعراسهم أو لرحلاتهم. كما يريدون أن يعرفوا هل بإمكانهم التعامل مع أناس معينين أو تجنبهم، أو هل بإمكانهم الذهاب إلى أمكنة معينة أم لا. إنهم يتساءلون، وفي قلوبهم أمل لا يستند إلى أي منطق، عما إذا كان بإمكانهم الهروب من أقدارهم المحتومة إذا كانت سيئة، أو إنجاز عمل ما، إذا كانت هذه الأقدار حسنة. فالخوف من "العين الشريرة" - اللعنة التي يطلقها عدو حسود – تعود إلى ما قبل العهد الروماني. والشيء عينه، ينطبق على الاعتقاد أن الأفراد، أو حتى الأشياء التي لا حياة فيها، يمكن أن تكون مستودعات للقوى الروحية أو "للبركة". لقد استعملت المياسم الحديدية الملتهبة، كما اليوم، لشفاء أوجاع الرأس، ولمعالجة سوء التصرف كالإدمان على السكر والسرقة مثلاً.

وقد كان للرقم خمسة، ولرمز العين المفتوحة، وللرمانة المرسومة، معان معينة ومغزى سحري، ونحن لانزال إلى اليوم نلمسها ونراها في إفريقيا الشمالية. هذه المعتقدات والرموز كلها كانت تتزامل مع الإلهة الفينيقية تانيت، التي تترافق بدورها مع القصد من وراء رسم اليد المفتوحة التي نشاهدها، بشكل كثيف، على الأبواب الخلفية للشاحنات. وهي ترسم أيضاً على عضادتي الباب (جانبي الباب)، كما تصنع ببراعة من المجوهرات، وهي تعرف عموماً باسم "يد فاطمة الزهراء" (ابنة محمد) أو "الخميسة". ورمز اليد المفتوحة غالباًَ ما يعتقد أنه مستورد من العرب، والحقيقة أنها أقدم من ذلك بكثير، إذ وجدت أيضاً في البقايا الفينيقية في قرطاجة، وفي أماكن أخرى (4). كانت الضرائح والمواضع المقدسة في أزمنة الرومان تبيض بالكلس، ومازلنا حتى هذا اليوم نرى قيور رجالات المسلمين، من أولياء وأئمة، وهي مطلية بالكلس المطفأ، وكذلك على الصخور المفردة والمعزولة، والأشجار، وعلى عضادات الأبواب وأطر الشبابيك والبيوت. إن هذا التجصيص لا يعدو كونه بعض اللطخات على الجدران الخارجية للبيت. فهل المقصود أن يكون التجصيص لغرض التزيين فقط، أو أن لهذا العمل معنى آخر أو غرضاً آخر؟ إن الذين يمارسون مثل هذه العادات في أيامنا، غالباً ما يجهلون أية معاني كانت لها في الأصل.

لايزال الناس، وبخاصة النساء، يلبسون التعاويذ، كالعظام والصدف الأصفر، حيث يعتقدون أن مثل هذه التعاويذ تمنحهم الأمانة والضمانة ضد العفاريت أو الجن أو العيون الشريرة، وتبعد عنهم الحظ السيئ، لقد كتبت الرقيات السحرية على الأوراق وعلى العظام، وفي عدة أحيان كانوا يغسلون الحبر الذي استعمل في كتابة الرقية والتعويذة ويشربون الماء الممزوج بالحبر. وكذلك، فقي أحيان أخرى كانوا يدفنون الورقة أو يحرقونها في المكان الذي يتأكدون فيه أن الضحية المقصودة ستستنشق دخان هذه الأوراق المحروقة. وغالباً ما يصنعون أكياساً صغيرة من الجلد فيضعون فيها التعاويذ والحجاب أو أي شيء صغير فيه قوة سحرية، ثم يعلقون هذه الأكياس في رقابهم، أو مشكولة في صدورهم أو أي مكان آخر في أجسامهم. ثم راحوا لاحقاً يستعملون الآيات القرآنية ويكتبونها على تعاويذهم، أو يصفون رموزاً وكتابات عربية منظمة بعينات وأشكال سحرية، كما أنها ما زالت تكتب بالحروف التيفيناغية (Tifinagh) القديمة، بصيغتها المحرفة تماماً، مما يوحي لنا بأن أصل هذه الكتابات والتعاويذ يعود إلى ما قبل التاريخ الإسلامي (5). وكان للنباتات الطبية آنذاك شعبية واسعة، لم تضعف حتى في أيامنا هذه. إنه ليس من السهل إطلاقاً، في بعض الأحيان، أن نرسم خطاً فاصلاً أو متميزاً بين العلاجات الشعبية وممارسات السحر الأسود في استعمال الأعشاب والمواد المعدنية والحيوانية (6).

هذه هي معتقدات الأمازيغيين القدماء والتي تتجذر في الماضي حسب ما نعلم، وصولاً ربما إلى العصر الحجري. وهي من بعض جوانبها مستمرة حتى وقتنا الحاضر. إلى ذلك، فإن بعض الممارسات الأخرى قد فرضت نفسها خلال القرون التالية. لقد جلب الفينيقيون معهم، منذ العام 1000 قبل الميلاد وإلى ما بعده، بضائعهم التجارية ومحاصيلهم، ومجموعة من الآلهة الجديدة إلى إفريقيا الشمالية. وقد تبنى أهالي إفريقيا شكل ديانتهم، إلى جانب التقاليد والأعراف المتعلقة بمذهب حيوية المادة. فتم نقش الأصنام والصور والأيقونات الخاصة بآلهة الفينيقيين بنحت نافر خفيف على سطوح الصخور، أو نصبت على أعلى الصخور لعبادتها. وقد ترافق مع هذه الأصنام والأيقونات المحفورة في بعض الأحيان، كلام منقوش بالحروف التيفيناغية، لكن النماذج المتأخرة استعملت الأبجدية الفينيقية واللاتينية. كان لبعض هذه الأصنام أشكال بشعة. ونحن نجد أن ترتوليانوس يؤنب معاصريه في القرن الثاني بعد الميلاد بسبب عبادتهم التافهة العقيمة للخشب والحجر. وفي القرن الرابع للميلاد، بقي شعب تيباسا (Tipasa) يتعبد بحماسة شديدة للحية البرونزية العظيمة ذات الرأس المطلي بالذهب.

أما بعل أمون، فهو إله الشمس ورئيس الآلهة عند الفينيقيين. كان إلهاً هاماً في مناطق البحر الأبيض المتوسط كلها، وبخاصة المدن. وبالرغم من الطقوس القاسية والفظة لعبادة هذا الإله السامي، قبل الأمازيغييون عبادته بسرور وعن طيب خاطر. ويبدو أن عبادة رئيس الآلهة هذا قد مست وتراً حساساً في قلوب الأمازيغيين، إذ توافقت مع شعور كان عندهم بوجود مثل هذا الكائن العظيم الذي يقف على رأس كل الآلهة المحلية والأرواح الأخرى. كما يظهر أنه قد تكون عند الأمازيغيين ميل إلى الاعتقاد بوجود إله سام يتصدر كل الآلهة في الوقت نفسه الذي كانوا يتفاعلون فيه مع قوى أقل منه شأناً وفي متناولهم. وقد اكتشف علماء الآثار أوقافاً كثيرة كرست للبعل، وفي ما بعد، لنظيره الروماني ساتورن (زحل)، والتي تعود إلى ما قبل دخول المسيحية إلى شمال إفريقيا (7).

وفي ما بعد، وجد اليهود والمسيحيون أن الأمازيغيين يتجاوبون بشكل خاص مع إيمانهم بالإله الواحد، كما أن هذا الأمر يصح أيضاً على المسلمين لاحقاً. ولربما كان اليهود، منذ القرن الرابع قبل الميلاد وما بعده، أول من قدم فكرة وجود الإله الواحد الكلي القدرة، ولكن يبدو أن اليهود لم يضيفوا بذلك سوى أبعاد جديدة إلى مفهوم كان موجوداً، ولكن بشكل مبهم (8). وفي القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد؛ أشار بعض شيوخ الإسلام، إلى وجود الإله الأوحد باسم "ياكوش" أو "يوش" (9). فهل لايزال هذا الاسم حياً بين ذوي الأصل الأمازيغي منذ ماضيهم الغابر؟ أو إنه لم يعرف عندهم إلا حديثاً؟ نحن لا نتمكن من الإجابة عن هذا السؤال ولكن يبقى من الحقائق المحيرة وجود آثار تدل على الإيمان بالإله الواحد، ليس هنا فقط، بل في أماكن معزولة في جميع أنحاء المعمورة، وعند شعوب وأجناس لم يكن لها احتكاك بأية حضارة، ويظهر أن هذا اعتقاد عفوي بوجود إله سامٍ قصي غطت معالمه الممارسات الطقسية وعبادة الأرواح المحلية وأرواح الأسلاف.

فهل يمكن القول إن هذا الإدراك للإله الأسمى، الكوني والشامل هو علامة من علامات الأصل المشترك الأوحد للبشرية جمعاء، ومشابهة الأقدمين في صفاتهم، والذاكرة المنتقلة من جيل إلى جيل والتي ترجع إلى أقدم أسلافنا، إلى نوح وحتى إلى آدم قبله؟ فبعض الأساتذة العلماء يلمح بجدية إلى أن هذا هو واقع الإنسان (10). أو هل يتجدد ببساطة، عند كل جيل، الشعور بأن الطبيعة بجمالها وبتعقيداتها المذهلة، لا بد من أن تكون قد صممت بعقل جبار عظيم؟ ناهيك بالإنسان بحد ذاته – فهناك الكثير الكثير من الأمور المدهشة حقاً فيه – النظر، السمع، التفكير، الكلام – أليست هذه كلها أمور مدهشة محيرة؟ أو هل يمكن القول أن البشرية انبثقت من طريق الصدفة، وجاءت من اللاشيء؟ ولكن الحقيقة الواضحة هي أنه لا يمكن أن يخلق الإنسان إلا كائن أعظم من وأكبر؛ كما أن الكائن العظيم الذي هو أطهر من البشر، وحده يقدر أن يلهمهم بهذه الأشواق المجيدة المقدسة التي يختبرونها في أفضل لحظات حياتهم وأحسنها.

وبالطبع فإذا ما وعى الأمازيغييون هذه الأمور، سيجدون في هذه الحال، أن عبادة بعل آمون لا يمكن أن تكون إلا عبادة مخيبة للآمال وفاشلة، إذا ما قورنت بجمال العالم الطبيعي، وبنبل أقدس المثل الإنسانية. إن عبادة البعل ورفيقته تانيت هي عبادة موسومة بقساوة ممرضة ووحشية تقزز النفس. كتب جيمس فرايزر (Ja Frazer) في كتابه "الغصن الذهبي" (Le Rameau d'or)، وهو يصف التضحيات البشرية في معبد تانيت بتفصيل مؤلم بغيض، حيث ذكر عن الأولاد الصغار كيف كانوا يوضعون على يدي الصنم المنحدرتين، فينزلق الأولاد المساكين من هناك ليسقطوا على فرن ساخن ملتهب. وفي هذه الأثناء "يرقص الناس على أنغام الموسيقى والنفخ على المزمار، وهم يقرعون على الدفوف الصغيرة، ليحجبوا صرخات الضحايا المحترقة وعويلهم". وكانوا يمنعون الأبوين من إظهار الحزن والأسى خلال عملية التضحية بهؤلاء الأطفال. وقد وجد علماء الآثار بقايا هؤلاء الأطفال المتفحمة في قرطاجة، وهي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد؛ وتتراوح أعمار هؤلاء الأطفال بين حديثي الولادة إلى 3 سنوات، فضلاً عن أنهم وجدوا براهين أخرى تثبت هذه العبادة البشعة. وقد ظهر أنه بحلول القرن الثالث قبل الميلاد، استبدل كبش أو ثور بالأطفال، وكان يتم ذلك، على الأقل، بالنسبة إلى العائلات الغنية الموسرة.

اندثرت عبادة الآلهة الفينيقية وماتت، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك منطبقاً على ممارسات مذهب حيوية المادة التي سبقت هذه العبادات زمنياً. ويشهد ما تبقى من هذه المعتقدات الدينية والخزعبلات، على الأهمية والمعنى العميقين الذين حملتهما ممارسة مذهب حيوية المادة هذه إلى تلك الأرض. وقد تلاقت ممارسات هذا المذهب مع حاجات عميقة عند مشاعر الإنسان في تلك البقعة من العالم. كما كانت محاولة ذكية من أناس مرهفي الإحساس ليسيطروا على عالم معقد ومخيف.

في القرن الأول للميلاد، كان هناك عدد وافر من الأمازيغيين يعيشون في المدن الساحلية المتنامية للبحر الأبيض المتوسط. فتزاوجت عائلات أمازيغية كثيرة مع المسئولين والإداريين الحكوميين الرومانيين والتجار، كما كانت لهم معاملات يومية معهم في أعمال السوق وعلى المرافئ. كذلك استمعوا إلى الأنباء والأخبار المتداولة بين الناس، واقتنعوا بمعظم الأفكار الحديثة التي انتشرت في الإمبراطورية. كما أن أبنائهم الطموحين تعلموا اللغة وحوافز الثقافة والحضارة الرومانية واليونانية. وقد ناقشوا مع المعلمين المثقفين، الأفكار الفلسفية العميقة لليونانيين، وتأملوا الشروح والتفسيرات الرياضية للألغاز التي كانت حتى ذلك الوقت غير مفهومة. لقد دخل الأمازيغييون إلى العالم الأوسع لبلدان البحر الأبيض المتوسط، وبحثوا بحوثاً فكرية عقلانية كانت معروفة سابقاً، وبدأوا هم أنفسهم في البحث والتنقيب في المفاهيم الأكثر عمقاً لمعرفة ما هو متراكم من علوم ومعارف حتى ذلك الحين. فماذا كانت يا ترى الأفكار التي بحثوها بعضهم مع بعض، وفي مدارسهم الأدبية وفي فناءاتهم وساحات دورهم المظللة لداراتهم المصقولة بالقرميد الأحمر؟

لم يكن الناس الذين يعيشون في السهول والتلال، والذين يدينون بمذهب حيوية المادة، هم الوحيدون الذين كانوا يرون أنه لابد من وجود إله أسمى يزداد شموخاً وسمواً عن تلك الآلهة ذات القوة الأدنى، إذ إنه كان هناك في الوقت نفسه مثقفون رومان قد توصلوا إلى مثل هذا الاتجاه أيضاً. كما كانت هناك في الواقع رغبة ملحة، خلال العصور الأخيرة للوثنية الرومانية واليونانية، في التواصل مع الإله الواحد الموجود قبل كل الأشياء والمخلوقات. هذا، وقد أصبحت الآلهة الأسطورية الخرافية القديمة تهمل باطراد. وعلى الرغم من ذلك، فإن المجتمع الإنساني كان ومازال لديه احترام لما هو فوق الطبيعة. فالفلاسفة تمكنوا في الواقع من ممارسة نفوذ على الناس يفوق نفوذ كهنة روما الوثنية. ويعود الفضل لهم في إيقاظ الرغبة والاشتياق إلى المناقبية والكمال الأخلاقي، وهم الذين ألمحوا إلى وجود "المحرك الأول" و"العلة الأولى لكل الأشياء". لقد آمن الناس أن هناك إلهاً في مكان ما أو في الأعالي وهو إله غير منظور، والذي لابد من أن يكون هو من خلق العالم. ولم تكن مشكلة هؤلاء الناس إلا معرفة طريقة الاتصال بهذا الإله.

في هذه الأثناء كان سكان المدن الذين كانوا مازالوا يعبدون الآلهة القديمة على مضض، يقربون التقدمات للإله زحل (Saturne) أو لأحد الآلهة الأخرى، كعطارد (Mercure)، إله الفصاحة والمهارة، والمريخ (Mars) وهو إله الحرب، والزهرة (Vénus) وهي إلهة الحب والجمال، ونبتون (Neptune) وهو إله البحر، وهلم جرا. وهناك آخرون عبدوا آلهة "الديانات السرية". وقد سميت بالديانات السرية لأن شعائرها لم تكشف إلا لأعضائها. وقد تضمنت هذه العبادات والمذاهب آلهة غريبة، نصف بشرية ونصف حيوانية، فضلاً عن قصص أسطورية خرافية عن أعمال هذه الآلهة كانت تترافق مع هذه العبادات، ولربما كانت عبادة الإله مثرا (Mithra) هي الأكثر شعبية، حيث كان أتباعها المتعبدون يستحمون بالدم الذي يهب الحياة، من ثور يذبح بأسلوب شعائري. وكان موت أحد الآلهة وقيامته أمراً شائعاً بين معظم هذه العبادات والمذاهب، وأحياناً تكون هذه الآلهة أزواجاً: ذكراً وأنثى، يموت الأول ويساعده الآخر في عملية قيامته. ويتزامن الموت والحياة عادة مع الاعتدالين الخريفي والربيعي، ويرمز ذلك إلى موت السنة الفائتة وولادة السنة الجديدة. ويحاول المتعبدون، من طريق الاحتفال بالعيد والمسكرات وطقوسهم الجنسية، أن يؤكدوا خلودهم الخاص وخصوبة أرضهم وإنتاجهم الزراعي. إلا أن الكثيرين لم يكونوا مقتنعين بكل هذا. وبدأوا يشعرون بأن هذه الفظاظة والخشونة لم تكن متوافقة مع ظواهر العجائب المهيبة والجليلة التي يشعرون بوجودها في الطبيعة المليئة بالقداسة وفي الكون بأسره، كما رأوا أن قصص الآلهة تحمل علاقات صغيرة تافهة عند مقارنتها بقوى الخير والشر التي تبينوها في قلب الإنسان والعالم من حولهم، حيث أن تصرفات الآلهة لم تكن أقل قسوة وظلماً وإباحية من قسوة الذين يعبدونها وظلمهم وفسادهم.

إن أكثر ما أربك الناس في العصر الروماني هو أن الفناء يحيق بكل شيء، وقد تملك الناس شوق غامر إلى الحياة الأبدية والخلود. وظهر لهم آنذاك أن جميع الأشياء من حولهم محكومة بحتمية الاضمحلال والانقراض. لم تكن الأشياء الجميلة تدوم مطولاً، فالدمار كان قدراً لا مناص منه لجميع البشر. كما كان هناك اشتياق عظيم في قلب كل رجل وامرأة إلى الانتصار على العدو القديم، الموت. وكان الجميع يتوقون إلى حياة تستمر ما بعد القبر، وإلى حفظ كل ما هو نبيل وصادق. ولم يستطع الفلاسفة كأفلاطون وغيره أن يعطوا سوى جواب غامض للأسئلة التي كانت تقض مضجع الناس. فقد أعطت الديانات السرية أملاً أكبر، لكنها كانت متنوعة وكثيرة العدد. ومن الواضح أن هذه التعددية تظهر للعقلاء والأذكياء، أن الديانات مازالت تتحرك في غسق من التخيلات الأسطورية الخرافية، ولا تسير أو تتحرك في نور النهار الواسع المتوكئ على الحقائق الوطيدة. كانت قلوب الناس جائعة، وهي تصرخ مستغيثة تطلب رسالة لأمل متجدد وأكيد. لذلك، فعندما وصلت هذه الرسالة، التي تعطي الأمل والرجاء، أوصلت إلى الناس انفراجاً عظيماً واطمئناناً كبيراً، ولاسيما لأولئك الرجال والنساء المخلصين ذوي التفكير العميق، سواء أفي مدارس المدن ودورها أو في القرى الريفية المسكونة بالأرواح (11).

ها قد وصل بعض المسافرين وهم يجوبون الشوارع والطرقات والأسواق يتحدثون بثقة شهود العيان، أو ثقة أناس كانوا قد تقابلوا حديثاً مع شهود عيان واستفهموا منهم. لم يكونوا يتحدثون عن نظريات غامضة مبهمة أو عن آلهة أسطورية خرافية، بل عن حقائق ثابتة. كانوا يتكلمون عن أحداث وقعت حديثاً، وفي مواقع وأمكنة مميزة معروفة، وفي أوقات محددة يعرفها الكثير من الناس. لقد جاء هؤلاء بأخبار عن فيلسوف عظيم جديد برهنت حكمته العجيبة ومبادئه الأخلاقية الرفيعة على قوته المدهشة في تطهير الضعفاء والأشرار، عن تفوقه على كل معلمي العصور القديمة. وكان يتحدث عن الإله الواحد الحقيقي، خالق كل شيء، وكأنه يعرفه معرفة شخصية. وقضى أيامه في وسط الزحمة الصاخبة والمزعجة لأناس كثيري الطلب. وقدم العون والراحة بكل لطف وحنان لكل من جاء إليه. وقد جعلتهم شخصيته وحياته ينظرون إليه كفيلسوف كامل. وتحمل حسد الأشرار ومكرهم بكل صبر. وبعد ذلك أدهشهم إذ أنجز أمام أعينهم القصة القديمة التي تحكي عن الإله الذي مات وقام، تلك القصة التي لم تعد الآن مجرد حكاية خرافية، بل حقيقة معترف بها. إذ حقد الناس عليه جوراً، وحكم عليه بالموت على يد القادة اليهود، قام هذا الرجل البار الصالح من القبر. لقد أنجز في الواقع كل ما كان الآباء يتصورونه في مخيلتهم. كما كانوا متيقنين بأن التضحية بحياته البريئة لم تكن مجرد حركة تقوى لا جدوى منها، إذ بموته حمل في جسده الحكم الإلهي على خطية العالم، وحرر سكانه من عقوبة الموت وجهنم التي كانت تهددهم. وبعد ذلك سبقهم إلى مملكة السماء حيث الحياة الأبدية. وكان اسم هذا الشخص الفريد الجليل: "الرب يسوع المسيح". لقد كانوا يدعون سامعيهم قائلين: "آمنوا به تتغيروا جذرياً وتجدوا حكمته العجيبة ونقاوته الروحية في قلوبكم، وستشتركون في نصرته على الموت وتدخلون خلوده الأمجد.

كان لهذه الأحداث الهامة صدى عميق في إيقاظ الاهتمام الواسع لسكان المدن الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط وساحل إفريقيا الشمالية. ولكن، ماذا عن أولئك الذين يعيشون في المناطق الداخلية، والذين لا يعرفون شيئاً عن هذا البحث الفلسفي المتعلق بالخلود وبالحياة الأبدية، ولا عن المثل الأخلاقية للمفكرين الإغريق، أولئك الناس البسطاء الذين ظلوا تحت عبودية الأرواح التي كانت تحتل الصخور والينابيع الموجودة حولهم؟ فماذا تعني أخبار الإنجيل لمثل هؤلاء الذين يعيشون في القرى والأرياف؟

إن الرسالة التي حملها إليهم المسيحيون الأوائل، كانت حسب اعتقادنا، الأكثر تأثيراً وتشويقاً. لقد أعلن الزوار الذين جاءوا إلى المنطقة أنهم قابلوا المنقذ الكامل القدرة، الذي أرسله الله الواحد السامي، صانع الأرض والسماوات وكل الأشياء التي ترى والتي لا ترى. وقد بين هذا الشخص السماوي قدرته الكاملة التي تتحكم في الرياح العاتية والأمواج الصاخبة، والأمراض والأسقام والموت. لقد كانت تفر من أمامه أكثر الأرواح النجسة جنوناً، كما كانت سلطته على قوى الظلمة مطلقة. كانت تلتف حوله الجماعات وتصرخ فرحة كلما حررها من قيود الجسد والنفس. ولكن بعد ذلك بدا وكأن قوى الشيطان قد قامت أمامه وأخذته وضربت جسده وعلقته على خشبة تحت أشعة الشمس ليموت. فوضع في قبر يشبه دهليزاً داخل تل صخري، ودحرج حجر كبير على المدخل لإغلاقه. إلا أن القوى الشريرة لم تستطع أن تسكت هذا الشخص. فبعد ثلاثة أيام، قام من الموت، وخرج من الكهف، ورآه مئات من الناس حياً قبل صعوده بجلال ملوكي إلى السماء الزرقاء فوق مدينتهم.

ماذا يعني كل هذا؟ إنه يعني تحرراً مجيداً رائعاً من عبودية قوى الظلام، ويعني أيضاً أن السلام أصبح الآن متوافراً للتواقين إليه. ففي حياته، حرر المسيح الناس من الأمراض والخوف وتأثير الأرواح الشريرة؛ وفي موته، حمل المسيح آلام العالم الفاسد والمنهار؛ وبقيامته سحق قوى الشر وهزمها إلى الأبد. والآن، راح هؤلاء المسافرين الشجعان يصرحون بأن هذا المنقذ العظيم هو حي، وروحه النقية القوية لا تسكن الصخور، أو الكهوف، ولكنها تسكن فينا نحن المؤمنين به. وأضافوا أنه إذا ما دعوتموه طالبين إنقاذه وخلاصه، وواضعين ثقتكم الكاملة به، تستطيعون أن تجدوا ملاذاً أكيداً لكم، وتضمنوا حماية كاملة في اهتمامه ورعايته المحبة لكم جميعاً. وفوق كل هذا وذاك، لا داعٍ للخوف فيما بعد من الأرواح الشريرة، ذلك لأن الروح الأكبر هو صالح صلاحاً كاملاً وقدوس قداسة كاملة. وكل من يؤمن به، يجد أمامه حياة جديدة مفعمة بالرجاء والسلام والحرية. كانت هذه هي الرسالة التي جاءوا بها.
 

حواشي الفصل

1- اقتبسها Camps p. 200

2-(أعمال 17: 23)

3- Laoust pp. 202 – 255

4- Moscati pp. 179 – 180

5- Akhmisse pp. 43 – 44

6- يقدم لنا Hart، Camps وCoon بحثاً أشمل في الديانات الشعبية الحديثة في إفريقيا الشمالية. كذلك يعالج Camps أيضاً بشيء من التفصيل عدة أوجه من الوثنية القديمة في إفريقيا الشمالية.

أما Servier pp. 465 – 468 فيذكر معتقدات تقليدية مماثلة في أوروبا الجنوبية مؤكداً بذلك أن نظاماً دينياً متجانساً هو الذي كان سائداً في القديم في بلدان البحر الأبيض المتوسط. راجع أيضاً: Rachik; Akmisse; Laoust; ed. Camps، Encyclopédie Berbère (amulettes، animisme، arbres sacrés etc.)

7- Frend pp. 77 – 79; Camps p. 215

8- درجت العادة أن يخاطب الأمازيغييون الله إذ يدعونه "ربي" (Rebbi)، لكن أصل هذه التسمية يبقى غير واضح. وبما أن المسلمين العرب يشيرون عادة إلى الله بالعبارة "الله" قد يقود ذلك أحدنا إلى الاعتقاد أن التسمية "ربي" تعود إلى ما قبل الإسلام. كما أنه من الممكن جداً أن تكون قد نتجت من تأثير يهودي قديم. بالمقابل، إن الكلمة العبرانية "رابي" تعني "سيدي"؛ إلا أن الكتاب المقدس يستخدم هذه الكلمة دائماً بالإشارة إلى الناس، لا إلى الله. وعليه، قد نحتاج أن نبحث عن أصل "ربي" في تلك اللغة السامية الأخرى البونية (Punique)، أو إلى عوامل لغوية سامية أقدم، أثرت في تطوير اللغة الأمازيغية نفسها. وهكذا فإن التسمية "رب" بمعنى سيد، المستخدمة من وقت إلى آخر في القرآن، قد تعني بالنسبة إلى الأمازيغيين أكثر من الكلمة المستحدثة "الله"، الأمر الذي دفعهم إلى تسمية الله بشكل عام "ربي".

9- Norris p. 6. "يقترح G. Marcy أن "ياكوش" قد يكون مشتقاً من اسم يسوع". (Encyclopédie Berbère p. 431 f ). لكن هذا الأمر يبدو قليل الاحتمال إلى حد ما. ومن الممكن أيضاً أن يكون "ياكوش" مشتقاً من فعل في اللغة الأمازيغية بمعنى "يعطي". وعلى هذا الأساس، يعرف الله بأنه "المعطي". ومن الصيغ الأخرى لهذا الاسم نذكر: "يوش"، "أيوش"، أو "أغوش" (Aggouch).

(Ouahmi Ould Brahim; Aherdan p.63).

في القرن التاسع عشر، كان التوارك (Touareg) ساكني الصحراء، يدعون الله "أماناي" أو "أمناي مقارن"، وأحياناً "مسي" (Norris p. 228). إلا أن هذه الكلمات كانت مشتقة على الأرجح من جذور لاتينية وعبرانية (مسي = المسيا = المسيح).

10- Custance، DP. 34; Richardson pp. 50،51

"وبالعودة إلى أقدم الشعوب – البغميون في إفريقيا، أو هنود كاليفورنيا الوسطى – لقد كان عندهم جميعهم إله واحد، "إله السماء الأسمى"، كانوا يأتون بتقدماتهم أمامه". (Schmidt، اقتبسها Custance p. 21) "كلما كان من الممكن تعقب المراحل الأولى للاعتقاد بتعدد الآلهة، نجد أنه ينتج من ضم عدة معتقدات توحيدية بعضها إلى بعض. ففي مصر، حتى أوزريس (Osiris)، وإيزيس (Isis)، وهورس (Horus)، التي طالما اشتهرت كمجموعة ثلاثية، كان لها في البداية وجود كوحدات منفصلة في أماكن مختلفة: إيزيس كالإلهة عذراء، وهورس كإله موجود بحد ذاته". (Petrie، اقتبسها Custance p. 10).

11- Frend pp. 94 – 111 "لا يمكن قهر الأرواح الشريرة إلا بواسطة معرفة سرية يحصل عليها الناس من منقذ برهن أنه أقوى من الموت. إن مفتاح الخلود كما هو معروض ... في المسيحية، تمسك به بثبات العديدون من الذين كانوا يشعرون بأن مخاطر شيطانية، لا سلطة لهم عليها، كانت تقلق حياتهم". (Frend pp. 94 – 95). إن موضوع عبادة الأوثان في عهد الرومان، يتناوله كل من:

Bainton pp. 71 – 112 ; Foakes – Jackson pp. 180 – 197 ; Green pp. 134 – 199.

أضف تعليق


قرأت لك

عربي أنا

عربي أنا وأعشق بلدي، عربي أنا وأحب منطقتي وأرضي وشعبي الطيب المتواضع، صاحب القلب الكريم الذي يرفض إهانة الآخرين، عربي أنا وأتمسك بهويتي بسرور كبير. عربي أنا

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة