تفاسير

إصحاح 1، آية 8

القسم: سفر نشيد الأنشاد.

8-"ان لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فأخرجي على آثار الغنم وارعي جداءك عند مساكن الرعاة".

هذا هو أول كلام للعريس في هذا السفر، فهو ان كان كلام العروس جميلا، فأجمل منه بما لا يقاس كلام العريس، فلتصمت العروس ولتصمت العذراى وبنات أورشليم ولتصمت الخلائق بأسرها وليتكلم الرب يسوع العريس والراعي الملكي "أنصتي أيتها السموات فأتكلم ولتسمع الأرض أقوال فمي"(تث32: 1) "من له أذنان للسمع فليسمع" _ "خرافي تسمع صوتي" ما أرق وأعذب صوتك يا راعينا الصالح وعريسنا المبارك. هبنا ان نجلس عند قدميك في كل حين لنسمع كلمات النعمة الخارجة من فمك.

ومع ان العروس اعترفت بجهلها المكان الذي فيه يرعى خرافه ولكنها في الوقت نفسه عبرت عن محبتها له بقول "يا من تحبه نفسي" فهل يبقى الرب صامتا أمام هذه المحبة؟ حاشا، فهو الذي قال "الذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي"(يو14: 21) لذا يناديها بهذا الوصف الحلو "أيتها الجميلة بين النساء" فهي ليست مجرد جميلة ولكنها "الجميلة" فمع أنه توجد نساء أخريات فيهن شيء من الجمال ولكن العروس في نظر عريسها هي الفريدة في الجمال. قد نجد في البعض من غير المؤمنين شيئا من جمال الصفات الأدبية ولكنها لا قيمة لها في نظر الرب لان مصدرها الطبيعة البشرية الساقطة "المولود من الجسد جسد هو" (يو3: 6) أما العروس فهي الجميلة بين النساء. رغما عن سوادها كخيام قيدار فإنها من فرط نعمته جميلة كشقق سليمان "بنات كثيرات عملن فضلا أما أنت ففقت عليهن جميعا"(أم31: 29).

ان الكنيسة غالية وثمينة في عيني المسيح، فهو قد أحبها وأسلم نفسه لأجلها لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب. أنها اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن التي لأجلها مضى وباع كل ما كان له واشتراها (مت13: 46).

* * *

ما أعجب محبة العريس _ "محبة المسيح الفائقة المعرفة" فأنه يعتبرها (أي العروس) الجميلة الوحيدة بين النساء في الوقت الذي أظهرت فيه جهلها للمرعي الذي فيه يربض خرافه، الأمر الذي اضطره ان يوبخها توبيخا لطيفا بقوله "ان لم تعرفي" وهل هناك أرق من هذا التوبيخ، فهو لم يزجرها بقارس الكلام، ولكنه بكل لطف يقول لها "ان لم تعرفي" أو بالحري "كان يمكنك ان تعرفي لان الطريق واضح أمام عينيك" لقد قال مرة لفيلبس "أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟" (يو14: 19) أيها الرب سيدنا ما ألطفك قائدا ومرشدا! وما أرق عاطفتك بل ما أرق توبيخات محبتك! إنك تستحق تعبد قلوبنا في كل حين.

* * *

أنه وان كان الرب من الوجه الواحد بحبنا حبا فائقا ولا يرى جمالا يملأ نفسه سرورا إلا فينا ولكنه من الوجه الآخر لا يتغاضى عما يبدو منا من الجهالة لان قداسته لا يمكن ان تتساهل مع أقل شر أو شبه شر يظهر في حياتنا، فيستمل معنا وسائط حبية لطيفة ليرد نفوسنا إلى الحالة التي تليق بعلاقتنا به، وهذه خدمة من أهم خدمات وأعمال الراعي الصالح "يرد نفسي يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه"(مز23) ولكننا إذا لم نستفيد من هذه الوسائل الرقيقة يضطر إلى استخدام وسائل مؤلمة لطبيعتنا، وحتى هذه الوسائل هي من أقوى الأدلة على محبته القوية لنا "الذي يحبه الرب يؤدبه".

"فأخرجي على آثار الغنم"

إنك يا عروس قد تمتعت ببركات كثيرة مذ دخلت إلى حجالي، ولكن ليس هذا هو الكل، فعليك أيضا ان "تخرجي" . . . . "ان دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى"(يو10: 9) فلا يكفي ان ندخل فقط إلى مراعيه حيث الشبع وحيث الأمن والسلام ولكن علينا ان نخرج للجهاد "فلنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا"(عب12: 1). قد يكون الخروج مؤلما ولكن يكفينا شرفا ان الرب قد خرج أولا، فقد سار كالشاهد الأمين في طريق الآلام تاركا لنا مثالا لكي نتبع خطواته "فلنخرج إذا إليه خارج المحلة حاملين عاره"(عب13: 13).

ما أقسى هذه الحقيقة على نفوس الكثيرين من أولاد الله الأعزاء الذين دخلوا دائرة النعمة التي هم فيها مقيمون، ولكن يعز عليهم ان يخرجوا بقلوبهم منفصلين عن مبادئ العالم الشريرة أو الأنظمة الدينية البشرية "اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسا فأقبلكم"(2كو6: 17) ومتى خرجنا بكل قلوبنا فلن نضل الطريق لان الرب سائر أمامنا فيها.

* * *

ومتى كانت لنا العيون المفتوحة نستطيع ان نرى آثار أقدامه المباركة وآثار أقدام خرافه المحبوبة "فأخرجي على آثار الغنم". ان قطيع الرب الحقيقي يسير وراء الراعي وحده "ومتى أخرج خرافه الخاصة يذهب أمامها والخراف تتبعه"(يو10: 4) والنفس التي تريد ان تسير في الطريق آمنة، عليها ان تسلك الطريق الصالح الذي سار فيه الرب قبلا والذي داسته أقدام رجال الله الأمناء قبلنا والذي يسير فيه الآن قطيع الرب المحبوب. لا شك ان من واجبنا ان نسير وراء الرب وحده ولكن من ذا الذي يسير وراء الرب ولا يرى آثار أقدام خرافه الأمينة؟ فبولس رسول الأمم العظيم إذ يكتب للمؤمنين في كورنثوس يقول لهم "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضا بالمسيح"(1كو11: 1) وإذ يكتب أيضا للتسالونيكيين يقول لهم "وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب . . . حتى صرتم قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي أخائية"(1تس1: 6و 7) "كونوا متمثلين بي معا أيا الأخوة ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة"(في3: 17) "إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع"(عب12: 1و 2) "اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم"(عب13: 7).

وتبارك اسم الرب عريسنا وراعينا لأنه ترك لنا "آثار الغنم" التي لا تمحى _أعني ما كتبه أواني الوحي (أي أسفار الكتاب المقدس) بصفة عامة وما كتبه رسل وأنبياء العهد الجديد بصفة خاصة، فان كان رسل لربنا المكرمون قد انتهت حياتهم وليسوا موجودين على الأرض ولكن آثارهم _ أي كتاباتهم باقية، فمن ذا الذي يتصفح سفر الأعمال ورسائل العهد الجديد ولا يجد فيها النور الساطع والإرشاد الكامل سواء من جهة العيشة والسلوك بحسب مشيئة الله أو من جهة السجود والعبادة وكيفية الاجتماع في حضرة الراعي المبارك الذي قال: تبارك اسمه " حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي هناك أكون في وسطهم " (متى 18: 20) وعلى هذا الأساس كان المؤمنون يجتمعون _ أعني باسم الرب يسوع وتحت رئاسته وقيادة روحه القدوس سواء للوعظ والتعليم والبنيان (أع 2: 24،1كو14: 23-40، 1بط 4: 10-11 ) أو لكسر الخبز (أع2: 42، 20: 7، 1كو10: 15-22، 11: 23-34) أو للسجود والعبادة (يو4: 20-24، 1كو14: 15و 16) أو للصلوات (1تي2: 1و 2و 8) أو التأديب والتدبير (مت18: 17-20، 1كو5: 4-13) هذه بلا شك آثار الغنم التي إليها يوجه العريس عروسه قائلا "فأخرجي على آثار الغنم".

"وارعي جداءك عند مساكن الرعاة"

ان المقصود بالجداء هو الغنيمات الصغيرة الضعيفة، ومن واجبنا ان نهتم بسلامة نفوس أخوتنا الضعفاء وبتعزية حياتهم الروحية، فلا نحتقرهم إذ ان المسيح مات لأجلهم. علينا ان كنا أقوياء ان نحتمل أضعاف، حتى إذا عثروا أو سقطوا فلا نتقسى عليهم بل نهتم بإصلاحهم بكل وداعة "أيها الأخوة ان انسبق إنسان فأخذ في زلة ما فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا. احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح"(غل6: 1و 2).

هذا وقد يكون المقصود بالجداء أيضا المؤمنين الأحداث، وهؤلاء يعنى الراعي بهم عناية خاصة فأنه "كراع يرعى قطيعه. بذراعه بجمع الحملان (أي الغنيمات الصغيرة) وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات"(أش40: 11) ومن واجب المؤمنين البالغين ان يهتموا برعاية المؤمنين الأحداث وافتقاد سلامتهم والصلاة لأجلهم ومعهم وإرشادهم إلى ما يؤول إلى حفظهم طاهرين. علينا ان نوجدهم في الجو المسيحي المنعش فيستفيدون من معرفة المؤمنين الأفاضل ومن ملاحظة سيرتهم النقية، ومن خدمات المتقدمين الذين زودهم الله بمواهب روحية "عند مساكن الرعاة" أي في الجو الصالح الذي يعيش فيه أولئك الأتقياء الذين ائتمنهم الرب على خدمات روحية نافعة لبنيانهم ونموهم في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح.

* * *

أما إذا اعتبرنا ان المقصود بقول العريس "جداءك" هو غير المؤمنين فأنه يكون من واجبنا ان نهتم بأولئك البعيدين عن الله ولا سيما الذين لنا صلة بهم سواء كانوا من عائلاتنا وأقاربنا أو أصدقائنا وزملائنا في دوائر أشغالنا. هؤلاء هم الجداء الذين علينا ان نبذل كل جهد في الاهتمام بهداية نفوسهم إلى المخلص الوحيد.

* * *

وإذا جاز لنا ان نعتبر ان الجداء إشارة لغير المؤمنين كما سلفت الإشارة، وتبعا لذلك تكون الخراف إشارة للمؤمنين الحقيقيين (أنظر مت25: 32و33) فإننا نقول لغير المؤمنين ان في المسيحية قوة لن توجد في سواها. ان كل ديانات العالم تستطيع بمقتضى ناموس الذهن أو ناموس الله ان تميز الفرق بين الشر والصلاح ولكنها تعجز عن ان تصير الشرير صالحا، أما المسيحية الصحيحة فإنها تمتاز عن غيرها بما فيها من القوة الإلهية التي تستطيع ان تغير الخاطئ الأثيم وتجعله خليقة جديدة. ألم يصر شاول الطرسوسي (أول الخطاة) بولس الرسول العظيم؟ هذه هي معجزة المسيحية الخالدة "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول ان المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا"(1تي1: 15). ان إنجيل المسيح ليس مجرد قوانين ومبادئ ونظريات يقبلها العقل البشري ولكنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو1: 16).

* * *

"مساكن الرعاة". صحيح ان الرب وحده هو الراعي الصالح "راعي الخراف العظيم" ولكنه أيضا "رئيس الرعاة" الذي إذ صعد إلى العلاء سبي سبيا . . وأعطى البعض ان يكونوا "رعاة ومعلمين" (أف4: 8-11) وهؤلاء الرعاة متى كانوا أمناء فإنهم يرعون القطيع لا باعتباره قطيعهم بل قطيع الرب "ارع خرافي . . . ارع غنمي"(يو21: 15-17) وواجب الرعاة الأمناء ان يسهروا على سلامة نفوس المؤمنين "ومتى ظهر رئيس الرعاة ينالون إكليل المجد الذي لا يبلى"(1بط5: 4).

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.