تفاسير

إصحاح 1، آية 12

القسم: سفر نشيد الأنشاد.

12-"ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته"

ان المقصود بهذه العبارة هو "ما دام الملك جالسا أو متكئا على مائدته فالناردين الذي لي تنتشر رائحته الذكية" ( 1 )

هنا نرى مشهدا جديدا، أنه ليس مشهد الراعي وقطيعه (ع 7و 8) ولا هو مشهد الحرب والجهاد (ع 9) ولكن كان الروح القدس يأتي بنا إلى "قصور العاج" أو إلى الأقداس حيث نرى "الملك جالسا على مائدته" وهذا يقودنا بلا شك إلى الوصف الرائع لمائدة الملك سليمان "وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميذ وستين كر دقيق وعشرة ثيران وعشرون ثورا من المراعي ومئة خروف ما عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن" وهذه الأطعمة الفاخرة كانت "للملك سليمان ولكل من تقدم إلى مائدة الملك سليمان" (1مل4: 22و 23و 27) وكان "طعام مائدته" من بين الأشياء التي أدهشت ملكة سبا حتى لم يبق فيها روح بعد (1مل10: 5). "وهوذا أعظم من سليمان ههنا". ان ربنا يسوع المسيح هو الملك الحقيقي "ملك الملوك ورب الأرباب" وفي أي وقت نقترب إليه ونلتف حوله كخاصته المحبوبة لقلبه نجده متكئا على مائدته مهيئا طعاما دسما لان "أمامه شبع سرور وفي يمينه نعم إلى الأبد"(مز16) ومع أننا نسير في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء، وفي قفز موحش "العالم الموضوع في الشرير" فأنه فيه "يرتب قدامنا مائدة تجاه مضايقينا" ولسان حاله في كل حين "هلموا تغدوا" (يو21: 12) فنأكل ونشبع ونرتوي "كما من شحم ودسم تشبع نفسي وبشفتي الابتهاج يسبحك فمي"(مز63: 5) نعم أننا إذ تتغذى نفوسنا به، في حضرته تفيض قلوبنا بأغاني الحمد والتسبيح وتنسكب عواطفنا سجودا وتعبدا له فتنتعش حاسياته برائحة الناردين الخالص والكثير الثمن "أغني للرب في حياتي. أرنم لإلهي ما دمت موجودا. فيلذ له نشيدي"(مز104: 33و 34).

وهل توجد مائدة أشهى وألذ من مائدة الملك العظيم؟ ان كل طعام آخر مهما كان شهيا في نظر الناس فهو بالمقابلة مع مائدة الملك رب المجد، كالخرنوب طعام الخنازير، أما مائدة الملك فلا مثيل لها ولا سيما لأنه بنفسه جالس عليها وبيمينه يقدم من أطايبها لخاصته المحبوبة. له المجد.

ان إنسان العالم لا يستطيع ان يتذوق أو يدرك قيمة هذه البركات التي أعدها الملك على. مائدته لأنها بركات روحية لها قيمتها الغالية لدى محبي الرب يسوع المسيح، ولكن "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة"(أي لان أمور الله في نظره هي جهالة أو بالحري تافهة لا قيمة لها) ولا يقدر ان يعرفه لأنه أنما يحكم فيه روحيا (أي لا يقدر ان يعرف ما لروح الله لأنه أنما يدرك روحيا)(1كو2: 14و 15) فالإنسان الطبيعي يحتاج أولا إلى الولادة الجديدة _ الولادة الثانية من فوق حتى يتسنى له تذوق هذه البركات الروحية.

ان الشيء الوحيد الذي أستحوذ على تفكير العروس وشغل ذهنها وقلبها هو رؤيتها "الملك على مائدته" فشخصه هو الذي كان مائلا أمامها، والمائدة وما أعد عليها كانت لها قيمتها عندها لأنها مائدته هو، فليست البركات ولا شبع أشواق النفس والقلب، ولا الشركة الحبية مع الجالسين على المائدة هي التي كانت موضوع مشغوليتها وأنما الملك نفسه وليس سواه. ان البركات الروحية والشركة الحبية حلوة وجميلة ولكن متى أخذ هو _ تبارك اسمه _ مكانه في قلوبنا عندئذ ينسكب الطيب عند قدميه تعبدا له.

"أفاح نارديني رائحته"

ان كلمات العروس هذه تذكرنا لأول وهلة بما حدث في بيت عنيا بعد إقامة لعازر من الأموات (يو12: 1-8) فقد عمل للرب يسوع عشاء هناك وكان لعازر أحد المتكئين وأما مرثا فكانت كعادتها تخدم، بينما كسرت مريم قارورة الطيب الخالص والكثير الثمن ودهنت به جسد الرب يسوع ( 2 ) .

ويعتبر لعازر صورة للمؤمنين الحقيقيين الذين صارت لهم شركة مع المسيح بعد ان أقيموا روحيا، كما ان مرثا تعتبر صورة للمؤمنين الذين لهم نشاطهم في خدمة الرب، أما مريم فأنها تعطينا صورة جميلة للقديسين الممتلئة قلوبهم عواطفهم محبة للرب والمكرسة له ولعبادته.

هذا ما عملته مريم أخت مرثا ولعازر فأنها تميزت بالجلوس عند قدمي الرب لتسمع كلامه، وإذ تعلمت منه وشبعت بأقوال النعمة الخارجة من فمه هان عليها ان تسكب ذلك الناردين النقي على قدمي المخلص المبارك حتى امتلأ البيت من رائحة الطيب. لقد ظن البعض وفي مقدمتهم يهوذا الأسخريوطي ان هذا كان إتلافا، ولا ريب في ان ذلك الطيب كان من ناردين خالص كثير الثمن، ولو أنه سكب على غير قدمي الرب لكان ذلك في الحقيقة إتلافا، ولكن إذ سكبته على قدمي المخلص العزيز فقد سجل لها بفمه الكريم بأنها "عملت ما عندها" (مر14: 8) "قد عملت بي عملا حسنا. . . الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها"(مت26: 10و 13).

لقد قصدت مريم من كسر قارورة الطيب وسكبه على جسد الرب ان تكرمه هو _ له المجد "فأنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي أنما فعلت ذلك لأجل تكفيني" (مت26: 12) كما أنها بلا شك أرادت ان تنعشه برائحته الذكية ولكن البيت كله امتلأ من رائحة الطيب، ومن هذا نتعلم ان كل سجود أو تعبد نقدمه له لا بد ان ينشئ سرورا وانتعاشا ليس لحاسيات الرب وحده بل ولكل النفوس المحيطة بنا، ولا سيما في اجتماعاتنا معا، فأننا إذ نجتمع باسمه وفي حضرته فأنه يتكئنا على مائدته الملوكية ويشبع نفوسنا ببركاته الوفيرة ويلذذ قلوبنا برؤية طلعته البهية وإذ ذاك تتصاعد من قلوبنا وأفواهنا ذبائح الحمد والتسبيح وينتشر عبيق الناردين ورائحته العطرية فينعش قلبه المحب وتنعش قلوبنا نحن وكل المتكئين معنا في حضرته السعيدة.

"ما دام الملك في مجلسه (على مائدته) أفاح ناردين رائحته"

ألا ترسم كلمات العروس هذه أمامنا صورة جميلة لاجتماع القديسين في تدبير النعمة الحاضر حول مائدة الرب؟ ان الرب تبارك اسمه يأمرنا بل بالحري يدعونا لذكرى موته فوق الصليب قائلا "أصنعوا هذا لذكرى" ونحن إذ نجتمع في يوم الرب أي "في أول الأسبوع" (أع20: 7) لنشترك في "مائدة الرب"(1كو10: 21) فنكسر الخبز الذي "هو شركة جسد المسيح"(1كو10: 16) ونشرب "كأس الرب" (1كو10: 21) أعني "كأس البركة" التي "هي شركة دم المسيح"(1كو10: 16) ونتغذى ونشبع من وليمته المباركة "عشاء الرب" (1كو11: 20) فلا بد ان تفيض قلوبنا سجودا وتسبيحا وترنما لمن أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه. نعم لا بد ان تفيح رائحة الناردين الذكية. وأننا نرجو القارئ العزيز ان يلاحظ الفرق الكبير بين اقترابنا إلى الرب كمحتاجين فنطلب منه أعوازنا واحتياجاتنا، وبين وجودنا أمامه واتكائنا على مائدته كساجدين لنقدم له ذبائح الحمد وأغاني التسبيح وسجود القلب الممتلئ من محبته. صحيح أننا في حاجة مستمرة لاقتراب إليه لنطلب منه أعوازنا واحتياجاتنا "اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملا" (يو16: 24) ولكن ما أقل اقترابنا إليه بقلوب قد ملأتها وغمرتها محبته فتفيض له بالسجود والمديح وهذا هو المقصود بقول العروس "أفاح نارديني رائحته".

* * *

ويا لها من كلمة حلوة "نارديني" فمع ان العروس في ذاتها لا تملك شيئا، وما الناردين الذي معه إلا من هباته لها ومن "ثمر الروح" الساكن فيها إلا أنها تعتبر ان هيبته أصبحت ملك لها، ولكنها مع ذلك تعود فتقدمها له "لان منك الجميع ومن يدك أعطيناك"(1أخ 29: 14).

ان كنا في مطلع إصحاحنا قد وجدنا العريس "بأدهانه الطيبة" فها نحن في النهاية نرى العروس "بناردينها" لكن الكل من النعمة، فالملك في مجلسه، والمائدة مائدته والناردين والأدهان كلها له "ترتب قدمي مائدة تجاه مضايقي. مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريا"(مز23).

ولن يصل القلب إلى نقطة السجود إلا إذا فاض أولا، فأنه حينئذ يكون قد فرغ من ذاته ولم يعد له ما يطلبه. ذلك لان السجود الحقيقي هو فيض القلب، وهذا الفيض الذي مرجعه امتلأ القلب بالمسيح، هو السجود المسيح ومن هنا ندرك الفرق بين اجتماع الصلاة واجتماع السجود ولا سيما حول "مائدة الرب" وقد نأتي إلا الاجتماع الأول بأوعية فارغة وتصرخ إلى الرب راجين ان يجيب توسلاتنا استنادا على وعده الكريم "اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. أقرع يفتح لكم" أما إلى الاجتماع الأخير فيجب ان نذهب ونحن حاكمون على أنفسنا تماما ومهيئون لان نعيد بأطايب الملك وبغنائم نصرته، وبثمار الفداء المبارك. هذا ما وصلت إليه العروس هنا، فقد وصلت إلى أسمى نقط السعادة والغبطة فهي في سلام وهناء تتمتع بحضرة الملك وهو متكئ على مائدته، فقد استبدلت بنشاط الخدمة أو المشغوليات المتنوعة جلست جالسة السجود الهادئ، أما الشمس المحرقة، وأما الاضطهاد والفقر والحزن فقد غرقت وذابت جميعها في محيط الفرح الذي غمرها به حضوره المجيد، والآن كسر قارورة الطيب وامتلأ البيت من رائحته العطرية، بعد ان دهنت رأس السيد وقدميه وتلذذ قلبه بثمار محبتها.

ما دام في مجلسه فنارديني قد أفاح

رائحة ذكية لسيدي نبع الصلاح


( 1 ) While the King sitteth at his table, my spikenard sendeth forth the smell thereof. والناردين هو السنبل الرومي وهو كثير الثمن لذكاء رائحته ولقلة وجوده.

( 2 ) لقد سكبت مريم الطيب على جسد الرب يسوع، إلا أنه يذكر في إنجيل متى (ص 26) أنها سكبته على رأسه، وذلك لان الرب في هذا الإنجيل يرى كالمسيا الملك وكان مريم اعترافا منها به كالملك الممسوح من الله سكبت الطيب على رأسه، وأما في إنجيل يوحنا (ص 8) فيذكر بأنها سكبته على قدميه وذلك لان الرب في هذا الإنجيل يرى كالابن الأزلي أو بالحري الله الكلمة الذي صار جسدا لذا سكبت الطيب على قدميه ومسحتهما بشعر رأسها سجودا وتعبدا له.

وهذا ما عملته أيضا المرأة الخاطئة عندما كان متكئا في بيت الفريسي (لو7).

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.