تفاسير

الأصحاح الثاني

القسم: الرسالة إلى أهل أفسس.

فهرس المقال

رأينا في بدء تأملاتنا في هذه الرسالة أن موضوعها هو "المسيح والكنيسة" والعلاقة الوثيقة والأبدية التي بينهما. هذه العلاقة التي يرسمها لنا الروح القدس فيها (أي في الرسالة) في صور متنوعة، ورأينا أيضاً كيف أن الروح القدس يقدم لنا في الأصحاح الأول، العلاقة التي بين المسيح والكنيسة مرسومة في صورة "جسد" وان ربنا يسوع المسيح هو رأس هذا الجسد، والكنيسة التي هي جميع المؤمنين المولودين من الله في عهد النعمة هذا (أي العهد الجديد) – هذه الكنيسة هي جسد المسيح، والمؤمنون أفرادا هم أعضاء هذا الجسد. ان " الرأس " هو الآن في السماء، وقد أتى بالروح القدس إلى العالم بعد أن ارتفع المسيح إلى السماء ليقود النفوس إلى المسيح، أي ليجمع أعضاء هذا الجسد، وعندما يتكمل هذا الجسد سيأتي الرب يسوع "رأس الجسد" ليضم اليه جميع الاعضاء ليكونوا معه كل حين في مجده.

أما في هذا الأصحاح (الثاني) فإن الروح القدس يرسم أمامنا المسيح والكنيسة في صورة " بناء " وان المؤمنين الحقيقيين هم " بيت الله " المبنيون على " أساس الرسل والأنبياء " (أي أنبياء العهد الجديد) وان ربنا يسوع المسيح هو " حجر الزاوية " الذي يلازم كل البناء من بدايته – من الاساس إلى أن يكمل هذا البناء " الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّباً مَعاً يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّساً فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أيضاً مَبْنِيُّونَ مَعاً، مَسْكَناً لِلَّهِ فِي الرُّوحِ " (2 : 19-22). فهو، له المجد، حجر الزاوية، بل هو الذي بنفسه يبدأ ويتمم البناء " ابنى كنيستى " (مت 16 : 18) فكما أن المسيح ربنا هو رأس الجسد كذلك هو " حجر الزاوية " الذي يربط ويصون البناء ويضمن سلامته إلى النهاية (2 : 20، أش28 : 6، زك4 : 7، 1بط2 : 6) هو " حجر الزاوية " كما أنه أيضاً " رأس الزاوية " (مز18 : 22، مت21 : 42، مر12 : 10، لو20 : 17، أع 4 : 11، 1بط2 : 7) هذه الصورة الجميلة الثانية التي فيها يرسم الروح القدس أمامنا العلاقة الوثيقة والأبدية التي بين المسيح والكنيسة.

إنه يرينا أيضاً كيف أن البشر الخطاة قد انفصلوا عن الله : (أولاً) بسبب موتهم روحيا (ع1-10) و(ثانيا) بسبب بعدهم عن الله، ولاسيما الذين من الأمم (ع11-22).


(أولاً) الانفصال عن الله بسبب الموت روحيا (ع1-10)

يستعمل الرسول في هذا الجزء (الأول) من هذا الاصحاح اسلوبا خاصا، فهو يقدم لنا الحقائق المتضمنة فيه في أربع مجموعات ثلاثية – أي أن كل مجموعة مكونة من ثلاث حلقات :

(أ‌) المجموعة الأولى هي أعداء الإنسان الثلاثة " العالم " (ع2) " والشيطان " الذي هو " رئيس سلطان الهواء الروح " (ع2) و " الجسد " (ع3).

(ب) المجموعة الثانية هي النتائج البغيضة الثلاث لما عمله هؤلاء الأعداء الثلاثة للبشر وهي " الموت بالذنوب والخطايا " (ع1) ثم صيرورتهم " أبناء المعصية " (ع2) وبالتبعية صاروا " أبناء الغضب " (ع3).

(ج) المجموعة الثالثة المباركة هي وسائل الله العظيمة والعجيبة لخلاص الإنسان وبركته وهي " الرحمة الغنية " (ع4) " والمحبة الإلهية الكثيرة " (ع4) " والنعمة الغنية والفائقة " (ع5و7).

(د) المجموعة الرابعة هي النتائج الثلاث المجيدة للوسائل الإلهية الثلاث وهي " أحيانا مع المسيح " (ع5) " وأقامنا معه " (أو معا) (ع6) " وأجلسنا معه (أو معا) في السماويات في المسيح " (ع6).

ثم لنلاحظ حقيقة هامة أخرى وهي أنه يضع أمامنا في هذه الأعداد " ماضينا " (ع1-3) و " حاضرنا " (ع4-6) و " مستقبلنا " أيضاً (ع7). تبارك اسمه المعبود فكما أنه يذكرنا بماضينا المخزى فانه يفرحنا بحاضرنا السعيد وبمستقبلنا المجيد.

(1) " وَأَنْتُمْ إذ كُنْتُمْ أمواتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا "

إنه بقدر ما يزداد إدراكنا نحن المؤمنين لحالتنا التي كنا عليها بحسب الطبيعة، بهذا القدر عينه يزداد تقديرنا لما عملته نعمة الله لأجلنا وفينا وبالتالي يزداد سجود وتعبد قلوبنا له، فاننا لم نكن قبلا مجرد ضعفاء أو مرضى روحيا، وأن شيئا من الاصلاح أو التهذيب كان كافيا لمعالجة حالتنا. كلا بل كنا أمواتا بالذنوب والخطايا. هذا ما تعلنه لنا كلمة الله بوضوح. يا لها من لطمة يوجهها الوحى الإلهي للإنسان الطبيعى أو لكل من يعتد ببره الذاتي. لقد كنا عاجزين عن أن نخلص أنفسنا لأن الإنسان الميت لا يستطيع أن يفعل شيئا به يحيى نفسه، فهو ميت روحيا، وطالما يبقى بعيدا عن الرب يسوع مصدر الحياة فهو ميت وليس فيه نبضة حياة لله. إنه ميت بالذنوب والخطايا، فهو ليس مجرد مذنب أو خاطىء يحتاج إلى غفران خطاياه، ولكنه ميت روحيا ومحتاج إلى ما هو أكثر من غفران الخطايا – محتاج إلى حياة إلهية جديدة، لهذا كان ينبغى أن يولد ولادة جديدة أي أن ينال من الله حياة جديدة بالإيمان بالرب يسوع المسيح.

كان أحد خدام الرب الموهوبين يعقد إجتماعات تبشيرية في قاعة بإحدى جمعيات الشبان المسيحية، وفي يوم من الأيام أراه سكرتير تلك الجمعية ورقة (كارتا) مطبوعا عليها هذه الكلمات " أتعهد بكل أمانة أن أحيا حياة دينية مسيحية " ثم في ذيل الوريقة مكان ليوقع فيه كل متعهد بإمضائه، وقال السكرتير لخادم الرب " ما رأيك في هذا التعهد؟ أليست هذه وسيلة نافعة؟ " فأجابه خادم المسيح " كيف يستطيع أي إنسان في العالم، وهو ميت روحيا أن يحيا حياة مسيحية؟ وما الفائدة التي تعود على الإنسان الخاطىء من تعهد مثل هذا؟ إنك لا تستطيع أن تحيا حياة مسيحية ما لم تأخذ حياة جديدة من المسيح.

لسنا ننكر أن هناك بين البشر درجات من حيث العيشة في الذنوب والخطايا، فليس الكل في مستوى واحد من حيث الأخلاق والصفات الأدبية وليسوا جميعا نظير بعضهم البعض في ارتكاب الشرور والآثام، إلا أنهم جميعا أموات روحيا بالرغم مما بينهم من تفاوت في الصفات والأخلاق. لقد كانت ابنة يايرس ميتة من دقائق قليلة عندما أتى الرب يسوع إلى بيت ابيها، ولكنها كانت ميتة وبدون حياة. ربما كان منظرها لا يزال نضرا، وكانت لا تزال جميلة في عيون والديها إذ لم يكن قد تطرق الفساد إلى جسدها، ومع ذلك فقد كانت ميتة. كذلك عندما ذهب الرب، له المجد، إلى نايين رأي الذين يحملون الابن الوحيد لأمه الأرملة (لو7 : 11-17) لقد كان ذلك الشاب ميتا من يوم أو يومين وبذا لم يكن في منظره الخارجى نضرا كما كانت ابنة يايرس، ومع ذلك لم يكن هناك فرق بينهما إذ كان كل منهما ميتا نظير الآخر. ثم أن ربنا المبارك أتى أيضاً إلى بيت عنيا وإلى حيث كان قبر لعازر، وإذ قال للواقفين " إرفعوا الحجر " إعترضت مرثا أخت الميت قائلة " ياسيد قد أنتن لأن له أربعة أيام " ولكن الرب يسوع وهب الحياة لذاك الذي مات وبقى في القبر أربعة أيام " حتى فسد جسده وأصبح نتنا. ومع ذلك فإنه لم يكن هناك، من حيث الموت، فرق بين ابنة يايرس وابن أرملة نايين وبين لعازر، فالكل كانوا أمواتا على السواء " لأنه لا فرق " والكل كانوا في حاجة إلى رئيس الحياة – ابن الله المبارك لكى يهب كلا منهم نفس قوته المحيية.

كذلك نحن أيضاً كنا كلنا بدون استثناء أمواتا روحيا قبل أن يهبنا المسيح حياة ابدية. صحيح أن البعض منا كانوا عائشين عيشة الفجور والفساد بينما كان البعض الآخر لم يتورط ولم يتوغل في الذنوب والخطايا ومع ذلك فجميعنا كنا أمام الله أمواتا واحتجنا إلى حياة إلهية جديدة من نبع ومصدر الحياة الرب يسوع المسيح.

(2) " الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رئيس سُلْطَانِ الْهواءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أبناء الْمَعْصِيَةِ "

جدير بنا أن نراعى دقة التعبير هنا فإن الروح القدس يضع أمامنا كلمتين للتعبير لا عن حالتنا الحاضرة بل عن الحالة التي كنا عليها قبل تجديدنا وهما " كنتم " (ع1) و" قبلا " (ع2) فقد كنا أمواتا بالذنوب والخطايا التي سلكنا فيها قبلا حسب دهر هذا العالم. حقاً ما ابشع هذا النوع من الموت! الموت الروحى أعنى الإنفصال الكلى عن الله والسلوك بحسب مبادىء هذا العالم الشرير، فلم يكن فينا أي ميل أو رغبة في أن نسير أو نسلك بحسب إرادة الله، ولقد وصف أيوب قديما الحالة التي كنا عليها قبلا والتي لا يزال عليها كل البعيدين عن الله وصفا صادقا إذ قال " فَيَقُولُونَ لِلَّهِ : ابعُدْ عَنَّا. وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ. مَنْ هو الْقَدِيرُ حَتَّى نَعْبُدَهُ وَماذا نَنْتَفِعُ أن الْتَمَسْنَاهُ! " (أيو21 : 14و15) يا لها من حالة مروعة، فإن من يبعد الله عن نفسه الآن لابد أن يواجهه فيما بعد كالديان، ومن يرفض خلاص الله أو بالحري يزدرى بالمخلص الوحيد من دينونة الخطايا فلابد أن يقابله في خطاياه فيهلك إلى الأبد.

لقد كنا سالكين " حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء " يبين كيف أن سيادة رئيس الملائكة الأشرار سيادة شاملة في هذا العالم، فكما أن الهواء يتخلل كل الأشياء كذلك ابليس في العالم. إنه إله هذا الدهر، أما القديسون الذين ولدوا ثانيـة " انْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إلى مَلَكُوتِ ابن مَحَبَّتِه ِ " فقد أنقذوا من سلطـان الظلمة

ونقلوا إلى ملكوت ابن محبة الاب (كو1 : 13) بينما غير المخلصين لا يزالون عبيدا في مملكة ابليس. أن عمل الشيطان هو أن يبعد الناس عن الله إذ يوجدهم، بارادتهم، في حالة العمى الروحى " لِئلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إنجيل مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هو صُورَةُ اللهِ " (2كو4 : 4).

هذا هو وصف الله الصادق لحالتنا قبل إيماننا بالرب يسوع المسيح، كما أن هذه هي الصورة الحقيقية لغير المخلصين فإنهم لا يزالون عبيدا لرئيس سلطــان الهواء " الروح الذي يعمل في أبناء المعصية " حقاً ما أتعس النفس التي لم تلجأ بعد إلى المخلص الوحيد ربنا يسوع المسيح! وما أسعد النفس التي تذوقت غبطة العتق من عبودية ابليس بقوة ذاك الأقوى الذي استطاع أن يربط القوى وينهب أمتعته!

لقد كنا " أبناء المعصية " هذه المعصية التي ورثناها من أبينا الساقط آدم، ولكن تبارك اسم إلهنا وربنا يوع المسيح الذي بإطاعته حتى الموت صيـرنا " أولاًد الطَّاعَةِ " (1بط1 : 14) حقاً ما أكبر وأعظم الفرق بين ما أو رثنا إياه الإنسان الأول ما أو رثنا إياه الإنسان الثاني الرب يسوع المسيح " لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإنسان الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أيضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أبراراً " (رو5 : 19).

يا له من امتياز أننا نقلنا من حالتنا كأبناء المعصية وصرنا بنعمة إلهنا أولاًد الطاعة، وكما أن هذا امتياز مبارك، فإنها مسئولية خطيرة بأن نسلك كما يليق بهذه النسبة المباركة " كَأولاًد الطَّاعَةِ لاَ تُشَاكِلُوا شَهواتِكُمُ السَّابقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أيضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ " (1بط1 : 14و15).

مسكين حقاً هو الإنسان البعيد عن الله – الإنسان الترابي الحقير الذي يعيش كل حياته في حالة العصيان على الله وعلى ارادته المقدسة، وفي الوقت نفسه ما أعجب أناة الله على البشر التعساء " أبناء المعصية " ! ولكن إمهال الله محدود بساعة النعمة ويوم الخلاص فلابد أن يجيء الوقت الذي فيه تنتهي سنة الرب المقبولة وعندئذٍ يبدأ " يوم الانتقام " – يوم القضاء الرهيب والدينونة المروعة. ليت القارئ العزيز، أن كان لم يلجأ بعد إلى الرب يسوع المخلص الوحيد، ليته يأتي اليه الآن قبل فوات الفرصة " هوذا الآن وقت مقبول هو ذا اليوم يوم خلاص اليوم أن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم "

(3) " الَّذِينَ نَحْنُ أيضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهواتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشيئاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أبناء الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أيضاً "

ينتقل الرسول في كتابته هنا من صيغة المخاطب " انتم " (ع1) إلى صيغة المتكلم " نحن " وذلك لأنه إذ كان يوجه كلامه إلى المؤمنين في أفسس الذين كانوا من الامم فأنه يقول لهم " أنتم " ولكنه إذ يضم اليهم اليهود أيضاً الذين كان هو واحدا منهم، يقول " نحن " مبينا ومحققا بذلك بأنهم (أي اليهود) كانوا جميعا نظيرهم أمواتا بالذنوب والخطـايـا " الذين نحن أيضاً جميعا تصرفنا قبلا بينهم (أي بين الامم) في شهوات جسدنا " هذه الحقيقة يوضحها الرسول بأكثر تفصيل في رسالته إلى أهل رومية (أصحاح3) " فماذا اذا. أنحن (اليهود) افضل؟ كلا البتة. لاننا قد شكونا (أي أقمنا الحجة في الاقوال السابقة) أن اليهود واليونانيين (أي الامم) أجمعين تحت الخطية. كما هو مكتوب انه ليس بار ليس ولا واحد لانه إذ يقاس البشر جميعا امام الله بمقياس قداسته التي أعلنها في المسيح، فانهم جميعا يقفون على قدم المساواة " أمواتا " روحيا وهل هناك درجات في الموت؟ كلا فانه إذا ما مات إنسان ما فقد انتهي ولم يبق له وجود، هكذا كنا جميعا، أمما ويهودا على السواء – أمواتا روحيا ومتجنبين عن حياة الله. هذا ما يؤكده الرسول هنا بقوله " الذين نحن أيضاً جميعا تصرفنا قبلا بينهم في شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والافكار " هذا هو الوصف الحقيقى لجميع الناس بغير استثناء. قد يكون بينهم أناس أدبيون أو محسنون. أو قد يكــون بينهم علماء أو فلاسفة، ولكن المحك الوحيد لأفضل البشر اللطفاء والمحسنين هو " هل فيهم نبضة حياة إلهية أو دافع روحى لعمل مشيئة الله؟ كلا. قد يجتهدون في تحسين أو تهذيب طبا)عهم ومع ذلك فسيقى الله بعيدا عن افكارهم وليس له مكان في قلوبهم. هذه هي حقيقة حالة الجميع – اليهود والأمم على السواء.

إن الرسول يشير هنا إلى نوعين من الرغائب والشهوات، أعنى مشيئات الجسد والأفكار – أي رغائب " الجسد " وشهواته الدنيئة، وأيضاً " الأفكار " الإنسانية حتى وان كانت مهذبة، فإن هذه وتلك مصدرها الطبيعة البشرية الساقطة " المولود من الجسد جسد هو " هب أن إنسانا كرس نفسه لخدمة العلم* وجعله هدف حياته الوحيد، فهل يعتبر تكريسه هذا بحسب مشيئة الله؟ كلا بل بالحري هو إنغماس في عمل مشيئات ورغائب " الافكار " الإنسانية ولا يختلف في عمله هذا عن غيره ممن يعيشون في شهوات الجسد – " العاملين مشيئات الجسد " أن الكبرياء ومحبة الذات والاهتمام بالأمور العالمية وغيرها هي من رغبات ومشيئات الذهن ولا تختلف شيئا، أمام الله عن الشهوات الجسدية.

إن الأصحاحات الثلاثة الأولى من رسالة رومية ترسم أمامنا صورة بغيضة لمشيئات وشهوات الجسد بينما الأصحاحات الثلاثة الأولى من رسالة كورنثوس الأولى (حيث الافتخار بالعلم والمعرفة الإنسانية) ترينا صورة لمشيئات الأفكار، وكل نوع منهما شرير أمام الله كالآخر تماماً. أن الحقيقة الجوهرية هي انى لست ملكا لنفسى بل لذاك الذي اشتراني وافتداني بدمه الكريم و وهبنى حياة ابدية بل هو حياتي. فهل يليق بي أن أعمل مشيئات الجسد والأفكار؟ أليس من واجبي بل هو امتياز لي أن لا أحيا لنفسى بل لذاك الذي مات لأجلي وقام؟

فأنـا لسـت لـذاتي ليـس لى شـىء هنـا

كـل ما عندي لفادي الخـلق وهـاب المنـى

اذ فـدانى إذ فـداني ذاك بالـدم الكـريـم

* لسنا نقصد بهذا أن نبخس قيمة العلم لكن متى كان هذا هدف وغاية الحياة فانه يعتبر من " مشيئات الافكار "

" وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً " هذا ما كنا عليه قبلا – " أبناء الغضب " لأننا بالإثم صورنا وبالخطية حبل بنا، لقد ولدنا بالخطية وفي الخطية – نجسين ملوثين بالإثم. هذه صورة صحيحة لجميع الناس بغير استثناء – حتى لأفضل البشر كما لأشر الناس، لليهود كما للأمم على السواء لذا " كنا بالطبيعة أبناء الغضب " على أن الله لم يخلق الإنسان هكذا، ولكن الإنسان فضل العلاقة مع الشيطان بدلاً من الله، فأصبح ابنا للمعصية وبالتالي ابنا للغضب، حقاً ما أتعس حالة كهذه ولكن الله في لطفه وصلاحه ونعمته قد انقذنا من هذه الحالة التعسة بواسطة ابنه الحبيب ربنا يسوع المسيح وبعمله لأجلنا فوق الصليب.

(4و5) " اَللهُ الَّذِي هو غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أجل مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أموات بِالخطايا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ "

تأملنا في الثلاثة الأعداد السابقة في المجموعتين الأولى والثانية، أعنى اعداء الإنسان الثلاثة وهم العالم والشيطان والجسد، ثم في النتائج الثلاث لما عمله هؤلاء الأعداء للبشر وهي الموت بالذنوب والخطايا ثم صيرورتهم أبناء المعصية وبالتبعية أبناء الغضب.

إن أمامنا الآن المجموعة الثالثة المباركة وهي وسائل الله الثلاث لخلاص الإنسان وبركته، وهي الرحمة الغنية، والمحبة الإلهية الكثيرة، والنعمة الغنية الفائقة (ع4و7).

1. الرحمة الغنية : لقد كنا أمواتا روحيا، ضعفاء وعاجزين عن خلاص أنفسنا، ولكن الله " الغنى في الرحمة " تداخل في أمر خلاصنا وإحيائنا. يالسمو هذا الغنى الإلهي الكامل! لقد رأينا في الاصحاح الأول " غنى نعمته " (ع7) " وغنى مجده " (ع18) وهوذا ما كنا نحتاج اليه، فقد كنا أمواتا متجنبين عن حياة الله، ولكنه أظهر غنى رحمته في إنقاذنا من بؤسنا وتعاستنا وفي منحنا حياة ابدية.

2. المحبة الكثيرة : كما أن الله غني في رحمته، كذلك هو عظيم في محبته " من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها " فالرحمة الغنية التي أدركتنا أتت الينا من قلب الله الملىء والفائض بالمحبة من نحونا نحن الخطاة. وكما أن رحمته غنية هكذا محبته لنا كثيرة " اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأجلنَا " (رو5 : 8) نعم لقد أحبنا بهذه المحبة العظيمة " ونحن أموات بالخطايا " بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا : أن اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ إلى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيا بِهِ. 10فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ : لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هو أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابنهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا " (1يو4 : 9و10).

3. النعمة الغنية : حقاً ما أعجب هذا! فإن الله الغنى في رحمته والعظيم في محبته هو غنى أيضاً في نعمته. تبارك اسمه المعبود. فإنه لم يكن فينا شىء طيب أو صالح يستميل قلبه الينا، بل هي النعمة الفائقة التي ادركتنا " بالنعمة أنتم مخلصون " فلم يكن الله غنيا في الرحمة فقط – الرحمة التي بها نظر الينا في بؤسنا وتعاستنا فأنقذنا منها، ولكنه أجزل لنا نعمته أيضاً.

إن الرحمة هي انقاذ البائس من بؤسه والتعيس من تعاسته والفقير من فقره، أما النعمة فإنها تعمل اكثر من ذلك. انها تغدق الخير والاحسان والبركة إلى من ليسوا أهلا لشىء منها " بالنعمة أنتم مخلصون " انها لا تهب مجرد غفران للخطايا بل أكثر من ذلك – تهب برا إلهيا مجانيا. لقد طلب الابن الضال رحمة من الموت جوعا ولكن الاب غمره بنعمة غنية فائقة لم تكن تخطر له ببال (لو15).

(1) " أحيانا مع المسيح " هذه هي المعجزة الإلهية الأولى التي عملها الله في رحمته الغنية ومحبته الكثيرة ونعمته العجيبة، فانه تبارك اسمه " أحيانا مع المسيح "

وهذا ما كنا نحتاج اليه. لقد كنا أمواتا روحيا – أمواتا بالذنوب والخطايا، ولكن الله الغنى في الرحمة والعظيم في المحبة " أحيانا مع المسيح " فإحياؤنا أي منحنا الحياة الأبدية مرتبط بربنا يسوع المسيح المقام من بين الأموات. ذلك لأن الحياة الأبدية هي في الابن " . اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً ابدية، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابنهِ مَنْ لَهُ الابن فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابن اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ " (1يو5 : 11و12). لقد أتى المسيح لكى تكون للمؤمنين به حياة وليكون لهم أفضل (أي حياة سامية وفضلى) وذلك على أساس إتمامه عمل الفداء وقيامته من بين الأموات.

وكما أن الكل – اليهود والأمم بدون استثناء – كانوا أمواتا بالذنوب والخطايا، كذلك فإن الله من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها أحيانا (معا)(1) مع المسيح أي أحيانا نحن المؤمنين بالمسيح من اليهود والأمم على السواء – أحيانا مع المسيح. وهل ننسى الكلفة الكبيرة التي تكلفها الله في سبيل إحيائنا من الموت؟ لقد بذل ابنه الحبيب لكى نحيا به " لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبدية " لقد مات ربنا يسوع المسيح واحتمل فوق الصليب دينونة الله العادلة. مات رئيس الحياة فابطل الموت وأنار الحياة والخلود. نعم لقد مات القدوس تحت دينونة الله المروعة. مات البار موتا فريدا في نوعه – موتا لم يذق مثيله واحد من البشر الخطاة، وذلك لكى يهب الحياة الأبدية لأشر الخطاة الذين يضعون ثقتهم فيه وفي كفاية عمله لأجلهم فوق الصليب.

 

(1) جاءت هذه العبارة في ترجمات عديدة هكذا Hath quickened us together with Christ.

(6) " وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأجلسَنَا مَعَهُ فِي السماويات فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "

(2) و أقامنا معه هذه هي المعجزة الثانية التي عملها الله في رحمته الغنية ومحبته الكثيرة ونعمته الفائقة الادراك، فقد " أقامنا معه " أو بالحري " أقامنا معا وأجلسنا معا في السماويات في المسيح يسوع(1) " فلم يكتف الله بأن وهبنا حياة ابدية بل أقامنا أيضاً معا (أي المؤمنين بالمسيح من اليهود والأمم) – أقامنا مع المسيح.

عندما أتت النساء إلى قبر المسيح، قال الملاكان لهن " لِماذا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأموات؟ لَيْسَ هو هَهُنَا لَكِنَّهُ قَامَ! " (لو24 : 5) فما كان ممكنا أن الحى يبقى بين الأموات، وهذا ما عملته نعمة الله، تبارك اسمه، لم يهبنا الحياة فقط ولكنه أقامنا أيضاً (معا) مع المسيح. فإن كنا كمسيحيين حقيقيين قد قمنا مع المسيح اذن يجب علينا أن نطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله وأن نهتم بما فوق لابما على الأرض (كو3 : 1و2).

(3) أما معجزة الرحمة والمحبة والنعمة الثالثة فهي أن الله، له المجد " أجلسنا معا في السماويات في المسيح يسوع " هذا هو مقامنا ونحن هنا على الأرض، وذلك بسبب اتحادنا بالمسيح رأسنا. أن ربنا يسوع الذي أقامه الله من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات هو رأس الجسد، وحيث أن المؤمنين الحقيقيين هم أعضاء جسده فلا يمكن أن يرى الجسد مستقلا عن الرأس أو منفصلا عنه. فكما أن المسيح الرأس قد أجلسه الله عن يمينه في السماويات (1 : 20) كذلك قد أجلسنا الله في السماويات في المسيح. هذا هو مركزنا ومقامنا الآن " في السماويات في المسيح يسوع " وبعد قليل سيأتي الرب ليأخذنا اليه وعندئذٍ سنكون " مع المسيح " أما الآن فأننا ونحن هنا على

 

(1) جاءت هذه الآية في ترجمات عديدة هكذا

" And has raised us up together, and made us sit together in heavenly places in Christ Jesus "

الأرض فإن الله قد أجلسنا معا (أي المؤمنين من اليهود والأمم) في السماويات في المسيح يسوع. وكما كان رئيس الكهنة في العهد القديم يحمل على صدره وعلى كتفيه اسماء الأسباط الاثنى عشر عند دخوله إلى قدس الأقداس، وكانوا يرون فيه، هكذا نحن نرى الآن في المسيح، وهذا مقام سماوي لجميع المؤمنين الحقيقيين بغير استثناء، وليس هو حالة عملية أو اختبارية ولو أن حالتنا العملية والاختبارية يجب أن تكون متوافقة مع هذا المركز السماوي.

(7) " لِيُظْهِرَ فِي الدهور الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "

هنا نرى الغاية القصوى التي لأجلها فاضت علينا الرحمة والمحبة والنعمة الإلهية. أن غاية الله العظمى والتي كانت في قصده منذ الأزل هي أن يظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع، فانه تبارك اسمه، لم ينظر فقط الينا وإلى ما كنا نحتاج اليه كخطاة مساكين ومعوزين بل نظر إلى ما فيه مجده ومجد ابنه الحبيب إلى اباد الدهور كلها.

إن الله سيظهر غنى نعمته لا في " الدهر الآتى " أعنى الملك الألفي السعيد فقط، بل " في الدهور الآتية " أي الأبدية التي لا نهاية لها، إذ أن قصده الاسمى في عمل الفداء ليس هو مجرد خلاص وسعادة المفديين بل إظهار غنى نعمته الفائق لجميع الكائنات، فالملائكة ورؤساء الملائكة بل والشياطين أيضاً سترى نصرة النعمة الغنية بواسطة ابن الله الحبيب وما عمله فوق الصليب.

اننا عندما نتأمل في الأزل القديم نرى قصد الله ومشورات نعمته من نحو الكنيسة التي اختارها قبل تأسيس العالم، وإذ نتأمل في الأبدية التي لا نهاية لها نرى الكنيسة الممجدة كإعلان للرحمة الغنية والمحبة العجيبة والنعمة الفائقة الادراك، وذلك لمدح مجده. لاسمه المعبود كل سجود وحمد وثناء.

(8و9) " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإيمان، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هو عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أعمال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ "

ينبر الروح القدس في هذا الفصل على هذا الفصل على هذه الحقيقة الجوهرية وهي أن الخلاص بالنعمة، ففي العدد الخامس من هذا الاصحاح يقول " بالنعمة أنتم مخلصون" ثم في هذا العدد (8) يعود ليؤكد هذا الحق الجوهــري والأسـاسي " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ " فالخلاص هو بالنعمة وليس بأي عمل من جانب الإنسان " وذلك ليس منكم هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد " فانه لوكان الخلاص متوقفا على أي عمل أو أي استحقاًق من جانبنا لما كان بالنعمـة " أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ " (رو4 : 4). انك إذا كنت تعمل لكى تخلص فكأنك تجعل الله مدينا لك! ولكن هل يستطيع الإنسان بكل أعمال بره ومجهوداته أن يكفر عن خطية واحدة؟! أن النعمة والنعمة وحدها هي الوسيلة الإلهية الوحيدة لخلاص الإنسان.

تخلصون " كأنه أمر غير يقينى بل " بالنعمة أنتم مخلصون " انها بركة حاضرة وابدية كما انها يقينية. حمد ومجدا لإلهنا.

ان الإيمان هو الوسيلة الوحيدة لقبول الخلاص المجاني الذي تقدمه النعمة الغنية للإنسان الخاطىء المسكين. صحيح أن الله اختارنا حسب قصده الأزلى وعيننا للتبنى، ولكن الواسطة التي أعدها الله لنوال نعمة الخلاص وهبة الحياة الأبدية هي الإيمان. انه اليد التي تمسك بالهبة التي يقدمها الله لنا. والله لا يمكن أن يدخل أي إنسان في دائرة النعمة والبركة دون أن يعمل في ضميـره وقلبـه عملا إلهيا، وذلك بالروح القدس الذي يقوده ليرى حقيقة ذاته كما يراه الله، كما أنه يقوده أيضاً ليرى ويؤمن بما أعده الله له في المسيح يسوع. اننا بالإيمان برسالة الإنجيل ننال الخلاص. ولكن ليس المقصود هو أن الإيمان ذاته هو المخلص بل أن المخلص هو الشخص المبارك الذي هو موضوع الإيمان " لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أن يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ " (2تيمو1 :12) فلا تجعل من إيمانك مخلصاً لك لأن المخلص الوحيد هو الرب يسوع المسيح، والإيمان يمسك به ويثق فيه. ولكى لا يتبادر إلى ذهن أي واحد من المفديين بأن له أي فضل في اتيانه إلى المسيح وإيمانه به، لذا يضيف الرسول قوله " وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هو عَطِيَّةُ اللهِ " وكأن الرسول يقول " ان النعمة والخلاص والإيمان – الكل ليس منكم. هو عطية الله " – العطية المجانية المقدمة من الله لجميع البشر بواسطة الإنجيل، لأن " الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله " فكل من يصغى لرسالة الإنجيل ولا يرفضها بل يقبلها ينال من الله هبة الإيمان والخلاص بالنعمة.

قيل أن احد المبشرين، الذي استخدمه الله في اقتياد الكثيرين إلى المخلص الوحيد الرب يسوع المسيح، كان يتكلم مرة عن الخلاص بالنعمة بالإيمان، بدون أعمال، فاعترضه شخص كان يستند على أعماله الصالحة وسلوكه بالاستقامة ظانا انه بأعمال بره يكون مقبولا أمام الله، فلم يكن يعرف حقيقة ذاته وأنه خاطىء محتاج إلى المخلص والفادى، فقال له ذلك المبشر " انك إذا دخلت إلى السماء فستكون الإنسان البار الوحيد، لأن كل الذين سيكونون في السماء هم خطاة مخلصون بالنعمة وسيكون موضوع أنشودتهم في السماء : مجدا لحمل الله الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه. هناك سيرنمون للمسيح قائلين " انك ذبحت واشتريتنا لله بدمك " أما أنت فلن تستطيع أن ترنم هكذا، واذا رنمت هناك فستقول " مجدا لى لأنى بأعمالي الصالحة وبحياتي المستقيمة أهلت نفسى للسماء " ان الملائكة إذ يسمعونك تمجد وتعظم نفسك لابد انهم يقذفون بك إلى قاع الجحيم " أما الخطاة الذين خلصتهم نعمة الله فلا يفتخرون بشىء في ذواتهم بل بالرب وبنعمته " بِالرَّبِّ تَفْتَخِرُ نَفْسِي " (مز34 : 2).

(10) " لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأعمال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا "

تأمل مليا في الترتيب الإلهي الجميل، فمع أن خلاصنا هو بالنعمة وليس من أعمال، الا أن الله قد أعد للمخلصين بالنعمة أعمالا صالحة لكى يسلكوا فيها، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نعرف أن هناك فرقا كبيرا بين التعليم الخاطىء القائل " إعمل لكى تخلص " وبين تعليم الإنجيل الصحيح " إعمل لأنك قد خلصت بالنعمة " بين " إعمل فتحيا " و " إعمل لأنك نلت الحياة "

ان المؤمنين الحقيقيين هم عمل الله الذين خلقوا في المسيح يسوع خليقة جديدة فقد فسدت الخلقة العتيقة ولم تعد صالحة لأي شىء. لا علاج لها وليست قابلة للاصلاح " لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هو عداوةٌ لِلَّهِ إذ لَيْسَ هو خَاضِعاً لِنَامُوسِ اللهِ لأَنَّهُ أيضاً لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أن يُرْضُوا اللهَ " (رو8 : 7و8) لذا لم يفكر الله قط في اصلاح هذه الطبيعة الفاسدة بل قضى عليها في صليب المسيح، واستعاض عنها بالخليقة الجديدة بواسطة عمل ابنه المبارك، فكما قضى على الخليقة العتيقة في صليب المسيح، فانه إذ قام المسيح من الأموات بمجد الاب " كالبكر من الأموات " وكرأس الجنس الجديد، أقامنا معه بحياة جديدة تختلف كل الاختلاف عن الحياة القديمة " إذا أن كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهوخَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هو ذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً " (2كو5 : 17).

لقد خلق الله الخليقة الأولى بكلمته " بِالإيمان نَفْهَمُ أن الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ " (عب11 : 3) أما الخليقة الجديدة التي هي لمسرته والتي ستكون لمدح مجده إلى اباد الدهور كلها، فقد تكلف فيها أغلى كلفة " لأَنَّهُ (أي الله) جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأجلنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ " (2كو5 : 21).

لقد خلقنا في المسيح يسوع " لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكى نسلك فيها " فكما " سبق الله " عَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ (ص1 : 5) سبق أيضاً فأعد لنا أعمالا صالحة لكى نسلك فيها. إنها ليست أعمال الناموس بل أعمال لها طابعها السماوي – طابع النعمة الغنية – النعمة التي تعلمنا أن نعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر (تى2 : 12).

ان الأعمال الصالحة التي أعدها الله لكى نسلك فيها، هي من ثمار الخليقة الجديدة أي الطبيعة الإلهية التي صرنا شركاءها (أدبيا) – هذه الثمار التي ينشئها فينا الروح القدس الساكن فينا فنحن نسلك في الأعمال الصالحة لا كمن يؤدى واجبا أو يتمم فرضا بل بدافع المحبة القلبية لله أبينا وللرب يسوع المسيح الذي أحبنا أولاً. لقد أعطى الله الناموس لشعب إسرائيل الذي وثق في نفسه بأنه سيقوم بكل مطالبيبه ولكنه فشل في ذلك، فقد كان الناموس امتحانا للقلب البشرى أو بالحري لإعلان عجز الإنسان عن إتمام مطاليب قداسة الله، فلم يكن الناموس شيئا سبق الله فأعده للسلوك فيه " فلماذا الناموس " اذا؟ الجواب " قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إلى أن يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ " (غلا3 : 19) أما المسيحي الحقيقى فقد تحرر من الناموس ليحيا لله. لقد مات للناموس وصار لرجل (أوزوج) آخر " لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأموات لِنُثْمِرَ لِلَّهِ " (رو7 : 4). حقاً ما اسمى مقام ومركز المسيحي لا من حيث امتيازاته فقط بل والتزاماته أيضاً فكما أن اختيارنا وبركاتنا كانت في قصد الله من الازل كذلك الأعمال الصالحة التي أعدها لكى نسلك فيها قد سبق فأعدها من قبل وجودنا في هذا العالم.

وكما أن هذا الفصل يبدأ بالسلوك (ع1و2) فانه ينتهي أيضاً بالسلوك (ع10) ولكن ما أكبر الفرق بين الأول والثاني، فالأول هو سلوكنا قبلا في الذنوب والخطايا وذلك لما كنا أمواتا روحيا، والثاني هو سلوكنا، كأحياء روحيا وكالخليقة الجديدة، في الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدها. أن كنا قد أجلسنا في السماويات في المسيح يسوع فانه امتياز مبارك لنا أن نسلك كسماويين أيضاً.


(ثانيا) الانفصال عن الله بسبب البعد عنه (ع11-22)

واضح أن موضوع هذه الأعداد يختلف عن موضوع الأعداد السابقة فانه في هذا الفصل يشير بصفة خاصة إلى ما كانت عليه حالة المؤمنين من الأمم قبل إيمانهم بالرب يسوع وما صاروا اليه بنعمة الله بعد إيمانهم به، إلا أن هذا يرسم أمامنا أيضاً حالة وحاجة جميع البشر بصفة عامة وبدون استثناء.

واضح أيضاً أن جميع البشر، بعد الطوفان، تحولوا عن عبادة الله الحى الحقيقى وعبدوا الأوثان الإلهة العديدة الكاذبة، لذا دعا الله رجلا واحدا هو ابراهيم وجعله هو ونسله من بعده مستودعا لمواعيده، وآنية الشهادة له في هذا العالم الشرير، إلا أن إسرائيل، لسبب عدم أمانته، فشل في شهادته لله، الأمر الذي يبينه بكل وضوح صليب ربنا يسوع المسيح. لقد كان البشر قبل صلب المسيح وقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السماء وقبل حضور الروح القدس إلى العالم مكونين من فريقين فقط : اليهود والامم، ولكن بعد يوم الخمسين صار العالم منقسما إلى ثلاثة أقسام : اليهود والأمم وكنيسة الله (1كو10 : 32) أما الكنيسة فإنها مكونة من اليهود والأمم الذين آمنوا بالرب يسوع المسيح.

(11) " لِذَلِكَ اذكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوخِتَاناً مَصْنُوعاً بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ "

يشير الروح القدس هنا إلى ما كنا عليه قبل إيماننا بالمسيح يسوع، فقد كنا قبلا من " الامم " وكنا مدعوين " غرلة " ، أما الآن فليس في المسيح يسوع " يوناني (أي أممى) ويهودى، ختان وغرلة...بل المسيح الكل وفي الكل " (كو3 : 11، غل3 : 27و28)

لقد أعطى الله عهد الختان أولاً لابراهيم (تك17 : 9-14) ثم لنسله من بعده، لذا كان اليهود يدعون " الختان " وقد نظروا إلى الأمم بعين الاحتقار داعيـن إياهـم " غرلة " أو الغلف " (انظر 1صم17 : 26و36، 2صم1 : 20) ومع ذلك فقد كان كثيرون من اليهود الذين يفتخرون بأنهم من أهل " الختان " كانوا يهودا " في الظاهر " فقط ولم يكونوا مختوني القلب (رو2 : 25-29).

(12) " أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إسرائيل، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ "

بدون مسيح هذه هي الحالة التعسة التي كنا عليها قبلا " كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ " فمع أن كل غير المخلصين من اليهود والامم على السواء – الكل بدون مسيح، إلا أن هذا كان ينطبق بصفة خاصة على الأمم، اليهود كانت لديهم الرموز والنبوات والمواعيد الخاصة بمجىء المسيا، وقد كان رجاء الإسرائيلي في العهد القديم مركزا في مجىء المسيا الذي يحقق لهم كل المواعيد الإلهية، كما أن كل ظهورات المسيح قبل التجسد كانت لليهود دون سواهم، ولم يدع المسيح مخلص العالم إلا بعد موته فوق الصليب.

ولنسله من بعده بإتمام هذه المواعيد، أما الامم فلم يكن لهم نصيب أو قرعة في هذه المواعيد، لقد كانوا غرباء عنها لذا لا نقرأ في كل العهد القديم أن الله أعطى أي وعد للامم. لقد أعطى مواعيد عن الامم ولكنه لم يعط وعدا واحدا لهم، وحتى العهد الجديد الذي نقرأ عنه في (أر31) وفي (عب8) فاننا لا نقرأ ابدا أن الله قطعه

مع الكنيسة بل بالحري لشعب الرب القديم مستقبلا، إلا أن كل المؤمنين بالمسيح من الامم كما من اليهود أيضاً صارت لهم كل بركات ومواعيد العهد الجديد الروحية من اللحظة التي فيها وضعوا ثقتهم في المسيح يسوع " لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهوفِيهِ النَّعَمْ وَفِيهِ الآمِينُ، لِمَجْدِ اللهِ، بِوَاسِطَتِنَا " (2كو1 : 20).

" لاَ رَجَاءَ لَكُمْ " إن من كان " بدون المسيح " هو " بلا رجاء " فكما أن الامم كانوا، قبل مجىء المسيح إلى العالم وموته فوق الصليب، بلا رجاء، كذلك كل من لا يقبل المسيح الآن مخلصاً له فانه لا رجاء له، لأن في المسيح وحده قد أعطى الله المؤمنين به " وَرَجَاءً صَالِحاً بِالنِّعْمَةِ " (2تس2 : 16). أن الرجاء المبارك هو مجىء ربنا يسوع المسيح ثانية ليأخذنا اليه لنكون معه كل حين " مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ " (تي2 : 13).

" وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ " فبينما كان الامم يعبدون الإلهة الكاذبة الكثيرة ويسجدون لها، فانهم كانوا في حقيقة الأمر " بِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ " لأننا " نَعْلَمُ أن لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالَمِ وَأَنْ لَيْسَ إِلَهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِداً. لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أو عَلَى الأرض كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَاب كَثِيرُونَ. لَكِنْ لَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ : الاب الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ : يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ " (1كو8 : 4-6).

(13) " وَلَكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ "

هنا نرى تداخل الله العجيب في أمرنا نحن الامم، ونعمته الغنية التي أدركتنا في المسيح يسوع. هنا نرى المباينة بين الماضى التعيس الذي كنا عليه والحاضر المبارك والمجيد الذي صرنا اليه بفضل عمل المسيح لأجلنا. عندما عمل الرسول بولس مقارنة بين ماضى اليهود والامم قبل إيمانهم بالمسيح وبين حاضرهم بعد إيمانهم به، أشار إلى تداخل الله برحمته الغنية ومحبته الكثيرة ونعمته الفائقة بالقول " (ولكن) الله الذي هو غنى في الرحمة " (ع4) وهوذا هنا يعمل مقارنة أو بالحري مباينة أخرى بقوله " ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلا بعيدين صرتم قريبن بدم المسيح " لقد كان لليهود شىء من القرب إلى الله على أساس العهد الذي قطعه الله معهم والذي تعهدوا بالقيام بمطاليبه بينما كان الامم " بعيدين " وغرباء عن هذا العهد، غير أن اليهود بسبب فشلهم في القيام بالتزاماتهم في ذلك العهد – عهد الأعمال، أصبحوا هم أيضاً " بعيدين " عن الله " لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ (بَيْن الْيَهودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ). إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله " (رو3) أما الخلاص فهو بالنعمة لليهودى كما للاممى على السواء فاليهودى، حتى في العهد القديم، لم يحصل على خلاص الله على أساس استحقاًقه الذاتي ولا لأنه من شعب الله القديم الذين تميزوا على سائر أمم العالم بسبب عهد الختان، ولا بسبب الذبائح التي قدموها في عهد الناموس، فالذين من بينهم قد خلصوا قد حصلوا على الخلاص بواسطة نعمة الله الغنية المؤسسة على موت الرب يسوع المسيح على صليب العار. هذه هي الذبيحة الفريدة، ذبيحة ربنا يسوع المسيح على صليب العار. هذه هي الذبيحة الفريدة، ذبيحة ربنا يسوع المسيح التي فيها كل الكفاية لخلاص كل من يضع ثقته فيها وفي كفايتها.

لقد كنا قبلا بعيدين أما الآن، نحن الذين في المسيح يسوع، صرنا قريبين بدم المسيح. لا ريب في أن أعظم جريمة أرتكبت في هذا العالم هي قتل ربنا يسوع المسيح وسفك دمه الزكى الكريم. هذه الجريمة التي اشترك في ارتكبها اليهود والأمم، لقد كان موته وسفك دمه الطاهر أعظم إعلان لأشر خطية ارتكبها الإنسان، كما كان أيضاً إعلانا لمحبة الله غير المحدودة ونعمته الفائقة الادراك، فالصليب الذي أظهر منتهي عداوة وفساد القلب البشرى أظهر أيضاً محبة الله التي لا قياس ولا حدود لها، والحربة التي طعن بها ربنا المبارك يسوع، نفذت إلى أحشائه معلنة شر القلب البشرى ولكنها خرجت من جنبه الطاهر معلنة محبة الله ونعمته الغنية – خرجت حاملة الدم المطهر والماء المحيى، يالها من نعمة غنية سمت فوق إثمنا وفجورنا حتى أننا نحن الذين كنا قبلا بعيدين – أمما تعساء ومساكين – أجنبيين وأعداء لله في الفكر في الأعمال الشريرة، صرنا الآن في استحقاًق الدم الكريم قريبين من الله – قريبين بكيفية لم يستطع الناموس أن يهبها لليهود أما اليهودى الذي يؤمن بالمسيح فانه يصل إلى نفس مكان القرب إلى الله الذي صار للمؤمن الاممى، وذلك بواسطة دم المسيح. فهو، له المجد، الله الكلمة الذي صار جسدا لذا فإن لدمه الكريم فاعلية غير محدودة وقيمة لا يدركها سوى الله، ولهذا صرنا الآن " قريبين بدم المسيح " لقد صرنا قريبين إلى الله قربا كاملا، ولا توجد أية مسافة كبيرة أو صغيرة تفصلنا عنه بحيث لا يمكن أن نكون، في أي وقت من الأوقات، أكثر قربا اليه فهل أدرك كل مؤمن حقيقى هذا الامتياز المبارك وهل هو متمتع به عمليا؟ لاشك أن مقامنا كقريبين من الله مؤسس على ذبيحة ربنا يسوع المسيح " بدم المسيح " ولكن تمتعنا به شىء آخر، فإن هذا متوقف على شركتنا معه. فهل شركتنا مع الله

الاب ومع ابنه يسوع المسيح قوية ومستمرة؟ ليتنا نسهر ونواظب علـى الصـلاة لنتمتع عمليا بحالة القرب منه، وفي هذا سلامتنا وسعادتنا " أَمَّا أَنَا فَالاِقْتِرَاب إلى اللهِ حَسَنٌ لِي " (مز73 : 28).

(14) " لأَنَّهُ هو سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِداً، وَنَقَضَ حائط السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ "

المسيح يسوع ربنا نفسه هو سلامنا. ما أمجد هذا الحق الإلهي الثمين! فسلامنا ليس هو مجرد فرح في داخلنا نتمتع به الآن وقد يضعف أو يفقد غدا، بل هو المسيح نفسه. هو سلامنا الثابت والدائم والذي من امتيازنا أن يستقر ويستريح إيماننا عليه فنتمتع به عمليا كسلامنا وكموضوع فرحنا. نعم انه من امتيازنا أن نفرح في الرب كل حين وذلك بواسطة الوجود في حالة القرب منه والشركة معه – من امتيازنا أن نبتهج بفرح لا ينطق به ومجيد، ولكن الحق الاسمى هو أن ربنا يسوع المسيح نفسه هو سلامنا، فاننا لا نقرأ في كلمة الله أنه له المجد، هو فرحنا ولا أن الله هو إله الفرح بل إله السلام، لانه هو الذي عمله بواسطة بذل ابنه الحبيب فوق الصليب.

" وَنَقَضَ حائط السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ " يبدوأن الرسول هنا يشير إلى الحائط الذي يظن أنه كان مبنيا في الهيكل والذي كان يفصل بين الدار التي كانت لإسرائيل والدار التي كانت للامم الدخلاء، ويقال أنه كان منقوشا على ذلك الحائط هذه الكلمات " ليحذر الاممى من تجأوز هذا الحائط لئلا يعرض نفسه للموت " ولكن ربنا يسوع المسيح قد نقض حائط السياج المتوسط الذي كان بيننا(1).

(15) " أَيِ الْعداوةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايا فِي فرائض، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إنساناً وَاحِداً جَدِيداً، صَانِعاً سَلاَماً"

جدير بالملاحظة أن المقصود هنا هو أن المسيح، له المجد، إذ بذل نفسه لأجلنا وحمل خطايانا في جسده على الخشبة ابطل العداوة(2) أي ناموس الوصايا في فرائض. أعنى أن اليهود الذين أعطاهم الله الناموس وفرائضه المتنوعة امتلأت قلوبهم بالكبرياء والبغضة والعداوة للأمم الذين لم يعط الناموس لهم.

لقد قضى باللعنة على كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به (غل3 : 10) ولكن اليهود الذين افتخروا على الامم بأنهم هم الشعب المبارك الذين أعطاهم الله الناموس بفرائضه المتنوعة لم يدركوا انهم هم أنفسهم تحت اللعنة لانهم كسروا الناموس ولم يحفظوه ولكن ربنا يسوع ابن الله إذ مات فوق خشبة الصليب صار لعنة لأجلنا " لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ : «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ " (غل3 : 13)

وبموته واحتماًله الدينونة ابطل بجسده ناموس الوصايا في فرائض، فكل الخطاة الذين قبلوا المسيح مخلصاً لهم قد اتحدوا بالمسيح – ماتوا وقاموا معه، ولاسيما اليهودى الذي كان قبل إيمانه بالمسيح تحت سيادة ولعنة الناموس، أصبح بعد إيمانه

(1) And hath broken down the middle wall of partition between us.

(2) Having abolished in his flesh the enmity, even the law of commandments contained in ordnances.

بالمسيح في حرية تامة لان المسيح افتداه من لعنة الناموس فلم يبق للناموس، أعنى ناموس الوصايا والفرائض* أية سيادة عليه.

 

* المقصود بناموس الوصايا في فرائض هو أن ممارسة اليهودى للفرائض كانت إقرارا منه بانه تحت ناموس الوصايا. هذا هو معنى القول " ناموس الوصايا في فرائض "

صارحها بأنه ليس لها نصيب في تلك المواعيد، فلوكانت قد خاطبته باعتباره " ابن الله " لما تأخر في إجابة ملتمسها، لانه كابن داود هو لإسرائيل وليس للأمم ولكن كم كان تصرف تلك المرأة جميلا إذ عرفت حقيقة أمرها، وأنها ليست من البنين ومع ذلك فقد قالت له " ولكن الكلاب تأكل " فاذ عرفت أنها كأممية ليس لها نصيب في تلك المواعيد، فاضت عليها البركات الإلهية بالنعمة التي في المسيح يسوع " يا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إيمانكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ " (مت15).

إن الشخصين الذين أتيا إلى الرب وتعجب من إيمانهما كانا من الأمم – أي قائد المئة (مت8) وهذه المرأة الفينيفية (مت15).

إن هذه الرسالة ترينا أولاً أن الأمم كانوا بعيدين كل البعد عن الله وعن شعب الله، ولكنها ترينا أيضاً أن صليب المسيح قد ابطل كل هذه الفوارق، بل لقد أظهر صليب المسيح أن اليهود، بالرغم من امتيازاتهم التي كانت لهم، كانوا أكثر جرما من الأمم، لانهم رفضوا مسياهم وملكهم وصلبوه، ولاسيما رؤساء كهنتهم فانهم كانوا اكثر تعطشا إلى صلبه، وهكذا الحال دائماً، فانه لا توجد قساوة قلب نظير قساوة المتدين العالمى.

إن الحق الإلهي الواضح هو أن المسيح، له المجد، قد ابطل بجسده العداوة لكى يخلق الاثنين في نفسه إنسانا واحدا جديدا صانعا سلاما. فربنا يسوع المسيح، بموته فوق الصليب، قد صنع سلاما مزدوجا – سلاما بين الإنسان والله، وسلاما بين المؤمن اليهودى والمؤمن الأممى اللذين فصل بينهما حائط السياج المتوسط.

(16) " وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعداوةَ بِهِ "

صليب المسيح هو العلاج الإلهي الوحيد والكامل لحالة الإنسان المسكين، فإن الخطية لم تفصل الإنسان عن الله فقط ولكنها فصلته أيضاً عن أخيه الإنسان. لقد أوجدت الإنسان في عداوة مع الله ومع أخيه الإنسان أيضاً، فإن أول خطية ارتكبها الإنسان فصلته عن الله وأوجدته في عداوة معه تعالى، كما أن ثاني خطية مذكورة في الكتاب المقدس فصلت الإنسان عن أخيه الإنسان وأوجدته في حالة البغضة والعداوة له حتى قام (قايين) على أخيه (هابيل) وقتله، لذا فقد كان الإنسان في حاجة إلى أن يتصالح أولاً مع الله وعندئذٍ يتسنى له أن يتصالح مع أخيه الإنسان، ولاشك أن ربنا يسوع المسيح هو المصالح الوحيد للإنسان مع الله وللإنسان مع أخيه الإنسان وذلك بواسطة " الصليب " لقد قتل المسيح العداوة بالصليب، أعنى بأخذه مكاننا واحتماله الدينونة نيابة عنا. لقد صالح الاثنين – أي المؤمنين به من الأمم ومن اليهود مع الله، كما أنه جعلهم جسدا واحدا. انه بالصليب قد أعلن محبة الله لنا نحن الذين كنا أعداء له " وَلَكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ أن اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ " (2كو5 : 18و19) " لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أن يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأرض امْ مَا فِي السماوات. وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً اجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأعمال الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى امَامَهُ " (كو1 : 19-22). لقد حقق المسيح ما كانت تتوق اليه نفس أيوب قديما وكأنه لم يجده " لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا! " (أي9 : 23) فالمسيح، تبارك اسمه، هو وحده الذي استطاع أن يصالح الاثنين مع الله بالصليب قاتلا العداوة به. لاسمه المعبود كل مجد واكرام.

(17) " فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ "

المسيح يسوع ربنا هو الذي جاء بنفسه إلى هذا العالم وكرز بالسلام، أما الآن فإن دائرة كرازته أو سع كثيراً مما كانت في أيام جسده، فهوله المجد يكرز ويبشر بالسلام للأمم ولليهود على السواء وذلك بواسطة الروح القدس المرسل من السماء (1بط1 : 12). فقد وعد الرب تلاميذه قبل ارتفاعه إلى السماء بأنه سيرسل اليهم الروح القدس وأمرهم بأن يذهبوا إلى العالم أجمع وأن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر16 : 95) فلا تكون كرازتهم قاصرة على خراف بيت إسرائيل الضالة بل ولجميع أمم العالم أيضاً " فجاء وبشركم بسلام أنتم " البعيدين " أنتم الأمم الخطاة والمساكين الذين كنتم غارقين في لجة من الجهل والظلام، وأنتم " القريبين " أنت اليهود الذين أرسلت اليكم كلمة الله، وكان عندكم نور معرفة الله – هذا النور الذي لم يعرف عنه الأمم شيئا، ولكنكم مع ذلك قد اشتركتم مع الأمم في ارتكاب أعظم جريمة حدثت تحت الشمس – جريمة صلب رب المجد، أما هو ، تبارك اسمه، فانه في غنى محبته قد " بشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين "

(18) " لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُوماً فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إلى الاب "

تبارك اسم ربنا يسوع المسيح، فإن كل مشورات الله من نحو شركة أولاًده تركزت في شخصه الكريم وفي عمله الذي اكمله بموته فوق الصليب، لان به أي بالمسيح وحده لنا كلينا (نحن المؤمنين باسمه من اليهود ومن الأمم) قدوما في روح واحد إلى الاب. أما في العهد الأول فلم يكن هناك قدوم أو اقتراب مباشر إلى الله، والحجاب الذي لم يكن قد شق بعد كان إعلانا إلهيا على أن طريق الأقداس لم يكن قد أظهر بعد. فقد كان الله وقتئذ " إِلَهٌ مُحْتَجِبٌ " (أش45 : 15).

لما طلب الله من موسى أن يصعد اليه هو وهرون وابناه وسبعون من شيوخ إسرائيل، أمرهم قائلا " اسْجُدُوا مِنْ بَعِيدٍ " (خر24 : 1) ذلك لانه لم يكن قد فصل بعد في أمر الخطية فصلا كاملا ونهائيا، الأمر الذي أتمه الله بواسطة موت ربنا يسوع المسيح.

إن بالمسيح يسوع ربنا لنا كلينا قدوما " في روح واحد " إلى الاب، فقد أعطى الله الروح القدس لكل المؤمنين بابنه، سواء كانوا من اليهود أو من الامم " لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أيضاً اعْتَمَدْنَا إلى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً " (1كو12 : 13) فإن كان الناموس قديما قد أوجد فرقا بين اليهودى والأممى، ولكن المسيح قد أزال بصليبه كل الفوارق التي بينهما، والروح القدس الذي أعطى في يوم الخمسين قد جمع كل المؤمنين وجعلهم أعضاء في الجسد الواحد " لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ " (رو3 : 22).

حقاً ما اسمى امتيازات المسيحي الحقيقى! فقد صار له هذا الشرف العظيم – شرف القدوم إلى الاب بعمل وقيادة الروح القدس الساكن فيه. أن الروح القدس هو الذي أعطانا اليقين بأننا أولاًد الله الاب (رو8 : 15و16) وهوالذي يقودنا أيضاً للاقتراب والقدوم إلى الاب وذلك بفضل عمل ربنا يسوع المسيح، فانه به صار لنا حق الاقتراب إلى الاب كأولاًد أحباء. ليتنا لا نهمل التمتع بهذه البركة العظمى – بركة القدوم إلى الاب بقوة الروح القدس وفي قيمة عمل المسيح فوق الصليب.

(19) " فَلَسْتُمْ إذا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنـزلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأهل بَيْتِ اللهِ "

رأينا في تأملاتنا السابقة في هذه الرسالة، انه عندما يخاطب الرسول المؤمنين من الأمم كان يقول " أنتم " وعندما يتكلم عن اليهود يقول " نحن " لان الرسول بولس نفسه هو من المؤمنين بالمسيح من اليهود، لذا يقول " نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ " (ص1 : 12) أما للمؤمنين من الامم فيقول " أَنْتُمْ إذ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إنجيل خَلاَصِكُمُ " (ص1 : 13) وإذ يوجه كلامه الآن إلى المؤمنين من الأمم يقول " فلستم إذا " أنتم المؤمنين من الأمم غرباء ونـزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله " لقد كنا قبلا " غُرَبَاءَ عَنْ عُهودِ الْمَوْعِدِ " (ع12) – فلم نكن من شعب الله القديم بل " أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إسرائيل " ومع ذلك فإن إسرائيل فشل في مسئوليته، فصـاروا " لوعمى " أي ليسوشعبا لله (هو1 : 9، 1بط2 : 10) لذا دعا الله من بينهم بقية حسب اختيار النعمة (رو11 : 5) وهذه البقية هي جميع الذين آمنوا بالرب يسوع المسيح من اليهود وقبلوه مخلصاً وفاديا لهم فأصبحوا حجارة حية في بيت الله، وكذلك كل الذين يؤمنون بالمسيح من الأمم فانهم يدخلون بنعمة الله إلى هذا المركز عينه، لذا ليسوا فيما بعد " غرباء ونـزلاء بل رعية مع القديسين "

إن المقصود بالقديسين هنا ليس إسرائيل بحسب الجسد. كلا بل أن الإسرائيليين الذين آمنوا بالرب يسوع المسيـح هم المدعو ون هنا " قديسين " لذا عندمـا يقـول " رعية مع القديسين " فانه يقصد بذلك أن الامم الذين يؤمنون بالرب يسوع المسيح ويتحدون به بالروح القدس يصيرون رعية مع اخوتهم اليهود الذين آمنوا بالمخلص المبارك ربنا يسوع المسيح. وقد أشار الرب له المجد إلى هذه الحقيقة بقوله " وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ (حظيرة إسرائيل) يَنْبَغِي أن آتِيَ بِتِلْكَ أيضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ " (يو10 : 16).

إن كلمة " قديس " تعنى شخصا مفرزا ومخصصا لله، وليس المقصود بالقداسة هنا الناحية الاختبارية أو العملية مع ما لهذه الناحية من أهمية، فإن الكثيرين يتصورون أن القديسين هم أشخاص وصولوا إلى درجة الكمال في القداسة، وهذا لا ريب تصور خاطىء، فإن كل إنسان يضع ثقته في الرب يسوع المسيح وفي كفاية عمله فوق الصليب يصير ملكا لله وللرب يسوع المسيح ويصبح قديسا أمامه تعالى، ولكن كل قديس مدعومن الله لان يحيا حياة القداسة العملية. اننا لا نصير قديسين بسبب عيشتنا في القداسة ولكن لان الله جعلنا قديسين وبلا لوم قدامه، لذا يجب علينا أن نحيا حياة القداسة العملية.

ويجب أن لا يفوتنا أن كل امتياز يضعنا تحت الالتزام بأن نعيش كما يليق بهذا الامتياز، فإن كنا " أهل بَيْتِ اللهِ " فيجب أن لا ننسى المكتوب " بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يا رَبُّ إلى طُولِ الأيام " (مز93 : 5) " فَاذ لَنَا هَذِهِ الْمَوَاعِيدُ أيها الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ " (2كو7 : 1)

(20) " مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزاوية "

يرسم الروح القدس أمامنا هنا صورة اخرى للعلاقة المباركة التي بين المسيح وكنيسته، فكما رأينا في الاصحاح الأول هذه العلاقة مرسومة في صورة جسد، وان المسيح المقام والممجد هو رأس هذا الجسد وان المؤمنين الحقيقيين به هم أعضاء هذا الجسد، كذلك نرى هنا هذه العلاقة مرسومة في صورة بناء، وان المؤمنين الحقيقيين هم حجارة حية في هذا البناء، وان ربنا يسوع المسيح هو " حَجَرُ الزاوية " وان هذا البناء قد تأسس بواسطة كرازة الرسل والانبياء. وليس المقصود بقوله " مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ " انهم (أي الرسل والانبياء) هم الاساس بل أن المؤمنين بالمسيح مبنيون على الاساس الذي وضعه الرسل والانبياء، والاساس هو ، بكل يقين " ربنا يسوع المسيح " " فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أن يَضَعَ أَسَاساً آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ الَّذِي هو يَسُوعُ الْمَسِيحُ " (1كو3 : 11) ربنا يسوع المسيح هو الاساس وهو أيضاً حجر الزاوية.

ثم لنلاحظ أن المقصود بالانبياء هنا ليس أنبياء العهد القديم. صحيح أن روح المسيح فيهم كرز بالمسيح وشهد له شهادات عجيبة ومباركة، فما أعجب ما كتبه أولئك الانبياء عن المسيح! تأمل مثلا في نبوات اشعياء الصريحة عن المسيح – عن ولادته من عذراء وعن حياة الاتضاع الفريدة التي عاشها في هذا العالم، بل وما أعجب ما كتبه عن آلامه وموته الكفاري! (ص53) وكذلك ما تنبأ به عنه ارميا وزكريا وميخـا وغيرهـم " بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أو مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إذ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا " (1بط1 : 11). نعم فإن " فإن شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ " (رؤ19 : 10)، ومع ذلك فليس المقصود هنا أنبياء العهد القديم فإن الله لم يشأ أن يبنى كنيسته على أساس قديم بل بالحري على أساس جديد ومجيد هو المسيح المقام من بين الأموات والممجد، لذا لا يقول " مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ َالأَنْبِيَاءِ والرُّسُلِ " بل يقول " مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ " ومما يؤيد هذه الحقيقة قوله عن سر المسيح " الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائه بِالرُّوحِ " (اف3 : 5) وكذلك قوله أيضاً عن المسيح بأنه بعد صعوده إلى السماء " أَعْطَى الْبَعْضَ أن يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ " (أف4 : 11) فواضح اذن أن الانبياء هنا هم أنبياء العهد الجديد، فإن بعض كتبة أسفار العهد الجديد أمثال مرقس ولوقا وغيرهما لم يكونوا رسلا ولكنهم كانوا أنبياء – فقد أقامهم المسيح هم والرسل في البداءة لوضع الأساس أعنى الكرازة بالمسيح والمناداة بإنجيله المبارك.

" وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزاوية " هذا هو الحق الاساسى والجوهرى، فإن كان الرب، له المجد، قد أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء وقد استخدمهم في تأسيس كنيسته بواسطة الكرازة بالإنجيل، وان كان لدينا الآن كتاباتهم الموحى بها من الله والتي نشكر الله كثيراً لأجلها، إلا انهم هم شخصيا ليسوا باقين في هذا العالم، أما ربنا يسوع المسيح فهو " حَجَرُ الزاوية " الذي يلازم البناء من أو له إلى نهايته " يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد "

لقد أشار الرب إلى هذا الحق عندما سأل تلاميذه قائلا " من يقول الناس أنى أنا ابن الإنسان؟ فأجابه بطرس " أنت هو المسيح ابن الله الحى " فقـال له الرب " طُوبَى لَكَ يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أن لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ ابي الَّذِي فِي السماوات. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أيضاً : أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ ابني كَنِيسَتِي " (مت16) ومما لا ريب فيه أن المقصود بالصخرة هو الإيمان والاعتراف بأن المسيح هو ابن الله الحى. هذا هو الحق الجوهرى والمبارك الذي تعلمه بطرس من الرب، والذي نبر عليه في رسالته الأولى (ص2) بقوله عن المسيح انه " حجر حى " (ع4) وانه " حجر زأوية مختار من الله وكريم " (ع4و6) وان هذا الحجر صار " رأس الزاوية " والرب نفسه في حديثه مع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (مت21) قد اشار إلى هذه الحقيقة – أعنى إلى انه هو الحجر الذي وان كان البناؤون قد رفضوه ولكنه صار رأس الزاوية وقد اقتبس الرب هذه الكلمات من مز118 : 22و23 (اقرأ أيضاً ما تنبىء به عنه في اش28 : 16، زك4 : 7).

(21) " الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّباً مَعاً يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّساً فِي الرَّبِّ "

جميل أن نرى هنا الضمان الإلهي الثابت والأكيد لسلامة هذا البناء المقدس، فكل واحد من المؤمنين هو حجر حى مركب وممكن ومثبت في مكانه في هذا البناء الإلهي، وذلك بواسطة المسيح حجر الزاوية، فهو " الذي فيه كل البناء مركبا معا " ثم أن هذا البناء ينمو هيكلا مقدسا في الرب. انها حالة نمو وليست حالة كمال، ولكن عندما يكمل هذا البناء – الهيكل المقدس في الرب كم سيكون مسكنا مجيدا لله ولربنا يسوع المسيح في كل أجيال الدهور الآتية.

عندما نتأمل في هذا الحق المبارك – أعنى صيرورتنا حجارة حية في هذا البناء الإلهي – في هذا الهيكل المقدس للرب ألا يقودنا تأملنا في ذلك إلى إدراك أهمية العيشة في القداسة وإلى الحياة النقية الطاهرة والمكرسة للمسيح؟

يشير الرسول بولس في رسالته الأولى لأهل كورنثوس (ص3) إلى المؤمنين بأنهم هيكل الله " أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ " وكذلك في رسالته الثانية اليهم يقول " وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأوثان؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ : «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً " لذا يحرضهم الرسول قائلا " لِذَلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسَطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِساً فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ اباً وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ» يَقُولُ الرَّبُّ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَاذ لَنَا هَذِهِ الْمَوَاعِيدُ أيها الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ " (2كو6 : 6-17). ليت إدراكنا لهذا الامتياز المجيد والمبارك يقودنا إلى حياة الانفصال القلبى والصحيح عن كل ما ليس من المسيح وليس لمجده.

(22) " الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أيضاً مَبْنِيُّونَ مَعاً، مَسْكَناً لِلَّهِ فِي الرُّوحِ "

قديما كان للرب مسكن على الأرض أعنى الهيكل الذي كان مكان سكناه ولكن ليس " في الروح " بل بواسطة أشياء مادية منظورة، أما الآن – في تدبير النعمة الحاضر، فإن الله يسكن على الأرض بكيفية أجمل وأعظم بركة وذلك بواسطة الروح القدس الساكن في كل المؤمنين الحقيقيين، فإن عمل الروح القدس هو جمع أولاًد الله معا وجعلهم مسكنا لله. انه ساكن في الكنيسة جاعلا إياها هيكلا لله، وليس المقصود هنا سكناه في المؤمنين كأفراد مع أن هذا حق ثمين ومبارك، ولكن علاوة على سكناه فيهم كافراد فانه يسكن في المؤمنين كجماعة – ككنيسة المسيح جاعلا إياها " مسكنا لله " ما أثمن هذا الحق! ولكن الله ينتظر منا أن نسلك في ضيائه – أن نسلك بالقداسة التي تليق بهذا الحق.

أضف تعليق


قرأت لك

هل أنت مستعد للذهاب للنهاية مع المسيح؟

"مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غلاطية 20:2). الزارع يبذر البذار تحت التراب وينتظر أن تنبت من جديد، فالبذرة تموت تحت الأرض فتسقيها مياه المطر النازلة من عند أبي الأنوار فتحيا من جديد لكي تنبت وتظهر فوق الأرض كنبتة خضراء ومن ثم تثمر ثمار لا مثيل لها، وهكذا الإنسان الذي يموت مع المسيح بالإيمان والتوبة ينبت حياة جديدة تدوم إلى الأبد فيذهب مع المسيح للنهاية فيصبح شعار المؤمن: