تفاسير

الاصحاح الخامس - العــلاقات العائليــة في البيوت المسيحية

القسم: الرسالة إلى أهل أفسس.

فهرس المقال

العــلاقات العائليــة في البيوت المسيحية

(22) " أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ "

يبدأ الروح القدس هنا بالكلام عن الروابط والعلاقات العائلية في البيوت المسيحية، والرب الذي يعنى بسلامة وبركة خاصته كأفراد تهمه سلامة وبركة المؤمنين كعائلات، فكما أنه يريد أن يكون له مكانه في قلوبنا فانه يريد أن يكون له مكانه أيضاً في بيوتنا، وما أسعد البيت المسيحي الذي للرب مكانه اللائق به فيه! والوسيلة الوحيدة لضمان إلهناء في العائلة هي في الخضوع للرب ولكلمته.

أن تصغى لكلمة الله وتفتح قلبها لتسكن فيها كلمة المسيح في هذا الأمر كما في كل أمر آخر.

قد تكون زوجة ما أكثر فطنة وفهما من زوجهاً، ولكنها تستطيع بخضوعها له – الخضوع المقترن بالفطنة الموهوبة لها من الله – أن تكون بركة له، لا بل يجب على الزوجة أن تخضع لزوجهاً حتى ولوكان غير مؤمن حقيقي فإنها تستطيع بسيرتها الطاهرة أن تربحه للمسيح (1بط3 : 1و2). على أن هذا ليس معناه أن يتزوج المؤمن بغير المؤمنة ولا المؤمنة بغير المؤمن بل " تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ فِي الرَّبِّ فَقَطْ " (1كو7 : 39) " لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ " (2كو6 : 14و15).

لقد تكلم الله إلى حواء قائلا " وَإلى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهو يَسُودُ عَلَيْكِ " (تك3 : 16) ذلك لانها كانت قد تخطت الحدود الموضوعة لها من الله عندما استسلمت لغواية الشيطان وبذا برهنت على ضعفها وعلى أن مكانها اللائق بها هو الخضوع، وهذا ما أشار اليه الرسول بولس ضمنا في قوله " لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. وَلَكِنْ لَسْتُ اذنُ لِلْمَرْأَةِ أن تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أولاً ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمُ لَمْ يُغْولَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي " (1تي2 : 11-14) لذا يشدد الرسول بولس على لزوم خضوع المرأة لأن آدم أكل من الشجرة بمحض إرادته أما حواء فإنها أغويت وهذا يدل على أن المرأة أكثر من الرجل تعرضا لأن تنقاد بعواطفها اكثر مما بتفكيرها.

على أن للنساء التقيات مركزهن المبارك بين شعب الرب ولاسيما في البيوت التي فيها تمارس الصلاة العائلية وفيها تقرأ كلمة الله وتطاع طاعة قلبية.

ان خضوع المرأة لرجلها ليس هو عبودية أو مذلة وانما هو خضوع المحبة القلبية، وانه مما يزين الزوجة المسيحية ويجملها هو خضوعها لرجلها " كما للرب " أعنى أن خضوعها لزوجهاً هو خضوع للرب نفسه وهذا واضح من قول الرسول

نفسه في رسالته إلى أهل كولوسى " أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ فِي الرَّبِّ"

(ص3 : 18) وهذا يرينا أيضاً أن خضوع المرأة لرجلها يجب أن لا يتعدى الطاعة للرب ولكلمته لانه ينبغى أن يطاع الله اكثر من الناس. عندئذٍ يكون خضوع المرأة لرجلها هو جزء من خضوعها للرب نفسه.

(23و24) " لأَنَّ الرَّجُلَ هو رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أن الْمَسِيحَ أيضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهو مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ "

يذكر الرسول هنا السبب الذي لأجله يجب على المرأة أن تخضع لرجلها، فكما أن ربنا يسوع المسيح هو رأس الكنيسة الذي يهتم بسلامتها وبركتها مدة وجودها في هذا العالم، كذلك الزوج المسيحي، فانه رأس المرأة وقد أعطى له هذا المركز لا ليسيطر عليها ويعاملها بعنف أو قسوة بل بالحري ليعتنى بها ويهتم بسلامتها وإسعادها. إلا أنه واضح من الناحية الأخرى أن واجب المرأة هو الخضوع لرجلها في كل شىء كما تخضع الكنيسة للمسيح.

كم هو جميل ومبهج حقاً أن الروح القدس، في سياق الكلام عن الواجبات المتبادلة بين الزوج وزوجته، يتحدث بإفاضة وبأسلوب سماوي بديع عن العلاقة الاسمي التي بين المسيح الرأس والكنيسة التي هي جسده، وإنه لمما يشرف العلاقة المقدسة بين الزوج وزوجته أو بالحري الزواج المسيحي هو أنه صورة للعلاقة المجيدة التي بين المسيح وكنيسته.

لقد رأينا في الاصحاح الأول هذه العلاقة مرسومة في صورة " جسد " والمسيح المقام من بين الأموات والممجد عن يمين الاب في السماويات هو رأس هذا الجسد وأن المؤمنين الحقيقيين هم أعضاء هذا الجسد. وكذلك رأينا في الاصحاح الثاني هذه العلاقة مرسومة في صورة " بناء " والمسيح هو " حجر الزاوية " وأن المؤمنين مبنيون معا مسكنا لله في الروح، أما في هذا الفصل (ص5) فاننا نرى هذه العلاقة المقدسة مرسومة في الصلة الكائنة بين الرجل وزوجته. أن الرب يسوع هو العريس السماوي والكنيسة هي عروسه التي أحبها وأسلم نفسه لأجلها. وسيجيء الوقت وهو قريب، عندما تزف العروس امرأة الخروف لعريسها المبارك (رؤ19 : 7-9، 22 : 17).

(25) " أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أيضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأجلهَا "

أن كان واجب الزوجة هو أن تخضع لزوجهاً كما تخضع الكنيسة للمسيح، فإن واجب الزوج هو أن يحب زوجته كمحبة المسيح للكنيسة.

والروح القدس، في هذا الفصل، يقدم المسيح نفسه للزوج كما للزوجة أيضاً مبينا أن مقياس خضوع المرأة لرجلها هو خضوع الكنيسة للمسيح، وأن مقياس محبة الرجل لامرأته هو محبة المسيح للكنيسة.

لقد أحب المسيح الكنيسة بمحبة لم يستطع الموت أن يعطلها بل بالحري أظهر قوتها – أحبها وأسلم نفسه لأجلها. عندما يظهر الزوج لزوجته محبة كهذه فإن الزوجة تجد سرورها في خضوعها له. أن المسيحي الحقيقي الذي يظهر المسيح سيده في حياته يسر بإظهار المحبة الباذلة والمضحية لأجل زوجته وبذا يستأسر قلبها وعواطفها فتجد هي من جانبها أن سرورها في أرضائه والخضوع له. وهل هناك أجمل واسعد من بيت كهذا؟

هل ينتظر الزوج الطاعة القلبية من زوجته إذا كان قآسيا عليها؟ " أَيُّهَا الرِّجَالُ، احِبُّوا نِسَاءَكُمْ، وَلاَ تَكُونُوا قُسَاةً عَلَيْهِنَّ " (كو3 : 19) وهل تستطيع القسوة أن تقود الزوجة إلى الطاعة؟ أن المحبة وحدها هي التي تؤثر في قلب الزوجة وتقودها إلى الطاعة الحقيقية.

"أَحَبَّ الْمَسِيحُ أيضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأجلهَا"

يا له من مثال مقدس يضعه الروح القدس أمام الأزواج! مثال سماوي مبارك، فبقدر ما أحب المسيح الكنيسة واسلم نفسه لأجلها هكذا يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم.

لقد كان المسيح كل شىء في حياة الرسول بولس، وفي خدمته، فانه عند الكلام عن واجب الرجال من نحو نسائهم لم يستطع إلا أن يضع أمامهم الشخص المبارك الذي سبى قلبه وامتلك كل كيانه – الرب يسوع المسيح عريس الكنيسة ورأسها الممجد الذي أحبها و وضع حياته لأجلها. أن كانت محبة الرجل لامرأته تسبى قلبها وعواطفها فتقابل محبته بالخضوع الحبى له، فكم بالاحري يجب أن تكون محبتنا وخضوعنا لرأسنا وعريسنا المبارك محبة كاملة وخضوعا قلبيا تاما!

" وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأجلهَا " إنه لم يعط مما عنده للكنيسة بل أعطي نفسه، ولم يتألم لأجلها فقط بل بذل نفسه – بذل حياته لأجلها. ما أعجب محبتك أيها الرب يسوع! فلأجلنا بذلت حياتك لتحيينا نحن الأموات. أسلمت نفسك لتكون لنا حياة وليكون لنا أفضل. لاسمك المعبود كل سجود وحمد واكرام.

كلها قد محيت إلى الأبد. الفداء قد كمل والشيطان قد هزم، والغضب والدينونة قد انتهيا، والفرائض التي كانت ضدا لأولئك الذين كانوا تحتها قد سمرت في الصليب، والعداوة قد أزيلت إلى الأبد، وبالتالي تكون " الإنسان الجديد " والاساس الإلهي لكل ذلك بل ولأكثر من ذلك قد وضع بواسطة تسليم المسيح نفسه لأجلنا. لقد افتدينا بدم المسيح الكريم، ولكن هذا الفداء مؤسس على قيمة شخصه الكريم، ففيه أي في شخصه صار لنا هذا الفداء بدمه كما هو مكتوب " الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ " (ص1 : 7). إنه من الأهمية بمكان أن نعرف أن قيمة الفداء مرتبطة بقيمة وسموشخصه الكريم، فإن ما يجعل لعمله المبارك قيمته الفائقة الادراك إنما هو شخصه الجليل. أن ما يملأ نفوسنا حبا له وتعلقا به وتكريسا وخدمة له هو أن لا نذكر فقط العمل الذي عمل بل بالحري الشخص نفسه الذي عمله.

(26) " لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّراً إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ "

عجيبة حقاً هي محبة المسيح للكنيسة! انها محبة أزلية! وما أمجد ما عملته محبته هذه، فإنها قادته إلى بذل نفسه لأجلها. هذا العمل المبارك قد أكمل فوق صليب الجلجثة. إنه عمل كمل قد تم مرة واحدة ولن يتكرر " لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إلى الأبد الْمُقَدَّسِينَ " (عب10 : 14) إلا أن محبته هذه لم تقف عند حد ما عمله في الماضى، بل كان بذلك نفسه لأجلها " لكى يقدسها مطهرا إياها بغسل الماء بالكلمة " انه بموته (في الماضى) قد خلصها، وبكلمته (في الحاضر) يقدسها ويطهرها، وبمجيئه الثاني (في المستقبل) يمجدها.

" لِكَيْ يُقَدِّسَهَا " وهنا يجب أن نراعى أن هناك وجهين للقداسة، فعلى أساس عمله فوق الصليب أصبحنا قديسين وبلا لوم أمام الله، وهذا مركز كامل وثابت وابدي. إلا انه تبارك اسمه، يعمل بروحه فينا باستمرار لكى تكون حياتنا العملية حياة القداسة، وبقدر ما نسمح للروح القدس أن يهيمن على حياتنا بهذا القدر ننمو في حياة القداسة. فلنحرص على أن تكون عيشتنا في القداسة بأستمرار، وعلى أن ننمو فيها " مكملين القداسة في خوف الله "

" مُطَهِّراً إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ " وهذا يرينا ما لكلمة الله من قيمة عظمى وأهمية فائقة. إننا عند إيماننا بالرب يسوع المسيح قد حصلنا على غسل الميلاد الثاني (تي3 : 5) وهذا ما قصده الرب بقوله لنيقوديموس " إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ (أي الكلمة) وَالرُّوحِ (أي الروح القدس) لاَ يَقْدِرُ أن يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ " (يو3 : 5). هذا العمل يتم مرة واحدة ولن يتكرر وذلك عند قبول الرب يسوع المسيح مخلصاً وفاديا. إلا أننا نحتاج إلى تطهير مستمر بواسطة كلمة الله، لأن " الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إلى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بَلْ هو طَاهِرٌ كُلُّهُ " (يو13 : 10).

ولا حاجة إلى القول بأن المقصود بغسل الماء " ليس هو ماء المعمودية، فإن الرسول أو ضح لنا معنى هذه العبارة بقوله " بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ " " نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجاهل حَكِيماً.... أيضاً عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا وَفِي حِفْظِهَا ثَوَاب عَظِيمٌ " (مز19).

(27) " لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أو شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ "

يا لسموعمل المسيح لأجل الكنيسة فقد أحبها وبذل حياته الغالية لأجلها – لقد تجرع لأجلها كأس الدينونة المروعة، ومع ذلك فلم يكن ذلك سوى وسيلة لتحقيق غاية إلهية وقصد أزلى. نعم أن بذل حياته لأجل الكنيسة، وكذا خدمته لها في الحاضر كالكاهن العظيم الذي يقدسها ويطهرها بغسل الماء بالكلمة، هذه ليست سوى وسائل إلهية مباركة لإتمام المشورة الأزلية وهي أن يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شىء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب. هناك في المجد سيتمتع بوجود كنيسته معه، وهناك ستحظى الكنيسة " العروس امرأة الخروف " بكمال البركة الأبدية.

أنه سيحضرها لنفسه كنيسة مجيدة أي أنها ستشترك معه في مجده، وهذا ما قاله لابيه في صلاته " وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي " (يو17 : 22و24).

وهذا ما رآه الرسول يوحنا في نفيه في جزيرة بطمس، فقد رأي " العروس امرأة الخروف... ولها مجد الله " (رؤ21 : 9و11). سوف لا تحتاج الكنيسة هناك إلى تطهير أو غسل بماء الكلمة لأنه سيحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها كما أنها ستخلص مما يعتريها هنا من وهن وضعف فلن يرى فيها " غضن " أي تجعد أو شىء من مثل ذلك بل سيراها عريسها المبارك في نضارة وجمال كاملين، انها ستصل عندئذٍ إلى حالة القداسة الكاملة فتكون " مقدسة وبلا عيب " انه، تبارك اسمه، يريدنا أن نكون هنا في حالة القداسة في خوف الله عاملا فينا بروحه القدوس وبالكلمة إلى أن نصل إلى المجد وهناك سنرى أمامه وأمام كل الخليقة " بلا عيب "

(28و29) " كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أن يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أيضاً لِلْكَنِيسَةِ "

يضع الرسول أمامنا مقياسا إلهيا للمحبة التي يجب على الرجال أن يحبوا بها نساءهم، فكما أحب المسيح الكنيسة التي هي جسده وأسلم نفسه لأجلها وذلك لكى يسعدها ويشركها معه في مجده، كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم. لقد أو ضح الرب يسوع هذه الحقيقة بأسلوب بديع عندما قال للفريسين " أَمَا قَرَأْتُمْ أن الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟ وَقَالَ : «مِنْ أجل هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ اباهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. إذا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ " (مت19: 4،6) فالزوج والزوجة هما " جَسَداً وَاحِداً " لذا يجب على الرجال أن يتعاملوا مع نسائهم بحسب هذا المبدأ السامي – أن يحبوا نساءهم كأجسادهم " فإن من يحب امرأته يحب نفسه " أما من يحتقرها ويهينها فأنه في الحقيقة يحتقر ويهين نفسه.

إنه أمر طبيعى أن كل إنسان يحب نفسه، ولا يوجد إنسان عاقل يبغض جسده أو يؤذيه بل بالحري يعتنى به " يقوته ويربيه " اذن يجب على الزوج المسيحي أن يعتنى بزوجته ويعمل كل ما فيه راحتها واسعادها لأنها جسده.

ويضع الروح القدس أمامنا هنا الرب يسوع كالمثال الكامل، فانه باستمرار يعتنى بالكنيسة " التي هي جسده " – يعتنى بها – يقوتها ويربيها مستخدما وسائط نعمته لبركتها. وانه لأمر معز ومشجع أن نعلم أن الرب يسوع، الرأس الممجد في السماء، هو الذي بنفسه يغذى " يقوت ويربى " كل أعضاء جسده مدة وجودهم في هذا العالم. يالها من بركة وياله من ضمان إلهي!

(30) " لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ "

يبين الرسول هنا السبب الذي لأجله يعتنى المسيح بنا فيقوتنا ويربينا. ذلك " لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ " فكما تكونت حواء من آدم كذلك الكنيسة من المسيح. فقد أخذ الرب ضلعا من جنب آدم وعمل منها حواء، حتى قال آدم عنـها "هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ " (تك2 : 21-23) كذلك نحن أيضاً قد صرنا قريبين من المسيح " أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ " يا له من قرب عجيب وآتحاد مبارك! لاسمه المعبود كل الحمد.

على أنه ليس المقصود بقوله هنا " مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ " أن المسيح صار جسدا مثلنا واشترك معنا في لحمنا وعظامنا، بل اننا صرنا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه أي أنه صارت لنا علاقة مع المسيح المقام من الأموات والممجد في السماء، واتحاد به، وليس المقصود علاقته هو بنا كإنسان على الأرض. انه لا يشار هنا إلى ربنا المبارك كمن اشترك معنا في اللحم والدم، مع أن هذا صحيح، ولكننا لا نتعلم هذا هنا في هذه الرسالة بل في الرسالة إلى العبرانيين (ص2). إننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه أي صرنا جزءا منه ومتحدين به الآن وهو الممجد في حضرة الله وليس في صيرورته جسدا هنا على الأرض.

(31) " مِنْ أجل هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ اباهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً "

يقتبس الرسول هنا نفس الكلمات التي كتبها موسى قديما بمناسبة احضار حواء لآدم " لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ اباهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً " (تك2 : 24) وقد اقتبس الرب يسوع، له المجد، هذه الاقوال عينها و وضع عليها ختم مصادقته إذ أضاف اليها قوله " إذا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. َالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إنسان " (مر10 : 7و8) وأي كلام يمكن أن يضاف إلى أقوال الرب هذه؟ لقد تكلم سيد المعلمين فلنحن أمامه الهامات خضوعا وطاعة، فانه أعاد للعلاقة الـزوجية قدسيتها وجمالها كما كانت قبل دخول الخطية إلى العالم " مِنْ أجل هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ اباهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ " فالعلاقة المقدسة بين الرجل وامرأته هي أقرب من أية علاقة أخرى. انها أقرب من العلاقة الكائنة بين الوالدين وأولاًدهم.

(32) " هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نحو الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ "

تجىء كلمة " سر " في هذه الرسالة، ففي الاصحاح الأول يقول الرسول " إذ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مشيئته " (ع9) وفي الاصحاح الثالث يقول " أَنَّهُ بِإعلان عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ.... الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأونَهُ تَقْدِرُونَ أن تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيح ِ....وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هو شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدهور " (ع3و4و9) وهنا يشير إلى سر " عظيم " ولا ريب في أن المقصود بالسر هنا ليس هو العلاقة الزوجية بل الاتحاد المقدس الكائن بين المسيح وكنيسته، وهذا واضح من قوله " وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نحو الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ " على أن العلاقة بين الزوج وزوجته هي بلا شك رباط مقدس قد عمله الله نفسه لان " الَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إنسان " (مر10 : 9).

(33) " أَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلها".

يكرر الروح القدس هنا حث الرجل وامرأته على أن يراعى كل منهما واجبه من نحو الأخر، وذلك لأهمية هذا الأمر الذي عليه تتوقف السعادة العائلية، فعلى الرجل أن يحب امرأته كنفسه، وعلى المرأة أن تهاب رجلها، واننا لنجد مثل هذا الحث في أماكن أخرى في كلمة الله، وذلك لان الله يريد أن يتمجد لا في حياتنا كأفراد فقط بل وفي بيوتنا أيضاً، فالرسول بطرس في رسالته الأولى (ص3) يعظ النساء بأن يكن خاضعات لرجالهن، والرجال بأن يكونوا " ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائى كالأضعف معطين إياهن كرامة كالوارثات أيضاً معكم نعمة الحياة لكى لا تعاق صلواتكم " ما أخطر هذه العبارة الأخيرة! فانه إذا لم يكن البيت المسيحي بحسب الترتيب الإلهي، ولم يراع كل من الزوج والزوجة مسئوليته من نحو الآخر، ولم تكن العلاقة بينهما كما يجب أن تكون، فإن صلواتهما تعاق فلا تصل إلى عرش الله، أما متى كان البيت المسيحي مزينا بالترتيب الإلهي الجميل فإن المذبح العائلى تتصاعد منه الصلوات. التشكرات والتسابيح كبخور عطر يشتمه الله الاب والرب يسوع المسيح. ويا لها من بركة عندما يجثو الزوج وزوجته وأولادهما معا (اذا كان الله قد اعطاهما أولاداً) للسجود والصلاة والترنيم ولدرس كلمة الله معا والتغذى بها. ليت هذه تكون حالة جميع بيوت المؤمنين " طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ... طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ. امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائدتِكَ. 4هَكَذَا يُبَارَكُ الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الرَّبَّ " (مز 128).

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.