تفاسير

المعجزة السابعة: إقامة لعارز – أو المسيح رب الحياة

القسم: إنجيل يوحنا.

اَلأَصْحَاحُ الْحَادِي عَشَرَ

في هذا الأصحاح وفي الأصحاح الذي يليه, يمتد أمامنا بستان منزرع على أكمة مرتفعة, تشبعت ثماره بحرارة الشمس, ونضجت. فما كان منها صالحاً اكتسب صلاحاً فوق صلاح, وما كان منا مريراً, ازداد مرارة على مرارة. في هذا البستان الجليل نرى ثمرة الإيمان وقد نضجت. فأضحت دانية القطاف (11: 15 و 45), وثمرة عدم الإيمان وقد بلغت أشدها من النمو, فأمست "قريبة من اللعنة التي نهايتها للحريق" (11: 46-53).

من كل معجزة عملها المسيح في الماضي, استجمع اليهود "باروداً" ضموه إلى مستودع الذخائر الملتهبة, المختزنة في قلوبهم ضد المسيح. فكانت المعجزة الأخيرة – إقامة لعازر – أشبه الأشياء بشرار نار, ألهبت الذخائر المفرقعة فاندلعت نيران الحقد والغيظ في صدورهم, فنمت عن الحفيظة الكامنة فيهم, وفضحت حقيقة نواياهم (11: 53).

بين هذا الأصحاح وبين سابقه, وقعت الحوادث المدونة في لوقا 11: 1- 17: 10. أما معجزة هذا الأصحاح, وما ترتب عليها من نتائج, فيقع ترتيبها ما بين العدد العاشر والعدد الحادي عشر من لوقا 17.

هذا الأصحاح. لؤلؤة درية في عقد هذه البشارة, فيه امتزج الجلال بالبساطة, واقترن الحنان بالمهابة, وتجلى ناسوت المسيح, جنباً إلى جنب مع لاهوته, فيه نرى دموع المسيح الإنسان, وقدرة المسيح الإله.

أما المعجزة التي تشع بها صفحات هذا الأصحاح, فهي تاج معجزات المسيح, إذا استثينا معجزة قيامته من بين الأموات. بل هي الدرة اليتيمة في تاج المعجزات. لا ينتقض من قيمتها, كون يوحنا البشير قد انفرد بتسجيلها. فهي معجزة المسيح المحب, وقد أجراها في لعازر الحبيب, فكان من الطبيعي أن يختص بذكرها يوحنا الحبيب, الذي كان أقرب التلاميذ إلى قلب المسيح. (يوحنا 13: 23). وفوق ذلك, فإن سائر البشيرين قد اختصوا بالمعجزات التي أجراها المسيح في الجليل, وفقاً لوجهة نظر كل منهم في كتابة بشارته. مع العلم أنه لا هذا البشير ولا ذاك, ولا كلهم مجتمعين معاً, قد دنوا كل معجزات الفادي (مت 11: 5 ويوحنا 21: 25).

هذه معجزة عظيمة في سجلها. لأن البشير كتب فيها بإفاضة لا عهد لنا بها من قبل. وهي عظيمة بعدد الأدلة المؤيدة لصحتها, فالمكان الذي تمت فيه, وزمانها, وظروفها, وملابساتها, والشخصيات البارزة فيها, والأسلوب البسيط الذي كتبت به, والعواطف الطبيعية التي تجلت فيها, واعتراف أعداء المسيح بصحتها, كل هذه شهادات صريحة, متجمعة, صارخة بأن هذه المعجزة حدثت حقاً. وإذا لم تكن هذه المعجزة حقيقية, فليس في كل التاريخ شيء حقيقي. لأن صعوبة إنكارها أعظم بكثير من صعوبة تصديقها. وان القوة اللازمة لتنفيذها, أكبر من القوة اللازمة لتأييدها. وهي عظيمة أيضاً بنتيجتها الخطيرة فهي الخطوة التمهيدية التي خطاها المسيح إلى الصليب! وربما قصد المسيح أن يقيم من هذه المعجزة نبوة لقيامته هو.

إذا ألقينا نظرة عامة على المعجزات السبع التي كتبت في هذه البشارة (2: 1 و 4: 6 و 5: 1 و 6: 5 و 6: 19 و 9: 1 و 11: 1) تبين لنا أن هذه السبع المعجزات, شبيهة بسبع حلقات مكونة لسلسلة واحدة, يلتقي طرفاها معاً, ويتصلان بل يتحدان في نقط عدة. فالمعجزة الأولى, والمعجزة الأخيرة, أجريتا في دائرة الحياة العائلية, وفي بيئة تربطها بالمسيح صلة الصداقة والتفاهم. وكان قصد المسيح في كلتيهما: إظهار مجده (2: 11 و 11: 40). وتقوية إيمان تابعيه (2: 11 و 11: 15). وفي كلتيهما حدث تأجيل موعد اتهامهما عن الوقت الذي ظنه البشر ملائماً (2: 4 و 11: 6). وكلتاهما أنجزت في الوقت الذي رآه المسيح موافقاً (2: 7 و 11: 11). والطلب في كلتيهما أتى إلى المسيح من شخص تربطه به صلة قوية (2: 3 و 11: 3). وكلتاهما ذات صلة بالحياة. فالأولى أنجزت لتغذية بهجة الحياة, وقد نضبت معينها (2: 3). والأخيرة أجريت لإعادة الحياة وقد أنطفأ سراجها (11: 14). وكلتاهما تمت في ظرف كانت فيه العواطف البشرية ثائرة – إما لفرط السرور في عرس (2: 1) أو لعمق الألم في مأتم (11: 33).

هذه معجزة جليلة بدقائق الأمور التي ذكرت فيها, وبالتفصيلات التي حذفت منها. فمن الأمور الدقيقة التي رويت فيها: صلة المسيح بالعائلة المنكوبة (عدد 6), وتأجيله الذهاب إلى بيت عنيا يومين, (عدد 6), وتعيين موقع بيت عنيا بالضبط (عدد 18), ووجود اليهود (عدد 19), والرسالة الخفية (عدد 28). واللقب العام الذي يلقب به المسيح (عدد 28). وتمهل المسيح (عدد 30), وخروج اليهود مع مريم (عدد 30), ومشاركتهم إياها في البكاء (عدد 33), وسجود مريم (عدد 32), والإفاضة في وصف شعور المسيح الإنساني (عدد 33 و 35 و 38), ومنظر لعازر خارجاً تواً من القبر (عدد 44). كل هذه أدلة صريحة, على أن الكاتب شاهد عيان.

ومن الأمور التي تحاشى الكاتب ذكرها لحكمة جليلة: عودة الرسول (عدد 4). والرسالة التي بعث بها المسيح إلى مريم (عدد 28), والترحيب بالحبيب المقلم من الأموات (عدد 44), مما يدل على أن يداً رفيعة كانت تسوق قلم الكاتب فحفظته من الاختصار المخل والإسراف الممل.

في هذه المعجزة, تجتمع الثلاثة العناصر المكونة للحياة الفضلى: "المحبة" "والنور", "والحياة". فكأنها أبراج ثلاثة تقسم منطقة هذه المعجزة إلى ثلاثة حقول: المحبة (11: 1-6), النور (7: 16). الحياة (17: 46).

ويجوز أن ننظر إلى هذا الأصحاح, فنراه مصطبغاً كله بصبغة واحدة – هي صبغة المحبة ذات السبعة الألوان: (1) انتظارات المحبة (11: 1-3). (2) تأجيلات المحبة (11: 4-7). (3) إطمئنان المحبة (11: 8-10). (4) تعب المحبة (11: 11-16). (5) عواطف المحبة (11: 17-37). (6) إنتصارات المحبة (11: 38-44). (7) ضحية المحبة (11: 45-57).

وفي درسنا هذا الأصحاح, نلاحظ أن النقطة المركزية فيه, هي هذه المعجزة. وأنه على هذا الاعتبار يقسم نفسه إلى خمسة أقسام رئيسية: أولاً – ديباجة المعجزة (11: 1-16). ثانياً – المشهد في بيت عنيا (11: 17-37).

1وَكَانَ إِنْسَانٌ مَرِيضاً وَهُوَ لِعَازَرُ مِنْ

ثالثاً – قلب المعجزة (11: 38-44). رابعاً – الأثر الذي تركته المعجزة (11: 45-53). خامساً – خاتمة تاريخية (11: 54-57).

أولاً: ديباجة المعجزة (11: 1-16). وهي تتضمن: (أ) توطئة (11: 1 و 2). (ب) رسالة الأختين (11: 3). (جـ) المسيح يؤجل إجابة رسالتهما إلى حين (11: 4-6). (د) المسيح يجيب رسالتهما في وقته الخاص (11: 7-16).

عدد 1. (أ) توطئة (11: 1 و 2). القصد من هذه التوطئة وصف الظروف الخارجية والداخلية التي اكتنفت المعجزة. في العدد الأول, نجد وصفاً مثلثاً للإنسان الذي أجريت فيه المعجزة. وفي العدد الثاني نرى الصلة التي كانت تربط عائلة هذا الإنسان بالمسيح. في عدد 1 يصف البشير هذا الإنسان في: (1) حالته: "مريضاً". مع أن المريض في حد ذاته من البلايا التي تحيق بالإنسان, لكنه متى تقدس بيد الله, أضحى مصدر بركات عدة. (2) اسمه: "لعازر". هذا السم, مقتضب من الاسم "اليعازار" ومعناه: "الهي يسند ويعضد". وهو غير لعازر الذي ورد اسمه في لوقا 16: 20. (3) بلده: "من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا". وتكررت كلمة: "من", مرتين في هذه الجملة, لتفيد أن العبارة الثانية: "من قرية مريم ومرثا" توضيحية للأولى: "من بيت عنيا". أي أن "بيت عنيا" هي بعينها قرية مريم ومرثا أختها. ويقول جودي وآخرون من المفسرين: إن "من" الأولى تصف مسكن لعازر, الذي كان يعيش فيه, و "من" الثانية, تعين موطنة الذي إليه

بَيْتِ عَنْيَا مِنْ قَرْيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْثَا أُخْتِهَا.

ينتسب. أي أنه من بيت عنيا وطناً وسكناً (عدد 18). "بيت عنيا" – ومعناها بيت البؤس أو النحس, وقد صارت في هذه المعجزة بيت الظفر والفرح – هي قرية, إلى الجنوب الشرقي من جبل الزيتون, على بعد ميلين تقريباً من مدينة أورشليم, وتدعى الآن: "ألعازرية" – نسبة إلى لعازر – وهي قرية صغيرة مبنية على لأكمة صخرية عسرة المسالك. وقد شهدت هذه القرية الصغيرة حوادث جساماً في حياة الفادي سيما في أيامه الأخيرة (مت 21: 17 و 26: 6 ومر 11: 11 و 12 و 14 ويو 12: 1). ويزعم بعضهم أن بقايا بيت لعازر لا تزال موجودة إلى يومنا الحاضر, وأما قبره فمنحوت في الصخر وله مدخل,علوه ثلاثة أقدام ونصف, وعرضه قدمان, وفيه سبع وعشرون درجة, تنتهي إلى غرفة مساحتها تسعة أقدام مربعة, وداخلها أربعة نواويس. "مريم ومرثا": ذكر البشير هاتين الأختين, من غير مقدمة ولا تمهيد, اعتقادا منه, أنهما كانتا معروفتين لدى قارئتي بشارته, مما كتبه عنهما لوقا البشير (لوقا 10: 34-42). وجدير بالذكر, أن التصرفات المنسوبة إلى كل من هاتين الأختين, تتفق تماماً وما نعلمه عن طبع كل منهما في بشارة لوقا. والظاهر أن مرثا كانت أكبر من أختها سناً. وأكثر منها نشاطاً. وأن مريم كانت أقوى من أختها شخصية, وأكثر منها ورعاً ورزانة, وأوسع شهرة. وقد ذكر اسم "مريم", مقدماً على اسم "مرثا" في هذا العدد, تمهيداً لذكر العمل الممتاز الذي قامت به دون أختها (عدد 2).

2وَكَانَتْ مَرْيَمُ الَّتِي كَانَ لِعَازَرُ أَخُوهَا مَرِيضاً هِيَ الَّتِي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِطِيبٍ وَمَسَحَتْ رِجْلَيْهِ بِشَعْرِهَا. 3فَأَرْسَلَتِ الأُخْتَانِ إِلَيْهِ قَائِلَتَيْنِ:

عدد 2. الخدمة الممتازة التي اشتهرت بها هذه العائلة: "وكانت مريم.." يفترض البشير في هذا العدد أن الخدمة التكريسية التي قامت بها مريم للمسيح كانت معروفة لدى جمهور قارئيه, مع أنه لم يكن قد حدثتهم عنها بعد (12: 3 و 4), لأن خبرها كان قد ذاع, وشاع, وملأ الأسماع. "وكانت مريم... هي التي.." – هذه جملة تفسيرية, كتبها يوحنا كعادته, تميزاً لشخصية مريم. لأن هذا العمل الجليل لازم اسمها في أدوار التاريخ. فهي غير مريم زوجة كلوبا, وغير مريم المجدلية. "دهنت الرب بطيب" – في الغالب دهن الرب بطيب ثلاثة مرات[1]. المرة الأولى: في بيت سمعان الفريسي, في الجليل, في بدء خدمة المسيح (لوقا 7: 37 و 38). والثانية: في بيت لعازر ومريم ومرثا, قبل الصلب بستة أيام (يوحنا 12: 3 و 4). والثالثة: في بيت عنيا أيضاً, في منزل سمعان الأبرص, قبل الصلب بيمين (مر 11: 11-14).

عدد 3. رسالة الأختين إلى المسيح: "فأرسلت الأختان إليه قائلين

«يَا سَيِّدُ هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ».

يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض": هذه الرسالة البليغة الموجزة, هي المثل الأعلى للصلاة الحقيقية في مثل هذا الظرف, فهي تنم عن (1) رجاء وطيد – هذا واضح من حرف "الفاء" الذي به يبتدىء العدد, وأيضاً من قولها: "هو ذا الذي تحبه". (2) احترام شديد: "يا سيد". فمع أنه كان معروفاً بـ "المعلم", إلا أنه قدرته كصانع معجزات جعلتهما يوجهان إليه الخطاب بقولهما: "يا سيد". (3) خبر خطير: "هو ذا الذي تحبه مريض" هذا كل ما تضمنته رسالتهما – مجرد التبليغ عن مرض أخيهما (2 مل 19: 14). (4) اطمئنان أكيد – هذا ظاهر من صمتها, قلم تزيدا على خبر مرض أخيهما كلمة, بل تركنا الأمر للمسي.

وهكذا فلتكن الصلاة مصحوبة بتسليم تام. يا ترى ه كانت الأختان عالمتين بالخطر الذي كان رابضاًً للمسيح في أورشليم؟ (5) حجة بليغة: "هو ذا الذي تحبه" – هذه أبلغ حجة يتقدم بها المصلي. وخليق بنا أن نذكر أن حب المسيح لنا. لا يمنع عنا الأمراض والبلايا, التي هي ميراث طبيعي مشترك لجميع بني البشر. ولا تمنع عن عيوننا سح الدموع.

إن الكلمة التي عبرت بها الأختان عن حب المسيح لأخيهما في عدد 3, هي غير الكلمة التي عبر بها يوحنا عن هذه المحبة عينها في عدد 5. فالكلمة التي استعملتها الأختان تشير إلى الشعور الشخصي الناشىء عن العاطفة الطبيعية. والكلمة التي استعملها يوحنا البشير, تصف شعور الناتج عن المعرفة الاختبارية. الكلمة الأولى تصف محبة هي وليد العاطفة, والكلمة الثانية تصف محبة هي

4فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ: «هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ

وليدة حكم العقل والإرادة. الكلمة الأولى تفيض بروح الحنان, والكلمة الثانية مشبعة بروح السمو والرفعة.

جميل أنهما لم تتوسلا إلى المسيح بمحبة أخيهما له, بل بمحبته هو لأخيهما.

(ج) المسيح يؤجل إجابة رسالتهما إلى حين (11: 4 - 6). تتضمن هذه الأعداد: (1) إعلاناً جليلا فاه المسيح عن غاية هذا المرض (عدد 4). (2) عبارة تفسيرية من قلم البشير (عدد 5), (3) تأجيلا مقصوداً (عدد 6).

عدد 4. (1) إعلاناً جليلا, فاه به المسيح عن غاية هذا المرض: "فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت". إن في هذا الإعلان الجليل, إجابة ضمنية لرسالة الأختين, وتهدئة لروعهما وسط عاصفة المرض, وتحريضاً لهما على أن تتسلحا برجاء حي, توقعاً لعمل جليل آت, سيما وأن الرسالة بلغت المسيح في وقت كان فيه المريض قد مات ودفن[2] (عدد 17 و 39). هذه بينة واضحة على ثقة المسيح بنفسه, فهو يعلم ما سيأتيه من أعمال في المستقبل, علمه بما يعمله في الحاضر, وبما أتاه في الماضي. ولا يفوتنا أن نذكر الدرس الذي تلقاه التلاميذ من هذا الإعلان, لأن المسيح فاه به على مسمع منهم.

إن لهذا الإعلان الجليل جانبين – الجانب الأول سلبي: "هذا المرض ليس للموت" – أي إن النصرة النهائية في هذا المرض, ليست للموت بل للحياة, وفعلا قد كسبت الحياة هذه المعركة الفاصلة بقيامة لعازر من

بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللَّهِ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللَّهِ بِهِ». 5وَكَانَ يَسُوعُ

الأموات. ومن الجائز أن تطلق هذه العبارة, من قبيل التطبيق, على مرض كل قديس – وإن مات بسببه – لأن الموت, وإن انتصر في أمراض القديسيين, فإلى حين. الجانب الثاني الإيجابي: "بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به" (9: 3). يراد بـ "مجد الله", جلالة الذي يتألق وينشر في قلوب البشر, نتيجة ظهور كمال قداسته, وجلال رحمته, واقتدار قوته, في انتصار الحياة على الموت. فكأن هذا المرض لوحة سوداء تظهر عليها الكتابة البيضاء. أو كظلام الليل الدامس, يتجلى على صفحته, جلال النجوم وجمالها. كلمة: "لأجل" كما وردت في الأصل, تفيد أن مرض لعازر, كان أداة إظهار مجد الله. أما الغاية النهائية التي قصدها الله, بهذا المرض, وبالموت الذي عقبه, وبالقيامة التي توجهما فهي: "ليتمجد ابن الله به". وربما خير تفسير لهاتين العبارتين: "لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به", هو كلام المسيح, الوارد في عددي 40 و 42.

إن في قوله: "ليتمجد ابن الله به" إشارة صريحة إلى المجد الذي يعود على المسيح, لا من إقامته لعازر, وكفى, بل من آلامه, وصليبه, وقيامته, التي كانت نتيجة لازمة لقيامة لعازر, التي أيقظت الحسد, والحقد, والضغينة, الكامنة في قلوب اليهود (قابل هذا بما جاء في 12: 23 و 13: 31). إن تمجيد الله يقوم بتمجيد المسيح, وإن تمجيد المسيح يقوم بالإيمان به, وإن الإيمان بالمسيح يقوم بتوجيه القلب إلى آلامه, وصليبه, وقيامته.

عدد 5 – جملة تفسيرية: "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر". ذكر

يُحِبُّ مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ. 6فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ

البشير هذه الكلمات, تمهيداً وتعليلا لما سيوضحه في عدد 6 – أي أن تأجيل المسيح إجابة طلب الأختين, لم يكن ناشئاً عن فتور, ولا عن عدم اكتراث, بل عن المحبة الصادقة. ويعتقد جودي, أن ما جاء في هذا العدد (عدد 5), يعد تعليلا لتصرف المسيح الموصوف في عدد 6, لا ذاك الموصوف في عدد 7. أي أن محبة المسيح لهذه العائلة, حملته على أن يلبي نداء الأختين, فيخاطر بحياته ويذهب إلى اليهودية (عدد 7), مع أنه أجل إجابة طلبهما إلى حين. والظاهر من حروف "الفاء" الذي به يستهل العدد السادس, أن الرأي الأول, اقرب إلى روح الحادثة, ولو أن شقة الخلاف بين الرأيين ليست متسعة.

إن الكلمة التي يستعملها البشير لوصف محبة المسيح للعائلة, تختلف – في الأصل – عن الكلمة التي استعملتها الأختان (عدد 3). (راجع شرح عدد 3).

في هذا العدد قدم البشير اسم مرثا على اسم مريم, لأن الأولى كانت أكبر سناً من أختها على ما يظهر, ولأن السبب الذي لأجله قدم اسم مريم على اسم مرثا في عدد 1, هو عمل مريم الممتاز المذكور في عدد 2.

عدد 6. تأجيلاً مقصوداً: "فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ... يومين". لم يكن هذا التأجيل ناشئاً عن عدم مبالاة المسيح بمرض لعازر, ولا صدر عنه عفواً, بل جاء تنفيذاً لقصد معين, تنبئنا عنه كلمة: "حينئذ". ويعتقد بعض المفسرين أن المسيح أجل ذهابه إلى بيت عنيا انتظارا لمعجزة

مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ

أعظم. فلو ذهب تواً إلى بيت عنيا لشفي مريضاً, لكنه أرجأ سفره حتى يموت المريض, يذهب ليقيم ميتاً. إلا أن هذا الرأي – على رغم ما فيه جمال – لا يستند إلى أساس متين, لأن لعازر كان قد مات حين جاء الرسول إلى المسيح. إذ بين أريحاً وعبر الأردن – حيث كان المسيح (في بيت عنيا الثانية) – يقطعهما المسافر في ساعتين. إذا أضفنا إليه اليومين اللذين مكثهما المسيح في بيرية. بعد أن قابله حامل الرسالة (عدد 6), ويوماً آخر قضاه المسيح في السفر من بيرية إلى بيت عنيا, اتضح لنا أن ما حدث مذ أن خرج رسول الأختين من عند المريض حتى وصل المسيح إلى قبر الميت, يستغرق أربعة أيام – وهي المدة التي كان لعازر قد قضاها في القبر حين جاء المسيح (عدد 17 و 39). فيكون لعازر قد مات قبيل خروج الرسول من بيت عنيا, ودفن[3] فبل بلوغ الرسالة إلى المسيح. ويعتقد آخرون, أن المسيح بقى يومين في بيرية, لكي يتمم عمله في تلك الجهة, سيما لأنه سيتركها في هذه المرة نهائياً متجهاً إلى الصليب. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن كلمة "حينئذ" إنما ذكرت لمجرد سرد حقائق تاريخية. على أن قصد المسيح بهذا التأجيل. يتبين لنا من مقابلة ما جاء في 2: 3 – 5 و 7: 3 – 10 بما جاء في هذه الحادثة التي نحن بصددها. فالطلب

الَّذِي كَانَ فِيهِ

في كل من هذه الثلاث الحوادث, قدم للمسيح من أشخاص تربطهم به صلة خاصة. وفي كل من الثلاث الحوادث استخدمت العاطفة الطبيعية – سواء أكانت عاطفة الأمومة (2: 3), أم عاطفة الأخوة (7: 3 و6), أم عاطفة الصداقة (11: 5), لحمل المسيح على أن يأتي أمراً قبل وقته الذي عينه الآب. وفي كل من هذه الثلاث الحوادث رفض المسيح الطلب – إلى حين – حتى تدق الساعة التي جعلها الآب في سلطانه (2: 8 و 7: 10 و 11: 7), لأن وإن كان المسيح يحترم كل صلة طبيعية, إلا أن صلة قوية, روحية, باطنية, كانت تربطه بمن هو أعظم من الكل – الآب, لذلك قد صم أذنيه عن أصوات الصلات الطبيعية, لأن صوت هذه الصلة الروحية كان أعلى. وفي اعتقادنا أن انتظار المسيح يومين, بعد أن أخبره الرسول بمرض حبيبه لعازر, وبعد أن علم هو من ذاته بموت هذا الحبيب, يستلزم قوة أكبر من القوة اللازمة للذهاب عاجلا إلى بيت عنيا. لأن من يقوى على مثل هذا الانتظار, لا بد وأن يكون واثقاً من نفسه, مطمئناً إلى سلطانه المطلق على الحياة والموت, مسلماً تمام التسليم لإرادة الآب – مما يدل على أنه إله تام وإنسان تام. هذه إحدى المرات التي يرى فيها المسيح كأنه نائم على وسادة في سفينة الحياة, وتلاميذه واقعون فريسة لعواصف الفزع, والقلق!.

قد رسم الآب في برنامجه الأزلي, أن لا يذهب المسيح إلى بيت عنيا, إلا بعد أن يكون الميت قد أنتن ليقطع السبل على الذين ادعوا فيما بعد, إن

يَوْمَيْنِ. 7ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لِتلاَمِيذِهِ: «لِنَذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَيْضاً».

لعازر لم يكن ميتاً, بل كان مغشياً عليه؟! لذلك كان خليقاً بهذه المعجزة أن تكون خاتمة معجزات المسيح, لأن حجتها أقوى من الحجة الناطقة بها معجزتا إقامة ابنة يايرس كانت ميتة ولم تكفن بعد, وابن أرملة نايين كان مكفناً, ولم يكن قد دفن بعد, وأما لعازر فكان قد مات, وكفن, ودفن, وانتن. لذلك حاول اليهود أن يقتلوه ليهدموا الحجة التي أقامتها قيامته, ولما عجزوا عن قتل المقام, صلبوا من أقامه. وما كانوا يستطيعون ذلك, لولا أنه هو أراد (10: 18).

عدد 7. (د) المسيح يجيب رسالة الأختين في وقته الخاص (11: 7 - 16). تتضمن هذه الأعداد حواراً طريفاً بين المسيح وتلاميذه, ما أشبه بكنانة ذات سبعة سهام:

(1) السهم الأول – عزيمة المسيح – أو إقرار المحبة المتجسدة: "ثم بعد ذلك" – أي بعد انتظاره يومين في بيريه, حتى جاءت ساعته – "قال لتلاميذه: لنذهب إلى اليهودية" – ولم يقل لهم لنذهب إلى بيت عنيا, لكي ينبه أذهانهم للخطر الذي ينتظره وإياهم, فتثور في نفوسهم عاصفة الخوف, من ثم تتهيأ له الفرصة لتهدئة هذه العاصفة. "أيضاً" – أي مرة أخرى, علاوة على تلك التي حاول فيها اليهود أن يرجموه, إن المحبة الحقيقية تطرح الخوف إلى خارج. والظاهر أن المسيح كان يقصد أيضاً أن يضع أمام التلاميذ مقابلة صريحة بين إيمان "بيرية", وعدم إيمان "اليهودية".

8قَالَ لَهُ التّلاَمِيذُ: «يَا مُعَلِّمُ الآنَ كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَرْجُمُوكَ وَتَذْهَبُ أَيْضاً إِلَى هُنَاكَ». 9أَجَابَ يَسُوعُ: «أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي النَّهَارِ لاَ يَعْثُرُ لأَنَّهُ يَنْظُرُ نُورَ هَذَا الْعَالَمِ

عدد 8. (2) السهم الثاني: احتجاج التلاميذ على عزيمة المسيح – أو الجهل يقيم العقبات في سبيل المحبة: "قال له التلاميذ" – حالما سمعوا منه كلمة: "اليهودية", ثارت في نفوسهم عوامل الاحتجاج, فقالوا له: "الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك". ولشدة فزع التلاميذ من هول تلك الحادثة (10: 31), ظلت ماثلة أمام أذهانهم, فقالوا: "الآن".

عدد 9 و 10. (3) السهم الثالث: مبدأ جليل عن الولاء للواجب – أو ولاء المحبة المتجسدة: "أجاب يسوع أليست ساعات النهار إثنتي عشرة.. " يذكرنا قول المسيح هنا, بقوله السابق في 9: 4 و 5. فكلاهما مكمل للآخر, بل هما تعبيران لحقيقة واحدة, وما نراه بينهما من فارق, إنما نشأ عن الوقت الذي فيه قيل كل منهما. فأولهما (9: 4 و 5) فاه به المسيح, والشمس مائلة إلى خدرها في الغروب, وثانيهما نطق به والشمس خارجة من حجلتها عند الشروق. إن رسالة المسيح في كلامه الأول هي: أن ساعات النهار محدودة وثمينة, فليس للمرء أن يضيع منها شيئاً بتهاونه في واجبه. أما رسالته في كلامه الثاني فهي: أن ساعات النهار كافية لإتمام الرسالة التي وضعها الله عليه, فليس له أن يستزيدها بمحاولته الفرار من الواجب خوفاً من المخاطر. لأن كل إنسان خالد حتى يتمم رسالته, إما إذا فر من طريق

10وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي اللَّيْلِ يَعْثُرُ لأَنَّ النُّورَ لَيْسَ فِيهِ».

الواجب, طمعاً منه في إطالة حياته, عن الحد الذي رسمه الله لها, فقد حرم نفسه من نور رضى الله, وعرض حياته للخطر المحقق.

قد يحمل كلام المسيح في هذين العددين, على معنيين – المعنى الأول: حرفي, مادي – على اعتبار أنه كان يكلم تلاميذه عن ذهابهم وإياه إلى بيت عنيا, فإن ساعات النهار الإثنتي عشرة كافية ليقطعوا فيها الطريق من بيريه إلى بيت عينا – هذا إذا شرعوا في المسير من غير توان ولا تردد. أما إذا قدموا رجلا وأخروا أخرى, خوفاً من شبح الموت الذي تخيلوه ماثلا أمامهم في اليهودية – ففي ترددهم خطر محقق. لأن شمس النهار لا بد أن تغيب عليهم وهم في الطريق, فتدركهم ظلمة الليل, عندئذاك يتعثرون في مسيرهم. والمعنى الثاني روحي مجازي, كما أجملنا آنفاً. فيكون "النهار" رمزاً للحياة – في مدتها وفي رسالتها. و "السير في النهار" يشار به إلى السلوك في نور إرادة الله. و "المشي في الليل" يكنى به عن خروج المرء عن دائرة نور الله. إن تعثر الإنسان يبتدئ ببدء الساعة الثالثة عشرة – أي في اللحظة التي يحاول فيها أن يطيل عمره بهروبه من المخاطر التي يتمثلها أمامه. لأن حياة المرء ليست من المصادفات. وإنما هي رسالة من الله. وأن موتاً نلقاه في سبيل إرادة الله, هو خير حياة. وأن حياة نتلمسها في الفرار من طريق إرادة الله, هي شر من الموت. لأن الحقيقة هي التمتع برضى الله. فالحياة لا تقاس, بل توزن. وليس الخطر في ما يراه الإنسان خطراً, ولا الأمن

11قَالَ هَذَا وَبَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: «لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ.

في ما يتصوره الفتى أمناً, بل الخطر كل الخطر في الحيدان عن إرادة الله, والأمن كل الأمن في إتمام إرادته ولو كانت هذه الإرادة صليباً لنا.

صرح المسيح بهذا المبدأ الجليل, أمام تلاميذه, لينفخ فيهم روح الإقدام والشجاعة في هذا الظرف الخاص الذي كانوا فيه, ولكي يحصنهم بمناعة روحية كافية لمغالبة المخاوف التي كانت تنتظرهم في خدمتهم المقبلة, ولكي يبعث فينا, نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور, نصيباً من روحه في الولاء لإرادة الآب, والشجاعة في القيام بالواجب.

عدد 11.

السهم الرابع. المسيح يخصص هذا المبدأ لنفسه في هذه الحادثة – أو أقدام المحبة: "قال هذا" – كمبدأ عام – "وبعد ذلك" – خصص هذا المبدأ لنفسه في هذه الحادثة و "قال لهم" – بروح النبوة – "لعازر حبيبنا قد نام". هذه النبوة تكشف لنا عن ثلاث حقائق مهمة – (1) أن المسيح خلع على الموت اسما جديداً, فدعاه: "نوماً" – ومن أوجه الشبه بينهما: (1) أن الإنسان ينام ليستريح. كذلك من يموت في الإيمان, يستريح من أتعاب الحياة, وأعماله تتبعه. (ب) أن من ينام لا يزال متمتعاً بالحياة كذلك المؤمنون لا يموتون, بل ينقلون إلى عالم الأحياء. (ج) أن الإنسان ينام على أن يقوم مجدد القوى, وكذلك المؤمن, يموت على رجاء القيامة المجيدة. (د) أن نوم الإنسان لا يزعج أهله بل يبعث في قلوبهم اطمئنانا عليه. (2) أن لعازر بانتقاله إلى العالم الآخر لم يخرج عن

لَكِنِّي أَذْهَبُ لِأُوقِظَهُ». 12فَقَالَ تلاَمِيذُهُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ فَهُوَ يُشْفَى».

دائرة نفوذ محبة المسيح, لأن المحبة أقوى من الموت. (3) أن المسيح أدخل تلاميذه معه في هذه الصلة التي بينه وبين لعازر فقال "حبيبنا". يا ليت المسيحيين يشطبون من قاموسهم كلمة: "فقيدنا" و "راحلنا" و "سندنا" وما إليها, ويستعيضونهما بكلمة "حبيبنا".

"لكني أذهب لأوقظه" – هذه لغة الواثق من اقتداره على الموت. يقول البشير من فرط تخوفهم "الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضاً إلى هناك"؟ ويقول الإله المتجسد, في ثقة ويقين: "ولكني أذهب لأوقظه" هنا نرى "المحبة" المتجسد, مقتدراً على الموت, وطارحاً الخوف إلى الخارج.

عدد 12. السهم الخامس – عجز التلاميذ عن البلوغ إلى عمق كلمات المسيح – أو أعماق المحبة "يا سيد إن كان قد نام". لم يفهم التلاميذ عن هذا النوم "الجديد", أكثر مما فهم نيقوديموس عن الولادة الجديدة. أو المرأة السامرية عن ماء الحياة الأبدية. فالمؤمن يجد نفسه كل يوم أمام اكتشافات جديدة. ولعل عجزهم هذا نشأ عن سوء فهمهم كلام المسيح في عدد 4. فربما ظنوا خطأ, أن المسيح كلمهم عن "النوم" الذي ينامه المريض عند بدء اتجاهه إلى الصحة – "نوم العافية"! لذلك قالوا: "إن كان قد نام فهو يشفى". فلم يبقى إذا ما يدعو إلى هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر, سيما وأن خدمة سيدهم قد صادفت نجاحاً في بيرية, حيث كانوا موجودين وقتئذ.

13وَكَانَ يَسُوعُ يَقُولُ عَنْ مَوْتِهِ وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ رُقَادِ النَّوْمِ. 14فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ حِينَئِذٍ علاَنِيَةً: «لِعَازَرُ مَاتَ. 15وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ لِتُؤْمِنُوا.

فلماذا يتركون نجاحاً قد ذاقوا حلاوته, ويطوحون بأنفسهم في إقليم منزرعة أرضه بالأشواك المريرة؟!

الكلمة المترجمة: "يشفي", يجوز أن تترجم حرفياً: "يخلص". فالشفاء هو خلاص الجسد, كما أن الخلاص هو شفاء الروح.

عدد 13. جملة تفسيرية: "وكان يسوع يقول عن موته" – هذا توضيح لقصد المسيح – "وهم ظنوه أنه يقوا عن رقاد النوم" – هذا مبلغ ظن التلاميذ.

عدد 14 و 15. (6) السهم السادس – المسيح يصارح التلاميذ بموت لعازر – أو يقظة المحبة. في هذين العددين أعلن المسيح لتلاميذه ثلاثة أمور – (أ) صارحهم بموت لعازر باللغة التي يفهمونها, من غير تحفظ, ومن غير التجاء إلى استعارات ومجازات: "علانية" (عدد 14). (ب) شعوره نحو هذا الحادث التاريخي: "وأنا فرح" – عجيب أن نرى المسيح يفرح في نفس اللحظة التي ينبئ فيها تلاميذه بموت لعازر. غير أنه لم يفرح لقيامة لعازر في حد ذاتها, بل فرح بالأمر الذي نتجت عنه قيامة لعازر – أي غياب المسيح عن بيت عنيا وقت مرض لعازر. فلو كان هناك لشفى مريضاً, لكنه بغيابه أقام ميتاً. وفرح أيضاً بالخير الروحي الذي أثمرته للتلاميذ قيامة لعازر: "لتؤمنوا". فمع أن التلاميذ كانوا مؤمنين بالمسيح فبل قيامة لعازر, إلا أن

وَلَكِنْ لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ». 16فَقَالَ تُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ لِلتّلاَمِيذِ رُفَقَائِهِ: «لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ».

هذه درجة أرقى في الإيمان. هذا هو إيمان التدرج والنمو. إن العين الجسدية تحصر نظراتها في الواقع فتكتئب وتتجسر, لكن العين الإلهية تنظر إلى الواقع, فتراه حلقة في سلسلة العناية الذهبية, فتفرح بالحلقات السابقة, وتبتهج بالحلقات اللاحقة. كان موت لعازر حادثة وقتية في سجل الزمن. لأنه قام من ذلك الموت. وكذلك كانت قيامته, لأنه مات بعد تلك القيامة. لكن الخير الروحي الذي أنتجته القيامة, قد طبع بطابع الخلود. هذه هي الحلقة الخالدة في سلسلة العناية الإلهية. (جـ) ما ينوي أن يقوم به تجاه هذا الحادث الجلل: "ولكن لنذهب إليه". هذا آخر سهم من النور, صوبه المسيح إلى قلوب تلاميذه فطرد منها ظلمة الخوف. يستفاد من كلمة: "ولكن", إن المسيح لم يرغب في أن يفسح أمامهم مجالاً للاستسلام للحزن, ولا للتساؤل عن سبب الفرح. لأنه حينما تدق ساعة العمل, لا يبقى مجال للكلام. والظاهر أن التلاميذ أذعنوا للمسيح, ولو أنهم لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى عمق قلبه وأفكاره, كما يبدو في كلام توما.

عدد 16. السهم السابع – المحبة الساذجة التي أظهرها توما – أو المحبة في الظلام: "فقال توما – لنذهب نحن أيضاً لكي نموت معه" – هذه محبة قوية, لكنها ليست حسب المعرفة. فهي تدل على عزيمة قوية, وفهم ضعيف. هذا برهان على أن توما كان يحب شخص المسيح, ولكنه لم يكن

17فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ وَجَدَ أَنَّهُ

قد أخذ من روحه بعد. إن شخصية توما, الظاهرة في هذه الكلمات, هي في شخصيته التي تنم عنها كلماته في ص 14: 5 و 20: 25. ففي هذه الثلاثة مواضع, نرى شخصية مطبوعة على الصراحة والعزيمة – كدت أقول العناد – وعدم تضحية المنظور. الكلمة: "توما" مشتقة من أصل آرامي, ومعناها: "التوأم" – هذا هو اللقب المعروف به – غالباً – في نواحي آسيا الصغرى, التي عاش فيها يوحنا البشير. وإذا كان توما "توأماً" في ميلاده الجسدي,فهو في الغالب توأم أيضاً في روحه. ففي شخصه التقى الإيمان بعدم الإيمان, والمحبة بالسذاجة. فكأننا نرى فيه يعقوب وعيسو, يصارع أحدهما الآخر. وإننا نحمد الله لأن النصرة في النهاية للمحبة والإيمان: "ربي وإلهي".

لا يغرب عن بالنا أن توما هذا قد أظهر استعداداً لأن يموت عن المسيح الذي عرض حياته للخطر لأجله ولأجل التلاميذ رفاقه. هذه شهادة لتوما بأنه قدر تضحية سيده, بل هي شهادة لسيد توما بأنه أمير المضحين.

ثانياً: المشهد في بيت عينا (11: 17 - 37).

يقع هذا المشهد في ثلاث مناظر: (1) وصف تاريخي لحقيقة الموقف في بيت عنيا (11: 17 - 19). (2) مرثا تلاقي المسيح (11: 21 - 27). (3) المسيح يلتقي بمريم (11: 18 - 37).

عدد 17. (1) وصف تاريخي لحقيقة الموقف في بيت عنيا (11: 17 - 19). "فلما أتى يسوع وجد.. ". بين عددي 16 و 17 انقضت

قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْرِ. 18وَكَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً. 19وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ

سحابة يوم كامل في السفر من بيرية إلى بيت عنيا. كلمة "وجد" تصف الغرض الرئيسي الذي لأجله جاء المسيح إلى بيت عنيا. (أنظر 1: 43؛ 2: 14؛ 5: 13؛ 9: 35). "قد صار له أربعة أيام في القبر" – (أطلب شرح عدد 6).

عدد 18 و 19. سهولة مجيء يهود كثيرين من أورشليم إلى بيت عنيا. "وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم نحو خمس عشرة غلوة". كانت الغلوة مقياساً يونانياً, نحو 145 خطوة, أو ثمن ميل. وتسمى أيضاً فرسخاً. فالمسافة التي بين بيت عنيا وأورشليم, تقل عن ميلين, مما يدل على أن المكانين كانا قريبين من بعضهما. فكان هيناً على كثيرين من اليهود أن يجيئوا من أورشليم إلى مريم ومرثا, ليعزوهما عن أخيهما. هذه حلقة محكمة في تدبير العناية الإلهية, لأن وجود كثيرين من اليهود في بيت عنيا, أعطاهم فرصة ليضعوا إيمانهم في المحك النهائي, فيخرجوا من هذه المعجزة إما مؤمنين أو جاحدين. والظاهر أن كلمة "يهود" استعملت هنا كما في سائر المواضع في هذه البشارة, لتصف جماعة خاصة اصطبغت بعدم إيمانهم بالمسيح. (راجع المقدمة العامة). على أن وجود كثيرين من اليهود في مأتم لعازر, يدل على ما كان لهذه العائلة من مكانه في نظر اليهود.

مراراً نسمع عن ولائم استحالت مأتم. وقلما نسمع عن مأتم استحال وليمة (2) مرثا تلاقي المسيح – أو مجاهدة الإيمان (11: 20 - 27)

جَاءُوا إِلَى مَرْثَا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُمَا عَنْ أَخِيهِمَا.

هذا الفصل غني بالحقائق السامية, فيه نجد درساً تحليلياً لإيمان مرثا. والأدوار التي اجتازها حتى بلغ ذراه, والعوامل التي عملت على تطوره:

(1) إيمان مرثا قبل مع المسيح (11: 21 و 22): كانت مرثا مؤمنة بـ:

(أ) أن المسيح شخص ممتاز: "يا سيد" (عدد 21). (ب) أن المسيح يقدر أن يشفي المريض – على شرط أن يكون حاضراً عند المريض: "لو كنت ههنا لم يمت أخي" (عدد 21). (جـ) أن في إمكان المسيح أن يقيم الميت – على شرط تأتيه القيامة هبة من الله, استجابة لصلاته: "كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (عدد 22). إذا كانت مرثا تعتقد أن قدرة المسيح محدودة – بالمكان, والزمان, وبإرادة الله في استجابة الصلاة.

(2) إيمان مرثا أثناء حديث المسيح معها (عدد 24). كانت مرثا مؤمنة بالقيامة – ولكن في اليوم الأخير: "أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير" (عدد 24). إذا كان إيمانهم بالقيامة محدودا بالزمن.

(3) الوسائل التي بها عالج المسيح إيمان مرثا (11: 20 - 26). (أ) غياب المسيح عن بيت عنيا أثناء مرض لعازر (عدد 20). (ب) تباطؤ المسيح عن الحضور في الوقت الذي كانت تستحسنه مرثا (عدد 21). (حـ) حضور المسيح في الوقت الذي استحسنه هو (عدد 21). (د) الوعد الغير المعين الذي قدمه لها (عدد 23). (هـ) الإعلان الصريح الذي أفضى به إليها (عدد 25 و 26). (و) استجواب المسيح إياها: "أتؤمنين"

20فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْثَا أَنَّ يَسُوعَ آتٍ لاَقَتْهُ وَأَمَّا مَرْيَمُ فَاسْتَمَرَّتْ جَالِسَةً فِي الْبَيْتِ.

(4) القمة العليا التي سما إليها إيمان مرثا (عدد 27). الآن أضحت مرثا مؤمنة: بأن يسوع هو المسيح: "أنا قد آمنت أنك أنت المسيح" وبأنه هو: "ابن الله". وبأنه هو المسيح المشهود له من الأنبياء, الموعود به, والمنتظر من الشعب: "الآتي إلى العالم".

الآن, بعد أن درسنا هذا الفصل درساً تحليلياً, لنتقدم إلى درسه تفسيرياً:

عدد 20. (أ) مرثا مترقبة ومريم ساكنة: "فلما سمعت مرثا... لاقته وأما مريم فاستمرت جالسة في البيت". هذا يتفق تماما وما نعلمه عن الأختين من بشارة (لوقا 10: 39 و 40). إن الخواص التي انطبعت بها شخصية الأختين, قد ظهرت بارزة في وقت حزنهما العميق (يو 11: 20), كما في وقت سرورهما بإضافة زائر كريم (لوقا 10: 39 و 40). فمرتا في كلا الظرفين, قلقة, كثيرة الحركة, لا تطيق صبراً على التمهل والانتظار – هذا مما يخفف عنها أعباء الحياة, سيما في أوقات الأحزان, لأن الحزن الصامت, أشد فتكاً من الحزن الناطق. وكذلك مريم في كلا الحالين كانت جالسة صامتة. على أن الأختين كانتا في انتظار السيد, فمرتا كانت في انتظارها مترقبة – مثلها مثل الرقيب الذي يقف على المرصد ليكون أول من يرحب بأشعة شمس الصباح. ومريم كانت في انتظارها, هادئة – مثلها مثل زهرة نابتة في كنف صخر منتظرة بسكون أشعة النور.

21فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدُ لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي. 22لَكِنِّي الآنَ أَيْضاً أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ يُعْطِيكَ اللَّهُ إِيَّاهُ».

عدد 21 (ب) مرثا متحسرة:"فقالت مرثا يا سيد لو كنت ههنا لم يمت". هذه نغمة التحسر, وهي لا تخلو من رنة عتاب خفيف. إذا جاز لنا أن نرسم صورة رمزية للتحسر, فلنا أن نتمثل شخصيا دامع العينين, دامي القلب, متجها بوجهه إلى الماضي: وفي فمه كلمتان مقتضبتان لا يعرف إلا هما - "لو كنت... ".لو كنت بكرت في استدعاء الطبيب... ! لو كنت اخترت ذلك السبيل دون هذا... ! لو كنت تلفظت بتلك الكلمة دون هذه... ! لو كنت! لو كنت! إن هاتين الكلمتين شبيهتان بشوكتين سامتين في وسائد كثيرين, وبسببهما لا ترى أجفانهم نوما ولا عينهم نعاسا. هاتان سكينتان تحزان في قلوب الكثيرين, فتدميانها.

مسكينة مرثا, هذا أقصى ما بلغ إليه إيمانها حتى الآن. كانت تؤمن أن المسيح مجرد طبيب يشفي المرضى, وأن قدرته, لا تفترق عنه قيد شبر, فان غاب بجسده, غابت معه قدرته, إذا كان إيمان قائد المئة الوثني أقوى من إيمان مرثا, لأنه كان يعتقد أن قدرة المسيح تتخطى المسافات وتجتاز الأبعاد. (متى 8: 8).

عدد 22. (جـ) مرثا مؤملة – "لكن الآن أيضا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك إياه". ما أجمل كلمة: "لكن", بعد كلمة: "لو"! إذا كانت كلمة: "لو", لاوية عنقها إلى الوراء باستمرار, فإن كلمة

23قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «سَيَقُومُ أَخُوكِ».

"لكن" تمتد بهاماتها إلى الأمام. "لو" يائسة متحسرة, أما "لكن" فهي مؤملة راجية. بعد أن لفظت مرثا كلمات التحسر المدونة في العدد السابق, لمحت عيناها من خلال دموعهما, بارقة أمل مبني على اعتقادها باقتدار المسيح في الصلاة, فلو طلب من الله أن يهبه حياة جديدة للعازر, لأعطاه الله إياها. وربما كان أملها هذا مبنيا على فهمها للكلمة التي فاه بها المسيح أمام رسول الأختين: "هذا المرض ليس للموت" (عدد 4). قابل بين قول مرثا في هذا العدد: "أنا أعلم", وبين قولها في عدد 27: "أنا قد آمنت". هذا إيمان حي, ولكن يعوزه النور. مثله مثل تائه يتلمس في الظلام. ومما يدل على محدودية إيمانها ترديدها لاسم الجلالة: "الله" مرتين في عبارة قصيرة, في سياق كلامها عن قدرة المسيح كرجل صلاة ليس إلا. ويجدر بنا أن نلاحظ, أن الكلمة التي عبرت بها مرثا عن صلاة المسيح: "تطلب", تفيد سؤال التوسل, وهي لم ترد قط على لسان المسيح في كلامه عن نفسه, مع أنه استعملها مرارا ليعبر بها عن صلاة البشر (14: 13 و 15: 16 و 16: 23).

عدد 23. (د) المسيح ينير السبيل أمام إيمان مرثا, بوعد غير معين: "قال لها يسوع سيقوم[4] أخوك". إن العين الرمداء لا تتحمل النور القوي إذا سلط عليها دفعة واحدة. فالطبيب الماهر, يقدم لها النور أقساطا. هذه خطة حكيمنا الأعظم في معالجته ضعف إيمان مرثا, لأنه إذا رأى إيمانهم في

24قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ

حاجة إلى النور, رفع بيديه الرقيقتين مصباح هذا الوعد, ليهدي به إيمانها بعض الخطوات إلى الأمام. وليعدها به لانتظارات أفضل. لأنه قبل أن يهب هباته, يهيء القلوب والأيادي لتتسلمها. هذه خطته التي تجلت لنا في الإصحاحين – الخامس والسادس, إنه يمهد لعطاياه بوعود مفرغة في صيغة عامة, تكاد تكون غامضة: "سيقوم أخوك" – مهما تكن طبيعة الموت, فليس الموت آخر فصل في سجل الحياة, إنما الفصل الأخير في الحياة نفسها.

هذا اصحاح عامر بالعبارات التي ترينا الحياة من خلال الموت (عدد 4 و 11 و 16), والموت من خلال الحياة (عدد 50).

عدد 24. (هـ) مرثا منتظرة: "قالت له مرثا أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير". في هذا الكلام, أقرت مرثا بإيمانها بالقيامة – إيمان لا يخلوا من قوة, إلا أنه من حقيقته محاط بضعفات كثيرة – فمنها:

(1) إنه إيمان يتطلع إلى المستقبل البعيد: "في اليوم الأخير" لذلك فهو منعدم من كل تعزية في الحاضر. إننا نريد الإيمان الذي يملأ قلوبنا بالأبدية في هذه الحياة, قبل أن نذهب نحن إلى الأبدية في الحياة العتيدة.

(2) إنه إيمان ممسك بعقيدة لا بشخص.. "سيقوم". بما أننا أشخاص, لا أشياء, فلن تستريح نفوسنا إلا إذا كلن إيماننا ممسكا بشخص حي. إننا ندين بالمسيح الذي هو روح المسيحية, وحياة المسيحية, بل حياة المسيحيين.

(3) إنه إيمان عام, متعلق بأمر عام يشترك فيه جميع الناس سواء بسواء: "في القيامة". فما قيمة القيامة العامة لمرثا التي لا ترتوي إلا متى رأت لعازر

فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». 25قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ.

أخاها مقاما الآن. فلا عجب إذا رأينا مرثا غير قانعة, متبرمة, منتظرة, "أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة".

(4) إنه إيمان مادي لا يرتضى إلا بالنتائج الملموسة: "قيامة لعازر".

فاهت مرثا بهذه الكلمات, بروح التساؤل, وهي تنتظر شيئا أفضل, كأني بها سألت السيد قائلة: "ماذا تعنى بقولك سيقوم أخوك"؟ إذا كنت تقصد القيامة في اليوم الأخير, فهذا ما تعلمته منذ حداثتي. أما إذا كنت تعني قيامة أخرى, فأسعفني حالا وأوضح قصدك, لأني منتظرة على أحر من الجمر".

عدد 25 و 26. (و) المسيح يقوي إيمان مرثا بتصريح واضح: "قال لها يسوع. أنا هو القيامة والحياة.. ". هذا هو التصريح الخامس في هذه البشارة, وبه عالج المسيح ضعف إيمان مرثا, فنقلها من الاعتقاد بعقيدة إلى الإيمان بشخص. ومن الإيمان بشيء مخبوء في بطن المستقبل البعيد البعيد, إلى الثقة بذات حي, حاضر أمامها. ومن التعلق بأهداب أمر عام يشترك فيه جميع الناس, إلى التمسك بشخصية فردية. ومن الاعتقاد بأن الحياة هبة من الله للمسيح, إلى اليقين بأن المسيح هو الحياة ذاتها. يتضمن هذا التصريح:

(1) إعلانا مجيدا: "أنا هو القيامة والحياة" – في هذا الإعلان ذكر المسيح النتيجة قبل العلة, وقدم الثمرة على البزرة, ودل على المصب قبل المنبع. فالقيامة هي ثمرة الحياة, وهي نتيجة لها. لأن الحياة أصلية, والموت معتد وإنما النصرة النهائية, هي للحياة, التي تتخذ القيامة من الموت مظهراً

مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا

لها. "أنا هو.. " بهذه العبارة حول المسيح نظر مرثا من التلمس في الظلام, إلى التمسك بشخصه الحي, الحاضر الآن: "أنا هو" لا: "أنا سأكون". والظاهر أنه ذكر القيامة قبل الحياة, لأن القيامة كانت الشغل الشاغل لمرثا, بل للجميع, وفي هذا الظرف التاريخي. لم يقل المسيح لمرثا: "أنا أهب الحياة" – كأن الحياة شيء منفصل عنه, وإنما قال "أنا هو الحياة". إن الحياة مودعة فيه, لأنه هو أصلها, وينبوعها, وحياتها (14: 6). فالمسيح هو الحياة – بكل أنواعها – لكن إنسان على حدة (رو 6: 11), وهو الحياة لكل الكتلة البشرية (كو 1: 17).

في هذا الإعلان, استعمل المسيح خطة التدرج التي استعملها في مناسبات سابقة – من التعميم إلى التشخيص, ومن المادي إلى الروحي. ومن الكلام عن القيامة بوجه عام, إلى تخصيص القول عن نفسه إنه, "هو القيامة", ومن التحدث عن القيامة المادية إلى الكلام الأخص عن ذاته أنه هو الحياة. بهذه الدرجات هذب المسيح إيمان مرثا, ورفعه من الماديات إلى الروحيات.

(2) وعدا جليلا: "من آمن بي.. وكل من كان.. " (عدد 25 و 26) كما أن تصريح المسيح في العدد السابق, له جانبان – أولهما عن القيامة, وثانيهما عن الحياة, كذلك لهذا الوعد جانبان, أولهما عن القيامة وثانيهما عن الحياة. فكأن جانبي الوعد يسيران جنبا إلى جنب مع جانبي التصريح السابق. فقول المسيح: "أنا هو القيامة". يوافقه وعده القائل: "من آمن بي ولو مات فسيحياً". وتصريحه القائل: "أنا هو

26وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟»

الحياة",يترتب عليه وعده القائل: "وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد". وكما أنه في تصريحه, ابتدأ من المظهر المادي الخارجي, حتى بلغ الجوهر الروحي الباطني – فتكلم أولاً عن القيامة ثم عن الحياة, كذلك أيضاً في وعده, بدأ بالمظهر الخارجي للحياة التي تنتصر على الموت الجسدي,:"من آمن بي وإن مات" – كما في أمر لعازر – "فسيحيا", ثم تحدث بعد ذلك عن الجوهر الباطني الروحي للحياة الأبدية, التي لن تصل إليها يد الموت: "وكل مكن كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" – كما في أمر مرثا وسائر المؤمنين.

الجانب الأول من هذا الوعد, يرينا معنى الموت. فهو ليس موتاً حقيقياً – وإن ظهر بمظهر الموت, والجانب الثاني يريق نوراً سماوياً على معنى الحياة الأبدية – فهي سلسلة ذهبية طويلة لن تنكسر فيها حلقة ما. الجانب الأول – يتناول الحاضر, والجانب الثاني يضم المستقبل بين ذراعيه. ‘ن هذا الجانب الثاني هو العنصر الخالد في هذه المعجزة – بل هو الغرض الذي جاء به المسيح إلى أرضنا لأجله. إن إقامة لعازر من الموت, مسألة وقتية, لأن لعازر عاد بعدها إلى القبر كما كان, إنما المعجزة الأعظم الخالدة, هي إقامة النفوس من قبور الخطية – هذه هي الحياة الأبدية.

(ز) المسيح يستخلص من مرثا إيماناً حياً باستجاوبه إياها: "أتؤمنين بهذا"؟ قبل أن وقف المسيح على قبر لعازر, وأخرج لعازر بكلمة, نراه هنا واقفاً أمام مرثا, وبكلمة منه استخلص منه إيماناً حياً: "أتؤمنين

27قَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ».

بهذا"؟ هذا بمثابة القول: "هل هذا هو إيمانك"؟

عدد 27. (حـ) مرثا منتظرة: "قالت له نعم يا سيد". إن مرثا, بقولها هذا: (1) أقرت بقبولها كلام المسيح أنه هو "القيامة والحياة". فرق عظيم بين موقفها هذا, وموقفها السابق حين قالت "يا سيد لو كنت". إننا في حاجة إلى الملاك الذي رآه حزقيال في رؤياه (حز 47), ليقيس لنا المسافة بين الموقفين! (2) اعترفت بإيمانها اليقيني, المبني على التحقق والاختبار: "قد آمنت". هذا هو الاكتشاف الأعظم الذي وجدته مرثا في هذه المرحلة الشاقة التي قطعتها نفسها الحزينة المتألمة: "قد آمنت". "قد" – كما يقول النحاة, تفيد التحقيق.

أما موضوع إيمانها, فهو: أن يسوع هو: (1) "السيد", المعظم فوق كل عظيم. (2) "المسيح" – الممسوح من الله نبياً, وكاهناً, وملكاً. فهو ملتقى آمال اليهود, وموضوع نبوات الأقدمين. (3)"ابن الله" – الذي تربطه بالله صلة قدسية, سرية, روحية, لا يدانيه فيها سواه, وهو بحق هذه النسبة يستطيع أن يصالح العالم مع الله, لأنه هو: "الله ظهر في الجسد". هنا قد ارتقت مرثا إلى صف نثنائيل, وبطرس, ويوحنا المعمدان. (4) "الآتي إلى العالم" – فهو مشتهى الأمم. إن هذه الكلمات التي فاهت بها مرثا ليست سوى ترجمة أخرى لتصريح المسيح بأنه "هو القيامة والحياة". ما دام هو القيامة والحياة, فهو المسيح. وما دام هو المسيح فهو ابن الله. وما دام هو المسيح ابن الله, فهو الذي أتى إلى العالم ليفدي, وسيأتي عند القيامة ليحكم ويدين.

28وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا مَضَتْ وَدَعَتْ مَرْيَمَ أُخْتَهَا سِرّاً قَائِلَةً: «ﭐلْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ وَهُوَ يَدْعُوكِ». 29أَمَّا تِلْكَ فَلَمَّا سَمِعَتْ قَامَتْ سَرِيعاً

(3) المسيح يلتقي بمريم (11: 28-37). في هذا الفصل نرى مشهدين (أ) حزن مريم (11: 28-33). (ب) تأثرات المسيح (11: 33-37).

(أ) حزن مريم (11: 28-32). في هذا نرى: (1) مريم مدعوة. (2) مريم تلبي الدعوة. (3) مريم ساجدة باكية.

عدد 28. (1) مريم مدعوة: "ولما قالت هذا" – أي كلامها المذكور في العدد السابق, وبه رفعت الغمة عن نفسها, "مضت ودعت مريم أختها سراً" – من غير أن تعلم اليهود الموجودين, لأن جلهم كانوا معزين رسميين وبعضاً منهم كانوا جواسيس للفريسيين (عدد 47). "قائلة المعلم" – بهذا اللقب كان المسيح معروفاً بين خاصته (أنظر 20: 16؛ 13: 13؛ مت 26: 18). "وهو يدعوك" – الظاهر أن السيد أرسل فدعا مريم سراً, اعتقاداً منه أن الحزن العميق يكون صامتاً أمام الجماهير, فلا يبوح مكنوناته, إلا للرب وحده, وكذلك سر الرب لخائفيه.

يعتقد كيرلس الاسكندري, أن مرثا تطوعت, ودعت أختها لمقابلة السيد, لتنيلها معها نصيباً من العزاء الذي نالته هي. ونميل نحن إلى الرأي الأول.

عدد 29. (2) مريم تلبي الدعوة عاجلاً. إن السرعة التي بها أجابت مريم هذه الدعوة, لدليل على استعداد إيمانها. فمع أنها بطبيعتها متأنية, إلا أنها بروحها نشيطة. إنها بعملها هذا, قدمت لنا أجمل تفسير للقول

وَجَاءَتْ إِلَيْهِ. 30وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ جَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ بَلْ كَانَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لاَقَتْهُ فِيهِ مَرْثَا. 31ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا فِي الْبَيْتِ يُعَزُّونَهَا لَمَّا رَأَوْا مَرْيَمَ قَامَتْ عَاجِلاً وَخَرَجَتْ تَبِعُوهَا قَائِلِينَ: «إِنَّهَا تَذْهَبُ إِلَى الْقَبْرِ لِتَبْكِيَ هُنَاكَ».

"أجذبني وراءك فنجري". هنا تركت المعزين المتعبين, قاصدة المعزي الصالح الأوحد.

عدد 30. جملة تفسيرية "ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية.". كان قبر لعازر خارج الفرية لأن مدينة الأموات بعيدة عن حي الأحياء كما في سائر العصور. وغالبا لم يذهب المسيح إلى بيت مرثا ومريم. لأنه لم يأت ليعزيها بكلمات مهما تكن طيبة, بل جاء ليقيم أخاهما الميت. لذلك دعاهما إلى المكان الذي سيكون مسرحا لأكبر معجزة في التاريخ – بعد قيامته هو – لتشهدا تلك المعجزة ومعهما المعزون من اليهود.

عدد 31. المعزون الذين أصبحوا فيما بعد شهوداً: "ثم إن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها.. ". لما خرجت مرثا لملاقاة المسيح (عدد 20) لم يخرج معها اليهود المعزون, لأن أختها مريم استمرت جالسة في البيت (عدد 21), فظلوا معها. أما وقد خرجت الأختان معا, فبقي أمام المعزين أمر من أثنين: إما أن ينصرفوا إلى بيوتهم – وهذا غير طبيعي, لأن مدة "المأتم" لم تنقض بعد, أو أن يتبعوا الأختين إلى القبر, ليكملوا "المناحة" هناك. ولعل بعضا منهم خاف على مريم من الاستسلام للحزن عند القبر –

32فَمَرْيَمُ لَمَّا أَتَتْ إِلَى حَيْثُ كَانَ يَسُوعُ وَرَأَتْهُ خَرَّتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَائِلَةً لَهُ: «يَا سَيِّدُ لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي».

والقبور مثيرة الأشجان – فذهبوا معها ليشجعوا ويواسوها. كان هذا قصدهم في خروجهم لكن الله قد قصد بهم أن يكونوا شهودا لحقيقة المعجزة, فيؤمنوا أو يتقسوا.

عدد 32. مريم ساجدة باكية: "فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع. خرجت عند رجليه.. " يختلف حزن مريم عن حزن مرثا أختها, باختلاف طبيعتهما. مرثا كثيرة النشاط, فهي في حزنها مجاهدة. ومريم ميالة إلى السكون والهدوء, فهي في حزنها مسلمة باكية, فجاءت هذه إلى المسيح معبرة عن حزنها العميق بأمرين: (1) أولهما سجودها عند قدميه "خرجت عند رجليه" هذا هو المكان الذي سبقت فاختارته مريم لنفسها, فصار لها خير نصيب (لوقا 10: 39؛ يوحنا 12: 3). هذا موفق مثلث – فهو: موقف المتواضع وموقف التلميذ المكرس, وموقف المصلي الساجد. (2) ثانيهما دموعها الناطقة بلغة التحسر. "يا سيد لو كنت ههنا" بهذه العبارة عينها استقبلت مرثا المسيح. والفرق بينهما هو أن مرثا نطقت بها وأردفتها بوابل من الكلام. ومريم فاهت بها وسقتها بوابل من الدموع (عدد 33 ), فكانت بدموعها أكثر اقتدارا من أختها بكلامها. فإذا كان كلام مرثا قد أنطق فم المسيح بوعود وتشجيعات, فإن دموع مريم, استدرت من قلبه عطفا, ومن شخصه اقتداراً.

يظهر من ترديد الأختين للعبارة الواحدة: "لو كنت ههنا", إن الشغل الشاغل, لهما ولأخيهما, في ساعات المرض الأخيرة, كان غياب المسيح وقتئذ.

33فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ

(ب)تأثرات المسيح (11: 33-37). في هذا المشهد نرى: (1) تأثرات المسيح (11: 33-35). (2) تعليل اليهود لهذه التأثرات (11: 36 و 37).

عدد 33. تأثرات المسيح: (11: 33-35). نحن واقفون الآن على أرض مقدسة, فلنخلع نعالنا من أرجلنا. إن كل محاولة يراد بها تحليل هذه التأثرات القدسية, مقضي عليها بالفشل. فلسنا ندري: أنحن أمام ناسوت المسيح المتأثر, أم أمام لاهوته المقتدر المؤثر, أو أمام الاثنين معاً! إن ناسوته غير منفصل عن لاهوته, ومظاهر الناسوت معبرة عن جوهر اللاهوت. فالله يسخط, ويعلم, ويحرك, ويحب. والإنسان يرتعش, ويستعلم, ويبكي. فارتعاش الناسوت معبر عن سخط اللاهوت وغضبه, ودموع الناسوت معبرة عن حب اللاهوت. في هذه الثلاثة الأعداد تتجلى ثلاثة مظاهر:

(أ) تأثر يسوع في روحه (عدد 33). (ب) استفهام يسوع عن موضع القبر (عدد 34). (جـ) دموع يسوع (عدد 35). (أ) تأثر يسوع في روحه في هذا العدد يتجلى أمامنا أمران: (1) ما رأى يسوع: "فلم رآها يسوع تبكي" الكلمة المترجمة: "تبكي" تعني الزفرات والعويل, وهي غير الكلمة التي قيلت عن المسيح في عدد 35, التي تعني مجرد سكب الدموع الصامتة. كان نوح مريم مظهراً من مظاهر ضعف الإيمان. لأنها لم تكن قد ارتقت بعد إلى مستوى الإيمان الذي بلغته مرثا في عدد 27. على أن نظر المسيح لم ينته عند رؤيته دموع مريم, ودموع اليهود الذين جاؤوا معها, بل نفذ إلى ما وراء حجب المادة, فرأى العوامل المختلفة التي كانت

انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ

نبعث هذه الدموع. وعلم بكسر قلب مريم, ولمس عدم إيمانهم, وكشف رياء بعض أولئك اليهود المتباكين, الذين كانوا يسكبون دموعا رخيصة هي دموع التماسيح. وأدرك أن كثيرين غيرهم, كانوا بعويلهم يطرحون وقوداً على نيران حزن مريم لتزداد اشتعالا. (2) ما شعر به يسوع: "انزعج بالروح[5] واضطرب". ربما كان أقرب إلى الأصل أن تترجم هذه العبارة إلى: "ارتعش بالروح وحرك نفسه". هذا إحساس من يرى أمراً مخالفا للصواب, فتحتد روحه فيه, ويغضب لأجل الحق, ثم يستخدم قوة إرادته لصد تيار هذا السخط, ومنعه من الظهور, فيهتز من أعماق نفسه.

فما هو هذا الأمر الذي كان موضوع غضب المسيح وسخطه؟ أهو رياء اليهود المتباكين الذين جاؤوا ليعزوا مريم عن فقد أخيها, وصاروا فيما بعد, من المؤتمرين على قتل أخيها (12: 10)؟ أم هو عدم إيمان مريم ومن كانوا معها؟ أم أن المسيح احتدت روحه فيه, لأنه علم أن وراء دموع مريم وعدم إيمانها, ووراء رياء اليهود, يختبيء شبح قبيح أسود – هو الموت, وأن وراء هذا الشبح الأسود يستتر شبح آخر, أشد منه قبحاً وسواداً يقال له "إبليس", وأن في كنف إبليس تختبيء غدارة خائنة اسمها

34وَقَالَ: «أَيْنَ

الخطية؟ أم هذه كلها مجتمعة معاً؟ أم لأسباب لا نعلمها؟ على أن هذا الارتعاش الذي حدث ليسوع, لم يكن نتيجة ضعف بشري. وإنما كان بإرادته القوية. لذلك قال البشير عنه إنه "حرك نفسه". أي أنه أدخل على نفسه هذه التأثرات طوعاً واختياراً. وهو في تحريكه نفسه, لم يكن متصنعاً التأثير بل كان متأثراً من صميم نفسه. من هذا نرى أن هاتين العبارتين: "ارتعش بالروح" و "حرك نفسه" متشابهان, تدعم إحداهما الأخرى وتثبتها. ويعتقد جودي أن الروح هي مركز التأثرات الروحية, وأن النفس هي مركز الانفعالات الطبيعية. وأن العبارة: "انزعج بالروح" لم تطلق على المسيح سوى مرة أخرى في هذه البشارة (13: 21) – حينما كان موجهاً خيانة يهوذا, وأنه انزعج في روحه, لأنه من الجهة الواحدة. رأى أن دموع الباكين على حبيبهم, تناديه بل تستعطفه, أن يقيم لعازر – حبيبه هو أيضا – من الأموات. ومن الجهة الأخرى, وهي منة منه على البشرية, ستكون أول خطوة حاسمة تؤدي به إلى الصليب. فتمثلت له خطية البشرية في أقبح مظاهرها, حين ردت عليه حسناته سيئآت واتخذت من نعمه عليها, فرصة لنقمتها عليه. لذلك احتدت روحه فيه, "وحرك نفسه", إما لينهض نفسه للصراع العنيف الذي ينتظره, ضد الخطية, والموت, وإبليس, أو ليدفع عن نفسه هذا التأثر, ويتقدم للقيام بالمعجزة.

عدد 34. (ب) استفهام يسوع عن موضع القبر: "وقال أين

وَضَعْتُمُوهُ؟» قَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ تَعَالَ وَانْظُرْ».

وضعتموه" – هذه هي المرة الوحيدة – في كل البشائر – التي يرى فيها يسوع مستعلما عن أمر ما. على أن علام الغيوب, لم يسأل هذا السؤال, لأنه كان يجهل – أو يتجاهل – الموضع الذي دفن فيه لعازر. فليس من العسير على الذي استطاع أن يرى نثنائيل تحت التينة, أن يرى لعازر في القبر, وإنما سأل هذا السؤال إيقاظاً للحاضرين إلى المعجزة التي كان مزمعاً أن يصنعها جهراً. فكان سؤاله هذا بمثابة دعوة قدمت إليهم ليحضروا هذه الوليمة الروحية فتكون لهم رائحة حياة لحياة أو رائحة موت لموت. أما جوابهم على سؤاله هذا فهو: "تعال وانظر" – هذا صدى صوت المسيح في 1: 46؟!

عدد 35. (جـ) دموع يسوع – "بكى يسوع". عظيم هو الفرق بين اللغة التي تكلم بها المسيه مع مرثا واللغة التي خاطب بها مريم.كانت مرثا مجاهدة جهاد الإيمان الحسن, فوجه إليها كلمات طيبة, هداها بها سواء السبيل أما مريم فجاءته ساجدة باكية, فخاطبها بالدموع, وبهذه الكلمات المتبلورة الصامتة جبر كسر قلبها. كلمة: "بكى" التي عبر بها البشير عن تأثرات يسوع, غير كلمة: "بكى" التي عبر بها عن تأثرات مريم ومن معها (عدد 33). فهي لم ترد سوى هذه المرة في العهد الجديد, وترجمتها الحرفية: "دمع يسوع". فالمسيح, في حزنه الصامت, سكب دموعا هادئه. "بكى يسوع" – هذه أقصر آية في الكتاب المقدس, لكن من يستطيع أن يقيس اتساعها وعمقها وسموها! هذه قصيدة كاملة

35بَكَى

مركزة في نبرة, وبحر خضم متجمع في قطرة, وأبدية طويلة مختزلة في لحظة وثروة طائلة مختزنة في لؤلؤة.

"بكى يسوع"[6] – هنا نرى دموع يسوع الإنسان, معبرة عن محبة المسيح الإله. هذا ختم ناسوته الكامل الذي به صار واحداً منا, نائلا قسته من هذا الميراث المشترك. بل هذا مظهر لاهوته الكامل, الذي نقرأ عنه في العهد القديم: "في كل ضيقهم تضايق". بهذه الدموع اللؤلؤية, الفدائية, تشفى العيون التي قرحها البكاء والعويل, ويزال صدأ اليأس المتراكم على النفوس. بل بهذا المرهم البلوري, تجبر القلوب الكثيرة.

من لنا بالمنديل الذي مسحت به هذه الدموع القدسية, لنكفكف به الدموع! فلقد بكى الفادي لنبكي نحن, وبكى لكي نفرح!!!.

ما أجمل دموعك أيها الفادي! وما أثمنها, وما أطهرها! فما قطر الندى الجميل, تسكبه أجفان على أكمام الأزهار, إلا قبحا بجانب جمالها. ولا اللآلئ الكريمة تزين تيجان القياصرة سوى تراب أمام تبرها. ولا عين الشمس الوضية ساكبة أشعتها الوهاجة لتنقي أدران الكون, سوى قذر بجانب طهارة دموعك القدسية النقية! إننا نكرمك لأجل كلامك, ونعظمك لأعمالك, ونجتذب إليك بسبب ابتسامك. لكننا إذا نراك دامعاً لأجلنا, نخر عند قدميك خاشعين ساجدين. فليس أعز من دموعك سوى دمائك – هذا إذا جازت المفاضلة في الكمال – وهيهات! إن دموعك هي مادة سحرية

يَسُوعُ.

تذيب القلوب المتحجرة, وهي "كيميا" مقدسة تجمع بين القلوب المتنافرة.

"انزعج بالروح واضطرب... بكى يسوع" – بعد العاصفة نزل المطر. ليس بعجيب أن يبكي المسيح, مع علمه بأنه سيقيم لعازر بعد دقائق, لأن "الكلمة" صار جسداً وحل بيننا, ولأن من يقف على قبر ميت ليقيمه, لا يمكن أن يضم بين ضلوعه قلبا من حجر. "من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة أميناً في ما الله حتى يكفر خطايا الشعب" (عب 2: 17). ومن المهم, ألا ننسى أن الكلمة: "بكى يسوع". التي تصف ناسوت المسيح التام, قد وردت في هذه البشارة المكرسة لإثبات لاهوت المسيح. فليس من المستغرب, أن نرى البشير الذي استهل بشارته بتجسد الكلمة الأزلي, يكثر من إيراد الأدلة المثبتة أن "الكلمة" المتجسد "حل بيننا", حقيقة ولا هماً. فيوحنا دون سواه, حدثنا عن عطش المسيح (4: 7 و 19: 28), وتعبه (4: 6). فالمسيح إله تام, وإنسان تام.

هل بكى يسوع متأثرا مما رآه؟ أم بكى عطفا على الباكين الذين لم يبكوا على أنفسهم؟ أم بكى منفعلا بسبب الأجرة القاسية التي نقدتها الخطية لحبيبه لعازر – بالموت؟ أم بكى إشفاقا على لعازر, إذ علم أنه بهذه المعجزة سيعيده إلى حياة الشقاء والهوان, بعد أن كان ناعما في جوار ربه؟ أم بكى لأسباب لا نعلمها؟

(2) تعليل اليهود لتأثرات المسيح (11: 36 و 37) – "فقال اليهود.. وقال بعض منهم". أي نعم! وعلى قبر لعازر أيضا "تعلن أفكار من قلوب كثيرة". وفي ساعة الحزن أيضا يعرف المخلصون من

36فَقَالَ الْيَهُودُ: «ﭐنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ». 37وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ: «أَلَمْ يَقْدِرْ هَذَا الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا أَيْضاً لاَ يَمُوتُ؟».

عدد 36. (أ) اليهود الحسنو الظن بالمسيح: "فقال اليهود" – وهم فريق منهم – "أنظروا كيف كان يحبه" (انظر 20: 2). جميل بهؤلاء القوم أن يقدروا دموع المسيح, وأن ينسبوها إلى باعث شريف كحبه للعازر. ولكن كان عليهم أن ينظروا إلى العمق, ويعلموا أن المسيح بكى, لأن في عينيه دموعا. وأن عينيه دموعا لأن له عينين طبيعيتين, وأن له عينين طبيعيتين لأنه إنسان, وأنه إنسان لأنه تجسد طوعاً واختياراً لأجل خطايانا نحن وخطاياهم هم.

عدد 37. (ب) اليهود الجامدون: "وقال بعض منهم.. ألم يقدر هذا" – ولعلهم لفظوا كلمة: "هذا", بنغمة التحقير والازدراء – "الذي فتح عيني الأعمى" – المذكورة سيرته في ص 9. وربما أشاروا إلى هذه الحادثة دون سواها, لأنها كانت ماثلة أمام أعينهم, وقد أجراها المسيح في مدينتهم منذ عهد قريب. "أن يجعل هذا أيضا لا يموت" – فكأنهم نسبوا إلى المسيح أمراً من اثنين. إما أنه غير مخلص في حبه للعازر, أو أنه كان مغروراً حين أفهم الناس أنه فتح عيني الأعمى. وهل في الإمكان أن يهوى إنسان إلى درك أسفل من هذا الذي هبط إليه هؤلاء, الذين يكيلون هذه التهم لأقدس شخص, في أقدس ظرف؟! هذه حال قوم أغلقوا قلوبهم ضد النور, فعجزت نار الأحزان عن أن تصهرها, وقصرت رهبة الموت عن أن تطهرها

38فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضاً فِي نَفْسِهِ وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ.

ثالثا: قلب المعجزة (11: 38 - 44)

أفاض البشير في وصف المراحل التي قطعنها هذه المعجزة, وصفا دقيقاً, لا يترك مجالا للشك في أنه كان شاهد عيان. فلم يكتف بذكر ما عمله المسيح بل حفظ لنا: (أ) تأثرات المسيح (عدد 38) و (ب) كلمات المسيح (عدد 44).

عدد 38. (أ) تأثرات المسيح وشروعه في عمل المعجزة: "فانزعج يسوع أيضا في نفسه وجاء إلى القبر". ويحدثنا هذا العدد عن: (1) تأثر المسيح: "فانزعج يسوع أيضا في نفسه". إن تأثر المسيح الموصوف هنا لم يتخذ مظهرا قويا, كتأثره الموصوف في عدد 33. ويستنتج من حرف الفاء الذي به يستهل هذا العدد, إن سخرية اليهود بدموع المسيح, كانت إحدى العوامل التي أثارت فيه هذا الثائر. ويضاف إليها وقوف المسيح محاطا بدموع الباكين, وشك الغير المؤمنين, ورياء المتباكين.

(2) شروعه في عمل المعجزة: "وجاء إلى القبر". هذه أول خطوة فعلية, خطاها المسيح نحو إتمام المعجزة, بل هذه أول خطوة خطاها حومة الوغى ليصارع الموت في عرينه, فيصرعه.

(3) وصف علم للقبر: "وكان مغارة وقد وضع عليه حجر" – إما أن فم القبر كان مفتوحا إلى فوق, والحجر موضوعا عليه – وعلى هذا الاعتبار تكون الحفرة عمودية. أو أن فم القبر كان متجها إلى أحد الجوانب,

39قَالَ يَسُوعُ: «ﭐرْفَعُوا الْحَجَرَ». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا أُخْتُ الْمَيْتِ: «يَا سَيِّدُ قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ».

والحجر موضوعاً مقابله - وعلى هذا الاعتبار تكون الحفرة أفقية.

عدد 39. (ب) كلمات المسيح (11: 39 – 44). هذه خمس كلمات:

(1) كلمته الأولى للواقفين: "قال يسوع ارفعوا الحجر". هذا يتفق وما نعلمه عن المسيح وميله إلى الاقتصاد. فلا إسراف ولا تبذير في تدبير عنايته. بطلبه هذا علم الأجيال كلها أن الله لن يقوم بواجب الإنسان بدلا منه, مادام في قدرة الإنسان أن يقوم بواجبه. فلن يساعد القدير إلا المجدين. ولن تمطر السماء ذهبا وفضة على رؤوس من يقعدون عن القيامة بواجباتهم.

فالمسيح بطلبه هذا, قدم لهم فرصة بها يظهرون طاعتهم وولاءهم له.

وفوق ذلك فإنهم, برفعهم الحجر, أضحوا شهود عيان لصحة هذه المعجزة.

كلمة مرثا: "قالت له مرثا أخت الميت يا سيد: قد أنتن لأنه له أربعة[7] أيام". إننا مدينون لمرثا بهذه الكلمات التي شهدت بها أمام الأجيال – من غير قصد – بأن لعازر أخاها لم يكن في حالة إغماء ولا إعياء, بل كان قد أنتن.في هذا يصدق القول: "وشهد شاهد من أهلها".

إن وصف البشير لمرثا بأنها "أخت الميت",يريق نورا ساطعا على

40قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ:

كلام مرثا, فيعلن لنا قصدها.علمت مرثا أن جثة أخيها قد أنتنت, فأشفقت على حاسة المسيح, والواقفين معه, من الرائحة الكريهة التي تنبعث من قبر أخيها, متى رفع الحجر عنه, لأنها بحكم قرابتها لأخيها, لا تريد أن يظهر منه للناس إلا أحسن ما فيه, وفي الوقت نفسه لم ترد أن تكافىء المسيح على معروفة معها, ومع أخيها, بتلك الرائحة المنبعثة من قبره.

ويظهر من كلام المسيح لها, أن كلامها هذا نم عن تراجع في إيمانها الذي اعترفت به في عدد 27. فالإنسان إنسان: في صعود وهبوط. وهبوط وصعود.

عدد 40. (2) كلمته لمرثا: "قال لها يسوع ألم أقل لك. إن آمنت ترين مجد الله". بهذه الكلمة إنتشل المسيح مرثا من الهبوط في لجة اليأس, وأعادها إلى يقينية الإيمان, بأن رفع فكرها من "الجثة" التي أنتنت, إلى العنصر الخالد في هذه المعجزة – "مجد الله". فلم تكن هذه المعجزة قاصرة على قيامة لعازر من الأموات, بل قصد بها أن تكون "آية" يتجلى فيها مجد الله. أما قيامة لعازر فهي حادث وقتي, لأن لعازر لم يخلد بل عاد فمات.

"ألم أقل لك إن آمنت ترين.. " – ومتى قال المسيح هذا الكلام لمرثا؟ هل في خلال حديثه معها (عدد 23-26)؟ أم في ثنايا الرسالة التي بعث بها إليها مع الرسول (عدد 4)؟ أم كان هذا الوعد مستمداً من روح الرسالة والحديث معاً؟! إننا نميل إلى الأخذ بالرأي الأخير.

إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللَّهِ؟». 41فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعاً وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي 42وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي.

"إن آمنت ترين مجد الله" – لا يراد بهذا أن إتمام المعجزة كان موقوفاً على إيمان مرثا, بل إن إتمام مرثا كان شرطاً أساسياً لرؤيتها "مجد الله" في المعجزة. وكم من أعمال عظمى تجري أمامنا, لكننا نحرم فيها رؤية مجد الله, بسبب عدم إيماننا. إن رؤية مجد الله هي نبع فرح فياض لا ينضب معينه.

يقول الناس عادة "أنظر لتؤمن". ويقول الله "آمن لترى".

لقد ظهر مجد الله في انتصار قدرة محبته وقداسته على الموت (6: 4).

عدد 41 و 42. (3) كلمته للآب: "فرفعوا الحجر.. ورفع يسوع عينيه.." لم يبد من الواقفين أي تردد. ولم يقدم أحدهم إعتراضاً ما على أمر المسيح لهم. "فرفعوا الحجر" – ولما قام البشر بنصيبهم, جاء دور المسيح "رفع يسوع عينيه إلى فوق..". ليس الله محدوداً بمكان, فقد وسع كرسيه السموات والأرض, إلا أن السموات المنظورة هي خير رمز للسماء الغير لمنظورة, حيث يسكن الله في نور لا يداني منه, لذلك رفع المسيح عينيه اللتين تخترقان حجب المادة إلى حث يسكن الله في عزته وبهائه.

أما الكلمات التي وجهها المسيح إلى الآب, فهي ليست صلاة بالمعنى الذي قصدته مرثا بقوله له. "كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه". فليس في كلمات المسيح ما يفيد التوسل ولا الطلب, وإنما هي شكر, واطمئنان,

وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي».

وثقة. هذا تعبير المسيح عن الصلة السرية, الوثيقة, الدائمة, التي تربطه بالآب. فليس شكر المسيح وليد هذه الحادثة, ولا هو قاصر عليها, بل هو لغة المسيح الدائمة, وهو حالته النفسية "في كل حين", بل هو شعاره في حياته التي قضاها على الأرض.وإنما عبر عن هذا الشكر بكلمات مسموعة لأنه كان ينتظر علامة منظورة نتيجة هذا الشكر فيؤمن الجمع الواقف "أن الآب قد أرسله". لقد فاز المسيح بحياة لعازر قبل أن أقام لعازر ببضعة أيام, وإلا لما استطاع أن يقول – وهو بعد في بيرية – "هذا المرض ليس للموت" (عدد 4).

قبل أن يأتي المسيح إلى بيت عنيا, وقبل أن يطو خطوة على قبر لعازر (عدد 38), كان قد سبق فقبض على ناصية الهاوية, وانتزع حياة لعازر من بين مخالبها, فلما جاءت ساعة إتمام المعجزة, وقف المسيح على قبر لعازر, لا موقف من استنفد موارده, فأرسل في طلب العون والمدد, بل موقف الظافر الغني بموارده, "يسحب" منها, ما يراه لازماً لإتمام قصده.

وكما هيأ المسيح قلب مرثا بوعوده المشجعة, وكما أعد قلب مريم بدموعه المعزية, كذلك أيضاً جهز قلوب الجمع الواقف بكلمات الشكر المسموعة, حتى يروا "العلامة" التي لأجلها صنع المعجزات:"ليؤمنوا أنك أرسلتني" وفي هذا خير تمجيد لله. لأن قيامة لعازر, بعد هذه الكلمات التي ارتفعت من المسيح إلى الآب على مسمع من ذلك الجمع, هي خير دليل على أن المسيح كان يأتي معجزاته بإصبع الله, لا بقوة بعلزبول.

43وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجاً»

فيا من شكرت على قبر الميت, علمنا أن نشكر ونحن في الظلام, قبل أن يشرق علينا النور. إننا غافلون كثيراً عن الشكر على الماضي والحاضر, ومتغافلون أكثر عن الشكر على بركات المستقبل.

عدد 43. (4) كلمته للعازر: "ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجاً". هذه هي النقطة المركزية في المعجزة. فكل كلمات المسيح السابقة, ممهدة لها. وكلمته اللاحقة, ناتجة عنها.

بكلمتين وصف البشير تأثرات ابن الإنسان:: "بكى يسوع" (عدد35). وبثلاث كلمات وصف النغمة التي بها تكلم "ابن الله". وبثلاث كلمات أيضاً خلص المسيح لعازر من فم الموت, خلاص عزيز مقتدر. "صرخ بصوت عظيم" – دلالة على الثقة الوطيدة والعزيمة الشديدة, والسلطان الذي لا يقهر.

"لعازر هلم خارجاً": دعا المسيح لعازر باسمه, كمن يوقظ نائماً من نومه.

"صرخ بصوت عظيم" – ايقاظاً لانتباه الحاضرين, وتميزاً لذاته عن المعزمين الذين يتمتمون. على أن قيامة لعازر لا تعزى إلى الصوت العظيم, بل إلى إرادة المسيح الهادئة. وما الصوت العظيم إلا تعبيراً لهذه الإرادة.

أين كنت يا لعازر حتى سمعت صوت المسيح, وقد فاتك أن تسمع زفرات مرثا وتنهدات مريم؟ أما الموضع الذي كان فبه لعازر, فليس لنا أن نعرفه, ولا نريد أن نعرفه, لكننا نعلم شيئاً واحداً, وهو أن صوت المسيح

44فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ.

ينفذ إلى كل مكان. إن إرادته قانون السموات والأرض. وكلماته نسمة حياة تبعث الروح ي سكان القبور. وأن ما عمله المسيح هنا, ليس إلا عربونً لما سيعمله عند قيامة الساعة: "حين يسمع جميع الذين في القبور صوته".

عدد 44. الميت يلبي النداء ويخرج: "فخرج الميت, ويداه ورجلاه." – كما يستيقظ النائم حالما يسمع اسمه على لسان من يحبه ويحترمه, كذلك قام لعازر من نوم الموت (عدد 11 و 13), حالما سمع صوت المسيح. "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات...". أية ريشة تستطيع أن ترسم لنا صورة هذا الميت الحي الذي قام من قبره ملفوفاً بكفنه, ويداه ورجلاه مربوطتان بأقمطة وعيناه لا تقويان على مواجه شمس الطبيعة, بعد أن حرمتا منه, أربعة أيام فحال واجههما نور "شمس البر", طرد عنهما بقايا نعاس القبر؟

يعتقد بعض المفسرين, أن في خروج لعازر من القبر, على رغم كون يديه ورجليه مربوطتان, معجزة داخل معجزة, فليس ما يمنع من كثر سلاسل الموت, أن يفك أو يرخي أربطة من قماش. على أنه لم يكن من المستحيل على لعازر أن يحرك يديه ورجليه, من غير حاجة إلى قوة خارقة تساعده على ذلك, لأن أقمطة الموتى لم تكن محكمة إلى الحد الذي تستحيل معه الحركة. ومن المحتمل أن كل رجل كانت مربوطة على حدة وكذلك كل يد – حسب عادة المصريين االقدماء في تقميط جثث موتاهم.

فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ». 45فَكَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَرْيَمَ وَنَظَرُوا مَا فَعَلَ يَسُوعُ آمَنُوا بِهِ. 46وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَمَضَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ

(5) كلمة المسيح الثانية للواقفين: "فقال لهم يسوع. حلوه ودعوه يذهب" إن قصد المسيح في الكلمة لا يخرج عن قصده في كلمته الأولى لهم (عدد 39). فاطلب الشرح هنالك. (أنظر أيضا لو 7: 15 و 8: 55 ).

رابعاً: الأثر الذي تركته المعجزة (11: 45-57): (أ) الأثر القريب (11: 45 و 46). (ب) الأثر البعيد المدى (11: 47 - 53).

(أ) الأثر القريب الذي تركته المعجزة (11: 45 و 46). مرة أخرى, نرى إحدى معجزات المسيح تقسم مشاهديها إلى صنفين متقابلين, مثلما يفصل نور الصباح بين النهار والليل. على أن الأثر الذي تركته هذه المعجزة, بعيد المدى, لأن نورها الفاحص والمميز, قد إمتد إلى اليهود أنفسهم فشطرهم شطرين – مؤمنين وغير مؤمنين. فكأن معجزات المسيح قد وضعت "لسقوط وقيام كثيرين".

عدد 45. (1) الشهود المؤمنون: "فكثيرون من اليهود الذي جاءوا إلى مريم ونظروا.. آمنوا ". أن بعضاً من هؤلاء, جاءوا ليعزوا مريم. وجاءوا إلى مريم. وجاء بعضهم ليروا, وفي النهاية آمنوا. هؤلاء رأوا أحد أعمال المسيح, وفيه رأوا شخصه "لأن أموره غير المنظورة ترى بالمصنوعات. قدرته السرمدية ولاهوته".

عدد 46. (2) الشهود المتجسسون: "وأما قوم منهم فمضوا إلى

وَقَالُوا لَهُمْ عَمَّا فَعَلَ يَسُوعُ. 47فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ

الفريسيين وقالوا لهم...". كلمة: "أما" تضع حداً فاصلاً بين هؤلاء وبين سابقيهم. لم يكن هؤلاء مخلصين في ذهابهم إلى الفريسيين, بل كانوا "مخبرين سريين" وكانت نيتهم أن يشوا بيسوع. ذهبوا إلى الفريسيين ليسروا إليهم الحيرة التي ملكتهم.

عدد 47 و 48. الثر البعيد المدى (11: 37-53). لم تكن قيامة لعازر, علة الحكم على المسيح بالموت, لكنها عجلت بهذا الحكم. إن كأس اليهود كانت مليئة بالحقد والسعاية ضد المسيح, فلما تمت هذه المعجزة طفحت الكأس, "فجمع رؤساء الكهنة" – وهم من الصدوقيين الذين كان بيدهم زمام السلطة, فكانوا بحكم وظيفتهم المنفذين لهذه الحركة الآثمة – وقد اتفق معهم "الفريسيون" الذين كانوا متخذين غالباً موقف المحرضين. ومع أن الصدوقيين كانوا مختلفين مع الفريسيين في العقيدة, إلا أن حقدهم على "عدوهم المشترك", قد ألف بين قلوبهم. ولكم تجمع أيها الناصري بين القلوب المتنافرة, حتى في وقت التآمر عليك. دعا رؤساء الكهنة والفريسيون, مجمع السنهدريم إلى التئام خاص للنظر في هذه الحالة الطارئة التي كانت تهدد كيانهم.

(1) المتآمرون المتحيرون. لما أستقر بهم المقام, قالوا: "ماذا نصنع. فان هذا الإنسان يعمل آيات!" (11: 47 و 48). إنهم إلى تآمرهم هذا قد طبقوا على أنفسهم تلك النبوة القديمة, التي طالما رددوها في

مَجْمَعاً وَقَالُوا: «مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هَذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. 48إِنْ تَرَكْنَاهُ هَكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا

تلاواتهم وهم لا يفهمون حقيقتها: "تآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه" (مزمور 2: 2). عندما خلا هؤلاء القوم إلى أنفسهم, صرحوا بما كانوا يضمرون. فاعترفوا (أ) بجيرتهم وعجزهم: "ماذا نصنع"؟ (ب) بصحة معجزات المسيح: "فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة". (جـ) بتخوفهم على مصالحهم الشخصية: "يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون"... إذاً كانوا يتخوفون من أمرين, يترتب ثانيهما على أولهما. وفي كلا الأمرين, كانوا يخافون على مصالحهم هم, لا على الدين ولا على مصالح الشعب. هؤلاء هم الرعاة الذين يرعون أنفسهم – ولكن ليوم الذبح الذين هم عنه غافلون. وكم من كثيرين يصيحون وينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور, لا لأن الدين أصبح في خطر, بل لأن مصالحهم النفسانية, العالمية, قد صارت مهددة. الأمر الأول الذين كانوا يخشونه هو انصراف الجميع إلى المسيح, وانصرافهم عنهم. وربما كان انصراف الناس إلى المسيح مصحوباً بشيء من الحماس, مما يعطي الرومان حقاً في التدخل, لمنع الثورة التي يحدثها الشعب – وكثيرون منهم لا يفهمون طبيعة ملكه, فقد يطمعون في جعله ملكاً. والأمر الثاني: تدخل السلطة الرومانية في صد تيار هياج الشعب, مما يؤدي إلى سلخ البقية الباقية من السلطة التي كانت بيد أعضاء السنهدريم. هذا مرادهم من القول: "يأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا":ولعلهم قصدوا بـ "موضعهم" كراسي الحكم التي في أورشليم, وما فيها من أسباب السلطة:

وَأُمَّتَنَا». 49فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ قَيَافَا كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ:

كالهيكل وما إليه, ويعتقد بنغال: أن كلمة "موضع" تعني أرض اليهودية. ولكن الرأي الأول أقرب إلى الصواب حسب اعتقادنا. والمراد بكلمة "أمتنا" الشعب اليهودي. فكأنهم كانوا حريصين على أورشليم والهيكل – وهما مكان الحكم والسلطة, وعلى أمتهم – وهي الرعية المحكومة بهذه السلطة. إذاً كان خوفهم منصباً على النفع المادي, والنفوذ الأدبي, الإجتماعي ليس إلا. أما الدين... وأما الله.... (مت 21: 38).

عدد 49 و 50. (2) الكاهن المتكهن: "قال لهم واحد منهم وهو قيافا كان رئيستا للكهنة في تلك السنة". قضت تقاليد اليهود, بان يكون رئيس الكهنة, رئيساً من مجمع السنهدريم. ولكن يظهر في القول: "واحد منهم", إن قيافا لم يكن رئيساً لهذه الجلسة, وغالباً كان الالتئام غير رسمي, لأنه كان غير عادي (عدد 47). والمراد يقوله: "في تلك السنة", إن قيافا كان رئيساً للكهنة في السنة الموعودة – كدت أقول المشئومة! لأن لتلك السنة مقاماً خاصاً في ذهن البشير فهي نقطة الارتكاز في التاريخ. وغالباً قال البشير: "في تلك السنة", تنويهاً بالتقلقل الذي كان يتهدد وظيفة رئيس الكهنة في تلك الأيام[8].

فاه قيافا بنصيحة التي أملاها عليه القدر الساخر. فلنتأمل في:

«أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئاً 50ولاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ

(أ) نغمتها: كان قيافا من فئة الصدوقيين الذي عرفوا بالخشونة والعجرفة, فلم تبرحه خشونته وهو يتحدث إلى الفريسيين بنغمة العالم المتجبر: "أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون " (أعمال 4: 6 و 5: 17).

(ب) غايتها: "خير لنا... ". كان قيافاً رئيساً للكهنة في تلك السنة", فكان إذاً بحكم وظيفته متكهنا بمقاصد الله, وناطقاً بلسانه, ومترجماً عن فكره (خروج 28: 30 وعدد 27: 21 و 1صم 30: 7). فمع أنه لم يكن نبياً في ذاته, لأن أخلاقه بعيدة كل البعد عن صفات الأنبياء, سيما لأنه مقام في وظيفته بيد الرومان, لا بإرادة الشعب, إلا أنه كان يتقلد الوظيفة الكهنوتية, وكان "الأوريم والتميم". أداة التكهن بالمستقبل – في قبضة سلطانه. لذالك سخرته العناية فتفوه بـ "نبوة", وهو لا يدري. فجاءت منه "رمية من غير رام". إذا كان هذا الرجل أحكم من نفسه (7: 27 و 35).

تفوه قيافا بهذه النصيحة, مدفوعاً بـ (أ) حبه لذاته: "خير لنا ". (ب) حبه لشعبه وأمته: "يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة". (جـ) عدم تقديره لشخص المسيح: "أن يموت إنسان واحد" – كما لو كان هذا الإنسان, كأي إنسان آخر من البشر - فلا مانع من أن يسفك دم هذا الإنسان الواحد, فدية عن أمة بأسرها. (د) عدم تقديره لمعنى العدالة.

كان هذا قصد قيافا, وقد فاته "أن الساكن في السماء يضحك,

وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا». 51وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ

ويستهزئ به" (مز 2: 4) فسخر القدر رئيس الكهنة الزائف وصيره أحكم مما هو, فلفظت شفتاه كلمات تتفق في ظاهرها مع قصد الله, مع أنها تختلف عنه كل الإختلاف في الباعث عليها وفي جوهرها, وفي نتيجتها.

عدد 51 و 52. كلمة تفسيرية: "ولم يقل هذا من نفسه..". إن وجه الحق في كلمة قيافة, هو أن موت المسيح فدائي. من أجل ذلك, تبرع يوحنا البشير لهذه الكلمات بلقب "نبوة" مع أنها لا تحمل من علامات النبوة إلا صورتها. ويعتقد بعضهم, أن البشير قال هذا تهكما. كأنه والقدر يسخران بقيافا.

إن الذي دفع قيافا إلى النطق بهذه الكلمات, باعث شيطاني, سداه حب الذات ولحمته الحرص على المصلحة المادية. أما جوهر نصيحة قيافا صلب المسيح, وهو حب التضحية لأجل الآخرين. أما جوهر نصيحة قيافا فينم عن ظلم فاحش, لأنها ترمي إلى الموت البار عن الأثمة قسراً واعتباطاً, مع أن جوهر الفداء الإلهي هو موت البار عن الأثمة, تقديسا للعدالة, وتنزيها لقداسة الإله البار الذي قال "إن أجرة الخطية هي الموت".

كان يعتقد قيافا أن موت المسيح, خير وسيلة لحفظ كيان الشعب اليهودي, ماديا, واجتماعيا. لكن موت المسيح, كان في تدبير الله, المعول الذي هدم كيان الشعب اليهودي. فبسببه نقض الهيكل الذي كان رمز آمالهم, وحامل لواء مجدهم. وبسببه تشتت الشعب اليهودي وتفرقوا أيدي

مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ 52وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللَّهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ. 53فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ

سبا, حتى لقد قيل: لا يوجد أقوى من اليهود أفراداً, وأضعف منهم جماعة وشعباً. وبسببه طارت ملائك المجد من موضع "الشكينا" في الهيكل وكتب عليه: "إيخابود" – "زال المجد". وبسببه إنشق حجاب الهيكل، وصار دم المسيح – حسب طلبهم – "عليهم وعلى أولادهم إلى الأبد".

على أن موت المسيح، وإن كان قد وضع جمرة نار حامية، على رؤوس اليهود، بخلاف رأي قيافا، إلا أنه كان بردا وسلاما على أبناء الله المؤمنين في كل العالم: "ليجمع أبناء الله المتفرقين" – في شتات اليونانيين وسائر الأمم – "إلى واحد" – أي إلى جسد واحد رأسه المسيح.

إذا أردنا أن نعرف من هو النبي الحقيقي, فهو يوحنا لا قيافا. ذلك لأن يوحنا رفع عينيه الشبيهتين بعيني النسر, وتتطلع إلى المستقبل البعيد, فرأى "الخراف التي ليست من هذه الحظيرة" – من الذين لم يكونوا بعد مؤمنين بالمسيح, لكنهم مع ذلك كانوا أبناء الله بحق امتلاكه إياهم, وباعتبار ما سيصيرون إليه, وبين لنا أن المسيح مات ليجمع هؤلاء المتفرقين في أطراف الأرض, إلى حظيرة واحدة, بل إلى جسد واحد رأسه المسيح.

عدد 53. الأثر الذي تركته مشورة قيافا: "فمن ذلك الوقت تشاوروا يقتلوه". يستدل من قوله: "فمن ذلك الوقت", أن مشورة قيافا صادفت هوى في أفئدتهم, فصارت نواة لمؤامرات عديدة دبروها في الخفاء ضد

تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ. 54فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضاً يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ علاَنِيَةً بَلْ مَضَى مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْكُورَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا أَفْرَايِمُ وَمَكَثَ هُنَاكَ مَعَ تلاَمِيذِهِ. 55وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيباً. فَصَعِدَ كَثِيرُونَ مِنَ الْكُوَرِ إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبْلَ الْفِصْحِ

الفادي. فكان قيامة لعازر كانت تحريضاً لليهود على قتل المسيح. وكم من خير يعمل في هذه الحياة, فينتج شراً, إلى حين. وإنما الغلبة النهائية للخير.

فترة هادئة (11: 54-57)

عدد 54. عزلة المسيح وتلاميذه في أفرايم: "فلم يكن يسوع أيضاً يمشي بين اليهود علانية" – لا خوفاً ولا تخوفاً – لكن لأنه لم يرد أن يستقدم ساعة صليبه, فلم يشأ أن يتعرض لأخطار كان في غنى عنها – "بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى المدينة يقال لها افرايم ومكث هناك مع تلاميذه". إن موقع مدينة أفرايم, شمال غربي أريحة وتبعد عن أورشليم نحو 24 كيلو متر إلى الشمال الشرقي. وفي أيامنا تقوم في موضعها "قرية الطيبة" (أنظر 2 أي 13: 19).

التجأ المسيح مع تلاميذه إلى هذا المكان الهادىء, وما من شك إن أفكاره كانت مشتغلة بالصليب. ولا يبعد إنه في ذلك الحين, أسر لتلاميذه الشيء الكثير عن آماله وزودهم لتلك المعركة الفاصلة التي كانت تنتظره وإياهم.

عدد 55 و 56. مناجاة المعيدين من جهته: "وكان فصح اليهود

لِيُطَهِّرُوا أَنْفُسَهُمْ. 56فَكَانُوا يَطْلُبُونَ يَسُوعَ وَيَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَهُمْ وَاقِفُونَ فِي الْهَيْكَلِ: «مَاذَا تَظُنُّونَ؟ هَلْ هُوَ لاَ يَأْتِي إِلَى الْعِيدِ؟» 57وَكَانَ أَيْضاً رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ قَدْ أَصْدَرُوا أَمْراً أَنَّهُ إِنْ عَرَفَ أَحَدٌ أَيْنَ هُوَ فَلْيَدُلَّ عَلَيْهِ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ.

قريباً. فصعد كثيرون من الكور" – أي من الريف – "إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم" (تك 35: 2 وخروج 19: 10 و 11 و 2 أي 30: 16-20 وأعمال 21: 24).وقد جاء في التلمود: "ينبغي لكل شخص أن يطهر قبل العيد". حالما وصل هؤلاء المعيدون إلى أورشليم, توجهوا إلى الهيكل, وهناك بدؤوا يتساءلون عن إمكانية مجيء المسيح إلى العيد. ولا يهمنا من تساؤلهم هذا, إلا كونهم ذكروا المسيح في الهيكل. هذه شهادة ضمنية على أن من أراد المسيح فيطلبه "هيكل قدسه". إن تساؤلهم هذا لا ينم عن حب ولا عن عداء.

عدد 57. الذئاب المتعطشة لدم البار: "وكان أيضاً رؤساء الكهنة الفريسيون قد أصروا أمراً إنه إن عرف أحد أين هو, فليدل عليه لكي يمسكوه" – هذه حلقة جديدة تضم إلى سلسلة مؤامراتهم على قدوس الله, وقد حرص يوحنا البشير على أن يستعرض أمامنا سلسلة مؤمراتهم في حلقات متتابعة متدرجة (أنظر 5: 16 و 18 و 7: 32 و 9: 22 و 11: 53).

إن رؤساء الكهنة هم أرباب السلطة التنفيذية. والفريسيون هم أصحاب الفكر المدبر. (7: 45).


4- يعتقد هنجستنبرج – على غير أساس متين – أن سمعان الأبرص هو سمعان الفريسي, وإن مريم هذه هي "الخاطئة" التي وردت ذكرها في لوقا 7, وأنها هي بذاتها مريم المجدلية التي اتخذت محدل مسرحاً غير النزيهة. وأنها في آخر أيامها تابت ورجعت إلى الله, وأن أختها مرثا كانت زوجة سمعان الأبرص, وكان يعيش معها في هذا البيت, أخوها لعازر وأختها مرثا!!؟

5- استيضاحاً لهذا, اطلب شرح عدد 6

6- بهذا قضت عادات اليهود, أن يدفنوا الميت في يوم وفاته من غير إبطاء.

7- كان يعتقد كثيرون من اليهود, سيما شيعة الفريسيين, أن كثيرين من الراقدين في التراب سيقومون من الموت, استعدادا لمجيء "مسياً". وكان اعتقادهم هذا مؤسسا على تفسيرهم لما جاء في دانيال 12: 2 و 2 مكابيين 7: 9 و 14 (أحد الأسفار غير القانونية).

8- يعتقد يوحنا "فم الذهب" وكيرلس الاسكندري, أن الروح الإنسانية في المسيح, قد ملكها التأثر حين رأى الفادي دموع الباكين, ولكن الروح اللاهوتية فيه, قد حجزت تأثرات الروح الإنسانية, فحدث هذا الاهتزاز كما تحدث الهزات الطبيعية نتيجة احتباس قوات ثائرة. ويشاركهما في هذا الرأي الدكتور دافيد براون.

9- ثلاث مرات ذكر في الإنجيل, أن المسيح بكى – هنا, وعند دخوله أورشليم (لوقا 19: 41), وفي جشيماني (عب 5: 7).

10- وردت الكلمة الآتية في تلمود اليهود, وهي تريق نوراً ساطعاً على كلمات مرثا: لا يبلغ الحزن على الميت أشده, إلا بعد اليوم الثالث. لأن روح الميت تظل حائمة حول القبر مدة ثلاثة أيام آملة أن تعود إلى الجسد الذي منه خرجت, ولكنها بعد اليوم الرابع, إذا ترى أن الجسد بدأ في الانحلال, تتركه قاصدة موضعها في عالم الأرواح.

11- جاء في تاريخ يوسيفوس: إن الحاكم الروماني فاليرموس جراتوس, عزل رئيس الكهنة حنان وأقام إسماعيل بدلاً منه. وبعد فترة وجيزة عزل إسماعيل وأقام اليعازر بن حنان عوضاً عنه. وبعد مضي سنة واحدة عزل اليعازر ونصب سمعان مكانه. وهذا الأخير لم يظل في وظيفته غير عام واحد, ثم عين بدلاً منه يوسف الملقب قيافا الذي ظل في وظيفته أحد عشر عاماً.

التعليقات   
#1 mena 2017-03-30 10:15
ما وجة الشبة بين معجزة تحويل الماء الي خمر في يوحنا 2 ومعجزة اقامة لعازر في يوحنا 11
أضف تعليق


قرأت لك

التبرير بالايمان

في عام ١٥١٠ وصل راهب من المانيا الى روما وكان جسده الناحل ووجهه الشاحب وعيناه الغائرتان، تنمّان عما في نفسه من عذاب . لقد زار الدير في احدى مدن المانيا وصلى وصام وأذلّ جسده طالباً السلام، يأمل ان يجده في روما بزحفة على ركبتيه على السلم البابوي. وفي هذا الوقت وضع الرب أمامه الاية التي تقول "البار بالايمان يحيا" فقاد ذلك مارثن لوثر ليؤمن ان التبرير بالايمان. وكل قلب متعب يستطيع ان يجد السلام في قول الكتاب "فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة