تفاسير

وادي الآلام

القسم: إنجيل يوحنا.

اَلأَصْحَاحُ الثَّامِنُ عَشَرَ

 

يتقدم بنا هذا الإصحاح، إلى مرحلة جديدة في حياة سيدنا وفادينا، فنجتاز معه وادي الآلام والتضحية، ونرتقي معه إلى عرش المجد والخلود. ولقد كتب البشير في هذا الفصل الختامي من حياة المسيح، حوادث مررنا بها في كتابات سائر البشيرين أو بعضهم، وأغفل عمداً أشياء ذكروها هم، وحدثنا عن تفصيلات لم يسجلها سواه. ولله در هذا البشير، فلا يوازي إجادته فيما كتب، سوى إجادته فيما أغفل. وما من شك في أنه كان عالماً بما كتب سائر البشيرين من قبل. وفي الوقت نفسه احتفظ لنا بالتفصيلات الدقيقة التي تظهر جلال "الكلمة المتجسد". على أن هذا لم ينسه أن يصور لنا اتضاع المسيح، المتغلغل في مجده، واضعاً نصب عينيه هاتين الحقيقتين: تبيان نضوج عدم الإيمان في قلوب أعداء المسيح، واكتمال الإيمان في قلوب أحبائه.

فمن الحوادث التي تفرد يوحنا بذكرها: كلمات المسيح التي خاطب بها الذين ألقوا القبض عليه (18: 4 – 9)، وفحصه أمام حنان (18: 13 – 24)، وخروج بيلاطس إلى اليهود للتشاور معهم في بدء المحاكمة السياسية (18: 18 – 32)، وخلو بيلاطس إلى المسيح ليفحصه على انفراد (18: 33 – 37 و 19: 9 – 11)، واستهزاء الجند الرومان به كملك (19: 2 و 3)، وخروجه حاملاً إكليل الشوك ولابساً ثوب الأرجوان مما دعى بيلاطس إلى أن يشير إليه قائلاً: "هوذا الإنسان !" ! (19: 4 و 5)، وتمسك بيلاطس بما كتب (19: 21 و 22)، ووصية المسيح الأخيرة بشأن أمه (19: 25 – 27)، وإفصاحه عن عطشه (19: 28 – 30)، والحربة التي طعن بها في جنبه (19: 31 – 37)، والخدمة الأخيرة التي قام بها نيقوديموس لسيده (19: 39).

ومن الحوادث التي أغفلها يوحنا عمداً، نظراً لسبق تدوينها في كتابات سائر البشيرين أو بعضهم: - مجاهدة المسيح في جثسيماني (متى ومرقس ولوقا)، القبلة الغادرة (متى ومرقس ولوقا)، فحص المسيح أمام السنهدريم في جلسة الظلام، والشهود الزور، والإقرار العظيم (متى ومرقس). الاستهزاء به كنبي، جلسة السنهدريم الصباحية (متى ومرقس ولوقا). الاستهزاء به بعد المحاكمة (متى ومرقس)، تسخير سمعان ليحمل الصليب، هزء الناظرين، تعييرات اللصين (متى ومرقس ولوقا)، صراخه قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تركتني"، انشقاق حجاب الهيكل (متى ومرقس)، اعتراف قائد المئة (متى ومرقس ولوقا).

وهنالك تفصيلات أخرى، انفرد بذكرها واحد من البشيرين، فأغفلها يوحنا قصداً. فمنها: رسالة زوجة بيلاطس. غسل بيلاطس يديه، قضاء اليهود على أنفسهم (متى). وهروب الشاب الذي تخلى عن إزاره، سؤال بيلاطس الخاص بموت المسيح (مرقس). وفحص المسيح أمام هيرودس، عويل بنات أورشليم، ثلاث من كلمات الصليب، توبة أحد اللصين (لوقا).

ومن الأمور التي امتازت بها آلام المسيح في هذه البشارة: (1) إنها آلام اختيارية (18: 4 و 8 و 11و 36و 19: 28 – 30). (2) أنها جاءت متممة لتدبير أزلي (18: 4 و9 و 11 و 24 و 28). (3) أنها آلام تشف عن المجد الذي يشع منها (18: 6 و 20و 37 و 19: 11 و 26 و 37).

ومع أننا لا نعلم بالضبط، الأوقات التي تمت فيها حوادث الآلام، إلا أنه في إمكاننا أن نعين لها وقتاً تقريبياً، إستناداً إلى ما كتبه سائر البشيرين، وإلى ما جاء في التلمود اليهودي، وكتابات الثقات المسيحيين:

الساعة 1 صباحاً... مجاهدة المسيح في جشيماني، وإلقاء القبض عليه، (بعد منتصف الليل) والذهاب به إلى دار رئيس الكهنة

الساعة 2 صباحاً... المحاكمة الابتدائية أمام حنان

الساعة 3 صباحاً... فحص المسيح أمام قيافا والسنهدريم في التئام فوق العادة

الساعة 5 صباحاً... الحكم الرسمي الذي أصدره السنهدريم في مكان التئامه الرسمي (لو22: 26 و متى 27: 1).

الساعة 2/1 5 صباحاً... فحص المسيح أمام بيلاطس، وجلده، واستهزاء الجند به لأول مرة

الساعة 6 صباحاً... فحص المسيح أمام هيرودس

الساعة2/ 1 6 صباحاً... حكم بيلاطس عليه (يو 19: 14)

الساعة 7 صباحاً... استهزاء الجند به للمرة الثانية

الساعة 9 صباحاً... بدء الصلب ورفض المسيح أن يشرب من الخل الممزوج بمرارة الذي قدم له كمخدر (مر15: 25)

الساعة 12 ظهراً... وصيته الأخيرة بشأن أمه

الساعة 12 – 3 مساء... الظلام (مت27: 45 ومر15: 33 ولو23: 44)

الساعة 3 مساء... نهاية الصلب

1قَالَ يَسُوعُ هَذَا وَخَرَجَ مَعَ تلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ

ينقسم هذا الإصحاح والإصحاحات التي تليه إلى ستة أقسام رئيسية:

أولاً: الأسير المتطوع (18: 1 – 11). ثانياً: المحاكمة الدينية (18: 12 – 27). ثالثاً: المحاكمة السياسية (18: 28 – 19: 16 (أ) ). رابعاً: الصلب (19: 16 (ب) – 42). خامساً: القيامة (20: 1 – 31). سادساً: تتمة البشارة (21: 1 – 25).

أولاً: الأسير المتطوع (18: 1 – 11)

عدد 1 – 3. فرقتان متناقضتان، تلتقيان في البستان: من المكان الذي ألقى فيه المسيح الجزء الثاني من خطابه الوداعي، وشفعه بصلاته الشفاعية خرج ومعه تلاميذه إلى عبر وادي قدرون[1]، الواقع عند منحدر وادي يهوشافاط – بين جبل الهيكل وجبل الزيتون.

يمتد وادي قدرون مبتدئاً من نقطة تبعد نحو ميلين شمالي أورشليم، ويسير إلى الجنوب عشرين ميلاً، ثم ينتهي بالبحر الميت. وهو على الغالب جاف مدة تسعة شهور في السنة، وفي الثلاثة الأشهر الباقية، يكون منهلاً صغيراً عليه جسر صغير يؤدي إلى بستان على الضفة اليمنى، حافل بأشجار زيتون عتيقة. هذا هو بستان جثسيماني الذي تعود المسيح أن "يجتمع فيه مع تلاميذه" بما فيهم يهوذا. قديماً قصد هذه البقعة عينها، أب هارب من وجه ابنه المتمرد، وصديقه الخائن (2 صم 15: 23). والآن قصدها "الابن الوحيد" الذي سر به الآب، وخانه أحد أصدقائه.

حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتلاَمِيذُهُ. 2وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ لأَنَّ يَسُوعَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيراً مَعَ تلاَمِيذِهِ. 3فَأَخَذَ يَهُوذَا

إن يوحنا هو البشير الوحيد، الذي أعلمنا أن في هذا المكان "بستاناً" قديماً، خذل آدم الأول في بستان، فصار خذلانه وبالاً وعاراً عليه وعلى أبنائه. وفي بستان أيضاً، انتصر آدم الثاني، فأضحت نصرته مجداً وفخاراً له ولتباعه فمحت حسنات جثسيماني سيئات عدن !

يستفاد من قول البشير: "وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع"، إن علم يهوذا بهذا المكان، كان من السباب التي حدت بالمسيح أن يختار هذا المكان في هذا الظرف الخاص. لنه بعد أن أكل الفصح المشتهى مع تلاميذه، وشجعهم بكلماته المعزية، وسندهم بشفاعته المقتدرة، لم يجد بداً من أن يمهد الطريق أمام مسلميه. لأن "الساعة" دقت ليرتفع على الصليب.

في تلك الليلة الموعودة، وقمر الفصح يسطع بجماله وكماله، صار هذا البستان التاريخي، ملتقى فرقتين على طرفي نقيض – إحداهما: جماعة خرجت من نور إلى نور، وعلى رأسها الفادي الأمين. والثانية: عصابة خرجت من ظلام إلى ظلام بزعامة يهوذا الغادر الخؤون. كانت عصبة الظلام حاملة "مشاعل ومصابيح وسلاحاً" – كما في حرب رسمية، حامية الوطيس. ولعلهم حملوا المشاعل والمصابيح مخافة أن يكون المسيح مختبئاً تحت ظلال إحدى أشجار الزيتون الكثيفة. وتسلحوا بالسلاح مخافة أن تبدو من الفادي، أو من أحد تلاميذه، أية مقاومة. أما فرقة النور، فلم تحمل معها مشاعل

الْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. 4فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي

أو مصابيح، لأن "نور العالم" كان يتقدمها. ولم تتسلح إلا "بالحق" الذي معها. كانت عصابة الظلام مؤلفة من جند الحامية الرومانية التي كانت محتلة قلعة أنطونيا، في زاوية الهيكل الشمالية الغربية، وعلى رأسها قائدها (عدد 12)، ومن "خدام" السنهدريم الذين أخذهم يهوذا "من عند رؤساء الكهنة و الفريسيين". ومن فرط عداء رؤساء الكهنة والفريسيين ليسوع، نسوا أحقادهم القديمة أمام هذا "الخصم" المشترك، وتبرع رؤساء الكهنة بخدامهم الخصوصيين (عدد 10و 12)، لتنفيذ فكرتهم الأثيمة. أما فرقة النور، فلم يكن فيها سوى الصيادين المساكين، وعلى رأسهم "حمل الله الوديع". ففي هذا البستان التاريخي ، التقت المحبة المتجسدة، بالعداوة مجسمة. وتقابل "الحق" مجرداً، بالباطل مسلحاً. فانكسرت العداوة أمام المحبة، وصرع الباطل أمام "الحق".

عدد 4 – 9 (2). الجنود الساقطون عند قدمي الأسير المتطوع –

عدد 4 . (أ). السؤال الهادئ: "فخرج يسوع وهو عالم ... وقال لهم من تطلبون"؟ يذكرنا هذا القول بفاتحة الإصحاح الثالث عشر: "وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب..... قام عن العشاء". إننا مدينون ليوحنا البشير، بوصف المهابة السماوية التي كانت تحف بالمسيح، في موقفه هذا. ولا شك في أن المسيح الذي جاهد في

عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» 5أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ».

جثسيماني وغلب، قد حمل معه نتائج هذه الغلبة، فخرج من صفوف التلاميذ، وانبرى لعصابة الظلام بثقة الظافر المنتصر "وقال لهم من تطلبون" ؟ الآن جاء وقت "قبلة" يهوذا التي حدثنا عنها سائر البشيرين. والظاهر أن يهوذا قبل سيده حالما التقى به – ولكن في انزعاج وارتباك، وفي ضوء أنوار المشاعل الخادعة، فلم يلحظه فيها أغلب الذين كانوا معه، ثم تراجع مندمجاً في العصابة التي كانت معه. عندئذ، سألهم المسيح قائلاً: "من تطلبون" ؟.

إن فادينا الشجاع، لم يرغب في أن يبقى منتظراً حتى يمسك من أعدائه وربما سأل هذا السؤال، ليمنع أي اعتداء كان يمكن أن يوجه من الجنود إلى تلاميذه. ولعله قصد أن يجعل من سؤاله هذا. آخر سهم يصوبه نحو قلب يهوذا وعصابته: "من تطلبون" ؟ - هذا عين السؤال الذي وجهه المسيح إلى تلميذيه الأولين – وكان يوحنا البشير أحدهما (1: 38)، فكان سؤاله لهما، سبباً في اتباعهما إياه، وكان نفس هذا السؤال ممهداً لأعدائه سبيل القبض عليه. وكذلك النار، تذيب الشمع، وتقسي الطين !

عدد 5 .(ب). الجواب الجرئ: "أجابوه يسوع الناصري". لو كان في قلوب أولئك الناس أثر من الإنسانية التي تعرف الحياء، أو بقية من النور الإلهي الذي يرجع الإنسان عن غوايته، لتراجعوا عن قصدهم. لكنهم قوم عميان – يفكرون بعقول غيرهم، ويعيشون بقلوب رؤسائهم، لا بقلوبهم هم. فأجابوه: "يسوع الناصري" ! هذا جواب ينم عن شئ من التحقير والازدراء. وقد غاب عنهم أن الذي يكلمهم، هو الذي كانوا يطلبون. ويا ليتهم طلبوه ليتعلموا منه فكانوا إذاً به يخلصون !

». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. 6فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا

(ج) الرد القاطع: "قال لهم يسوع أنا هو". هذا جواب مرهف كالسيف، شديد كالصاعقة، خاطف كالبرق. مرهب بحدته، مفحم بصراحته. ولكم من المرات نطق المسيح بهذه العبارة مشجعاً تلاميذه – ويهوذا بينهم – في أوقات عصيبة (6: 20 و8: 24و28و58 و13 : 19 ). ولكنه في هذه المرة قال نفس هذه العبارة، لرجال الظلام – ويهوذا بينهم: "وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم" – مذهولاً من هول هذا الجواب، الذي وقع عليه وقع الصاعقة. قال المسيح " أنا هو"، لكي يميزوه من تلاميذه. فكان في قوله هذا مقداماً، سخياً بحياته، ضنيناً بحياة تلاميذه من أن تذهب ضياعاً.

عدد 6 (د) تأثير هذا الرد القاطع: "فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض". إن المجد الإلهي الممتاز الذي أحاط بالمسيح، وشعت أنواره منه على جبل التجلي، كان يحف به في هذا الظرف أيضاً، فملأ قلوب هذه العصابة فزعاً ورعباً. ومن تأثير هذا المجد عينه، سقط على الأرض شاول الطرسوسي، وكل من كانوا معه ( أعمال26: 14).

يقول أغسطينوس:"إذا كان هذا مقدار تأثر الأشرار من رؤيتهم وجه المسيح، وسماعهم صوته، وهو يقدم نفسه بين أيديهم أسيراً، فكم يكون مبلغ تأثرهم من رؤيتهم وجهه الوضاح، وسماعهم صوته الرهيب، حين يجلس على عرش الدينونة والقضاء !؟ ".

عَلَى الأَرْضِ. 7فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». 8أَجَابَ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا

عدد 7 . (ه) السؤال المكرر: "فسألهم أيضاً من تطلبون" ؟ لو لم يكن المسيح متقدماً إلى الصليب طائعاً مختاراً، لكانت هذه أنسب فرصة يهرب فيها. وهل مثله يهرب، وهو الذي قال: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً" (10: 18) ؟ يستنتج من سياق الكلام هنا كما ورد في الأصل – أنه بعد أن سقط طالبوا المسيح على وجوههم إلى الأرض، تقدم المسيح، وأقامهم، وأعاد عليهم نفس السؤال، ولكن بنغمة أقوى. فكان كلامه لهم على مثال قوله ليهوذا: "يا صاحب لماذا جئت" (متى26: 50)

(و) الجواب المكرر: "أجابوه يسوع الناصري" ! مع أن المجد الذي كان يحف بالمسيح، أقنعهم بأنه هو مسيح الله، إلا أنهم لم يتزحزحوا عن اللقب الوضيع الذي تلقنوه من رؤسائهم، ولم يتحولوا عن قصدهم، فقالوا: "يسوع الناصري". ولعلهم أجابوا هذا الجواب، تهيباً. بعد أن أخذوا بجلاله.

عدد 8و 9. (ز) المخلص المفتدي: "أجاب يسوع، قد قلت لكم إني أنا هو فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون". إلى الآن لم يكن التلاميذ مستعدين للموت – لا مع فاديهم ولا من أجله، ولكن بعضاً منهم صاروا أهلاً لهذا الشرف فيما بعد. ولو قدر لهم أن يموتوا في هذا الوقت، لذهبت

هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». 9لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً».

10ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى.

دماؤهم هباء. لأن لا قيمة لذبيحتهم، إلا بعد ذبيحنا الأعظم. وما دام دم المسيح وحده كافياً للتكفير عن خطايا البشر، فلم يكن ما يدعوا إلى إضافة دماء التلاميذ عليه، ليكون مجد الفداء له هو وحده. ألا أن كفارته عنا، كافية شافية.

رأى يوحنا أن هذه الكلمات، التي نطق بها المسيح، متممة لقوله في صلاته الشفاعية: "إن الذين أعطيتني لم يهلك منهم أحد" (17: 12). ويمكننا أن نرى فيها أيضاً مثالاً لما عمله المسيح في كفارته العظمى. حين ذاق كأس الموت ليروينا نحن بكأس الحياة. وقدم ذاته للأسر، ليحررنا نحن.

عدد 10. (ح) المدافع المقحام: "ثم أن سمعان بطرس كان معه سيف فاستله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى. وكان اسم العبد ملخس" . علمنا من لوقا 22: 38، أن الرسل حملوا معهم سيفين قبل ذهابه مع سيده إلى جبل الزيتون، وهنا يقول يوحنا: "إن سمعان بطرس كان معه سيف فاستله" . هذا دليل غير مقصود على صدق رواية البشيرين. وعلى أن رواية أحدهم مكملة لرواية الآخر، ومفسرة لها ومؤيدة. فقد اتفقت كلمة يوحنا ولوقا على أن سيف بطرس أصاب العبد في "أذنه اليمنى" لوقا22: 50 ويوحنا18: 10) ، غير أن يوحنا، لكونه معروفاً عند

وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. 11فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «ﭐجْعَلْ سَيْفَكَ

رئيس الكهنة أكثر من رفاقه قد أعلمنا باسم عبد رئيس الكهنة: "ملخس" .[2] كما أن لوقا، لكونه طبيباً، اهتم بذكر معجزة الشفاء التي أجراها المسيح في أذن هذا العبد.

كان بطرس في عمله هذا، مدافعاً عن سيده دفاعاً ينم عن حبه الخالص له. ولعله قصد بدفاعه هذا، أن يؤيد وعده بأن يموت من أجل سيده (13: 37). فكان بطرس في كلا دفاعه ووعده مقتحماً جباناً. وربما لأجل هذا السبب، ذكره يوحنا هنا باسمه القديم: "سمعان"، لا باسمه الجديد:"بطرس".

لماذا يا بطرس أشهرت سيفك على عبد رئيس الكهنة، ولم تبقه لرئيس الكهنة نفسه؟ أليس هذا جبناً منك ؟ ولما أشهرت سيفك على عبد رئيس الكهنة، لماذا نبا بك فأصاب الأذن اليمنى، بدلاً من أن يصيب الرأس ؟ أليست هذه ضربة طائشة ؟ أوليس هذا كله نتيجة نومك العميق أثناء جهاد سيدك في جثسيماني، فصدرت عنك ضربتك وأنت بين نائم ومستيقظ ؟

عدد 11. (ط) الصبور المسلّم: "فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد، الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها" ؟ يتألف هذا العدد من شطرين : الشطر الأول، أظهر فيه المسيح عدم رضاه عن دفاع بطرس: "اجعل سيفك في الغمد". لأن بطرس بدفاعه عن سيده على هذه الصورة، كاد ينتزع من فم المسيح حجته التي فاه بها أمام بيلاطس: "مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون" (18: 36)

فِي الْغِمْدِ. الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ ألاَ أَشْرَبُهَا؟».

إن عدم رضى المسيح عن دفاع بطرس الغشوم، يماثله عدم رضاه عن وعده المقحم (13: 38). فكلاهما صدر عن بطرس في وقت كانت فيه العوامل الجسدانية متسلطة عليه. والشطر الثاني، عبر به المسيح عن رضاه التام بإرادة الآب: "الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها". ترمز "الكأس" إلى النصيب الذي عينه الله لكل واحد. وهي في هذه القرينة ترمز إلى إرادة الآب من جهة المسيح. وقد يعبر ب "الكأس" عن السرور (مذ 23: 5)، أو عن الألم (متى 26: 38). إن قول المسيح هذا يذكرنا بصلاته في جثسيماني (متى 26: 39 و 42). فيوحنا ذكر جثسيماني تلميحاً، ولو لم يذكرها تصريحاً (انظر أيضاً يو 12: 27 و 28).

جميل أن المسيح قال إنه أعطي هذا الكأس "من الآب" لا من يهوذا ، ولا من رؤساء الكهنة، ولا من الرومان. فلا شئ يحز في قلوبنا حز السكين، نظير الاعتقاد بأن الناس يستطيعون أن يؤذون. ولا شئ يملأ القلب عزاء ونعيما، مثل الاعتقاد بأن يد الله وراء كل يد، وفوق كل يد. هذا هو المثل الأعلى، الذي ضربه المسيح للكنيسة في وقت الألم والاضطهاد، بل هذا ما يصفه يوحنا في رؤياه ب "صبر القديسين".فالمحبة المجاهدة عظيمة حقاً. لكن المحبة المحتملة أقوى وأعظم. كان الصليبيون القدماء شجعاناً. ولكن صليبي القرن العشرين، الذين ينكرون ذواتهم ويضحون بالمال والولد والنفس لأجل المسيح، هم أرفع شأناً، وأوفر شجاعة، وأحق منهم بتاج الخلود.

12ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ وَالْقَائِدَ وَخُدَّامَ الْيَهُودِ

ثانياً: المحاكمة الدينية: (18: 12 – 27)

قال المسيح ليهوذا: "ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة" – وفعلاً تمم يهوذا عمله بسرعة وافرة. وبسرعة أوفر منها، أجريت محاكمة المسيح الدينية، ومحاكمته السياسية. فحوكم المسيح دينياً ثلاث مرات. المرة الأولى: أمام حنان وفي بيته – وغالباً هو نفس البيت الذي أقام فيه قيافا. والمرة الثانية: حوكم فيها أمام مجمع السنهدريم برئاسة قيافا، في جلسة غير اعتيادية انعقدت تحت جنح الظلام. والمرة الثالثة: أمام السنهدريم نفسه في جلسة انعقدت نحو الساعة السادسة صباحاً، في البهو الواقع جنوبي الهيكل، أو في " بيت المدراش". وقد أوقف المسيح أمام السلطات السياسية، ثلاث مرات أيضاً. المرة الأولى: أمام بيلاطس، والثانية: أمام هيرودس، والثالثة: أمام بيلاطس أيضاً. ومن الغريب أن هذه المراحل الست، تمت بغاية السرعة قبل أن تخرج الشمس من حجلتها، لتملأ أرجاء هذا الكون بأشعة أنوارها الذهبية. ما أشبه رؤساء اليهود، بحشرات الظلام، التي تجد وتسعى طوال الليل. ثم تختفي عند طلوع الشمس، لأنها لا تقوى على مواجهة النور ! ولقد كان اليهود في سرعتهم هذه، مدفوعين بعاملين: أحدهما داخلي: وهو أن قلوبهم الوحشية التي كانت متعطشة إلى دماء الفادي، رغبت في أن ترتوي بدماه بغاية السرعة. والعامل الثاني خارجي: وهو أنهم خافوا من أن يتأخروا إلى الصباح، فيستيقظ الشعب اليهودي، ويثور في وجههم، فيضع عليهم مقصدهم.

قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ 13وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً

18: 12 – 14. المسيح أمام حنان – المحاكمة الدينية الأولى

عدد 12 . (1) إلقاء القبض على يسوع: بعد أن أفهم المسيح أعداءه، أن لا سلطان لهم عليه، تقدم متطوعاً مختاراً، مسلماً نفسه إلى أيديهم، ليلقوا القبض عليه. فجاء عمله هذا متمماً لنبوة قديمة: "ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح" (إش 53: 7) . وكما كانت توثق الذبيحة قبل التقدم بها إلى المذبح، كذلك رضي المسيح لأعداءه بأن يوثقوه، متقدمين به إلى الصليب. وقد شاءت الأقدار، أن يشترك الأمم واليهود في التقدم بالمسيح إلى الصليب. فالأمم كانوا ممثلين في "الجند والقائد". وكان اليهود ممثلين في "خدام اليهود". على أن هؤلاء لم يزيدوا عن كونهم مسخرين من رؤسائهم. فنصيبهم في صلب المسيح، كنصيب السكين التي يسفك بها الإنسان دم أخيه الإنسان. تقدم هؤلاء بيسوع قاصدين بيت حنان، فارتقوا المنحدر الذي يوصل بين وادي قدرون والمدينة أورشليم، فدخلوا أبوابها، واجتازوا شوارعها الضيقة المظلمة، وأضواء قمر العيد تسطع فوق سقوفها. ما أشبهها بقلوب الفريسيين التي كانت مرتعاً للظلام، ونور "شمس البر" يشرق حولها !

عدد 13 . (2) المسيح أمام حنان. كان حنان هذا صدوقياً، وقد أتى به هيرودس الكبير الشرير، من الإسكندرية ليقلده وظيفة رئاسة الكهنوت، وها قد بلغ الآن السبعين من عمره. وهو أيضاً صاحب الحق في رئاسة الكهنوت، مع أنه كان متقاعداً عن عمله، لأن الوالي الروماني عزله منذ عشرين سنة، بعد أن قلده هذا المنصب مدة سبع سنين. وكان اعتباره.

لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا الَّذِي كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. 14وَكَانَ قَيَافَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْيَهُودِ

ونفوذه بين قومه أكثر من صهره قيافا الذي "كان رئيساً للكهنة في تلك السنة"، إذ قلده الوالي هذا المنصب، بعد أن عزل على التوالي أربعة من أبناء حنان حميه. ولقد كان كل هذا داعياً إلى تعزيز نفوذ حنان الذي كان يمد هؤلاء الصغار بمشورته. ما أشبهه بحية قديمة تنفث سمومها في أفراخها. فيه يقول التلمود: "ويل لبيت حنان، ويل لأصواتهم التي هي كفحيح الحيات، هم رؤساء الكهنة، أبناؤهم حفظة الخزانة، وأصهارهم ولاة الهيكل وخدامهم يضربون الشعب بالعصي".

لقد اهتم يوحنا البشير بأن يختبرنا "أن الجند والقائد وخدام اليهود مضوا بالمسيح إلى حنان أولا"، قبل أن يذهبوا به إلى قيافا الذي كان رئيساً للكهنة في تلك السنة، لأن حنان كان لا يزال رئيس الكهنة الحقيقي، على رغم كون صهره قيافا رئيس كهنة بحكم القوة السياسية، فكان ثانيهما يتقلد هذه الوظيفة اسميا وصورياً. لذلك كان من الضروري أن يفوز اليهود برأي حنان، في قضية المسيح، قبل أن يعرضوها على قيافا رئيس الكهنة الاسمي، لأن كل عمل يحكم فيه قيافا، من غير أن يأخذ فيه رأي حنان، كان مصيره عدم التنفيذ.

عدد 14 . (3) عدم صلاحية قيافا للحكم في قضية المسيح: "وكان قيافا هو..". من المسلم به شرعاً. في كل القوانين الوضعية، أن القاضي لا يصلح للحكم في قضية ما، متى كان قد سبق فأبدى رأياً فيها: "وقيافاً

أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ.15وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ وَكَانَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. 16وَأَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ وَاقِفاً عِنْدَ الْبَابِ خَارِجاً. فَخَرَجَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ

هذا هو الذي أشار على اليهود أنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب (11: 49 و50).

18: 15 – 18. (1) بطرس ينكر سيده للمرة الأولى – حالما تقدم الجند، والقائد، وخدام اليهود، وقبضوا على يسوع وأوثقوه، "تركه تلاميذه وهربوا" (مر 14:؛ 50). على رغم ما شاهدوه من جلال مجده في البستان، وما قطعوه على أنفسهم من عهود ومواثيق بأن يظلوا أمناء له حتى الموت (مرقس14: 21). والظاهر أنهم لاحظوا ، بعد أن دافع عهم سيدهم (18: 8) ، أن بقائهم معه لا ينفعه، وقد يضرهم. ولكنه جبن على كل حال ! أما يحنا الحبيب، فقد رجع وانضم إلى الجمهور الماشي من البستان إلى دار رئيس الكهنة، ومقبولاً في داره – ربما لمعاملات مادية بين رئيس الكهنة وبينه بحكم صناعته كصياد – دخل مع الداخلين إلى دار رئيس الكهنة.

"أما بطرس" الذي كان تابعاً موكب سيده "من بعيد" (متى 26: 58)، فقد وصل إلى الدر، بعد أن كانت الجارية قد أغلقت الباب، فبقي "واقفاً عند الناب خارجاً" ، "فخرج التلميذ الآخر" – الذي هو يوحنا

الَّذِي كَانَ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَكَلَّمَ الْبَوَّابَةَ فَأَدْخَلَ بُطْرُسَ. 17فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ الْبَوَّابَةُ لِبُطْرُسَ: «أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضاً مِنْ تلاَمِيذِ هَذَا الإِنْسَانِ؟» قَالَ ذَاكَ: «لَسْتُ أَنَا». 18وَكَانَ الْعَبِيدُ وَالْخُدَّامُ وَاقِفِينَ وَهُمْ

غالباً، ويعتقد جودي أن هذا هو يعقب أخو يوحنا – "الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة وكلم البوابة فأدخل بطرس" . إن وقوف بطرس عند الباب خارجا، برهة من الزمن، أعطى الجارية البوابة فرصة لتثبت نظرها فيه "فقالت هذه الجارية لبطرس" ألست أنت أيضاً" – أي مع يوحنا التلميذ المعروف لديها – "من تلاميذ هذا الإنسان" ؟ مسكينة هذه الجارية المستعبدة ! فلعلها ظنت أن اسم يسوع أحقر من أن تتلفظ به، فقالت عنه: "هذا الإنسان" ! وربما كانت سليمة النية في سؤالها هذا، ولم تقصد من ورائه، سوى مجرد الإستقصاء، الذي هو غريزة طبيعية في كل الإنسان . ولو كان بطرس قد أجابها بالإيجاب، لما أصابه حيف أو ضرر، فقد كان معروفاً عن يوحنا زميله، أنه تلميذ المسيح، ولم يوقع به أحد أي أذى. لكن ما الحيلة وقد استرسل بطرس في تخيلاته، فرأى نفسه واقعاً في الخطر، من غير أن يكون هنالك خطر، أو ليس من طبيعة الجبان، أنه متى رأى خيال ظنه رجلاً ؟ أمام هذه المخاوف، تحطمت شجاعة بطرس، فقال للجارية "لست أنا" !

عدد 18 . حلقة الاتصال بين المرة الأولى التي فيها أنكر بطرس سيده، وبين المرتين التاليتين: "وكان العبيد والخدام واقفين وهم قد أضرموا جمراً، لأنه كان برد، وكانوا يصطلون، وكان بطرس واقفاً معهم يصلي" . حدث

قَدْ أَضْرَمُوا جَمْراً لأَنَّهُ كَانَ بَرْدٌ وَكَانُوا يَصْطَلُونَ وَكَانَ بُطْرُسُ وَاقِفاً مَعَهُمْ يَصْطَلِي.19فَسَأَلَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ يَسُوعَ

هذا، في منتصف شهر نيسان (مارس – ابريل) ، والبرد يكون وقتئذ شديداً في أورشليم، لأن هواءها جبلي، فهي مبنية على لسان من الأرض، تفصلها عن بقية البلاد أودية عميقة، تحيط بها من جميع الجهات – إلا جهة واحدة. وهي على ارتفاع 2500 قدم تقريباً، فوق سطح البحر

ذكر البشيرين الأولون، المرات الثلاث، التي فيها أنكر بطرس سيده تباعاً – المرة تلو الأخرى، بصرف النظر عن الوضع التاريخي لكل منها، ليظل الكلام في المحاكمة متصلاً. لكن رتب كلا من هذه المرات الثلاث، في وضعها التاريخي، مع ذكر الملابسات الخاصة التي أحاطت بكل. وهذا مما زاد بشارته جمالاً وجلالاً، سيما في عيني رينان، أحد الناقدين الملحدين.

عدد 19 . (4) رئيس الكهنة يستجوب المسيح عن تلاميذه وعن تعليمه: "فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه". في هذا العدد، واصل البشير كلامه الذي قطعه في عدد 15، بمناسبة ما كتبه عن إنكار بطرس لسيده. فالكلام فيه، متصل بالكلام الذي مررنا به في عدد 14.

يظن بعض المفسرين، إن "رئيس الكهنة" المقصود هنا، هو قيافا اعتقاداً منهم أنه لا يجوز إطلاق لقب "رئيس الكهنة"، إلا على من يتقلد هذه الوظيفة بالفعل، مستندين في ذلك إلى ما جاء في عدد 24. ونميل نحن إلى الاعتقاد بأن "رئيس الكهنة" المقصود هنا، هو حنان، لأنه كان

عَنْ تلاَمِيذِهِ وَعَنْ تَعْلِيمِهِ. 20أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ علاَنِيَةً.

لا يزال حاملاً هذا اللقب على رغم كونه متقاعداً وقتئذ، بدليل ما جاء عنه في أعمال 4: 6، حيث ذكر اسم حنان مشفوعاً بلقب "رئيس الكهنة" ، بينما ذكر اسم قيافا مجرداً عن هذا اللقب. وكذلك يقول يوسيفوس في تاريخه، عن يوناثان بن حنان: "رئيس الكهنة" . (أنظر أيضاً لو 3: 2)ومهما يكن من أمر شخصية "رئيس الكهنة" هذا، فهو على كل حال "رئيس الكهنة" زائف، شاءت الأقدار أن يقف أمامه "رئيس كهنتنا الأعظم" – وهو موثوق.

أليس من نكد الدنيا أن نجد العبد حراً، ولحر مقيداً ؟ !

كان قصد حان باستجوابه المسيح ، أن يوقعه في ورطة كلامية، تكون أساساً لاتهامه رسمياً أمام السنهدريم، وبذا يكون هذا "الحية القديمة" قد كافأ انتظارات اليهود فيه. لذلك ألقى سؤالا ينم عن اتهامه دنئ ليسوع المسيح بأن له تلاميذ معروفين في ضوء النهار، واتباعاً مستورين في الخفاء،ٍٍٍ ومشتركين معه في الذنب. وأن له تعاليم صالحة ينادى بها في وضح النهار، وتعاليم أخرى غير قويمة يوسوس بها في وضح النهار، وتعاليم أخرى غير قويمة يوسوس بها تحت جنح الظلام.

عدد20 و21 . (5) جواب المسيح على رئيس الكهنة: "أجاب يسوع أنا كلمت العالم علانية" . أنكر المسيح بشمم وإباء، ما عزاه إليه "رئيس الكهنة" الزائف وأعلن بكلمات واضحة كالنهار، مرهفة كالسيف، قوية كالنور: إن تعاليمه نور، ولا يتسع لها المجال إلا في النور. وأما الظلام، فليسأل عنه أهل الظلام، وعلى رأسهم حنان وصهره قيافا

أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِماً. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. 21لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هَؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا». 22وَلَمَّا قَالَ هَذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفاً قَائِلاً: «أَهَكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟»

وأعضاء السنهدريم، الذين عقدوا مجلسهم تحت جنح الظلام، غير مكترثين قانون ولا نظام: "أنا علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائماً. وفي الخفاء لم أتكلم بشيء" – الآن أصبح المستجوب مستجوباً، وأضحى القاضي متهماً بعدم التبصر والروية، إذ سأله المسيح قائلاً: "لماذا تسألني أنا. اسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم، هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا". ولعل المسيح أراد بقوله هذا، أن يبين لرئيس الكهنة، أن القوانين تقضي بأن لا يقدم أحد للمحاكمة، إلا من قدم في حقه اتهام. أما أن يتبرع هو لنفسه بالاتهام، فهذا أمر لا يعرفه سوى قضاة الظلم والظلام !

عدد 22 . (6) اعتداء أحد الخدام على يسوع: "ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفاً". كان وقع جواب المسيح أليماً على رئيس الكهنة، فظهرت عليه سيماء الخجل والامتعاض. فقصد خادمه الذليل، أن يترضى وجه سيده. وفي ساحة القضاء داس العدالة بقدميه القذرتين، ولطم بيده الدنسة وجه المسيح الوضئ. ياليت هذه اليد قد شلت، قبل أن تمد إلى وجه المسيح الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر ! ولكن ذلك البائس التعيس، قد أراد أن يشتري رضى سيده بهذا الثمن. وما أغلاه من ثمن !

23أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيّاً فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» 24وَكَانَ حَنَّانُ قَدْ أَرْسَلَهُ مُوثَقاً إِلَى قَيَافَا

عدد 23 . (7) جواب المسيح على هذا الإعتداء: يذكرنا تصرف هذا الخادم، بتصرف خادم آخر، أثناء محاكمة بولس الرسول (أعمال 23: 3) . أما هذا الخادم ، فقد تطوع هذه اللطمة. وأم ذاك فضرب بولس بأمر رئيس الكهنة. ولكن بولس لم يستطيع أن يكبح جماح نفسه، وفي ثورة غضبه، تفوه بكلمات اضطر أن يقدم عنها اعتذاراً (أعمال 23: 5) . أما المسيح ، رب بولس فلم يقل كلمة في غير محلها، وإذ وجد نفسه في ساحة العدالة، ورأى العدل مذبوحاً أمام عينيه، والحق مدوساً تحت أقدام البشر، فاه بكلمة حق، مدافعاً بها عن "الحق". ولا عجب. فهو "الحق" مجسماً: "أجاب يسوع إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردى وإن حسناً فلماذا تضربني" ! وجدير بالذكر، أن تصرف المسيح في هذا الظرف، لا ينافي قوله في (متى 5: 39 )فلم يكن عمله هذا سوى تفسير معنوي لما قال هنالك.

عدد 24 . من حنان إلى قيافا – المحاكمة الدينية الثانية "وكان حنان قد أرسله موثقاً إلى قيافا" . ذكر يوحنا هذه العبارة، دفعاً لتصور القارئ، أن يسوع لم يحاكم دينياً إلا أمام حنان. فأشار إلى المحاكمة الثانية التي سب فكتب عنها متى ومرقس بإضافة (متى26: 59 – 66 ومرقس 14: 55 – 64). إن الترجمة الصحيحة للعبارة الأولى من هذا العدد، هي: "وأرسله حنان موثقاً إلى قيافا" . (أنظر هامش الترجمة العربية المعرفة

رَئِيسِ الْكَهَنَةِ.25وَسِمْعَانُ بُطْرُسُ كَانَ وَاقِفاً يَصْطَلِي. فَقَالُوا لَهُ

بترجمة بيروت) . والظاهر أن المسيح، إذ وقف أمام حنان، حلوه من وثقه، وبعد استجوابه، أمر حنان بأن يوثقوه أيضاً، على اعتبار أنه أصبح متهماً شرعاً، وأن يرسلوه إلى قيافا.

عدد 25. (ب) بطرس ينكر سيده للمرة الثانية: من الكلام عن موقف المسيح أمام "رئيس الكهنة"، عاد يوحنا البشير فحدثنا عن سمعان بطرس. وكأن البشير أراد أن يحدثنا في الفصول التي يتألف منها الإصحاح الثامن عشر، عن يسوع وعن سمعان، بالتبادل: في الفصل الأول المبتدئ بالعدد الأول، أخبرنا عن يسوع. وفي الفصل الثاني المبتدئ بعدد 10، كلمنا عن سمعان بطرس. في الفصل الثالث المبتدئ بعدد 12، عاد فحدثنا عن يسوع. وفي الفصل الرابع المبتدئ بعدد 15، عاد إلى سمعان. في الفصل الخامس المبتدئ بعدد 19، استأنف الكلام عن يسوع. وفي الفصل السادس الذي نحن بصدده الآن، عاد أيضاً إلى الكلام عن سمعان بطرس.

إن المرة الأولى التي فيها أنكر بطرس سيده، وقعت في بيت حنان، وكذلك المرة الثانية والمرة الثالثة، لأن عدد 25 يرجع بنا إلى ذات الموقف الذي تركناه في عدد 18: "وكان بطرس واقفاً يصلي". والظاهر أن حنان وقيافا كانا يسكنان داراً واحدة، في محلين تفصل بينهما باحة فسيحة، وأن بطرس أنكر سيده في هذه الثلاث المرات، أمام ذات الأشخاص، وتقريباً في نفس المكان الواحد. ولكن في أوقات مختلفة، ومناسبات متباينة.

في المرة الأولى، أنكر بطرس سيده، نتيجة سؤال الجارية إياه:

«أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضاً مِنْ تلاَمِيذِهِ؟» فَأَنْكَرَ ذَاكَ وَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا». 26قَالَ

"ألست أنت أيضاً من تلاميذه هذا الإنسان ؟" (عدد 17)، ثم خرج خارجاً إلى الدهليز ليتحاشى الاستجواب مرة أخرى. لكنه في هذه المرة الثانية، أنكر سيده نتيجة سؤال وجه إليه من الخدم. وفي الغالب علم هؤلاء الخدم بصلة بطرس بيسوع، من جارية أخرى كانت واقفة على الباب الخارجي المؤدي إلى الدهليز (متى). ولعلها تلك التي قامت بدورها في حراسة الباب بدلاً من الجارية الأولى. على أنه لم يكن هنالك ما يدعو إلى وقوع بطرس مرة ثانية في خطيئته الأولى، لأن الذين سألوه هذا السؤال، لم يقصدوا من ورائه إيقاع الأذى به، ولكن بطرس كان مدفوعاً إلى تكرار خطيته الأولى بعاملين: أولهما – أن الوقوع في خطية لأول مرة، يمهد السبيل للوقوع فيها مرة ثانية، فكأنما كل خطية يرتكبها الإنسان، تختبئ في قلبها مغناطيسية كبرى، تجتذب بها الإنسان إليها. والعامل الثاني: أن بطرس ورط نفسه بوجوده في زمرة الخدم، الذين كانوا جاعلين المسيح البرئ موضوع تسليتهم ومزاحهم، وهم حول النار يستدفئون. وفي الغالب جداً، جاراهم بطرس في محادثاتهم هذه، ولم يبد استنكاراً ولا احتجاجاً. من أجل ذلك كان من الصعب عليه، أن يعلن فيما بعد، أنه من تلاميذ "ذاك" الذي جعله الخدم موضوع مزاحهم.

عدد 26 و 27. (ج) بطرس ينكر سيده للمرة الثالثة: أنكر بطرس سيده في المرتين السابقتين، من غير أن يكون مهدداً بشئ ما. ولكن موقفه في هذه المرة الثالثة كان حرجاً جداً، لأن لغته التي بها أنكر سيده في المرة

وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ: «أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ؟» 27فَأَنْكَرَ بُطْرُسُ أَيْضاً.

الثانية، أظهرته أنه جليلي – فالجليلي يتميز عن سواه من سكان فلسطين، بلفظه حرف "الشين" كأنه "ثاء" أو "سين" وهذا دفع "واحداً من عبيد رئيس الكهنة وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه" إلى أن يواجه بطرس بهذا السؤال: "أما رأيتك أنا معه في البستان" ؟ الآن رأى بطرس نفسه محاطاً بمخاطرة عدة، وأدرك أنه لا محالة واقع تحت المحاكمة نتيجة تعديه على العبد، فاستسلم لقياد المجرب العظيم. ولكي يقدم برهاناً عملياً، على أن مشربه لا يتفق ومشرب ذلك المعلم الجليلي، اندفع – وعادته دائماً الاندفاع – وتمادى في الحلف واللعن، مؤكداً أنه "لا يعرف ذاك". "وللوقت صاح الديك" !

إن إنكار بطرس لسيده في المرتين الثانية والثالثة، حدث أثناء محاكمة المسيح أمام حنان. ومن الغريب أنه حالما انتهت هذه المحاكمة، كان بطرس قد انتهى من إنكار سيده مثنى وثلاث. وفي خروج المسيح من مسكن حنان إلى مسكن قيافا، كان الديك قد صاح. فحانت من المسيح التفاتة[3] إلى

وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. 28ثُمَّ

بطرس "فتذكر كلام الرب يسوع كيف قال له إنك فبل أن يصيح الديك. مرتين تنكرني ثلاث مرات. فلما تفكر به خرج إلى خارج وبكى بكاء مراً".

ثالثاً: المحاكمة السياسية: (18: 28 – 19: 16(أ)) .

انتهت الأدوار الثلاثة، التي تألفت منها محاكمة يسوع الدينية. ففي الدور الأول، حوكم أمام حنان "رئيس الكهنة" الحقيقي المحترم من الشعب. وفي الدور الثاني حوكم أمام مجلس السنهدريم – مجلس السبعين – برئاسة قيافة "رئيس الكهنة" الرسمي في تلك السنة، في جلسة انعقدت خصيصاً تحت جنح الظلام. وفي هذا الالتئام، حكم على المسيح بالإعدام. وفي الدور الثالث حوكم أمام مجلس السنهدريم برئاسة قيافا أيضاً، في جلسة انعقدت عند الساعة السادسة صباحاً، وفيها أيدوا ما قرروه في الجلسة السابقة. على أن اليهود لم يستطيعوا أن ينفذوا في المسيح حكم الإعدام، لأنهم كانوا وقتئذ مستعبدين للدولة الرومانية، التي سلبت منهم هذا الحق (عدد 38)، مع أنها أوهمتهم أنهم مستقلون استقلالاً ذاتياً، إذ صرحت لهم بأن يحاكموا مذنبيهم الدينيين، وأن ينفذوا فيهم ما يصدرون عليهم من أحكام – إلا حكم الموت، فكان عليهم أن يرجعوا في تنفيذ هذا الحكم الأخير إلى رأي الدولة الرومانية. ويقول التلمود: "قبل خرب الهيكل بأربعين عاماً، انتزع من اسرائيل حق الحكم بالإعدام".

ولئن أتيح لليهود مرة، أن يحكموا على استفانوس بالإعدام، وأن ينفذوا فيه هذا الحكم رجماً بالأحجار، أثناء غياب الحاكم الروماني عن أورشليم وقتئذ، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يوقعوا هذه العقوبة على المسيح –

جَاءُوا بِيَسُوعَ

لسببين: أولهما – سبب أرضي، ثانوي، وهو: أن الحاكم الروماني – "بيلاطس"، كان موجوداً في أورشليم آنئذ، لمراقبة اليهود أثناء عيد الفصح. والسبب الثاني – سماوي رئيسي، وهو: أن الله كان قد قضى منذ القديم، بأن يموت المسيح مصلوباً، لتحق عليه اللعنة التي بها يرفع عن العالم لعنة الخطية. فكان من الضروري إذاً، أن يتداخل الرومان في الأمر، ليموت المسيح مصلوباً – حسب أحكام الرومان، لا رجماً بالأحجار – حسب عوائد اليهود (عدد 32).

وكان بيلاطس ممثل الدولة الرومانية في أورشليم وقتئذ. وهو للأسف مجموعة من الأخلاق المتناقضة. فيه اجتمع الجبن بالعنفوان، والغباوة بالحكمة، والعدل بالظلم والعدوان، فيه حاكماً محكوماً، بريئاً مذنباً. ولقد أفاض يوحنا البشير في وصف محاكمة المسيح

أمام بيلاطس، أكثر من سائر البشيرين. ومن المحقق أنه كان شاهد عيان. لن الذي دخل دار رئيس الكهنة مخاطراً بحياته، لم يتردد عن أن يرافق المسيح إلى دار الولاية، وإلى الجلجثة (19: 26).

تقع هذه المحاكمة، كما وصفها البشير، في سبع مراحل:

المرحلة الأولى – خارج دار الولاية (18: 28 – 32). المرحلة الثانية – داخل دار الولاية (18: 33 – 38 (أ) ). المرحلة الثالثة – خارج دار الولاية (18: 38 (ب) – 40). المرحلة الرابعة – داخل دار الولاية (19: 1 – 3). المرحلة الخامسة – خارج دار الولاية (19: 4 – 8). المرحلة السادسة -

مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ

داخل دار الولاية (19: 9 – 11). المرحلة السابعة – خارج دار الولاية (19: 12 – 16).

فما أمر ذلك السبيل، الذي سلكه المسيح الفادي – من خارج دار الولاية – إلى داخلها، ومن داخلها إلى خارجها. فكأن خالق هذه الكرة الأرضية، صار كالكرة بين أيدي البشر، يتقاذفونها هنا وهنالك ! كل هذا لأجلنا، وحباً بنا. هذه خطوات ممهدة للصليب، بل هي عربون الصليب.

المرحلة الأولى في المحاكمة السياسية – خارج دار الولاية – اليهود يطلبون تنفيذ حكمهم على المسيح من غير أن يوجهوا إليه تهمة معينة.

عدد 28. (1). زمان ومكان المحاكمة – انتهى اليهود من محاكمة المسيح، عند الساعة السادسة صباحاً، "فقام كل جمهورهم" – مبكرين – "وجاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية"، التي كان يقيم فيها بيلاطس، ليتفرغوا فيما بعد لأكل الفصح، الذي صار موعده على الأبواب. وكأنهم وطنوا نفوسهم، على أن يترنحوا أولا بكأس دم حمل الله الوديع، قبل أن يشربوا كأس الفصح ! أما الدار التي أقام فيها بيلاطس، فقد كانت قصراً ملكياً بناه هيرودس الكبر – الذي كان له ولع خاص بالبناء – على تل واقع جنوبي غربي جبل المريا الذي أقيم عليه الهيكل، ليضارعه في فخامة البناء وجلال المنظر.

(2) التدين الزائف: كانت هذه الدار مؤلفة من بناء فخم، يتصل به جناحان عظيمان. وأمام هذا البناء المتوسط، يمتد بهو غير مسقوف، أقيمت

وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ. 29فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ؟» 30أَجَابُوا: «لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا

فيه منصة للقضاء، فصعد عليها بيلاطس، وأعوانه، ويسوع. وحضر أيضاً المشتكون عليه بزعامة قيافا. ولقد تم هذا الدور الأول من المحاكمة في هذا القضاء، لأن اليهود امتنعوا عن أن "يدخلوا إلى دار الولاية لكي لا يتنجسوا فيأكلون الفصح". يالشقاوة هؤلاء القوم ! فقد قبلوا عن طيب خاطر، أن يلطخوا أيديهم بدم المسيح البار، لكنهم امتنعوا عن أن يدخلوا تحت سقف بيت روماني، مخافة أن يكون فيه شئ من الخمير، فيتنجسوا، ويحرم عليهم أكل الفصح. هذا كل ما وصل إليه تدينهم: "قبور مبيضة من الخارج، وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة".

عدد 29. (3) المتمرد الجبان: أما بيلاطس الجبان، فقد انصاع لإرادتهم، وخرج إليهم، وقال "أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان". لم يرغب بيلاطس في أن يسلم لهم بالموقف المزري الذي أرادوه له، بجعلهم إياه مجرد قوة منفذة لأحكامهم فأفهمهم، أنه هو صاحب الحق، في التحقيق والقضاء.

عدد 30. (4) كبرياء ممتزجة بدهاء: "أجابوا وقالوا له: لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك". هذا جواب صادر عن قلوب مشحونة ظلماً ورياء، ودهاء وكبرياء. كأنهم أرادوا أن يحملوا بيلاطس على أن يضع "بصمته" على حكمهم. ولعلهم عزموا على أن لا يتكلموا أمام بيلاطس الحاكم

قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» 31فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَداً». 32لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ.

السياسي، بأمور دينية خاصة بهم. وقد فاتهم أن الحكم الروماني كان مطبوعاً بطابع خاص – العدالة فوق كل شئ.

عدد 31. (5) دهاء يفوق دهاء. إن بيلاطس العنيد، المتكبر، الخبيث، لم تفته حيلة اليهود، فأجابهم على حيلتهم. بحيلة أدهى منها، ولطم كبرياءهم بلطمة أشد منها وأقوى، فأصابتهم هذه اللطمة الشديدة في صميم عزتهم القومية، حين قال لهم: "خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم". ولعل بيلاطس قصد في الوقت نفسه أن يوجد لنفسه منفذاً، يساعده على الخروج من هذا المأزق الذي أوجدوه فيه، فأحالهم إلى "ناموسهم".

(3) الحقيقة المرة – خر اليهود أمام لطمة بيلاطس صاغرين، لأنها ذكرتهم بوقوعهم في مخالب النسر الروماني. فاعترفوا بنغمة يمازجها التحسر والخجل: "لا يجوز لنا أن نقتل أحداً".

عدد 32. (7) نبوة قديمة تمت: "ليتم قول يسوع الذي قاله مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت" (3: 14، 8: 28، 12: 32). ولولا هذا العجز، الذي أوقعهم فيه الحكم الروماني، لأماتوا المسيح رجماً بالأحجار – لا مصلوباً. راجع تفسير عدد 28.

33ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضاً إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ

المرحلة الثانية في المحاكمة السياسية – داخل دار الولاية "الاعتراف الحسن" – المسيح ملك (18: 33 – 38 (أ) ).

ينبئنا لوقا البشير، بأن أعداء المسيح، ابتدؤوا حينئذ يشتكون عليه قائلين: "إننا وجدنا هذا" – ما أمر التحقير الذي لفظوا به كلمة "هذا" ! "يفسد الأمة ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً إنه هو مسيح ملك". هذه هي التهم الثلاث، التي قدموا بها المسيح إلى بيلاطس. فالتهمة الأولى جوفاء: "هذا يفسد الأمة". لأنها قد تطلق على أي إنسان – ومن باب أولى عليهم هم. أليسوا هم الذين أفسدوا ضمير هذا الشعب الساذج ؟ والتهمة الثانية: "ويمنع أن تعطى جزية لقيصر" – هذه تهمة باطلة بطلاناً أصلياً. ألا يذكرون قوله في مناسبة سابقة: "أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر ؟" (لو 20: 25) أما التهمة الثالثة: "إنه المسيح ملك"، فقد أجادوا تلفيقها وحبكها، وأحكموا صوغها في قالب يسترعي التفات بيلاطس الروماني.

عدد 33. (1) بيلاطس يستجوب المسيح على انفراد. من أجل ذلك أراد بيلاطس، أن يحقق هذه التهمة الأخيرة، لأنها تهمة سياسية، تتصل بوظيفة كمندوب قيصر أمام اليهود. فأي تهاون يبدو منه في تحقيق هذه التهمة، كان كافياً لأن يجعله مضغة في أفواه اليهود الذين لا يترددون عن أن يشوا به إلى قيصر، لذلك "دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع" وحده إليه. الآن قد تحول وجه المسيح عن اليهود، واتجه إلى بيلاطس الأممي ! ألا يعتبر عمله هذا، رمزاً إلى تحول إنجيله في المستقبل، عن

وَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» 34أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» 35أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟

اليهود، واتجاهه إلى الأمم ؟ أوليس هذا عقاباً عادلاً لليهود، الذين أسلموا ملكهم، باختيارهم، إلى القوة الرومانية، التي داست رقابهم بقدميها ! ؟.

هناك في تلك القاعة الرومانية الجميلة، جلس بيلاطس الوالي الزائف، وأوقف أمامه "والي الولاة". فالتقى في تلك الغرفة، قلب الليل بصدر النهار وتفرس الحق مجسماً في وجه الظلم متأنساً. ومن الغريب أن يقف "الحق" في هذه الدنيا ليحاكم أمام الظلم. لكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة

سأل بيلاطس يسوع قائلاً: "أأنت ملك اليهود" ؟ وكأني بذلك الفم الروماني الأجوف، يلفظ كلمة "أنت" بأنفاس التحقير والازدراء !.

عدد 34 . (2) المسيح يجاوب بيلاطس: "أجابه يسوع أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني" ؟ أي – أتقصد بكلمة: "ملك"، ما تفهمه أنت منها، أو ما يفهمه اليهود منها ؟ نعم إن المسيح "ملك"، ولكن ليس بالمعنى السياسي الذي يفهمه بيلاطس. ولقد أصاب المسيح كبد بيلاطس بهذا السؤال الذي بدأ فيه المتهم يقدر موقف المستجوب، والوالي موقف المستجوب.

عدد 35. (3) بيلاطس يتبرم، ويعيد استجواب المسيح: "أجابه بيلاطس ألعلي أنا يهودي ؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي". تبرم بيلاطس من السؤال الذي وجهه إليه المسيح، وقال غاضباً: "ألعلي أنا يهودي" ؟ ! قصد بيلاطس أن يعبر بهذا الجواب، عن ترفعه وعدم مبالاته،

أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» 36أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ

وإن يجعل منه طعنة نجلاء يوجهها إلى المسيح وإلى اليهود في وقت واحد، فقال : "أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي". هذا مصداق لقول الكتاب: "إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله". وفي الوقت نفسه قال بيلاطس لليهود ضمناً: "إنكم قد غدرتم بملككم" ! ثم شرع يسترد مركزه كوال محقق، فقال للمسيح: "ماذا فعلت" ؟.

عدد 36 . (4) الجانب السلبي، من اعتراف المسيح الحسن. إن لاعتراف المسيح الحسن جانبين: أولهما سلبي، وثانيهما إيجابي. في الجانب السلبي، "أجابه المسيح" أنه ليس ملكاً بالمعنى السياسي الذي يفهمه بيلاطس، ثم أقام الحجة على هذه الحقيقة: "مملكتي ليست من هذا العالم". أي أنها لا تستمد أساسها، ولا شرائعها، ولا أسلحتها، ولا سلطانها، ولا طبيعتها من هذا العالم. فطبيعتها منافية لطبيعة العالم، لأنها هي من فوق والعالم من أسفل (8: 23). أما الحجة التي ذكرها تأييداً لهذه الحقيقة فهي: "لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود". والدليل على ذلك، أنه واقف أمام بيلاطس موثقاً، وأنه عندما تطوع أحد جنوده للدفاع عنه، زجره قائلاً: "اجعل سيفك في الغمد" (18: 11). "ولكن الآن" – أي ها قد وضح أمامك جلياً، إن "مملكتي ليست من هنا".

لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». 37فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ.

ومن المحقق أن بيلاطس كان قد أبلغ هذا الخبر من الجنود الذين ألقوا القبض على يسوع.

عدد 37 . (5) بيلاطس يستجوب المسيح للمرة الثالثة عما إذا كان ملكاً: سمع بيلاطس كلمة: "مملكتي" من المسيح، ثلاث مرات، في جوابه. فقال فزعاً: "أفأنت إذاً ملك ؟" ولعله قصد في الوقت نفسه، أن يحبك من خيوط سؤاله هذا، شبكة يمسك بها المسيح متلبساً بالجريمة التي اشتكى بها عليه اليهود.

(6) الجانب الإيجابي من اعتراف المسيح الحسن: إن رب المجد، قطع بسيف "الحق"، هذه الخيوط الواهية التي حبكها بيلاطس، فقال: "أنت تقول إني ملك". فنسب هذا القول إلى بيلاطس لا إلى شخصه، وفي الوقت نفسه أقر به ولم ينكره. ثم أبان لبيلاطس، نوع السلاح الذي به يؤيد المسيح ملكه، فقال: "لهذا قد ولدت أنا. ولهذا قد أتيت إلى العالم. لأشهد للحق". فالحق سلاح هذا الملك، وهو أساس ملكوته وعماده. فهو إذاً ملك، وهو أيضاً نبي حامل رسالة "الحق". وبهذا الحق، يؤسس ملكه، ويرفع لواءه، ويدعمه. في هذا تختلف مملكة المسيح عن مملكة قيصر. فالأولى تجمع قلوب البشر، والثانية تسحق أجسامهم. قوة الأولى في الحق وقوة الثانية في الحديد والنار. الأولى داخلية، دائمة. والثانية خارجية ذاهبة.

كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». 38قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «مَا هُوَ الْحَقُّ؟». وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضاً إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ:

الآن، رأى بيلاطس أن الوقت قد حان ليصيب كبد بيلاطس مرة أخرى، فسلط عليه نور "الحق"، قائلاً "كل من هو الحق يسمع صوتي" كأنه قال ضمناً لبيلاطس: "أأنت من الحق ؟ إن كنت تسمع صوتي فأنت من الحق، لأن الحق يتبرر دائماً من بنيه، وإلا. فلا".

عدد 38 . (7) بيلاطس يسأل عن الحق من غير أن ينتظر جواباً – سمع بيلاطس من المسيح قوله: "كل من هو من الحق يسمع صوتي"، فأحس مرة أخرى بأن كرسيه يرتج من تحته، وأن المحاكمة عادت فانقلبت عليه، وأن ذلك "المتهم" العجيب – المسيح – قد وقف منه موقف القاضي، وأوقفه هو موقف المتهم. وإذ أدرك أن إطالة مدة الانفراد بهذا "المتهم" العجيب، لا تزيده إلا تورطاً، قصد أن يصرف الموضوع، بسؤال ألقاه على المسيح، بين هازل وعابث، وهو لا ينتظر عنه جواباً: "ما هو الحق" ؟[4].

المرحلة الثالثة في المحاكمة السياسية – خارج دار الولاية – بيلاطس يقر ببراءة المسيح لأول مرة – باراباس أم المسيح ؟ ( 38 (ب) – 40). لم يكن بيلاطس في سؤاله عن "الحق" جاداً، بل كان عابثاً هازلاً. فسؤاله عن "الحق"، كسؤال الظالم عن العدالة، والمستبد عن الرحمة. لأن الذي يعرف شخصية بيلاطس، يؤكد أن بينه وبين الحق مراحل. لذلك لم يستطع أن

«أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. 39وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِداً فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟».

ينتظر جواباً عن سؤاله. وهل تقوى حشرات الظلام على انتظار بزوغ نور الشمس ؟ من أجل ذلك فر بيلاطس هارباً، وخرج إلى اليهود مرة أخرى وقال لهم: "أنا لست أجد فيه علة واحدة".

عرفنا البشيرون الأولون، أن رؤساء الكهنة والشيوخ، حالما سمعوا تصريح بيلاطس، لأول مرة، ببراءة المسيح، "كانوا يشددون قائلين إنه يهيج الشعب. وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئاً من الجليل إلى هنا". أما بيلاطس، فقد كان يحاول أن يجد وسيلة يتذرع بها للخروج من هذا المأزق الحرج، الذي أوجده فيه وقوف المسيح أمامه، أو بالحري وقوفه هو أمام المسيح. فلما سمع عرضاً، ذكر "الجليل"، وجد أن أول وسيلة يمكن أن يتذرع بها للهرب من المسؤولية، هي أن يرسل المسيح إلى هيرودس وإلى الجليل، الذي كان حينئذ في أورشليم – على اعتبار أن يسوع جليلي تابع لسلطنة هيرودس. أما هيرودس، فقبل المخلص بكل فرح، لأنه كان مشتاقاً من زمان طويل أن يراه، وترجى أن يصنع الآن آية أمامه. غير أن المسيح لم يجبه بشئ عن جميع سؤالاته، ولا أجاب عن شكاوى الكهنة والرؤساء الذين صحبوه إلى ذلك الوالي. فاحتقره هيرودس مع عسكره، واستهزأ به، وألبسه لباساً لامعاً ورده إلى بيلاطس. وفي الوقت نفسه اعتبر إرسال بيلاطس ليسوع إليه، علامة محبة ووداد من جانب بيلاطس، فكان هذا

40فَصَرَخُوا أَيْضاً جَمِيعُهُمْ: «لَيْسَ هَذَا بَلْ بَارَابَاسَ». وَكَانَ بَارَابَاسُ لِصّاً.

باعثاً على إرجاع الصداقة التي كانت قد تقطعت أوصالها بينهما. فما أعجب فادينا ! فهو صانع سلام حتى في محاكمته الأخيرة ! حقاً هذا هو ابن الله !

أما بيلاطس، فكان لم يزل مصراً على إطلاق يسوع، فجلس في هذه المرة رسمياً على كرسي الولاية كقاض (متى 27: 19)، وأعلن أنه هو وهيرودس قد فحصا يسوع، ولم يجدا فيه علة. فكان الواجب حينئذ على بيلاطس القاضي الروماني – والقضاء الروماني متصف عادة بالعدالة – أن يطلق المسيح، بعد أن ثبتت له براءته. ولكن هذا الرجل الضعيف، قد لانت قناته أمام تشدد اليهود، فتذرع بوسيلة ثانية للخروج من هذا المأزق، محاولاً أن يستفيد من عادة قديمة، كان قد عود اليهود عليها – وهي أن يطلق لهم كل عيد فصح مجرماً – كأنه قد ثبت لديه أن المسيح مجرم. فالتجأ إلى عواطف الشعب اليهودي، عله يفوز منهم بكلمة عن إطلاق المسيح. وعرض عليهم أن يختاروا: بين أن يطلق لهم المسيح ملكهم أو باراباس القاتل المجرم. وفيما كان بيلاطس منتظراً الشعب، ليختاروا من يطلق لهم، وصلته رسالة من امرأته التي يظن أن اسمها "كلافديه بركيولا"... عجيب أن الشخص الوحيد الذي تطوع للدفاع عن مخلصنا في هذه الساعة الدقيقة، ليس رجلاً من أتباعه، بل امرأة وثنية ! وفي هذه الأثناء كان رؤساء الكهنة يحرضون الشعب على أن يختاروا "باراباس" – ومعناه: "ابن أبيه، أو ابن العباس، أو ابن المعلم". فصرخ الشعب اليهودي بحملته قائلاً: "ليس هذا بل باراباس". هذه لطخة سوداء على جبين الشعب اليهودي، الذي فضل اللص القاتل على المسيح الملك.


(1) كلمة قدرون آرامية، معناها الأسود. وربما سمى كذلك نسبة إلى ظلال الأشجار الكثيفة التي تكتنفه.

(2) ربما كان هذا الرجل المسمى "ملخس"، ناقل الثلاثين من الفضة – أجرو الإسخريوطي، وأنه قد ناوله هذه الأجرة على حدة لما تم التسليم، وان بطرس لاحظ ذلك.

(3) الأرجح أن بيت رئيس الكهنة كان مبنياً، كأكثر البيوت في الشرق، حول دار مربعة الشكل، غير مسقوفة، متصلة بدهليز يدخلون إليه من بوابة كبرى على الشارع. وفي هذه الدار أضرم العبيد والخدم النار. وفي الغالب وقف يسوع أمام "عظيم الكهنة" في حجرة بجانبها، فكان يسمع كل ما قيل حول النار، وكان بطرس في الدار يشاهد كل ما جرى للمسيح. وفي خروج المسيح من حجرة حنان إلى حجرة قيافا، اجتاز الدار التي كان بطرس فيها، فالتفت إليه. فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مراً.

(4) لو كان بيلاطس جاداً في سؤاله، وغير كلمة "ما" بكلمة "من"، لوجد خير جواب على سؤاله، في المسيح الواقف أمامه؟ (14: 6).

أضف تعليق


قرأت لك

من المصيبة، خير

وقع أحد المبشرين بين يدي زعيم احدى القبائل الافريقية آكلة لحوم البشر فأقاموه في الوسط ليحتفلوا به ثم يأكلوه. لكن المبشّر طلب من الزعيم سكيناً وقال انه سيقطع قطعة من جسمه ليذوقها الزعيم، فان أعجبته يأكلونه! أتوا بسكين للمبشّر، فقطع قطعة من رجله اليسرى، واعطاها للزعيم الذي اخذها، مضغها ثم بصقها وأطلق سراح المبشّر! لقد كانت رجل المبشر اليسرى من الفلين بعد ان أُجريت له عملية فيها!

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة