تفاسير

شكر على بركات الله

القسم: رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

القسم التعليمي في الرسالة

(1: 3- 3: 21)

شكر على بركات الله التي أغدقها على الكنيسة

(1: 3- 3: 21)

3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ،

لدى دخولنا رَحبات هذه الرسالة, يواجهنا مدخل فخم غاية في الجلال والرّواء, وإذ نلج بابه نسمع أنشودة الرسول التي هي أحد مزامير العهد الجديد.

هذا فصل جليل, ارتقى فيه الرسول محلقاً في سماء المعلنات الإلهية, حتى أحاطته أشعة أنوار محبة الله ونعمته. ولما شرع يحدثنا عن جلال تلك المعلنات وجمالها لمح أنواراً فوق أنوار, تبهر الأبصار, ورأى قمماً من المجد يرتقي بعضها فوق بعض, ونظر بركات تتلوها بركات, ولحظ نعماً تعقبها نعم, فاسترسل في الكلام بغير توقف ولا تمهل, حتى بلغ نهاية هذا الشوط. وكأني به- بعد هذا الفصل الجليل- ألقى قلمه ليستريح هنيهة بعد هذه المرحلة الطويلة العلوية التي قطعها سابحاً في الأفلاك السماوية.

ومن فرط ما أُخذ به من معلنات, أغفل كل إشارة شخصية, على خلاف عادته في معظم رسائله, كما يتبين جلياً من مراجعة كلامه في غرة الرسائل الآتية:

رسالته الأولى إلى تسالونيكي: "نشكر الله كل حين من جهة جميعكم"

رسالته الثانية إلى تسالونيكي: "ينبغي أن نشكر الله كل حين من جهتكم"

رسالته إلى غلاطية: "إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً"

رسالته إلى فيليبي: "أشكر إلهي عند كل ذكري إياكم"

رسالته إلى كولوسي: "نشكر الله... كل حين مصلين لأجلكم".

فبعد أن تملي نظره برؤية الشمس, لم يرغب في التحدث عن ساكني الأرض إلا بعد أن استكمل الحديث عن معلنات السماء (1: 15).

إن أسلوب الرسول في مطلع هذه الرسالة, لا يماثله سوى أسلوبه في رسالته الثانية إلى كورنثوس, التي كتبت في ظرف دقيق حرج, إذ كان الرسول آنئذ على أحر من الجمر في انتظار كلمة عن نتيجة رسالته الأولى التي بعث بها إلى تلك الكنيسة. وحالما بلغته أخبار طيبة, اهتزّ قلبه طرباً, فطفق يقول شاكراً: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية". فلم يوجه الخطاب إلى سكان الأرض إلا بعد أن استكمل ملهمات السماء فقال في 1: 11 من تلك الرسالة "وأنتم أيضاً مساعدون بالصلاة لأجلنا".

على أن موضوع الشكر الذي شغل ذهن بولس في رسالته الثانية إلى كورنثوس هو أضعف أثراً في ذهنه من الموضوع الذي ملأ قلبه في هذه الرسالة. إن شكره هناك, مقصور على فرحه بنجاته, وسوره بالاطمئنان الذي ملأ قلبه من جهتهم. لكن شكره هنا, يشمل كل البركات الروحية, الفدائية العلوية, التي أسبغها المسيح على الكنيسة. فلست أدري, أكان بولس متخذاً في هذا الفصل موقف الشاكر, أم موقف المستكشف أمام أسرار الفداء؟ يلوح لي أنه كان في شكره مكتشفاً وفي اكتشافه شاكراً.

هذا فصل أقرب إلى أنشودة سماوية منه إلى مقالة لاهوتية. هذه قطعة خالدة كتبها الرسول بمحلول من ذوب قلبه, لا بمداد قلمه. هذه بردة مجيدة نسج بولس من شغاف فؤاده وحبَك لحمتها من أشعة أنوار المجد النوراني.

فلا عجب إذا فشل المفسرون في تحليل هذه القطعة, وإخضاعها لقواعد التقسيم المألوفة. لأن هذا يعتبر بمثابة محاولة حبس أشعة الشمس داخل غلاف رسالة ترسل بالبريد.

إن هذا الفصل المؤلف من إثنى عشر عدداً, شبيه بسلسلة كاملة الحلقات- والعدد12 رمز الكمال- كل حلقة منها مسبوكة بعناية ودقة, على صورة يتعذر معها فصل كل حلقة عن الأخرى- فالحلقة الأولى تتصل بقصد الله منذ الأزل, والحلقة الأخيرة تماشي المؤمنين في اختباراتهم على ممر الأجيال. الحلقة الأولى تلامس هامات السماء, والحلقة الأخيرة تمس أهداب الأرض.

إذا ألقينا نظرة سطحية على هذا الفصل, أخذنا لأول وهلة بغنى اللغة التي عبر بها الرسول عما في فكره, ولكننا متى أمعنا النظر, ظهر لنا فقر اللغة, أمام غنى المعنى. وهذا يتضح جلياً من التجاء بولس إلى تكرار بعض العبارات, بين آونة وأخرى, لأن لغة الأرض ضاقت ذرعاً بمكنونات السماء. مثال ذلك: تكراره كلمة: "الذي" وحدها سبع مرات (3 و7 و11 و13), وتكرار الكلمتين معاً أربع مرات (7 و11 و13) وكلمة: "في المسيح" وما يرادفها إحدى عشر مرة (3 و4 و5 و6 و7 و10 و11 و12 و13). ومتى دققنا البحث, تبين لنا أن هذا الفصل يرتكز على بعض العبارات الرئيسية, نظير قوله: "مشيئة الله", (عدد5 و9 و11), "مدح مجده" (عدد6 و12 و14), "في المسيح" (عدد3 و4 و6 و7 و9 و10 و11 و12 و13).

من هذا يتضح لنا أن الفكرة الرئيسية في هذا الفصل هي أن مشيئة الله قصدت بالمؤمنين تدبيراً مجيداً في المسيح. ولكي يوضح الرسول هذه الفكرة رجع بقارئيه إلى تدبير الفداء, مذ كان قصداً كامناً في فكر لببه, حتى أصبح عملية متدرجة, مُحكمة الحلقات, تتم كل حلقة منها في وقتها المعين, وقد وجه الرسول نظرنا إلى ثلاث مراحل في هذا البرنامج الفدائي- تنتهي كل منها بعبارة شبيهة بقرار يتردد حيناً بين الثلاثة الأدوار التي تتألف منها هذه الأنشودة- هذا القرار هو قوله: "لمدح مجده" (عدد6 و12 و14). في الدور الأول (1: 3-6) تغنى الرسول بمجد المحبة الفدائية في تدبيرها الأزلي- في قلب الماضي. وفي الدور الثاني (1: 7-12) سبّح بمجد هذه المحبة الفدائية في هباتها الحاضرة وفي الدور الثالث (1: 13 و14) عظّم الرسول جلال هذه المحبة الفدائية كرجاء وطيد يتم تحقيقه في حياة الأبد. "من الأزل- إلى الأبد" هذا هو الخيط الذهبي الذي يربط بدء هذا الفصل بختامه.

في هذا الفصل ذكر الرسول عمل كل من أقانيم الثالوث الأقدس, في برنامج الفداء. فهنا نجد هذا الفصل خاصة بعمل الله الآب في هذا البرنامج. (عدد3). وقلبه مكرس لنصيب الله الابن. بدليل تكرار كلمة "فيه" مراراً (عدد4 و7 و10 و11), وخاتمته متوَّجة بختم الروح القدس (عدد13) فالأقنوم الأول دبّر الفداء ووهبنا بركاته, والأقنوم الثاني نفّذ تدبير الفداء وهو أُسّ بركاته, والأقنوم الثالث هو مخصص لنا فوائد الفداء وضامن بركاته.

مع أن هذا الفصل مكتوب بلغة يونانية, إلا أن عبرية الرسول قد نمّت عنه في أسلوبه. ما أشبه هذه التسبحة الرسولية ببعض المزامير التي كان يرتلها بولس الرسول في يهوديته قبل اعتناقه المسيحية (مزمور 42- 43 و99). فكلمة "خلاص وجهي" تقسم المزمورين الأولين إلى ثلاثة أدوار (مزمور42: 5 و11 ومز43: 5) كما أن العبارة "قدوس هو" تقسم ثالث هذه المزامير إلى ثلاثة أدوار أيضاً (مز99: 3 و5 و9) وعلى نفس هذا القياس تفصل عبارة "لمدح مجده" بين الثلاثة الأدوار الرئيسية في هذه التسبحة الرسولية.

إن مطلع هذه التسبحة الرسولية جميل في مبناه, جامع في معناه, فيه تلتقي جميع المعاني المنبثة في ثنايا هذه التسبحة, ومنه تتفرع فهو للتسبحة بمثابة الرأس للجسد:

3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ،

عدد3 "مبارك الله"! هذه هي الأنشودة التي تلتقي فيها رغبات الأرض بمقاصد السماء. عندما أُبدعت الخليقة الأولى, "ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله". ومذ سقط الجنس البشري, وأُفسدت الخليقة الأولى, ضجت الأرض, وأنّت الخليقة كلها. ولكن حالما أعلن الله قصده الفدائي الذي دبره لخلاص البشرية الساقطة, استرد المؤمنون من بني آدم تلك الأنشودة التي أضاعتها عليهم الخطية, وعادوا يهتفون لفاديهم الذي خلقهم خليقة جديدة, ويسبحون له تسبحة جديدة, تمتاز عن التسبحة الأولى, بمقدار ما تمتاز الخليقة الجديدة عن الخليقة العتيقة. ولقد أجاد بولس الرسول إذ نظم للبشرية المفدية أنشودتها الجديدة التي مطلعها وخاتمتها: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح!".

يتألف هذا العدد الذي يتكون منه مطلع هذه الرسالة من مقطعين متقابلين, متوازيين- كلاهما يبدأ بالبركة ويختتم بشخص المسيح

المقطع الأول- "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح"

المقطع الثاني- "الذي باركنا بكل بركة.. في المسيح"

في المقطع الأول, المؤمنون يباركون الله بالحمد والشكر. وفي المقطع الثاني الله يبارك المؤمنين بإغداقه عليهم بركات السماء. نحن نباركه بتقديمنا له ثمرات الفكر, والقلب واللسان, وهو باركنا بتقديمه لنا ابن محبته الذي هو أُس كل البركات.

"مبارك الله"!- هذه هي النغمة التي وقعها رجال العهد القديم- من ملكي صادق إلى دانيال- سواء منهم من كان في ظفره وسعادته كداود وسليمان, أو من كان في حسرته وشقاوته, أمثال أيوب وإرميا. ولكن لم يستطع أحد أن يقول "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح", غلا بعد أن بزغ نور "المشرق من العلاء", وتجسد "الكلمة" في شخص المسيح الذي كشف عن أبوة الله- بالنسبة له أولاً بدرجة خاصة, ونوع ممتاز. لا يدانيه فيهما سواه-  ثم لجميع المؤمنين, على درجة أدنى من النوع, وفي الدرجة.

وفي العهد القديم كان الله معروفاً لشعبه بهذه الألقاب: "الإله العلي", "الإله القدير", "إله السماء", "إله إسرائيل", "الراعي", "الصخرة", "الإله الحقيقي", "الإله الحقيقي", "الإله الحي", "الملك الأبدي"- وكلها ألقاب مجيدة تبعث في النفس روعة وخشوعاً. أما ذلك اللقب الجليل: "الآب", الذي يضيف إلى روعته في النفس حباً وثقة, فقد ظل مخفي عن عيون رجال العهد القديم, ولكنه اُعلن لرجال العهد الجديد ولرسله الأطهار- وفي طليعتهم بولس, الذي جعل من هذا اللقب الجليل أبهى غرة لجلّ رسائله.

إن قوله: "أبو ربنا يسوع المسيح" يعتبر على مثال قول المسيح "أبي وأبيكم" (يوحنا20: 17). (انظر شرح بشارة يوحنا للمؤلف صفحة 806).

"مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح"- وردت أيضاً هذه العبارة بنصها في2كو1: 3 و1بط1: 3. والكلمة الأصلية المترجمة "مبارك" وردت ثماني مرات في العهد الجديد, وفي كل مرة منها, لها صلة بذات الله. (انظر بنوع خاص مرقس 14: 61 حيث قال رئيس الكهنة للمسيح "أأنت المسيح ابن المبارك"؟). وقد استعمل الرسول كلمة "باركنا" بصيغة الماضي, للتوكيد, لتبيان أن هذه البركات وُهبت للمؤمنين في قصد الله قبل كون العالم.

في هذا العدد يصف الرسول بركات الله الموهوبة لنا, في ثلاثة أوصاف:

-أ- في طبيعتها: "كل بركة روحية"

-ب- في دائرتها: "في السماويات"

-جـ- في أساسها ووسيطها: "في المسيح".

(1) طبيعة البركات الموهوبة لنا من الله الآب: "الذي باركنا بكل بركة روحية", تختلف البركات التي جعلها الرسول موضوع شكره لله, عن البركات الموعودة في العهد القديم, في أن بركات العهد الجديد روحية خالدة, وتلك بركات مادية زمنية. فمن بركات العهد القديم قوله: "مباركاً تكون في المدينة. ومباركاً تكون في الحقل. ومباركة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك وثمرة بهائمك نتاج بقرك وإناث غنمك" (تث28: 3-6). "أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء. ويرث نسلك باب أعدائه" (تك22: 18). "إن سمعتم وأطعتم تأكلون خير الأرض. وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم" (إشعياء 1: 19 و20): لكن بركات العهد الجديد على طراز أعلى وأرقى: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات" (مت5: 3-10)

كان بولس الرسول نفسه من أبعد الناس تمتعاً بالبركات الزمنية. فقد قضى حياته ولم يكن له زوج, ولا ولد, ولا مال, ولا عقار, ولا مأوى. فما كان أسعده وأمجده, على رغم كونه يهودي الأصل متعوداً على بركات الأرض: لأنه بعد أن صار مسيحياً وهو في حرمانه أسعد حالاً منه في تمتعه. لأن حرمانه من كل شيء أتاح له فرصة التمتع باللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن: فكان وهو فقير, مغنياً كثيرين. وكان وهو لا يملك شيئاً مالكاً كل شيء. ومن ظلمات سجنه أراق نوراً على حياة الكثيرين. فكان في خيمته ناعماً بغنى لا يزول, وكان في سجنه المظلم متمتعاً بحرية السماء. وكان وهو يتقلب على الطوى, راتعاً في أمجاد العلي, فهو على هذه الحال خير مثال للمستمتعين بكل بركة روحية.

فالبركات "الروحية" هي تلك التي أغدقها الله على روح الإنسان, لا على جسده, لأن لها علاقة متينة بميلاده الجديد (يو3: 16), وهي تنعش حياته الروحية وتغنيها (رومية8: 9 و10) كما أنها تتوج مصيره الروحي الخالد (رومية7: 11, 1كو15: 44).

يعتقد بعضهم أن كلمة "روحية" تعني أنها بركات "الروح القدس". وحجتهم في ذلك: أن الرسول أشار في هذا العدد إلى الأقنوم الأول في اللاهوت, وإلى الأقنوم الثاني, فلا بد من أن يكون قد أشار هنا إلى الروح القدس, الذي هو الأقنوم الثالث في اللاهوت. ولكننا نميل إلى الرأي القائل إنها بركات خاصة بروح الإنسان. فمن البركات ما يشترك فيها الإنسان والحيوان- مثل الحياة والصحة- هذه بركات جسدية. ومنها يتمتع به الإنسان الطبيعي- نظير المعرفة والتمييز والذوق, والعقل والمنطق- هذه بركات عقلية. ومنها ما لا يتمتع به سوى المؤمنين شركاء الطبيعة الإلهية- هذه هي البركات الروحية المقصودة هنا. وفي الوقت نفسه نقرر أنه من المحال فصل البركات الروحية عن "الروح القدس" لأن هو روح هذه البركات

(ب) دائرة هذه البركات: "في السماويات". بما أن هذه البركات آتية من السماويات, فهي تسمو بالمؤمنين إلى "السماويات", على رغم كونهم يعيشون على الأرض. وهي أيضاً بركات محفوظة في "السماويات". لا يمكن أن ترتفع إليها يد الزمان ولا تطرقات الحدثان. "لأن حيلتهم مستترة مع المسيح في الله" (كولوسي3: 3), "لفإن سيرتنا نحن هي في السموات" (فيليبي3: 20).

لم ترد هذه العبارة: "في السماويات" في كل الكتاب المقدس سوى خمس مرات- كلها في هذه الرسالة (1: 3 و2: 6 و3: 10 و6: 12): ويجوز أن تترجم إلى "في الدائرة السماوية". ولدى تصفح هذه المواضع يتبين لنا, أن "السماويات" بيئة روحية غير منظورة, فيها يكثر نشاط القوات الروحية بما فيها قوات الشر التي تحاول أن تقاوم مقاصد الله في المؤمنين, وقوات الخير المؤيدة لقصده تعالى. وفوقها جميعاً يتسلط المسيح ويسود بنفوذه العجيب الذي كسبه بقيامته من الأموات: ليجمع كل شيء في المسيح- ما في السموات وما على الأرض في ذاك" (1: 10) "ويصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء أكان ما على الأرض أم ما في السموات" (كولوسي1: 20) فهي لا تعني حالة مقبلة, بل حالة راهنة. وخير ضمان لنا إزاءها, أن المسيح متسلط عليها بمجده. فإن كانت هي ساحة مصارعتنا, فإن المسيح هو ضامن ظفرنا. وإن كانت هي مستودع بركاتنا الروحية, فإن المسيح هو ضامن تمتعنا بها. لأن به وفيه كل شيء لنا "ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا تُرى لأن التي ترى وقتية وأما التي لا ترى فأبدية" (2كو4: 18).

وإذا كانت هذه العبارة تعين دائرة البركات التي نتمتع بها, فهي تعين مقامنا في المسيح: "الذي أقامه الآب وأجلسه عن يمينه في السماويات, وأقامنا نحن أيضاً معه وأجلسنا معه في السماويات" (1: 20 و2: 6). فالمسيح هو هروننا الذي انسكب دهن المسحة على رأسه أولاً, ثم نزل إلى طرف ثيابه.

4كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ،

(جـ) أساس هذه البركات ووسيطها: "في المسيح". هذه العبارة من مميزات أسلوب بولس الرسول. ومع أنها وردت في كل رسالته إلى كولوسي. وقد وردت كلمة "المسيح"- في الأصل- تارة معرّفة بأداة التعريف وطوراً مجردة عنها. في الحالة الأولى, تشير إلى وظيفة المسيح, وفي الثانية تعني شخصه بالذات. وقد وردت هنا خالية من أداة التعريف, لتعني شخص المسيح الذي "فيه باركنا الآب بكل بركة روحية في السماويات".

منذ القديم, والأمة اليهودية تضع كل رجائها في "مسيا" الموعود, فكانت كل انتظارات اليهود موجهّة إلى شخصه. وفي ملء الزمان ولد يسوع الناصري في بيت لحم اليهودية. لكن الأمة اليهودية كمجموع جهلت حقيقته- أو تجاهلتها- إذ اصطدمت بصخرة صليبه. ولما أعلن الله "سره" لبولس رسول الأمم, طفق يعلم اليهود والأمم, أن يسوع الناصري هو هو مسيا- المسيح المنتظر- الذي تمت فيه كل نبوات العهد القديم, فينبغي أن يكون هو محط آمال اليهود والأمم سواء بسواء. فهو رأس المؤمنين وهو رئيسهم ونائبهم الأعظم, وقاطع العهد معهم, وضامن عهدهم, ورأس حياتهم, ورأسهم الروحي. فهو الكرمة وهم الأغصان- لذلك هم "فيه" مباركون, وفيه يقومون, وفيه هم مقامون, وممجدون (2تي1: 9) لأنهم متصلون به صلة حيوية, فعلية, فضلاً عن كونها شرعية.

5إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،

ومن مميزات كتابات بولس الرسول أن يقرن فيها اسم "يسوع" بوظيفته: "المسيح", إلا في المرات التي أراد أن يحدثنا فيها عن ناحية من نواحي اتضاعه (2كو4: 10).

ومن العجيب حقاً, أن بولس اليهودي الأصل يجعل جل تفكيره وتعليمه مركزاً, لا في يسوع حسب الجسد, بل في المسيح السماوي, الإلهي الذي هو الله ظاهراً في الجسد. فرسالته "من السماويات إلى السماويات". فلا غرابة إذ سمعناه يقول: "إذاً نحن من الآن لا نعرف أحداً حسب الجسد وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد" (1كو5: 16). فالمدة التي قضاها المسيح على الأرض ليست كل حياته ولا هي جلها, وإنما هي فترة قصيرة المدى ظهر فيها المسيح متضعاً فهو أزلي في وجوده أبدي في كيانه. لكنه "افتقر لأجلنا وهو غني", "وإذ كان في صورة الله... أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس". وإذ انتهت مدة اتضاعه "رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم". (2كو8: 9 وفيليبي2: 6-9).

إن معرفة بولس بالمسيح سارت على درجات متتابعة. فقد عرّفه أولاً باعتبار كونه: "يسوع" المتضع, المضطهد: "أنا يسوع الذي أنت تضطهده"(أعمال9: 5), وفيما بعد وجد فيه "مسيا" المنتظر. وبعد أن تلقن هذا الدرس لقنه للآخرين: "وأما شاول فكان يزداد قوة ويحير اليهود الساكنين في دمشق محققاً أن (يسوع) هذا هو المسيح" (أعمال9: 22).

هذا هو المسيح المصلوب, المقام, الممجد, الجالس عن يمين تاعظمة في الأعالي المتسلط على كل القوات والسلاطين, الذي "فيه باركنا الآب بكل بركة روحية في السماويات".

هذه هي البركات الموهوبة لنا فيه- من حيث طبيعتها ودائرتها, وأساسها, ووسيطها. وفيما بعد فصّل الرسول ما سبق فأجمله في العدد الثالث, سيما قوله: "في المسيح". فأبان لنا أن هذه البركات ليست مستحدثة كما لو كانت فكرة طارئة على قصد الله وتدبيره, بل هي بركات مقضي بها منذ الأزل, ولذلك فهي أكيدة محققة

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة
  • تطبيق تأملات يومية
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون