تفاسير

روح الاجتهاد

القسم: رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

ثانياً: الروح الذي نؤدي به هذا الواجب على أتمّ وجه: (روح الاجتهاد): "مجتهدين". الكلمة المترجمة "مجتهدين" هي في اليونانية أقوى منها في العربية، فهي تعني "مقدّمين كلّ اجتهاد" أو "باذلين كلّ اهتمام". فالكلمة العربية "مجتهدين" قد تفيد أن المحافظة على الوحدانية عمل اجتهاديّ، لا عمل جدّي، أو هو كما يقال: "فرض كفاية" لا "فرض عين"، لكنّه في الواقع فرض حتميّ، علينا أن نبذل في سبيله كلّ مرتخص وغالٍ. فكلّ مجهود في سبيله، هيّن وإن عزّ.

ثالثاً: الوسيلة التي بها نتمم هذا الواجب: "برباط السلام". هذه العبارة كما وردت في الأصل، قد تعني أمراً من اثنين ـ أولهما: السلام الذي هو رباط الوحدانية. وثانيهما: الرباط الذي يضمن السلام ـ أعني المحبة، باعتبار أن المحبة هي رباط السلام. هذا الرأي الثاني، هو رأي العلامة بنجال. ولكن برجوعنا إلى الأصحاح الثاني من هذه الرسالة، يتبيّن لنا، أن المسيح "هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً" (2: 14). هذا هو رباط الوحدانية المسيح الذي هو سلامنا. فهي إذا وحدانية مقدّسة: الروح منشئها، والمسيح رباطها.

عدد4و5و6:

4جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ.

5رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،

6إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ.

ـ (4) الأعمدة السبعة التي يُبنى عليها هيكل الوحدانية (4:4و5و6). "جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد، ربّ واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكلّ الذي على الكلّ وبالكلّ وفي كلّكم".

هذه سهام سباعية من جعبة الوحدانية المقدسة. وهي تبتدئ بالجسد الواحد الذي يحييه الروح الواحد، فيتقدّم نحو جعالة الرجاء الواحد. وهذا الجسد الواحد يستمدّ كيانه من الربّ الواحد الذي هو رأسه الأوحد، فاتّحد به بواسطة الإيمان الواحد والمعمودية الواحدة. على أن كمال هذه الوحدانية يتحقق في الإله الواحد، الذي هو آب لجميع المؤمنين، وهو إله للكلّ، وسيّد على الكل، ومتمم إرادته بالكلّ، لكنه حالٌّ فقط في كلّ المؤمنين. "جسد واحد... إله واحد". مما يلفت نظرنا، أن الرسول، عندما أراد تبيان أوجه الوحدانية المقدّسة، بدأها بأقربها إلى العيان: "جسد واحد"، واختتمها بالإله الأوحد الذي هو غايتنا القصوى وإليه مآلنا "إله وآب واحد". ومهما تعددن أوجه هذه الوحدانية فإن عمادها الأوحد هو الثالث الأقدس: "روح واحد": هذا هو الأقنوم الثالث. "ربّ واحد": هذا هو الأقنوم الثاني. "إله وآب واحد": هذا هو الأول الأقنوم. هذا هو الإله الواحد، موجد هذه الوحدانية ومحييها.

فإلى الذين لا يفهمون مسيحيّتنا على حقيقتها، ويتّهموننا بالشرك، ظانين أننا نعبد ثلاثة آلهة، إليهم نسوق الحديث بكلّ حبّ، ومودّة، وعطف، قائلين: تعالوا إلى معابدنا تجدونا إلهاً واحداً، وندين بمعمودية واحدة، ونتمسّك بإيمان واحد، ونضع نصب عيوننا الرجاء الواحد. ثم افتقدونا في منازلنا، تجدوها منازل الزوجة الواحدة، والمحبة الواحدة، والوفاء الواحد، ثم جرّبونا في معاملاتنا، تجدونا أصحاب اللّسان الواحد، والكلمة الواحدة، والوجه الواحد، والذمة الواحدة. وإن وجدتم في أحدنا ـ أو في بعضنا ـ غير ذلك، فالعيب ليس في ديننا بل فينا، فإن لم نكن نحن ذلك، وجب أن نكون كذلك.

أضف تعليق


قرأت لك

من الذي يغفر؟

لو كان غفران الخطايا يأتي من خلال البشر لكنا جميعا أشقى الناس، ولو كان الإنسان هو الذي يتحكّم بالمصير الروحي والأبدي لأخيه الإنسان فيا لتعاسة البشرية، ولو كان نسيان الخطايا بعد التوبة متعلق باللحم والدم لما كان غفران ولما كان خلاص ولما كان انتصار، ولكن شكرا لله لأنه هو نفسه من يغفر الخطايا وهو وحده من يعطي حياة جديدة وهو وحده يدين إذا أراد ذلك "كبعد المشرق من المغرب أبعد عنا معاصينا. كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه" (مزمور 12:103).