تفاسير

الفَصلُ التَّاسِع أبُو الإيمان

القسم: تكوين، خروج.

مَذَابِحُهُ

عادَةً نَظُنُّ أنَّنا مَدعُوِّينَ لِلخِدَمَةِ في حَقلٍ إرسالِيٍّ أو في كَنيسةٍ أو في مُؤسَّسَةٍ ما. ولكن هل نُفَكِّرُ أنَّنا مَدعُوِّينَ بِبَساطَةٍ للهِ؟ ماذا لو دَعاكَ اللهُ لِلخُرُوجِ إلى بَرِيَّةٍ مَهجُورَة بِدُونِ أن يُخبِرَكَ عنِ السَّبَب؟ هذا ما حَدَثَ معَ إبراهيم عندما كانَ في الخامِسَةِ والسَّبعينَ من عُمرِهَ (أُنظُرْ تكوين 12: 1-4). فلقد دَعا اللهُ إبراهيمَ أن يترُكَ أباهُ، وطَنَهُ، وعشيرَتَهُ، وأن يذهَبَ إلى أرضٍ بَرِّيَّة.

هُناكَ وَجهانِ لهذه القِصَّة، تماماً كما هي الحالُ معَ كُلِّ قِصَّةٍ تتعلَّقُ باللهِ: اللهُ من جِهَة، والإنسانُ من جِهَةٍ أُخرى. لِكَي ترى القِصَّةَ من وُجهَةِ نظَرِ الله، أدرُس ظُهُوراتِ اللهِ لإبراهيم. فلقد ظهَرَ اللهُ لإبراهيم ثمانِي مرَّاتٍ. وكانَ اللهُ هُوَ الذي بادَرَ بالعلاقَةِ، وهذا يَصدُقُ على كُلِّ علاقَةٍ أقامَهَا اللهُ معَ الإنسان. في رُومية 3: 11، يُخبِرُنا بُولُس أنَّهُ لا أحد يطلُبُ اللهَ. بل اللهُ هُوَ الذي يسعَى وراءَ الإنسان. وإذا بدا إنسانٌ ما وكأنَّهُ يسعَى وراءَ الله، فهُوَ يستَجيبُ فقط لِسَعيِ اللهِ وراءَهُ. فاللهُ هُوَ دائماً المُبادِر في كُلِّ علاقَة.

أمَّا عنِ العلاقَة من وُجهَةِ نظَرِ الإنسان، أو عن تجاوُبِ إبراهيم معَ الله، فهذا نراهُ في شَكلِ المذابِحِ الأربَعة التي بناها إبراهيمُ. المَذبَحُ الأوَّلُ بناهُ في بَرِّيَّةِ مُورة، حَيثُ ظهَرَ اللهُ لأبرام وقالَ لهُ، "لِنَسلِكَ أُعطِي هذه الأرض (تكوين 12: 7). تعني كلمة مُورَة حرفِيَّاً "تعليم أو تفتيش أو طَلَب." أنا أَدعُو هذا المذبَحَ الأوَّلَ الذي بناهُ إبراهيم بِمذبَحِ التَّجاوُب، لأنَّهُ بُنِيَ تجاوُباً معَ اللهِ الذي كانَ يدعُو إبراهيم إلى البَرِّيَّة.

المَذبَحُ الثَّاني بناهُ إبراهيم بينَ عاي وبَيت إيل. تعني كلمة "بيت إيل" بالعِبريَّة، "بيتَ الله." وبما أنَّ اللهَ لم يَكُنْ لهُ بَيتٌ في تلكَ المرحلة، يبدُو أنَّ هذه الكلمة كانت تعني، "المكانُ حيثُ يمكُثُ الله." وتَعني عاي، "خِربَة، أو رُكام، أو بُؤس." نقرَأُ في رُومية 6: 23 أنَّ "أُجرَةَ الخَطِيَّةِ هي مَوتٌ،" وأنَّ هذا ما يُشيرُ إليهِ إسمُ هذه المَدينة. وإلى الشَّرقِ من عاي، نَجِدُ سَدُوم وعَمُورَة. في مَذبَحِهِ الأوَّل، كانَ إبراهيمُ يَقُولُ للهِ، "عَلِّمني." وفي مذبَحِهِ الثَّاني، أظهَرَ من خلالِ المكانِ الذي أقامَ فيهِ المذبَح أنَّهُ لم يَكُنْ قد قرَّرَ بعدُ كيفَ سيتجاوَبُ معَ ما كانَ يُعَلِّمُهُ إيَّاهُ الله.

تَرَكَ إبراهِيمُ هذا المَذبَح الثَّاني وإنحدَرَ جَنُوباً، بالمعنى الجُغرافِيّ والرُّوحي للكَلِمة. وقالَ لِزَوجَتِهِ أن تَدَّعِيَ أنَّها أُختَهُ، حتَّى لا يَقتُلَهُ المِصرِيُّونَ ليَأخُذُونَها. ولقد توَرَّطَ في الكثيرِ منَ المَشاكِل، ويبدو أنَّهُ "خرج" منها رُوحِيَّاً.

بَعدَ هذه الحادِثَة، رجعَ إبراهِيمُ إلى مَوقِعِ مَذبَحِهِ الثَّاني ودعا اللهَ. بعدَ هذه العِبادَة الصَّادِقَة، إقتَرحَ إبراهيمُ على لُوط أن يَنفَصِلا. لا يُخبِرُنا الكتابُ المُقدَّسُ عمَّا تكلَّما بهِ، ولكن يبدُو أنَّ اللهَ أشارَ لهُ أنَّهُ لم يكُنْ يُفتَرَضُ بهِ أن يُحضِرَ لُوطاً معَهُ منذُ البِداية. وعندما نرى كيفَ تورَّطَ لُوط فيما بعد في خطايا سَدُوم وعَمُورَة، نفهَمُ السَّبَب.

ذهَبَ لُوط شَرقاً؛ أمَّا إبراهيمُ فتحرَّكَ غَرباً، وبنى مذبَحَهُ الثَّالِث في مكانٍ يُدعى حَبرُون. تعني كلمة حبرُون، "شَرِكَة." أعتَقِدُ أنَّ هذه الكلمة هي أيضاً مجازِيَّة رمزيَّة. فبينما قالَ المَذبَحُ الأوَّلُ "عَلِّمني،" وقالَ المذبَحُ الثَّاني، "لَستُ مُتَأكِّداً، أو أنا مُتَقَلقِلٌ،" أشارَ المذبَحُ الثَّالِثُ بالقَولِ، "يا اللهُ، أُريدُ أن أعرِفَكَ." وأنا أُسمِّي هذا المذبَح: "مذبَحَ العلاقة."

في الإصحاحَينِ الأوَّلَينِ من قِصَّةِ إبراهيم، أي تكوين 12 و13، بنى إبراهِيمُ ثلاثَةَ مذابِح. ولم يبنِ مذبَحاً آخر حتى الإصحاح 22. فماذا حدَثَ بينَ المذبَحِ الثَّالِث والرَّابِع؟

عندما قالَ إبراهيمُ، "يا اللهُ، أريدُ أن أعرِفَكَ،" أعتَقِدُ أنَّ اللهَ أجابَ، "يا إبراهيمُ، إن كُنتَ تُريدُ أن تَكُونَ على علاقَةٍ معي، أُريدُكَ أن تعرِفَ شَيئاً. إن كُنتُ أنا أعني شَيئاً، فأنا كُلُّ شَيء. لأنَّكَ إلى أن ترى أنَّني كُلُّ شَيء، لن تَكُونَ قد رأيتَ أنَّني أعني أيَّ شَيء." ولقد كانت حياةُ إبراهيم مَليئَةً من أُمُورٍ أُخرى لم يَكُنْ يُريدُ أن يتخلَّى عنها.

في تَكوين 16، نرى إبراهِيم وسارَة يُصبِحانِ مُهتَمَّينِ بكيفيَّةِ تحقيقِ اللهِ لِوَعدِهِ بإعطائِهِ إبراهيمَ نسلاً – فقَرَّراً أن يُساعِدا اللهَ على تحقيقِ هذا الوعد. ونُزُولاً عندَ إقتِراحِ زوجَتِهِ، أقامَ إبراهيمُ علاقَةً معَ جارِيَةِ زوجتِهِ المِصريَّة هاجَر (تكوين 16: 1- 4). وُلِدَ نتيجَةً لهذه العلاقَة الطِّفلُ إسماعِيل، الذي أصبَحَ أبَا العَرَب، معَ ما نتجَ عن هذه العلاقة ما نعرِفُهُ من صِراعاتٍ بينَ شُعوبِ الشَّرقِ الأوسط، ما كانت لِتَحدُثَ لولا ظَنِّ إبراهيم أنَّ اللهَ إحتاجَ لمُساعَدَتِهِ.

أعتَقِدُ أنَّ سارَة تُمَثِّلُ نَوعاً آخر منَ المُشكِلَة في علاقَةِ إبراهيم معَ الله. فالمذبَحُ الثَّالِثُ، مذبَحُ العلاقَة، يتعامَلُ معَ العلاقَةِ العمُوديَّة والعلاقَةِ الأُفُقِيَّة. وهُما لا تَنفَصِلانِ. فلِكَي يعرِف إبراهِيمُ اللهَ، توجَّبَ أن يأخُذَ اللهُ مكانَتَهُ الصَّحيحة في كُلِّ علاقاتِ إبراهيم. وهكذا تكلَّمَ اللهُ معَ إبراهيم عن لُوط ليُخرِجَهُ من حَياتِهِ. يُشيرُ لُوطٌ إلى الأشخاص الذين نضَعُهُم في حياتِنا، والذين لا يُريدُهُم اللهُ أن يكُونُوا في حياتِنا. ولقد توجَّبَ أيضاً أن يُحَيِّدَ اللهُ إسماعِيل من حياةِ إبراهيم. يُشيرُ إسماعيلُ إلى عامِلِ الإيمان الذي يعني أنَّ أعظَمَ مُنافِسٍ للأحسن الذي يُقدِّمُهُ اللهُ، هُوَ أمرٌ حَسَن. فظهَرَ اللهُ لإبراهيم وقالَ لهُ أن يُرسِلَ إسماعيلَ بَعيداً. وهكذا أقصَى اللهُ واحِداً بعدَ الآخر الذين إحتَلُّوا المرتَبَةَ الأُولى في حياةِ إبراهيم.

لقد شَكَّلَت سارَة نَوعاً آخر من المُشكِلَة. إنَّها صُورَةٌ عنِ الأشخاصِ الذين يَضَعُهُم اللهُ في حياتِنا، ولكنَّنا لا نعتَبِرُهُم من تَدبيرِ اللهِ. وهكذا ظهَرَ اللهُ مَرَّتَينِ لإبراهيم ليُحَدِّثَهُ عن سارَة. في المَرَّةِ الثَّانِيَة، قالَ لهُ، "سارَاي إمرأَتُكَ لا تَدعُو إسمَها سارَاي بل سارَة. وأُبارِكُها وأُعطيكَ أيضاً مِنها إبناً." (تكوين 17: 15- 16). عندما سَمِعَ إبراهيمُ هذا الكلام، سقطَ على وجهِهِ وضَحِكَ! وعندما سَمِعَت سارة ضَحِكت هي أيضاً!

بعدَ سَنَةٍ، وُلِدَ إبنٌ لإبراهِيمَ وسارَة، وقالَ لهُما اللهُ أن يُسَمِّياهُ إسحَق، الذي يَعني بالعِبريَّة "ضحكة." ذلكَ أنَّ اللهَ لم يُرِدْ أن ينسَ بَطلا الإيمانِ هذان أنَّهُم ضَحِكا على اللهِ عندما أخبَرَهُما بما هُوَ فاعِلُهُ لهُما.

وأخيراً، عندما أصبَحَ إسحَقُ شابَّاً، بنَى إبراهِيمُ مَذبَحَهُ الرَّابِع، وكانَ هذا أهَمَّ مَذابِح إبراهيم. لقد بُنِيَ على جَبَلِ المُرَيَّا. وتعني كلمة مُرَيَّا، "يَهَوة يُدَبِّر." فحتَّى تلكَ المرحلة، كانَ إبراهيمُ هُوَ الذي يختارُ المكانَ الذي يبني فيهِ مذبَحاً للرَّبِّ، ولكنَّ هذا المذبَحَ الرَّابِع كانَ مُختَلِفاً. فهذه المرَّة، اللهُ هُوَ الذي إختارَ المكان. وهذه المرَّة، اللهُ هُوَ الذي سمَّى الذَّبيحة – إسحَق.

لم يَكُنْ إسحَقُ فقط إبنَ شَيخُوخَةِ إبراهيمَ وسارَة، بل وكانَ أيضاً إتمامَ وُعُودِ خمسةٍ وعشرينَ سنَةً منَ الإيمان. والآن، ها هُوَ اللهُ يَقولُ ما يُناقِضُ المَنطِقَ، "أُريدُ إسحَقَ ذبيحَةً." فأخذَ إبراهيمُ الصَّبِيَّ إسحَق إلى رأسِ الجَبَل، عاقِدَ العَزمِ، وإن يكُنْ بِرُعبٍ، على إتمامِ ما طَلَبَهُ اللهُ منهُ. ولكن في اللحظَةِ الأخيرة، وعندما قدَّمَ إبراهيمُ بُرهاناً على طاعَتِهِ، دَبَّرَ اللهُ كَبشاً ليَكونَ ذَبيحَةً فِديَةً لِحياةِ إسحق (تكوين 20: 1- 19) فَدَعا إبراهِيمُ إسمَ المكانِ يَهوَة يِرأَه، الذي يعني، "يهوَة يُدَبِّر." هذا الرَّمزُ الإيمانِيُّ يُشيرُ من خلالِ مذابِحِ إبراهيم، أنَّهُ على جِبالِ إختيارِ اللهِ، وعلى مَذبَحِ "اللهُ أوَّلاً،" دَبَّرَ اللهُ ثمرَةَ رُبعِ قَرنٍ منَ الإيمان. فإبراهيمُ لم يُقَدِّمْ إسحَق على هذا المذبَحِ الرَّابِع. بل قدَّمَ إبراهيمُ نفسَهُ ذبيحَةً على مذبَح "الله أوَّلاً."

إنَّ رِسالَةَ الكتابِ المُقدَّس يُمكِنُ أن تَتَلَخَّصَ بِكَلِمَتَين: اللهُ أوَّلاً. ولكنَّ هذا لَيسَ سَهلاً، ولا هُوَ مَعقَّدٌ. فإمَّا أن يَكُونَ اللهُ إلهُكَ أو لا يَكُون. بالنِّسبَةِ لإبراهيمُ، كانَ اللهُ إلهُهُ.

أضف تعليق


قرأت لك

انتبه من السم القاتل!!!

"ولكن شكرا لله الذّي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1 كونثوس 57:15).  إن الخطية هي عمل خطير وقتّال مهما كان مصدرها وشكلها ونوعها. يتهاون الناس في فهم موضوع الخطيّة ويقللون من شأنها. فالكتاب المقدس يقدّم لنا أنواع من الخطية بشكلها الخارجي ولكن مضمونها هو سما واحد يخرج من فم الحية القديمة لتوقع بالفريسة، فهناك خطايا الجهل وخطايا الضلال، وخطايا العصيان، 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة