تفاسير

سِفرُ العَدَد الفَصلُ الثَّالِث مُستَوى القَرار - مَوتُ جِيلٍ كامِل

القسم: لاويين، عدد، تثنية، ويشوع.

فهرس المقال

مَوتُ جِيلٍ كامِل

يأخذُ سفرُ العدد إسمَهُ من كون الشعب العِبريّ قد أُحصِيَ أو ذُكِرَ عدَدُهُ مرَّتين فيه. فلقد أُخِذَ تَعدَادُ الشعبِ في الإصحاحات الثلاثة الأولى من سفر العدَد، وتعدادٌ آخر في الإصحاح 26. وبين التعداد الأوَّل والثاني نجدُ موتَ جيلٍ بكامِلِه.

"بسبب عدم إيمان شَعب إسرائيل القَديم وإفتقارهم للثقة بأنَّ الله سوف يتمِّمُ مواعيدَه، قال لهم اللهُ ما معناهُ: "ستموتونَ في البريَّة. أنتُم الذين يفوقُ عُمرَكُم العشرين سنةً، الذين تذمَّرتُم عليَّ، لن يدخُلَ واحدٌ منكُم أرضَ الموعِد. فقط كالب ويشوع سوفَ يُسمَح لهُما بدخولِها. لقد قُلتُم أن أولادَكُم سوفَ يُصبِحون عبيداً لشعبِ الأرض. فبدل ذلك، سوفَ أُدخِلُهُم بأمانٍ إلى هذه الأرض وسوفَ يرِثون ما إحتقرتموهُ أنتُم. أما بالنسبةِ لكم، فإن جُثَثَكُم سوفَ تسقُطُ في البريَّة، وسوفَ تتيهون في هذه البريَّة لمدَّةِ أربعينَ سنةً. بهذه الطريقة سوفَ تدفعونَ ثمنَ عدم إيمانِكُم حتى يرقُدَ آخرُ واحدٍ منكُم في البرِّيَّة. سوفَ أُعلَّمُكُم ماذا يعني رفضُكُم لي. كلُّكُم ستموتون في البريَّة." (عدد 14: 34- 36)

بينما كانَ الشعبُ تائِهاً في البرِّيَّة، حاولَ اللهُ مِراراً أن يُبرهِنَ لهم أنه معهم. فعمِلَ معهم المُعجِزات، وحاولَ أن يُعطِيَهُم قاعِدَةً لإيمانِهِم، ذلكَ الإيمان الذي سيسمَحُ لهُم بعبورِ نهرِ الأُردنّ ودخول أرضِ كنعان.

ولكنَّهُم بَدَلَ ذلكَ، خَرَجُوا من مِصر، وإجتازوا البحرَ الأحمر، ونزلوا إلى جبلِ سيناء، ثم إلى قادش برنيع، ثم تاهوا دوَرَاناً في البرِّيَّة لمدة أربعين سنةً. ويقولُ الإصحاحُ الأول من سفر التثنية أنَّهُم لو إنطلقوا مُباشرةً من مصر إلى كنعان، لاستغرقتهُمُ الرحلة أحدَ عشرَ يوماً فقط. (تَثنِيَة 1: 2)

وفي وسطِ البَرِّيَّة، عشرَ مرَّاتٍ قالَ اللهُ أنه صنعَ معهم المُعجِزات العظيمة، وحاولَ أن يُوفِّرَ قاعدةً لإيمانٍ يستطيعون به أن يدخلوا أرضَ كنعان، ولكنَّهُم إستمرُّوا بالدَّوران في حلقاتٍ مُفرَغة. ولقد أخطأوا بفظاعَة عدَّةَ مرَّاتٍ مما اضطرَّ موسى أن يكونَ كاهناً ونبيَّاً. فكانَ يذهبُ إلى جبلِ سيناء ككاهِنِهِم، وكان يتشفَّعُ بهِم أمامَ الله مُصلِّيَّاً، "يا الله، إغفرْ لهم، أرجوك أن تغفرَ لهم." وبما أن موسى كان شخصاً مُمَيَّزاً عندَ الله، تضرَّعَ مُوسى من أجلِهم عشرَ مرَّاتٍ، وغفرَ اللهُ للشعب عشرَ مرَّات وأكثر. (عدد 14: 22)

وَمِنْ على جبلِ سيناء، صلَّى موسى طالِباً منَ اللهِ أن يُظهِرَ طُولَ أناتِهِ بِغُفرانِ خَطايا بَني إسرائيل. ولقد غفرَ لهُم اللهُ كما طلبَ مُوسى، ولكنَّهُ قالَ، "إلى متَى أحتَمِلُ هذا الجِيل الذي يتذَمَّرُ عليَّ؟ لَقَد سَمِعتُ تَذَمُّرَ بني إسرائيل الذي يتكلَّمُونَ بهِ عليَّ. ولكني أُقسِمُ بنفسي أنهُ كما تكلَّمتُم على مَسمَعِي، هكذا أفعَلُ لكُم. سوفَ تسقُطُ جُثَثُكُم في البرِّيَّة. أنتم الذين يزيدُ عمرُكم عن العشرين، والذين تذمَّرتم عليَّ، ولا واحدٍ منكُم سيدخلُ أرضَ الموعِد." (عدد 14: 27- 29).

يا لذلكَ الحُزنُ الذي سيطَرَ على المحلَّة عندما أخبرَ موسى الشعبَ بكلماتِ الله. فبكَّروا في صبيحةِ اليوم التالي وبدأوا بالتحرُّكِ نحو أرضِ الموعد. لقد عرفوا أنَّهم أخطأوا، ولكنَّهُم صارُوا مُستعدِّينَ آنذاكَ للدخولِ إلى الأرض التي وعدَهُم بها الرَّبُّ. ولكن موسى قال لهُم أنَّهُم تأخَّرُوا وفاتَهُم القِطارُ. فلأنَّهُم تركُوا الرَّبَّ، تركَهُم الرَّبُّ أيضاً.

إن هذا المقطَع يُعلِّمُنا شيئاً عن علاقتِنا مع الله. لقد غفرَ اللهُ لِبَني إسرائيل، ولكنَّ خَطيَّتَهُم سَبَّبَت لهُ ألَماً كَبيراً. بهذه الطريقةِ نفسِها، في حياتِنا في المسيح يُوجَدُ أكثر من مُجرَّد الخلاص والغُفران. فلقد خُلِقنا وأُعيدَ خلقُنا ثانِيَةً وذلكَ من خلالِ خلاصِنا، لِكَي نُمَجِّدَ اللهَ بخدمتِنا لهُ وبدُخُولِنا إلى كُلِّ ما أعدَّهُ اللهُ لنا. يُعَلِّمنا الكتابُ المُقدَّسُ أنَّ هُناكَ قصدٌ من خلاصنا؛ فإختِبارُ أُمَّةِ إسرائيل للتَّيَهانِ في البَرِّيَّةِ وعدَمِ دُخُولِ كَنعان، يُقدِّمُ مِثالاً عن الحقيقَةِ المُرعِبَة أنَّهُ يُمكِنُ أن نُفَوِّتَ على أنفُسِنا القَصدَ من خلاصِنا في هذهِ الحَياة.

أضف تعليق


قرأت لك

إلى من أحبه قلبي

حين تبدأ الأفكار تتأرجح بين الماضي والحاضر، تأخذني إلى أماكن بعيدة جدا من تاريخ حياتي، حيث كنت أتخبط في أفكاري لا أعرف أين أضع المرساة وفي أي شاطىء انزل شراعي، باحثا عن السكينة والهدوء الضائع بين أمواج البحر. وهناك ووسط كل الظروف الصعبة التي حدثت في حياتي، ووسط السراب القاتل والبعيد المنال حيث عجزت عن الإمساك به هناك،