الفَصلُ الرَّابِع صُوَرٌ مجازِيَّةٌ لافِتَة

القسم: لاويين، عدد، تثنية، ويشوع.

إنَّ سفرَ العَدَد مملوءٌ بإستعاراتٍ وصُوَرٍ مجازِيَّةٍ مُؤَثِّرَة. ولقد أعطانا الرَّسُولُ بُولُس المِفتاحَ للتَّطبيقاتِ التَّعَبُّدِيَّة والشَّخصِيَّة للسَّردِ التَّاريخي للكتابِ المُقدَّس، وذلكَ عندما قالَ، "فهذه الأُمُور جَميعُها أصابَتهُم مِثالاً وكُتِبَت لإنذارِنا نحنُ الذين إنتَهَت إلينا أواخِرُ الدُّهُور." (1كُورنثُوس 10: 11) هذا يعني أنَّهُ يتوجَّبُ علينا أن نبحَثَ عن أمثِلَةٌ تُقتَدى وتحذيراتٍ تُتَفادَى عندما نقرأُ السَّردَ التَّاريخيّ في الكتابِ المُقدَّس.

الكَلِمَةُ التي إستَخدمَها بُولُس للتَّعبيرِ عن مفهُوم "مِثال" هي كلمةٌ يُمكِنُ تَرجَمَتُها "نمُوذَج"، أو "درس مَوضُوعي صَغير،" أو "مجاز." فعندما نَقُولُ أنَّ هذا السَّفر مَليءٌ بالصُّوَرِ المَجازِيَّة، لا نَقصِدُ بِذلكَ أنَّ هذه الأحداث ليسَت أحداث تاريخيَّة حقيقيَّة. فالمجازُ هُوَ قِصَّةٌ أو حدَثٌ لدَيهِ معنىً أعمَق يُعَلِّمُنا أُمُوراً أخلاقيَّةٌ أو رُوحيَّة.


سَحَابَةُ الإرشاد

نقرَأُ في الأعدادِ الخِتامِيَّة من سفرِ الخُرُوج أنَّهُ عندما أُقيمَت خيمَةُ العبادَةِ في البَرِّيَّة، حدَثَت مُعجِزَةٌ عظِيمَة. وفيما بعد، بُنِيَ هَيكَلُ سُلَيمان بِحَسَبِ النُّموذج نفسِهِ الذي أعطاهُ اللهُ لمُوسى لبِناءِ خيمَةِ الإجتمِاعِ في البَرِّيَّة. لقد كانَ هَيكَلُ سُلَيمان هيكَلاً دائِماً للعِبادَة، ولقد بُنِيَ بِمَجدٍ بمَواد نَفيسَة. وعندما تمَّ تدشينُ الهَيكل، حَلَّ رُوحُ الرَّبِّ كَسَحابَةٍ على هَيكَلِ سُليمان، لدَرَجَةِ أنَّ الكَهَنَةَ هُرِعُوا إلى خارِجِ الهيكل من هيبَةِ السحابَة. (مُلوك الأوَّل 8: 10 و11).

عندما أطاعَ مُوسَى اللهَ وبَنَى خيمَةَ العِبادَةِ في البَرِّيَّة، نقرأُ أنَّ مُعجِزَةً عظيمَةً حدَثَت: "يومَ أُقِيمَت الخيمةُ، غطَّتها السحابَة. وعندَ المساء، تحوَّلتِ السحابةُ إلى عَمُود نارٍ وبقيت هكذا طوالَ الليل. وكانَ أيضاً أنَّ سحابَةَ النَّهار كانت تتغَيَّرُ دائماً إلى عَمُودِ نارٍ في اللَّيل. وحيثُما إرتحلتِ السحابةُ إرتحلَ الشعبُ، وحيثُما حلَّت حلُّوا.

"لقد تَبِعَ بَنُو إسرائيل رُوحَ اللهِ في شَكلِ السَّحابَةِ عبرَ البَرِّيَّة. بهذه الطريقة إرتَحَلُوا بأُمرَةِ الرَّبِّ فتوقَّفُوا حَيثُ أمرَهُم أن يتوقَّفُوا، وبَقُوا هُناكَ طالما كانت السَّحابَةُ باقِيَةً. فإذا كانت السَّحابَةُ تبقى وقتاً طَويلاً، كانُوا يَبقُونَ وقتاً طَويلاً. وإذا بَقَيتْ أيَّاماً قَليلَة فقط، بَقُوا فقط أيَّاماً قَليلَةً.وإذا تحرَّكَتْ، فَكَّكَ الشَّعبُ خيامَهُم وإرتَحلُوا تابِعينَها. وإذا بَقِيَتِ السَّحابَةُ فوقَ الخيمَةِ يَومين أو شَهرين أو سَنَتَين، فهذه هي المُدَّةُ التي كانَ يقضِيها الشَّعبُ في تلكَ المحَلَّة. فسُرعانَ ما كانت تنتقِلُ السَّحابَةُ، سُرعانَ ما إنتَقَلُوا. بهذه الطريقة كانُوا يُخَيِّمُونَ أو يرتَحِلُونَ بِحَسَبِ أمرِ الرَّبّ." (عدد 9)

هذه قِصَّةٌ جَميلَةٌ عن هذه المُعجِزَة التي تَرمُزُ إلى الإرشادِ الإلَهِيِّ، أي عمل الرُّوحِ القُدُس المُعجِزِيّ فينا، ومسحَةُ الرُّوحِ القُدُسِ علينا. وفيما بعد، ستُصبِحُ خيمَةُ الإجتِماعِ في العهدِ الجَديد صُورَةً عن أجسادِنا، التي تُصبِحُ بِدَورِها الهَيكَلَ الذي يحيا فيهِ الرُّوحُ القُدُس ويعمَلُ عملَ التَّجديدِ العجائِبيّ. فالرُّوحُ القُدُسُ يَمسَحُنا، يسكُنُ فينا، ويملأُنا تماماً كما كانَ يعمَلُ في خيمَةِ الإجتماعِ في البَرِّيَّةِ، وفي هيكَلِ سُليمان.

قد تَطرَحُونَ السُّؤالَ، "إن كانت هذه السَّحابَةُ قد قادَت بَني إسرائيلَ، وهُم تَبِعُوها بِطاعَةٍ، فلماذا لم تَقُدْهُم هذه السَّحابَةُ في طريقٍ صحيحٍ عبرَ البَرِّيَّة، ليَجتازُوا نهرَ الأُردُنّ، ولِتَصِلَ بهم بِسُرعَةٍ إلى دُخُولِ أرضِ المَوعد؟ كيفَ يُمكِنُ أنَّهُم كانُوا يتبَعُونَ قيادَةَ أو إرشادَ اللهِ وأنَّهُم كانُوا بِذلكَ يدُورُونَ في حَلَقاتٍ مُفرَغَةٍ في البَرِّيَّة؟"

تُوجَدُ حقيقَةٌ هامَّةٌ هُنا. فاللهُ يُعطِي خليقَتَهُ التي خلقَها حُرِّيَّةَ الإختيارِ. يُصَوِّرُ هذا لنا إحدى أَهَمِّ الطُّرُق التي بها خلقَ اللهُ الإنسانَ على صُورَةِ خالِقِهِ. وهُوَ لن ينتهِكَ حُرمَةَ حُرِّيَّتِنا بالإختِيار. فإن كانَ لدَينا الإيمانُ بأن نُؤمِنَ وأن نُطالِبَ بِبَركاتِ اللهِ المُعدَّة لنا، وأن نقبَلَ إرادَتَهُ الصَّالِحَة والكامِلَة لحياتِنا، عندها سيَكُونُ بإستِطاعَةِ اللهِ أن يَقُودَنا إلى أرضِ المَوعِد الرُّوحيَّة التي أعدَّها لنا. وسيَكُونُ بإمكانِهِ أن يُغدِقَ علينا بركاتِهِ وأن يَقُودَنا إلى مركَزِ وقَلبِ إرادَتِهِ لحياتِنا.

ولكن إن لم نُؤمِن، فلَن نَجِدَ أرضَ مَوعِدِنا الرُّوحيَّة. لقد خَلَقَنا اللهُ مخلوقاتٍ ذات خَيار، وبِمعنىً ما، لن يُرغِمَنا اللهُ على عَمَلِ أيِّ شَيءٍ. قد يضغَطُ اللهُ علينا بِقُوَّةٍ. وقد يُقدِّمُ لنا عِدَّةَ خياراتٍ لا يُمكِنُ رَفضُها. أحياناً، عندما نتأمَّلُ بِخَياراتِنا، الأمرُ الوحيدُ المَعقُولُ الذي بإمكانِنا عمَلهُ سيَكُونُ أن نستَسلِمَ لهُ وأن نعمَلَ مشيئَتَهُ.

في العهدِ الجديد، في عبرانيين الإصحاحَين الثَّالِث والرَّابِع، نقرَأُ أنَّ الشعبَ لم يدخُلْ أرضَ المَوعِد بِسَببِ عدمِ إيمانِهم. هذا ما يُمكِنُنا أن نتعلَّمَهُ من السَّحابَةِ والنَّار التي لم تَقُدِ الشَّعبَ مُباشَرَةً عبرَ البَرِّيَّةِ إلى أرضِ المَوعد.


ما هذا؟

حقيقةٌ أخرى أجدُها مثيرةً للإهتمام في سفرِ العدد، هي حيثُ نقرأُ عن اللحم والمن. لقد أطعمَ اللهُ شَعبَهُ المنَّ بطريقة خارقةٍ للطبيعة. وكلمة "منَّا" بالعِبريَّة تعني "ما هذا؟" فإذ لم يكُن بوسعِهِم أن يُقرِّروا ما هو المنَّا، إكتفوا بتسميتِه بالسؤال: "ما هذا؟" لقد أطعمَهُم اللهُ "ما هذا" لمدَّةِ أربعينَ سنةً.

يُخبِرنا الكتاب أن هذا الشعبَ تذمَّرَ لموسى باستمرار، وأتعبوهُ بتذمُّرِهِم، كما نقرأُ في عدد 11: 4- 6، حَيثُ إبتدَأَ لَفيفُ المِصريِّينَ في وسطِهم يتحَسَّرُونَ على خَيراتِ مِصر. فهُناكَ أشخاصٌ آخرُونَ خرَجُوا من مِصرَ معَ الشَّعبِ العِبريِّ. فكانَ في وسطِهِم أُمَمٌ، كالأثيوبِيِّينَ والمِصريِّين، الذين خرجُوا معَهُم. وصارَ المِصريُّونَ يتَحَسَّرُونَ على خيراتِ مصر. وفي هذا درسٌ رُوحِيٌّ لنا. زادَ هذا على إمتِعاضِ بني إسرائيلَ فبَكُوا وقالُوا، "يا لَيتَنا نستَطيعُ أكلَ قطعَةٍ منَ اللَّحمِ. ويا لَيتَنا نتمتَّعُ بأطايِبِ مصرَ وأسماكِها." (عدد 11).

في هذا الإطار، ترمزُ مصرُ إلى حياتِنا القديمة، حياةِ الخطيَّةِ في هذا العالم. فعندما يتحرَّرُ أحدٌ ما من "مصر"، ثُمَّ يتَحَسَّرُ على ماضِيهِ في مِصر، فإنَّ موقِفَهُ هذا يُحزِنُ قلبَ الله. فاللهُ يَقُولُ لِمُوسى في هذا المقطَع، "قُلْ لِلشَّعبِ أن يتقدَّسُوا، لأنَّني غداً سوفَ أُطعِمُهُم اللحمَ. قُلْ لهُم أنَّ الرَّبَّ سَمِعَ تَذَمُّرَكُم ودُمُوعَكم عن كُلِّ ما تركتُمُوهُ وراءَكُم في مِصر." هذا ما ينبَغي التَّركيزُ عليهِ، وليسَ اللحم. فاللهُ يَقولُ أنَّهُ سيُعطِيَهُم اللحمَ إلى أن يخرُجَ من مناخِرِهم. ولقد قالَ اللهُ، "أنتُم رَفَضتُم الرَّبَّ، وبَكَيتُم مُتَحَسِّرينَ على مِصر." هذا هُوَ المُهِمّ. فبعدَ أن أرسَلَ اللهُ لهُم اللحمَ، أتبَعَهُ بالوَبَأ. ولقد فعلَ اللهُ ذلكَ لأنَّ هذا الشَّعبَ إشتَهُوا اللحمَ ورَجَعُوا بِقُلُوبِهم إلى مِصر.

يَقُولُ الكتابُ المُقدَّسُ أنَّ اللهَ سيَمنَحُنا شَهوَةَ قَلبِنا. تُعتَبَرُ هذه تعزِيَةٌ كَبيرَة، ولكنَّها أيضاً تحدِّياً عظيماً. فهل يشتَهِي قَلبُكَ أُمُوراً رُوحِيَّةٍ، أم أنَّهُ يشتَهي الرُّجُوعَ إلى مصر؟

نقرأُ في المزمُور 106: 15 أنَّ اللهَ أعطى شعبَ إسرائيلَ سُؤلَهُم، ولكنَّهُ أرسَلَ هُزالاً إلى نُفُوسِهم. قد يَصِحُّ هذا على الكثيرِ منَ الذين يعتَرِفُونَ بكَونِهم مُؤمنينَ. فنحنُ مخلوقاتٌ ذات خيار. وبإمكانِنا أن نحصُلَ على ما نختار. فعندما نختارُ ثُومَ وبَصَلَ مِصر، يُعطِينا اللهُ سُؤلَنا، ولكنَّهُ أيضاً يُرسِلُ هُزالاً إلى نُفُوسِنا. إنَّ هذه الصُّورَة المجازِيَّة تضعُ أمامَنا التَّحدِّي فيما يتعلَّقُ بالسُّؤالِ الذي بهِ إفتَتَحَ اللهُ حوارَهُ معنا في جَنَّةِ عَدَن: "أينَ أنتَ؟" هل لا تزالُ في مِصر؟ أم أنَّكَ في أرضِ المَوعِد؟ وهل تدُورُ في حَلَقاتٍ مُفرَغَة بينَ مِصر وكَنعان؟ أم أنَّكَ في كَنعان، ولكنَّكَ تتحَرَّقُ حَسرَةً على مِصر؟


الجَواسِيس (عدد 13)

نَجِدُ هذه الحادِثة في قِصَّةِ إرسالِ شَعبِ اللهِ القَديم لإثنَي عشرَ جاسُوساً إلى أرضِ كَنعان. لقد طُلِبَ من هؤلاء الرجال التحقُّق من نوعيَّة الحياة في الأرض. وأيضاً التحقُّق من نوعيَّة الشعب الذي يسكِنُها ومعرفة ما إذا كانوا كثيرين أم قليلين، أقوياءَ أم ضُعَفاء. وكان على هؤلاء الجواسيس أن يتفحَّصوا وضعَ المُدُن ما إذا كانت ضعيفةَ الحِماية، أم مُحصَّنَة يصعبُ إحتلالُها.

عندما رجعَ الجواسيسُ الإثني عشر، تحَدَّثُوا بِدَهشَةٍ عن خُصوبَةِ الأرض. وجلبوا معهم عُنقودَ عنبٍ مُعلَّقٍ في غُصنِه، تطلَّبَ رجُلين منهم ليحمِلاه. يُعطينا هذا فِكرةً عن كم كانت الأرضُ خَصِبةً ومُثمِرَة بشكلٍ لا يُوصَف. ولكنَّهم أيضاً قالوا أن الشعبَ هُم عمالقة، مُحاربون، أقوياء البُنيَة، ومُدُنُهم مُحصَّنةٌ جداً بأسوارٍ عملاقَة، كانت عَريضَةً لِدَرَجَةِ أنَّهُ كانت تُبنى منازِل على ظهرِ هذه الأسوار.

لقد كانَ عشرَةٌ من الجَواسيس الإثني عشر خُبراءَ في "عِلمِ العَمالِقَة." كما تَقُولُ إحدى الترانيم القَديمة: "بينما رأى الآخرُونَ العمالِقَة، رأى كالِبُ الرَّبَّ!" لاحظَ أحدُهُم أنَّ هؤُلاء الجواسِيس الإثنَي عشر كانُوا يُشبِهُونَ مُعظَمَ شُيُوخِ وشمامِسَةِ وخُدَّامِ وأعضاءِ الكنائس اليوم. إثنانِ لديهما الإيمان بدخُولِ كنعان، وعشرَة خُبراءُ في "علمِ العمالِقة"، أي أنَّهُم مُتَخَصِّصُونَ في التَّركيزِ على الصُّعوباتِ.

لقد عرفَ كالِب قُوَّةَ هذه المُدُنِ المُحَصَّنَة في كَنعان، ولكنَّهُ لم يَخَفْ. "ولكن كالِب طمأنَ الشعب إذ وقفَ أمامَ موسى وقال، "دعونا نذهب ونأخُذها لأننا قادِرون على دخولِها." (عدد 13: 29- 31) ولقد أُعجِبَ اللهُ بموقِفِهِما هذا، لدرجةِ أن اللهَ كان مُستعِدَّاً أن يستبدِلَ هذه الأُمَّة بِكامِلِها، التي كانت تعدُّ ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين نسمة، مُقابِلَ هذين الرجُلَين، كالِب ويَشُوع. قالَ الرَّبُّ، "جميعُكُم سوفَ تموتون في البريّة، ولكنِّي سوفَ آخذُ هذين الرجُلَين، كالب ويشوع، وأُدخِلُهُما أرضَ الموعِد لأنَّهُما إتَّبعاني من كلِّ قَلبَيهِما، وآمنا بي." إنَّ اللهَ يضعُ أوَّل إهتمامِهِ وتشديدهِ على الإيمان. فعندما يجدُ اللهُ رجُلَين لديهما إيمان، يقولُ لهما، "أنتُما أكثرُ أهمِّيَّةً من ملايين النَّاس بالنسبة لي."

لهذه القصَّة خاتِمةٌ مُثيرةٌ للإهتمام. ففي يشوع 14، بعد 45 سنة، بعدَ أن عبر الشَعبُ نهر الأُردنّ ووصلوا إلى كنعان، جاؤوا إلى مدينة حبرون. وعندما رأى كالِب هذه المدينة شعرَ أنَّ حبرون هي أعظمُ مدينةٍ رآها في حياتِه. ولقد آمنَ أن اللهَ سوفَ يُعطيهم القُدرة على إحتلالِ حبرون. ولقد أُعجِبَ مُوسى بإيمانِ كالِب، لدرجَةِ أنَّهُ قطعَ وعداً علَنِيَّاً لِكالِب أنَّهُ عندما ستُؤخَذُ مدينَةُ حبرون، سوفَ تُعطَى مُلكاً لكالِب.

وبعدَ أن تجوَّلَ كالب أربعينَ سنةً في البرِّيَّة مع الشعب، ذهبَ وتكلَّمَ مع يشوع الذي أصبحَ قائدَ الشعبِ بعدَ وفاةِ موسى، وذكَّرَهُ بكلماتِ مُوسى لهُ. كان كَالِبُ إبنَ خمسَةٍ وثمانِينَ عاماً، ولكنَّهُ عرفَ أنَّهُ بِعَونِ اللهِ سوفَ يأخُذُ حَبرون.

فأعطى يشوع مدينة حبرون لكالب، واحتلَّها كالب. فبينما كان بنُو إسرائيل يتشكُّون ويتذمَّرون في البرية، لدرجةٍ أن اللهَ أرسلَ عليهم الحيَّات لتلدُغَهُم، لم يُشاركهم كالب تذمُّرَهم لأنَّ عينيهِ كانتا مُركِّزتين على أرضِ كنعان، بِدُونِ أن يفقُدَ تركيزَهُ أبداً.


مُتَذَمِّرُونَ ولدغاتُ الأفاعِي (عدد 21)

اللهُ يكرَهُ التَّذَمُّرَ. ولقد أظهَرَ مقدارَ كُرهِهِ للتَّذَمُّر، عندما كانَ بنُو إسرائيل يتَذَمَّرُونَ فأرسَلَ الأفاعي لتلدغَ المُتَذَمِّرين. وعندما بدأَ الكثيرونَ منهُم يموتون من لدغِ الأفاعي، قالَ اللهُ لموسى أن يرفعَ حيَّةً نُحاسِيَّةً على سارِيَةٍ في وسطِ المَحَلَّة. ثُمَّ تمَّ إعلانُ الأخبارِ السَّارَّة عبرَ المحلَّة، بأنَّهُ عندما يُلدَغُ واحدٌ من هؤلاء المُتذمِّرين وينزلُ إلى وسطِ المحلَّة وينظرُ إلى الحيَّة النُحاسيَّة المُعلَّقَة على الساريَة، فبِمُجرَّد النظرِ إلَيها سوفَ يُشفَى.

لا بُدَّ أن الكثيرين من المُتذمِّرين الذين لدغتهمُ الأفاعي شَكُّوا باللهِ، مُتسائِلينَ كيفَ يُمكِنُ أنَّ يُؤَدِّيَ النَّظَرُ إلى قِطعَةٍ منَ النُّحاسِ إلى الشِّفاءِ من لدغاتِ الأفاعِي. جميعُ هؤلاء المُشكِّكين إنتَفَخُوا وماتوا من جرَّاءِ لسعِ الحيَّات. ولكنَّ بعضُهُم قالوا أنًَّهُ وإن كانَ هذا لا يتوافقُ مع العِلم، ولكن الإيمانَ باللهِ كانَ الرَّجاء الوحيد الذي لديهم. فكانوا يزحَفُونَ أو يُحمَلُونَ أو يُجَرُّونَ إلى وسطِ المحلَّة، وينظُرُونَ إلى الحيَّةِ النُّحاسِيَّةِ، وكانُوا يُشفَون.

نتعلَّمُ تطبيقَ الإنجيل لهذا المجاز، عندما قضى يسوعُ ليلَةً بِطُولِها وهُوَ يُحادِثُ مُعلِّماً للدين إسمُهُ نيقوديموس. فعندما أخبَرَ نيقُوديمُوس، مُعَلِّمُ النَّامُوسِ المَشهُورُ في أُورشليم، عندما أخبَرَ يسُوعَ أنَّهُ جاءَ إليهِ ليَسمَعَ منهُ ما لديهِ أن يَقُولَ، لأنَّهُ أُعجِبَ بالأُمُورِ التي رأى يسُوعَ يعمَلُها، ذَكَّرَهُ يسُوعُ بهذه المُعجِزَة العظيمة في العهدِ القَديم. ثُمَّ طَبَّقَ يسُوعُ المُعجِزَةَ على نفسِهِ. وأخبَرَ نيقُوديمُوس أنَّهُ تماماً كما رفعَ موسى تلكَ الحيَّةَ على ساريَة، هكذا ينبغي أن يُرفَعَ يسُوعُ على الصليب. وكُلُّ الذين يتطلَّعُونَ إليهِ بإيمانٍ وهُوَ مُعَلَّقاً على صَليبِهِ، سوفَ يخلُصُونَ من مُشكِلَةِ الخَطيَّة، تماماً كما شُفِيَ المُتَذَمِّرُونَ الذين لدَغَتْهُمُ الأفاعي من هذه اللَّدغاتِ السَّامَّة القاتِلَة. (يُوحَنَّا 3: 14- 16).


أُنظُرْ واحيا

هل سبقَ لكَ ونَظَرتَ نظرَةَ الإيمان؟ وهل سبقَ ورفعتَ نظَرَكَ إلى يسُوع المسيح المُعَلَّق على صَليبِهِ؟ وهل وضَعتَ إيمانَكَ وثِقَتَكَ بِكُلِّ ما عمِلَهُ يسُوعُ من أجلِكَ على الصَّليب؟ فهُوَ حَلُّكَ الوحيد لمُشكِلَةِ الخطيَّة، لأنَّهُ كانَ إبنَ اللهِ الوحيد، عندما ماتَ على الصَّليبِ من أجلِكَ. هذا يعني أنَّ يسُوعَ المسيح هُوَ المُخَلِّص الوحيد الذي أرسَلَهُ اللهُ، وهُوَ رجاؤُكَ الوحيد بأن تجِدَ حَلاً ومُخَلِّصاً لمُشكِلَةِ الخطيَّةِ التي تُؤدِّي حتماً إلى الموتِ الأبديِّ.